البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الشخصانيّة واختبار المعرفة الإلهيّة

الباحث :  أحمد عبد الحليم عطيّة
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  22
السنة :  شتاء 2021م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  April / 14 / 2021
عدد زيارات البحث :  87
تحميل  ( 361.545 KB )
يبدو بوضوح أنّ الأبحاث التأسيسيّة في الغرب حول الدين تنطلق من معايير العقل الأرسطيّ، ولذلك تمّ النّظر إلى الإيمان الدينيّ كظاهرةٍ تاريخيّةٍ مثل أيّ ظاهرة دنيويّة أخرى، وهكذا فقد تدرّج الفكر الفلسفيّ الغربيّ، عبر مسارٍ تاريخيٍّ طويلٍ ومن خلال مراحل عديدة، من حالته النّظريّة المجرّدة إلى حالته التطبيقيّة القائمة على براغماتيّة مفرطة... ما جعل هذا الفكر منقادًا في نهاية الأمر إلى التجربة والمآلات العمليّة في خضم تقويمه لأيّ منظومة تفكير. وهذه المنهجيّة الانحصاريّة جعلت مقاربة الإيمان والتجارب الدينيّة سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات الحضاريّة مقيَّدة بالرؤية التاريخانيّة المادّيّة، ومن النتائج المترتّبة على ذلك أنّ السواد الأعظم من مفكّري وعلماء اجتماع الحداثة راحوا يتعاطون مع منظومة التفكير الدينيّ ليس بما تمثّله من قيمةٍ نظريّةٍ، بل بما هي تجربةٍ عمليّةٍ؛ لذا جرت مقاربة الدين لا بوصفه منظومة تعاليم، بل كممارسة تطبيقيّة في ميدان السلطة والاجتماع السياسيّ؛ وهذا يعني أنّ الحكم على الدين في حقبة الحداثة قد تمّ وفق المعياريّة الغربيّة الخاضعة لسلطان العقل المحض والرافضة للقيم الوحيانيّة. وبناءً عليه وجب التفريق بين تاريخانيّة الدين التي أراد الفكر الغربيّ إسباغها على الدين بهدف نزع صفة القداسة عنه، وبين التاريخانيّة الذاتيّة التي وقعت فيها التجربة الدينيّة الغربيّة منذ تحول الإمبراطوريّة الرومانيّة إلى المسيحيّة، وصولًا إلى أزمنة الحداثة.

غير أنّ ثمّة محاولات في الغرب سعت باتجاه تظهير فهمٍ للتجارب الدينيّة يغاير ما درجت عليه العلمانيّة الحادة في نظرتها إلى الدين والإيمان الدينيّ، منها على وجه الخصوص ما يتعلّق بإعادة تفكيك المنطق الأرسطيّ، حيث إنّ إشكاليّته تتخطّى الإطار الدينيّ إلى الشأن البشريّ فكريًا وفلسفيًا، فما أصاب الدين بسبب الانقلاب الغربيّ على القيم اللاَّهوتيّة المسيحيّة إنّما أصاب الفلسفة أيضًا، بدءًا من محاولات السفسطائيّين القدامى الذين أعيوا الحكماء في إنكارهم للمعرفة والواقع، مرورًا بالفلسفة الوسيطة والحديثة، حيث حاول فلاسفة مثل كانت وهيوم ولوك، الحدّ من دور العقل وتحجيمه، وليس انتهاءً بمحاولات تيّارات الفلسفة المعاصرة للانقلاب على العقل وإخضاع كلّ شيء للتجربة والاختبار.

«المحرّر»

الدراسة التي نقدّمها هنا تتاخم رؤية مخصوصة للتجربة الدينيّة استقاها الباحث من أعمال الفيلسوف الفرنسيّ موريس نيدونسيل، وهو أحد أبرز الفلاسفة المعاصرين ممن شغلوا بالفلسفة الدينيّة، ولد M.Nedoncelle في بدايات القرن العشرين في الثلاثين من أكتوبر عام 1905 في نوردNord بفرنسا، وتعلّم بجامعة السوربون؛ ثم قام بتدريس الفلسفة واللاهوت، في إحدى الثانويّات بنوجينت سورمارن لمدة خمسة عشر عامًا من 1930 وحتى 1945، وعمل أستاذًا لللاَّهوت بجامعة العلوم الإنسانيّة باستراسبورج. وينتمي نيدونسيل بحسب تصنيف النقّاد والمؤرّخين إلى فلاسفة «الشخصانيّة»؛ وهي فلسفة لا تحافظ فقط على قيمة الشخصيّة، ولكنّها تدّعي أنّ الحياة الشخصيّة؛ هي الأرضيّة النشطة للعالم، وأنّ مفتاح مشاكل الفلسفة يوجد في الشخصيّة، فالواقع يتكوّن من نظام من الأشخاص؛ الذين يرتبطون بالله باعتباره الشخص، وقد أكّد نيدونسيل؛ أنّ شخصيّة الإنسان «تخلق نفسها»، ولكنّ كلّ شخص فرد؛ يمكن أن يتطوّر فقط في توحيد علاقته مع كلّ شخص آخر، ومع الله. وكانت شخصانية نيدونسيل؛ فلسفة مستوحاة من الروح التعبُّديّة وتمثّل جانبًا كبيرًا من الفلسفة الدينيّة الكاثوليكيّة في القرن العشرين، وهي ليست مؤثّرة  فقط في فرنسا، ولكن أيضًا في إيطاليا وألمانيا[2].

أوّلًا: نيدونسيل ناقدًا علمنة المسيحيّة
بسبب من ثقافته اللاَّهوتيّة الراسخة سعى نيدونسيل إلى «روحَنَة» المسيحيّة بعد تأثّرها الكبير بالموجات العلمانيّة والإلحاديّة التي حكمت أوروبا قرونًا طويلة.
نشأ موريس نيدونسيل وسط حركة الفلسفة الشخصانيّة؛ التي ارتبط ظهورها، بمجلّة أسبري (Espri)؛ مكانًا انفرد به، وذلك بفضل فكره الذي يتميّز بأنّه أكثر جوّانيّة من غيره، حيث إنّه لا ينكر الدور الذي يلعبه المجتمع في حياة الإنسان، لكن الحديث عن الجوّانيّ قد يسمح بالخلط بين «النفسيّ» والروحيّ. ونيدونسيل حريص على إنقاذ داخليّة الحياة الروحيّة، ولا شك أنّ هذا هو ما أدّى به إلى أن يصبح فيلسوف ميتافيزيقا الشخصانيّة في فرنسا. ثمّة نداء مستمرّ يدعو الشخص للحضور في داخل كلّ الأشياء: الأشياء التي لها وجود أقلّ مرتبة من وجود الإنسان، والتي توازيه، والتي تتفوّق عليه كذلك؛ لأنّ انعدام الشخصانيّة وعدم حضورها في أيّ مجال من هذه المجالات؛ معناه القضاء عليها. ليس المقصود بالشخص هنا كما يوضح ديلاكروا مجرّد الوعي بالذات؛ لأنّ إدراك الذات لذاته في نفس الوقت. من هنا كان من الضروريّ أن تنشأ فلسفة مونادولوجيّة جديدة تقوم على تحليل العلاقة المتبادلة بين الأشخاص. وبدلًا من أن يوصف الإنسان بعدم قابلّيته للاتصال يكون العكس هو ما يجب عمله واعتباره صحيحًا، فالشيء الغامض، هو أن نكون خاضعين دائمًا لاتجاه مضادّ للشخصيّة، وأن نعتقد أنّ الوعي بالذات؛ يبحث عن محوره في الانسحاب الفرديّ، فالذّاتي هو بنفسه الذاتيّ المتبادل.[3]

إنّ «الذاتيّ» يتحقّق بصورة غير مكتملة في الطرق التي ترسمها له الطبيعة، وإذا كان الشعور الجماعيّ يمهّد الطريق أمام العلاقة المتبادلة بين الذوات الواعية، فإنّ وجوده غير واضح ولا يشكّل في نفسه «نحن» حقيقة. والمشاركة في هذا الشعور تكون قريبة من الطبيعة: والتشابه بين المتشاركين يتمّ على حساب فرديّتهم، وفضلًا عن هذا، يظلّون غير متّصلين فيما بينهم، والشعور الجماعيّ في التجربة الإنسانيّة البحتة لا يوجد إلّا في بعدين اثنين، أي أنّنا لا نتّجه نحو إيجاد شعور عامّ جماعيّ إلّا ابتداء من علاقة ثنائيّة الـ»الأنا» والـ «أنت» اللتان تشكّلان الـ «نحن» التي تربطهما معًا، ولكن تميّزهما الواحدة عن الأخرى. والاتصال الشامل بين جميع الذوات الواعية يظلّ ممكنًا، لكن بدلًا من أن يقضي على «داخليّة» كلّ فرد؛ فإنّه يزيد من كيانه الداخليّ، ويزيد أيضا من التبادل بينه وبين الآخرين. يستخدم نيدونسيل تعبير «الهويّة غير المتجانسة» ليصف تلك العلاقة بين الأنا والأنت داخل إطار الحبّ.[4]

هذا الكائن من واقع الشخص يختلف اختلافًا جذريًّا عن الكائن تبعًا للطبيعة؛ لأنه يفترض نظرة عامّة؛ والعموميّة هي القدرة على نشر حضور وعي ما في الواقع كلّه، على أن تجعل الواقع كلّه حاضرًا فيك من وجهة نظر تظلّ فيها شخصيّة الفرد قائمة. فالعام والشخصيّ فكرتان متّحدتان لا تنفصلان أبدًا في الوعي البشريّ؛ ذلك أنّ الـ «أنا» والـ «نحن» ترتكزان على الله، وهناك «أنت» إلهيّة مبدعة ترفع من شأن كلّ وعي فرديّ بلا نهاية، ولها صلة بكلّ «علاقة ثنائيّة» إنسانيّة، وهذه الفلسفة العينيّة ليست في نهاية الأمر إلّا مسيرة، نصل فيها إلى «العام» بدًلا من أن نصل إلى العالم، باعتبار أن العام هو الطريق للذهاب إلى العالم، أي إلى الكون الداخليّ وإلى الله، هذه المسيرة تتضمّن عبور الطبيعة. وهذا ما أتاح لنيدونسيل كما يبين جان دي لاكروا أن يقدّم صورة تقريبيّة للمنطق الشخصانيّ، فكتاب: «الشخص والطبيعة»؛ كان يمكن أن يكون عنوانه «مدخل لدراسة المقولات الشخصانيّة»، حيث يحلّل الدرجة التي يمكن بها تطبيق بعض الأفكار الأساسيّة التي تتّفق وتفهم الأشياء، على الشخص التعبير عن تطوره في اتصاله بالأشياء. وإذا كان الـ «أنا» البشريّ لا يستطيع أن يعرّف نفسه باعتباره أنا مفكّرًا، إلّا إذا ربط تفكيره وكيانه بمبدأ تفكيريّ وكينونيّ معيّن؛ يكون هو ذاته شخصيًّا، وإذا كنّا متأكّدين من واقع تجربتنا الشخصيّة أن إرادتنا مرادة بفعل إرادة خالقة، فإنّنا نستطيع أن نفهم بصورة أحسن وأوضح مختلف تجارب السببيّة: تلك التي نمارسها على بعضنا، وتلك التي نمارسها في الطبيعة، أو تلك التي نراها في الطبيعة.[5]

ثانيًا: تجربة الأخلاص
ويقدّم ديلاكروا مثالًا محددًّا على ذلك هو مثال «الإخلاص»، حيث يقول: إنّ مبدأ الهويّة الكلاسيكيّ؛ يؤكّد أنّ ثمّة هويّة تتعلّق بوجود الكائن، وهذا المبدأ غامض، لكن له قيمة الالتزام: فهو يعبّر عن الأمل في أن يحتفظ مستقبل الكائن بشيء من ماضيه، لكن تطبيقه بصورة جامدة على محتواه؛ يعني وقف التفكير، ففي فلسفة من فلسفات «الطبيعة» يظهر تناقضه إذا حاولنا تطبيقه. ومع كلٍ فسيكون لهذا المبدأ «الإخلاص» معنى، وستكون له قيمة خاصّة إذا استخدم في فلسفة شخصيّة؛ لأنّه يصوّر الهويّة والإخلاص الشخصيّين مقدّمًا؛ وذلك لأنّ إخلاص الشخص ليس معناه ثباته جوهريًّا، بل لا يمكن أن يكون له معنى؛ إلّا بافتراض استمراره الممكن أو غير الأكيد، بمعنى أنّ الإرادة الثابتة الدائمة تختلط فيه بالتشكك والخنوع والألم، ولكلّ قسم إراءاته بالحنث فيه، إلّا أنّ الإنسان يظلّ سجينًا لما قاله، وسجينًا لماضيه، والقَسَم أمر موضوعيّ، بل هو موضوع، وهذا الموضوع هو الذي يكون مضمونًا، فأنا أقسم أنّ أسلك سلوكًا كما لو كنت أفترض أنّي سأشعر بمشاعر ربما لا أشعر بها بعد ذلك.

والإخلاص الصادق لا يمكن أن يكون تحقيقًا لهويّة صارمة، أو مجرّد تكرار؛ لأنّه لا يستند إلى مجرّد التماسك الداخليّ الذاتيّ، بل إنّه يستند إلى الانفتاح على الله الخالق وعلى الآخرين. وفيما وراء التفكير الميتافيزيقيّ، لا يمكن للإخلاص البطوليّ أن يظلّ سليمًا إّلا بفعل إيمانّي هو فعل الحبّ، والأسباب التي لا تجد منّا تفسيرًا ولا نستطيع أن نجعلها تتمشّى مع بعضها، بحيث يكون لها تفسيرها عند الشخص الذي يجعل الله شاهدًا ومصدرًا وضمانًا لالتزاماته.[6]
وللشخصانيّة عند نيدونسيل متضمّنات دينيّة، فهناك من الناس من يتحوّل من مذهب إلى آخر، وهذه التحوّلات في حقيقتها ليست إلّا تحّولات للوجوس، وبصفة خاصّة للكلمة التي تجسّدت في المسيح؛ باعتبار أنّه كلمة الله، لكن هذا التحوّل النهائيّ يتخطّى الفلسفة؛ لأنّ الفلسفة تقف عند حدود الأفكار، ففلسفة اللوجوس يمكن أن تثري خلال العصور بأفكار كثيرة تعبر عن الإشعاع الشخصيّ للمسيح، ويمكنها – هذه الفلسفة – أن «تتشرّبـ« بمعطيات مسيحيّة، وأنْ تعيد التفكير فيها بطريقتها، وهنا تصبح في نفس الوقت فلسفيّة وفوق طبيعيّة، لكن الشيء الذي لا تستطيع فعله بأيّ صورة؛ هو اكتشاف «شخص» المسيح ذاته وبصفته شخصًا؛ لأنّ هذا تفكير من مستوى آخر، إنْ عبّر عن شيء، فإنّما يعبّر عن الحدّ الدقيق بين «تأمّل» الفيلسوف وإيمان المؤمن أو تأمّلات رجل الدين.

ثالثًا: من الإدراك الحسّيّ إلى الوجود الإلهيّ
يتحدّث موريس نيدونسيل في كتابه هل هناك فلسفة مسيحيّة عن الشخص الأخلاقيّ كمصدر للأفكار الدينيّة؛ من الإدراك الحسّيّ إلى الوجود الإلهيّ، ويناقش الإدراك الحسّيّ وجسد المرء: موضحًا أنّ الإدراك الحسّيّ لا يمكن التحدّث عنه إلّا بصيغة الجمع؛ لأنّ انتباهنا قد يتشتت في أيّ لحظة بين العديد من المدركات، ونفهم من خلاله؛ عددًا من العناصر أو العوامل الجزئيّة، سواء أكانت مرئيّة أو ملموسة، مسموعة أو مشمومة، أو يمكن تذوّقها بحواس أم لا. وأنّنا في عمليّة استقبالها، نستحوذ عليها وهي تظلّ «معطيات»، ومن ثمّ، فإنّ معلوماتنا تبقى خلفيّة لواقعها، ولا يمكننا أبدًا أن نسيطر على تعدّديّتها. ويخبرنا أنّ هذا العالم يمتلك؛ عددًا من الخصائص المميّزة: يحدّدها في أربع هي:

1) الأوّل هو أنّ الجزئيات المدركة؛ ليست سوى أجزاء وهي لا تكفي بذاتها لتكوين كلّ كامل، في كلّ تصور ينشأ الاقتناع بأنّ ما تمّ إدراكه ليس سوى جزء من كلّ لم يتمّ إدراكه بعد. ويتمّ التحقّق من فكرة «الواقع الممتدّ» على أنّه أجزاء، ليس فقط ضمن ما تمّ إدراكه، بل يمتدّ إلى أبعد من تلك السلسلة من العناصر المعطاة، إلى مجال غير محدود من الأشياء؛ التي لم يتمّ إدراكها بعد. وبالتالي، فإنّ تنوّع العالم الحسّيّ؛ يتوحّد في المكان والزمان فقط بشكل ناقص ومتنوع، فالواقع لا يقدّم صورة واضحة ومحدّدة فحسب، بل له جانب غامض وغير محدّد يقابل جهلي وحدود جهودي، وهو ما يذكر بأنّ ثمّة بقيّة باقية في العالم أشبه بالشيء في ذاته عند كانط لا نصل إليها في الإدراك.
2) الخاصية الثانية للعالم المحسوس؛ هو أنّه يقتحمني ليجعلني جزءًا منه، وعلامة هذا جسدي؛ لأنّه هو موضوع الإدراك الحسّيّ، فيظهر جسدي في مفارقة جوهريّة للإدراك، من حيث هو في الوقت نفسه الأداة وجزء من موضوع الإدراك؛ ذلك لأنّ جسدي جزء من ذلك الموضوع، وبالتالي يكون جزءًا من مشهد وواقع العالم اليوميّ، أنا جزء من هذا العالم. وهكذا، فبقدر ما أقدر على الإدراك، فأنا جزء من العالم؛ لأنّ الخاصية المشتركة للأشياء هي أن تكون جزءًا خارج آخر ويرتبط بكلّ، وإذا كنتُ جزءًا من كلّ، فأنا محتوى في هذا الكلّ، ولكنني لست الكلّ نفسه.
3) ورغم ذلك، فإنّ الأجزاء ليست مصطفّة بجانب بعضها البعض ببساطة؛ حيث تظهر المعارضة نفسها التي تحقّق الأجزاء بها فرديّتها أنّ تلك الأجزاء تتفاعل بشكل سببيّ.
4) أنا جزء من هذا العالم، كيف أفهمه؟ إنّ الانطباع المباشر؛ الذي يعطيه الإدراك هو أنّ جسدي جزء مركزيّ ومميّز من العالم، وفيما يتعلّق به تكون كلّ البقيّة منظّمة يمكن إدراكها وفهمها، فإنّ «حواس المشاركة» (مثل الإحساس) تبيّن ذلك أكثر على أساس عاطفيّ، بينما «حاسّة المسافة» sense of distance (مثل الإبصار) توضحه أكثر على أساس معرفيّ.

ومع ذلك، يمكن عكس فهم النمط الإدراكيّ؛ بحيث يفقد جسدي أهمّيّته المركزيّة ويغمره العالم، ذلك إذا تمّت الإشارة إلى انعكاس «المنظور المرتكز على الجسد» ضمن ذلك الإدراك نفسه، فإنّه لا يتحقّق هناك في الإحساس ولا في الخيال، بل بالأحرى، يتحقّق في التفكير الذي من خلاله نزيل أنفسنا من تشكيل المركز وترابط العناصر المختلفة، بحيث تشكّل العالم الموضوعيّ كعلاقة مرتّبة بين الأشياء.

ويوضح نيدونسيل أنّ العالم الذي أنظر إليه على أنّه يغمرني باعتباري نقطة واحدة بين العديد من النقاط، لا ينجح تمامًا في القيام بذلك، لسببين؛ أولًا: لأنّ العالم لا يزال غير مكتمل وغامض، إنّه لا يزال عاجزًا عن التشكّل في قوانين تعبّر بشكل شامل عن عناصره الكونيّة. إنّ الكون لا يزال مفتوحًا؛ فهو يهرب من قيود العوامل الموضوعيّة المكتشفة بشأنه؛ ثانيًا: لا يمكن أبدًا تجاوز المفارقة المذكورة، حيث يبقى جسدي، الذي هو جزء من النمط المدرك أو القابل للإدراك أداة للفعل الذي أدركه، وعلاوة على ذلك، فإنّه يلجأ إلى «ذاتيّتي» في اللحظة التي ستكون فيها على وشك أن تصبح موضوعيًّة.

إنّ ما يجعل هذه الازدواجيّة شديدة التميّز؛ هو أنّه إذا اخترت ربط كلّ شيء بجسدي، فإنّي أظلّ في مستوى الإدراك الحسّيّ، بينما إذا اخترت ربط كلّ شيء بعالم مستقلّ بذاته من الموضوعات ذات علاقات متبادلة، فإنّني أنتقل إلى مستوى الفهم [الواضح]؛ حيث يصبح الحقيقيّ نتيجةً لنظام من المتطلّبات النظريّة.
ينتقل نيدونسيل من الإدراك الحسّيّ والجسد إلى وجود [كينونة] العالم والإلهيّ: «فمن خلال البدء من الإدراك الحسّيّ، يمكن أن يكون العالم الذي أكتشفه حقيقيًّا، ومع ذلك، لا أدّعي أنّه مكتمل، وإن كنت أتحدّث عنه لأوّل وهلة بهذه الطريقة، لجهة أنّ هناك قصورًا جذريًّا في العالم لا يمكن معه اختيار العالم كقاعدة إثبات لوجود الله بشكل مباشر. إنّ عدم تحديد العالم أمر غامض؛ لا يوفّر أساسًا مؤكّدًا لعمل اللاهوت، وهناك حاجة لفكرة الوجود، كرابطة وسيطة. ورغم أنّ العالم ليس كلًّا، إلّا أنّه حقيقيّ، وعلى الرغم من أنّني لا أعرف ما إذا كان جوهرًا أم عرضًا، مشروطًا أم ضروريًّا، وعلى الرغم من أنّني غير قادر على اتباع مسار الوجود في ذاته حتى نهايته؛ فإنّ العالم يتبع هذا المسار بما يكفي ليسمح بالقول إنّه موجود، وعلاوة على ذلك، فإنّ شكل وجوده مصمم لطرح السؤال عما إذا كان [ينطوي على] وجود إله.[7]

حيال التساؤل المديد الذي شهدته الحضارات الإنسانيّة، عن «الوجود في العالم» أو «العالم في الوجود»؛  نجد أنّ نيدونسيل يقدِّم توضيحًا لطبيعة الوجود. فإذا كان الوجود هو الموجود، أو هو العالم الموجود، فمن الممكن ألّا تكون هذه الموجودات مكتفية ذاتيًّا، ولكن لن يكون من الواضح أنّ هذا القصور يتطلّب إلهًا. ومع ذلك، فإنّ الوجود ليس موجودًا أو مجموعة من الموجودات؛ بل هو العلاقة الأولى والأخيرة لكلّ منها؛ مع ذاتها ومع الموجودات الأخرى. يُظهر الوجود نفسَه، الذي يتتبع العالم بكلّ معانيه وعلى جميع مستوياته، في موجودات العالم؛ دون أن تعلم تلك الموجودات ذلك، من خلال هذه الحقيقة؛ فإنّ الوجود حاضر بشكل فريد في جذور الجميع.

والسؤال هل يمكن أن يطلق اسم الإله على هذا الوجود وهذا الوسيط الكونيّ، الذي بدونه قد تسقط الموجودات؟ إذا استخلصنا من الشخص قدر ما نستطيع، فإنّه لن يكون من الممكن القول إنّ الوجود الذي يقع عليه العالم هو فعل الكينونة بامتياز، وهو الإله، ومع ذلك يخبرنا نيدونسيل أنّنا يمكننا أن ندرك في هذا الوجود؛ تصوّرًا مسبقًا لإله، وهذا هو الإلهيّ، وهذه الفَرَضية يسعى نيدونسيل إلى تسويغها على النحو الآتي: 

1) لا يمكن للمرء أن يقول إنّ «الوجود في العالم»، والذي يبدو لنا كـ «وجود للعالم»، هو فعل الله، والسبب في ذلك؛ هو أنّه لا توجد لدينا وسائل لتقرير ما إذا كان نقص الأشياء الموجودة في العالم يتطلّب سببًا مجاوزًا أم لا، وأنّه ليس من الممكن أن نقول ما إذا كانت فكرة السبب؛ تحدّ من معنى أنّ وجودًا ما هو الشرط الحاسم لحضور أو غياب وجود آخر.
2) رغم ذلك، يمكننا أن ندرك في الأشياء الموجودة في العالم إلهًا أو تصوّرًا مسبقًا للإله؛ لأنّ الوجود، مهما كان نوعه، يكشف عن أمر واضح هو أنّ للعالم تناغمًا أساسيًّا مصحوبًا بالقوة والحكمة، كما يتجلّى في حضوره في كلّ الموجودات، في قوّته اللامحدودة لربط الأشياء، وفي حقيقة أنّه بينما يخترق جميع الموجودات، فإنّه قادر على التعبير عنهم وتحويلهم، وتوحيدهم، دون الظهور كشيء منفصل أو موجود في حدّ ذاته.

هذا المفهوم؛ لا ينشأ من قصور الوجود، بل يوجد داخل تلك الأشياء وفي أساسها، وأيًّا ما كانت، فمن خلال حقيقة وجودها، يكون المصدر موجود في كيانها. إنّ الإلهيّ ليس شيئًا غير حيّ ولا ينشأ كما تنشأ الأشياء الحيّة، بل إنّ الإلهي مشترك بين كلّ ما هو غير حيّ، ومع كلّ شيء حيّ. وعلى الرغم من أنّه يمكن أن يُطلق عليه أنّه «واحد»، إلّا أنّه أصل كلّ تعدّديّة كوجه غير ظاهر في جميع الوجوه، ويبقى نفسه دون تغيير في جميع التغييرات التي يجعلها ممكنة. ويخلص إلى أنّ الإلهيّ هو مصدر هويّة كلّ شيء آخر، ومع ذلك لا تصبح تلك الأشياء إلهيّة، بينما الإلهيّ هو هويّتهم الأساسيّة لأنفسهم وعلاقاتهم مع الموجودات الأخرى. إنّه عقل الطبيعة، الوسيط المتخلّل لكلّ شيء في العالم، إنّه المقاربة الأولى لله، الله قبل الإنسان.[8]

رابعًا: الانتقال من الشخص إلى الله
يوضح لنا الفيلسوف كيفيّة الانتقال من الشخص إلى الله، حيث يقول: «عندما أدرك أنّني لست جزءًا من عالم الإدراك الحسّيّ، يتغيّر كلّ شيء. هذا الكون يفتقر إلى الذات التي تدركه، ولكنّها لا تستطيع هي نفسها أن تحتويه. لا يؤكّد نيدونسيل أنّ إثبات وجود الله يتّضح من اللحظة التي يعترف فيها المرء بهذا التفرّد للشخص؛ إلّا أنّ الدليل الذي يقدّمه لن يكون له أيّ معنى من دون اعتراف مسبق بهذا المبدأ؛ ذلك أنّ المرحلة الأولى من التأمّل؛ التي تقود إلى الإيمان الفلسفيّ بالله، هي الله من خلال إدراك أنّ واقعك وواقعي، من حيث هو واقع أوّليّ وفريد ومقدّمات غير محدودة للوجود؛ هو ليس أيّ نسبة لموارد الطبيعة. وبالتعريف، يهرب مركز الشخص من القيود وأوجه التشابه والتباينات التي تصاحب الموجودات على مستويات البيولوجيا. الشخص يحكم العالم ويقدر على النموّ غير المحدّد بهويّته الخاصّة، وهو لا يستطيع أن ينكر نفسه. إنّ التحالف بين المصير الفريد والانفتاح اللامحدود هو مجرّد رغبة فينا، لكنّ التوجّه نحو هذا الهدف يستبعد أيّ انفصال مطلق بين المظهر والحقيقة في داخلي، بهذا المعنى، فإنّنا نحن ما سنصبح عليه، وهذا يكون بفعل يتجاوز بشكل جذريّ أيّ شيء في العالم المعقول. بالتأكيد نحن نعيش في هذا العالم ونجعله موجودًا في وظائفنا الجسديّة والنفسيّة، لكنّ المبدأ الذي يحدّد هذه الأشياء لا يقتصر عليها؛ هذا هو الواقع الفريد الذي نحن فيه بحقيقة وجودنا، وبالنسبة إلينا، لا يمكن أن تكون العوامل المعقولة إلّا مساعدات أو عوائق، وليتس أسبابًا أو أهدافًا.
المرحلة الثانية من التأمّل الذي يقودنا إلى الله تتمثّل في إدراك أنّنا لا نفهم أو نفسّر أنفسنا إذا لم يكن هناك إله أقرب منّا إلى أنفسنا. يشهد التأمّل على التجربة الأوّليّة التي أجبرتني على التعرّف في نفسي على شخص آخر غير نفسي، ولا أدرك السببيّة في كليّتها إلّا في هذا الإدراك الداخليّ، إنّني أتعلّم في وجودي فقط ماذا يعني أن أكون محدَثًا كلّيًّا، أن أكون الموجود الحيّ للمقدّس المعصوم الذي يرغب أن أكون حرًّا، والذي تعتمد عليه حتى ثورتي. إنّ الروح المشار إليه - يضعني في الوجود في كلّ لحظة، لكنّه يضعني في موقف مفتوح لكلّ من الهزيمة والتقدّم، إنه يقسمني بين ذات مثاليّة وأخرى واقعيّة، ويقارن بين وظائف الاثنين. أدرك أنّني السبب وراء أفعالي وكفاءتها أو قصورها بالنسبة إليّ؛ لكن هذا ليس الوحي الأكثر عمقًا الذي أمتلكه، إنّ أعمق ما لديّ من وحي خصّ بالسببية؛ هو أن كوني تأثيرًا فريدًا وكوني مسيطَرًا عليّ من قِبَل سبب يحجبني ويحيط بي تمامًا.

هل يجب أن يقول المرء إنّ هذا السبب أو الروح الإلهيّ شخصيّ؟ يري نيدونسيل أنّني لا أستطيع أن أردّه إلى نفسي، رغم أنّني متجذّر فيه وأتعرّف إلى نفسي بإرادته الخلّاقة. ومع ذلك، يجب أن أشير إليه على أّنه «أنت»، وإن كان بمعنى يتفوّق على كلّ تشابه دنيويّ؛ لأنّه هو الوحيد الذي يفهمني باستمرار ويستمرّ مع كلّ أفعالي وحالاتي، حيث أخشى تحقيق نفسي بالكامل في إدراك شخصيّ، إلّا أّن هذا الخوف الجديد يتمّ التغلب عليه من خلال حقيقة أنّ فعله هو ما جعلني أكون. في العلاقات الإنسانيّة، لا يضعف الوعي الشخصيّ بأيّ شكل من الأشكال بسبب خصوبة عمليّاته، بل يزداد بأدنى تأثير له على وعي آخر.
المرحلة الثالثة من طريقنا نحو الله؛ كما يواصل نيدونسيل؛ هي أن نسأل أنفسنا إذا ما كان الروح الإلهيّ مختلفًا عن كلّ وعي أو إذا كان هو نفسه بالنسبة للجميع ويميّز نيدونسيل بين: إلهيّ god (بالـ g الصغيرة) والله God (بالـ G الكبيرة) يهزأ بتعدّد الآلهة، حيث إنّ المستوى الذي نضع أنفسنا فيه هو فرضيّة عميقة وتفسير جيّد جدًّا لتعدّديّة الطبيعة والبشريّة، ومع ذلك فإنّه يفعل ذلك بسهولة شديدة ويتجاهل شيئين على الأقلّ؛ فمن ناحية، ثمّة حضور آخر لله God كواحد غير مجزّأ يظهر في خضمّ اجتماعاتنا، بينما يظلّ محسوسًا في تلك الحالات التي تفتقر إلى الاتحاد. والآلهة gods الخاصّة بكلّ فرد من أفرادنا هي وجوه مختلفة لنفس الإله God، ونحن لا نستطيع أن نفرط في تأمّل كلّ انعكاساته في مرايانا، من ناحية أخرى، من أجل حماية كلّ جانب من جوانب الألوهيّة في تفرّده.

الله God ليس شخصيًّا فقط؛ لأنّه يخلق أشخاصنا، إنّه كذلك بسبب الطبيعة الحميمة لألوهيّته، دون أن يضيف نفسه كرابط إضافيّ أو حتّى أوّليّ لسلسلة الأشخاص الذين نشكّلهم بين الناس، إنّه يتعالى على الأشخاص وليس غير شخصيّ. إنّ تأصّل الألوهيّة التامّ وضعفنا الواضح يجعلان العلاقة التي لدينا غير متكافئة، ومع ذلك فإنّ ثمّة دائمًا علاقة متبادلة بينه وبيننا. إنّ حياة الروح، عندما تطوّر نفسها، تُظهر أنّ تلك العلاقة لا تنحسر أبدًا، في هذه النقطة، يؤكّد التأمل الفلسفيّ دليل الدعوة الدينيّة.[9]

خامسًا: الطريق الفلسفيّ إلى الله والتجربة الدينيّة
ويتساءل نيدونسيل هل من الممكن الذهاب إلى أبعد من ذلك ورؤية شيء من حياة الله God الحميمة؟ ويجيب بالتأكيد، لأنّ الله لا يستطيع أن يمنح الوجود لشخص بدونه، وبطريقة معيّنة، يمنح نفسه كذلك، خلافًا للأطروحة المتكرّرة في تاريخ الفلسفة، استنتج الفيلسوف أنّ الشخص ليس شخصيًّا؛ لأنّه لديه حدود، لكنّه شخصيّ؛ لأنّه هو هدف أو غاية في ذاته، وبالتالي، فإنّ «الآخر» - بالنسبة لهذا الشخص - ليس حدًّا، بل هو مصدر هذه الغاية. إذا كان صحيحًا؛ أنّه ليس من الضروريّ أن يكون الأنا مرتبطًا بتجربتنا، فإنّه من المستحيل تحديد وتصور الأنا بدون الأنت. لقد أثبت نيدونسيل أنّه لا يمكن أن يكون هناك تغيّر في طبيعة الله، وأنّ الألوهيّة لها شخصيّة. تأتي الوحدة من الله God، وهي التي تنقذنا من كونّنا مجرّد ظواهر متقطّعة، ولا يبدو من الممكن الاعتراف بأنّنا مشاركون في الأبدية وضروريّون لله بطريقة تكفي لمنحه «أنت» مساويًا لسموّه الإلهيّ الخاصّ.

كما يؤكد الفيلسوف ينتهي الطريق الفلسفيّ إلى الله بتجربة دينيّة، تمامًا كما يبدأ بها. يجب أن يتناوب الزهد والجمال على جميع مستويات وجودنا. إن ما هو صحيح كونيًّا في إثبات الله لا يأتي من العموميّة التي تمتلكها الأنواع والأجناس، ولكن من حقيقة أنّ الله هو في كلّ واحد منا من خلال الوجود في كلّ وعي شخصيّ لوجود متفرّد ومتفوّق، وهو ما يسعى العقل للتحقّق منه والتعبير عنه، هذا الوجود الذي يظهر في بادئ الأمر غير واضح للتفكير، ينفصل عن نفسه تدريجيًّا عن طريق التأمّل المقدّس عندما نقبل بالتخلّي عن أنفسنا من أجل الدخول إلى ملاذ روحنا.
كثير من الناس على يقين من وجود الله؛ بسبب دوافع تتعلّق بحياتهم الخاصّة. إنّهم يؤمنون بالعناية الإلهيّة؛ لأنّهم يرون عملها في حياتهم ويدركونها عند نقطة تحوّل في ماضيهم معروفة لهم وحدهم، ومع ذلك، فإنّ الأمر سيكون أكثر تقبّلًا وقدرة عندما يكون الشخص، الذي يبرهن قادرًا على نوع التحقّق الروحيّ الذي يَنتُج، ليس من الأنانيّة الخائفة، ولكن من الرغبة في تأكيد الموضوعيّة الداخليّة، مؤكدًا أنّني أؤمن بالله ؛ لأنّني أرى إرادة في مجرى الحوادث، وأعرف أنّه في لحظات معيّنة، كنت مُنقادًا له بلطف ولكن بحزم، إلى حيث لم أكن أرغب في الذهاب. هناك طريقة يتدخّل فيها الله ويحوّل الأحداث بالطريقة التي يُحدِثها بها. عندما ألقي نظرة على سنواتي الماضية، هذه هي الطريقة التي أقابل بها الله.

ليس التأمّل في ماضي الإنسان فقط؛ هو الذي يجعله مدركًا لوجود عمل الله، بل يمكن أن ينشأ هذا الوعي عن تنبيهات الحاضر أيضًا، وعن الطريقة التي تشير بها إلى المستقبل. فالله مرشد للإنسان؛ إنّه الموجود الأزليّ قبل العالم وهو الذي يقود العالم، إنّه السبب والهدف النهائيّ، ولا شكّ أنّه معترف به بشكل شائع من حيث هو الهدف الوحيد الملازم لنظام شخصيّ كونيّ، ولكنه يستطيع أن يحافظ على الروح والحماسة اللتين يلهمهما؛ لأنّه يستطيع أن يعطينا القوّة والوسائل التي تمكّننا من الوصول إلى كلّ شيء، دون السقوط في ذواتنا.
مثل هذا الإله؛ يتحدّث إلينا من خلال بيان ذاته؛ بينما نبحث عنه ونحاول فهم حكمته في كلّ ما يحدث، ومع ذلك، فإنّه لا يزال على مسافة بينما نتلمّس طريقه، ويكون أكثر حساسيّة لإشراقه منه لنفسه، المسافة من الله ترجع أيضًا إلى حدود الفكر، الذي يجب دائمًا أن يتجاوز الظلمة، ويتردّد بين إمكانيّتين، ويواجه ازدواجيّة حالته وغموض تأمّله. والسؤال الذي يطرحه نيدونسيل؛ هو هل يمكن أن يكون هناك حدس أكثر سموًّا لله، علاقة صوفيّة معه، أو تقدير ليس فقط لعطاءاته بل لحضور الله نفسه؟ ويجيب أنّ الشخص الذي يأتي من الله لا يدرك مصدره، بل يدرك نفسه؛ فهو مستغرق في ما يشعر به وفي فعله، وينسى الذي هو سببه، وعلى الرغم من أنّ هذا النمط من الجحود؛ يتشكّل باستمرار طوال حياتنا كبشر، إلا أنّه لا يزال هناك وعي بكوننا مُسبَّبين، وهو ما يشكّل عند نيدونسيل دعوة للتحليل الميتافيزيقيّ وإدراكًا للوجود، ومع ذلك لا تعتمد هذه الومضة الغامضة على تحليل ميتافيزيقيّ طويل، إذا قبل المرءُ المقدسَ، أي إذا استجاب المرء لمبادرة إلهيّة، فيجب أن يستمرّ المنهج التأمّليّ للميتافيزيقيّ في الومضة الروحيّة، ويصل إلى المرحلة النهائيّة من علاقة الإنسانيّ-الإلهيّ.

يتكشّف حضور الله الخارق للطبيعة خاصّة في الحدس الذي يسمّيه اللاهوتيّون النعمة الحقيقيّة، أي في الإشارات الأولية لصداقة الله وتحويلها لطبيعتنا، وكذلك في التواصل المثمر مع الله من خلال الفضائل اللاهوتيّة وهبات الروح القدس، وهكذا فإنّ «الكلّ» الإنسانيّ؛ متّحد بشكل وثيق مع الكينونة الإلهيّة، وهذه الهبة كما يقول هي ذات المانح، والذي هو بدوره كمال الحبّ نفسه. بهذه الطريقة تتغلّب العلاقات البين شخصيّة على الطبيعة الجاحدة؛ لأنّه لم يعد هناك فصل بين الهبة وبين من يعطيها.
وحتى نتقرّب من الله صوفيًّا، فإنّ نيدونسيل يخبرنا أنّه لا يجوز للمرء أن يعتمد على أفعاله الخاصّة، ولكن على الله الذي هو مصدرها بالنسبة للصوفيّ، فإنّ إنكار الذات يتألّف من التغلّب على الجحود الطبيعيّ المعتاد، وربط المرء نفسه شخصيًّا بمصدره، وعند القيام بذلك يتمّ تنقية أفعاله، ويتمّ تأليه جوهر روحه، وفي وجوده الأساسيّ بدلًا من مجرّد قواه الخارجيّة يتمّ تصحيح انحرافاته وأوجه قصوره. تتأكّد الأنا في حدّ ذاته ويُنظر إليها فيما يتعلّق بالله؛ لذلك لا يكون الله موجودًا؛ لأنّني أتصوّره cogito ergo Deus est، لكنّني أتصوّر أنّ الله يتصوّرني cogito Deum me cogitantem، وبهذه الطريقة يتمّ النظر إلى وجودي في ضوء أكثر وضوحًا، دون التوقّف عن أن يكون هو نفسه، فإنّ المرء لا يكفّ عن كونه جاحدًا لمصدره. عند هذه النقطة بالنسبة للصوفيّ تصبح النهاية هي البداية، وعندها لن يبحث عن دعم لوجوده، وعلى الرغم من أنّ الوساطة تظلّ موجودة، إلّا أنّ المسافة تختفي. إن وعيه الأساسيّ مفتوح أمام حضور الله، وإذا استطاع أن يحافظ على نفسه في هذه الحالة القدسيّة، فإنّه سيقدّر قيمة كلّ شيء وكلّ شخص؛ لأنّ جوهره سوف يتّحد بجوهر الله، ويكون النمط المحدود الكامل لمعرفته بالإضافة إلى أفعاله متحوّلًا؛ وسيتم عكس اتجاهها النفسيّ، وهذا يعني أنّه لا مزيد من السقوط في ذاته المنفصلة، ولكن في معيّة الله الأبديّة.
وبهذه الطريقة تحدث الصلة البين شخصيّة للأشخاص المخلوقين مرغوبة من الله. كلّ شيء يحدث كما لو أنّ الله أراد إخفاء نفسه بقدر إمكانه، وحتى يمكننا أن نحبّه بحرّيّة، فإنّه يخفي أقوى رابط لنا به حتى نتمكّن من اكتشافه، بل إنّه يقترح علينا الوجود الذي يفرضه علينا حتى نتمكّن من فرض الوجود الذي يقترحه، وهو قد يدعو الإنسان الذي ارتقى إلى فكرة الله في فلسفته إلى أن يجد الله نفسه في تاريخه. إنّ الإلهيّ الذي يمكن للإنسان الوصول إليه من خلال العالم المعقول؛ يتجلّى كمصدر لتناغم الموجودات، وذلك على أساس التكافؤ التقليديّ بين الوجود والقيم المتعالية، كان الوجود مرادفًا للحقيقيّ، والخيّر، والجميل، على الرغم من أنّ أيًّا من هذه المفاهيم على هذا المستوى يؤدِ إلى إله شخصيّ، إلّا أنّ هذا لا يعني أنّه لا يمكن التحدّث عن الله في ضوء هذه القيم، ولكن القيام بذلك يتطلّب أن يتمّ التعامل معها بطريقة جديدة.

من هنا يؤكّد نيدونسيل أنّ في النظام الترنسندنتاليّ كما تمّ تطوّره في ضوء «الشخصيّ»، أولويّة الموجود فيما يتعلّق بالوجود؛ ما يعني أنّنا أمام مشهد أوضح مما كان عليه في التطوّر فيما يتعلّق بالعالم المعقول. لقد أصبحت القيم الآن حاملة للرسالة التي تنبثق من الموجود الأسمى، أي من الله، ومن خلال جميع المراحل القيميّة التي تعكس أفعال البشر، حتّى من خلال نفي القيمة التي تعيق هذا الفعل حتّى في ما يتعلّق به، فإنّه لا يزال هناك علاقة واضحة بين الله ومخلوقاته، أي وجود الله والقيم الترنسندنتاليّة، والتي هي حضور خفيّ للموجود الأسمى. بهذا المعنى، فإنّ القيمة هي قدرة الله المجهولة، وهي مطابقة له، حيث إنّها نشأت معه، ولكنّها تختلف عنه بقدر ما هو الفعل الوسيط في حضوره لأشياء أخرى غير نفسه.

إنّ انعكاس الله في الإلهيّ الحاضر في هذا العالم يمكن أن يكون محدودًا، ومع ذلك، فإنّ الاستيعاب الإلهيّ البشريّ لله مختلف تمامًا من حيث كونهما لانهائيّين في إدراكهما الماضي، ولا نهائيّين في وعدهما بالمستقبل. إنّ الصفات الإلهيّة التي نتصوّرها في القيم الكثيرة المجهولة يمكن أن تسعى أيضًا إلى العودة في مجملها إلى الله نفسه الذي يُرجع الوجود الكلّيّ إلى ذاته؛ لأنّ وجه الله، من حيث هو إنجاز للأمل، متكشّف لجميع الموجودات. إنّ إخضاع المرء لنفسه دون قيد أو شرط لقيمة، ليكون مستعدًّا، للتضحية بكلّ شيء بدلًا من خيانة الحقيقة أو العدالة، هو استعادة هذه القيمة خاصّية كونها سمة إلهيّة، وعلاوة على هذا، فإنّ ذلك تأكيد على الإيمان بتركيبة حيّة من الصفات، والاستعاضة عن الوهم بلمحة من الله، وهو عبور من الإلهيّ إلى الله. هذا التحوّل ملحوظ عندما تكون القيمة قيد النظر هي الحب البين شخصيّ؛ لأنّ هذا الحبّ يوحّد الوجود والموجود بطريقة متميّزة، والعمل الخيريّ هو الأكثر ترابطًا في سلسلة القيم. إنّه لا يسيطر على مملكة القيم المجهولة بأكملها ويوحّدها فقط، بل يجسّر الفجوة بين الأنظمة المجهولة والأنظمة الشخصيّة. إنّه يربط بين تلك الأشكال غير الشخصيّة والحقائق الشخصيّة. الحبّ يصنع ممرًّا بين الأفكار والأشياء من ناحية، وكلّ الوعي من ناحية أخرى، وعلى الرغم من أنّ الإحباط قد يكون تجربة أصليّة للشر، فإنّ الحبّ هو الأمل الوحيد في الشفاء كمحبّة، فالله هو تلك النقطة التي ينفتح فيها الموجود بشكل كامل على الوجود في الفعل الشخصيّ بامتياز، والذي هو أبديّ وبسيط ويمكن أن يتبنّاه للأبد.
ويؤكّد نيدونسيل «أنّ الكتاب المقدّس والتقاليد التوراتيّة؛ هما أساس فلسفتنا... أي أنّ الأبحاث الفلسفيّة في الغرب؛ سواء أكان معترفًا بها أم لا، فهي تستخدم دائمًا الكتاب المقدّس، حتّى عندما يتعرّض للهجوم».

ولأنّ فكرة الفلسفة المسيحيّة كانت موضع اهتماماته من الناحيتين: التاريخيّة، (والمفهوميّة). ومن هنا فهو يطلب عدم عزل التصوّرات من سياقها العام، لسببين:
أوّلًا: إنّ فحص الوعي الذي يطالب به الفلاسفة «النقديّون» هو أمر مؤلم إلى حدّ كبير، أمّا في إظهار أنّنا لن نتقدّم في الفلسفة إذا حصرنا أنفسنا في الأمور اللوجستيّة، فقد كنت أبعد ما يكون عن استنكار معقوليّة المعيار المعقّد الذي أستخدمه في كلّ أنحاء الكتاب.
ثانيًا: استخدام تعبير «الميتافيزيقا الخارقة للطبيعة»، بدلًا من «الفلسفة المسيحيّة»، ومن هنا يحدّد لنا ثلاثة مشكلات علينا تمييزها، تبيّن إلى أيّ مدى وبأيّ اعتبار هناك ميتافيزيقا، والتي تجد في المسيحيّة نفسها: 1- مصدرها 2- نشاطها التأسيسيّ 3- موضوعها الأساسيّ. وحتى يكون أكثر تحديدًا يرى أنّ الميتافيزيقا المسيحيّة ممكنة؛ لأنّ الميتافيزيقا لا يمكن أن تفلت من إشكاليّة الاندماج، ولا سيّما الاندماج الإنسانيّ، ثم إنّ إمكانيّة وجود مثل هذه الميتافيزيقا تأتي من اعتبار مرتبط باستدعاءات داخليّة، كما هو الحال مع حكم التاريخ، ففي هذا العالم، يكون الأشخاص مصدر الأفكار والمبادئ؛ التي تترجم الوجود الشخصيّ إلى «نسق من المفاهيم»، وتساعد على الكشف عن الطبيعة الأساسيّة للأشياء والافتراضات الأساسيةّ في العقل البشريّ، وبناءً على ذلك فإنّ شخص المسيح هو مصدر الأفكار والمبادئ التي يمكن أن تعطي نوعيّة خارقة للطبيعة للميتافيزيقا. هذا هو الحال عندما يأتي فيلسوف ويدمج في تركيباته وجهات نظر معيّنة حول العناية الإلهيّة والتجسّد أو بعض القيم الجديدة التي أصبحت واضحة بين الناس منذ فترة حياة يسوع على الأرض. ويؤكّد نيدونسيل أنّ هذه العناصر يمكن أن تصبح فلسفيّةً، إذا تمّ استخلاصها  من الشخص الذي استُمِدّت منه وتمّ اختبار تأثيرها على المخلوقات، وليس في حياة الله نفسه والذي تحيلنا هذه العناصر إليه، فبخلاف العناصر اللاهوتيّة، فإنّه يتمّ فصلها عن التاريخ المقدّس، وتؤدي إلى عمليّات فكريّة لا تدور في المدار المباشر للإيمان اللاهوتيّ، أو في علاقة مباشرة مع حدث في النظام المتكشف، ويمكنها أن تدخل مجال التساؤل الأنطولوجيّ وإثرائه بشكل قياسيّ، وذلك على الرغم من أنّها ليست بعيدة عن المنظور الكلّيّ للخلاص؛ لإعداد الطريق للقبول الذي يذهب ما وراء قوى الفلسفة الخالصة.
 يوضح نيدونسيل كيف يؤثّر موضوع التفكير على الميتافيزيقا التي يبنيها؟ أوّلًا باختياره لجوانب الوجود التي يهتمّ بها، موضحًا أنّ ثمّة فلاسفة منفتحون ومنغلقون، وأولئك الذين يغرقون في أعماق العقل عندما يتحوّل إلى آلة، الذين لا يذهبون أبعد من المخلوقات، ثم هناك الطابع المميّز الذي يعطيه المفكّر للكون كلّه، وذلك بسبب الأفكار التي تنبثق من كيانه الشخصيّ والتي تعبّر عن قصة حياته في صور مجرّدة، فهو لا يفرض فقط أسلوبًا وترتيبًا على أفكاره، لكنّه يترجم نفسه فيها، وهو نفسه مصدر أفكار جديدة، إنّ ما يرتبط به الرجال في حياتهم الفكريّة والإبداعيّة، كما يذكر لنا، لا ينفصم عن الاكتشافات الفلسفيّة التي تنسب إليهم، وهدف هذه الاكتشافات ليس خارجهم، بل بداخلهم؛ لأنّ ثمّة واقعًا موضوعيًّا لهذه الذات، هناك كما يخبرنا «وجود في الذات» مناسب لأولئك الذين هم «موجودون من أجل أنفسهم». وأخيرًا، لا تؤثّر هذه الموضوعيّة على الخصوصيّة المناسبة للذات، بل تمتدّ إلى الكون كلّه الذي يتأمّله العقل؛ ذلك لأنّ علاقة العقل مع كلّ الأشياء هي أيضًا شيء ينتمي إلى العقل، وبالتالي فإنّ الشخصيّة دائمّا تعدّل بنفس الدرجة ميتافيزيقا الأشياء في هذا التفاعل المستمرّ؛ الذي يكشف فيه الوجود تدريجيًّا ظواهره، والذي يسهم فيه كلّ موجود في وجود الآخر من خلال عملهم المتبادل.

يقول إذا أردنا أن نرى بوضوح أكثر ما إذا كان يمكن للفلسفة المسيحيّة أن تدّعي الكونيّة، فإنّها مثل جميع الفلسفات، عليها أن تجعل محتواها أكثر دقّة، وأن تحرز تقدّمًا في منطقة ملائمة لها؛ لأنّها تعبّر عن ذلك الجزء من الواقع الذي يتوافق مع تجربة تفكير المؤمن، وهكذا يصبح من الواضح أنّنا يجب أن نميّز في داخلها بين درجات مختلفة من الكونيّة. إنّ التمسّك الكونيّ بها سيفترض مسبقًا أن مبادئ الفلسفة المسيحيّة تمّ الاعتراف بها، ولن تتحوّل الفرضيّة إلى يقين حتّى تصبح الأدلّة أكثر احتمالًا. إنّها قد تتّفق في السعي إلى تأمّل مستقلّ للمصادر الدينيّة نفسها في اكتشاف قصور في الفلسفة، وفي محاولة لتحديد معالم هذا القصور، لكنّها سوف تضع مشاكل لبعضها في كلّ الأحوال. إنّها متشبّثة بمقارباتها الشخصيّة، ويجب عليها أن تبدأ من خلال فهم بعضها إذا كانت متّحدة في التشبّث نفسه وبالأطروحات نفسها، ومع ذلك فإنّهم سيكونون فلاسفة رديئين إذا لم يستهدفوا الصلاحية الكونيّة عندما يطرحون أطروحاتهم الخاصّة.

إنّ الطابع الشخصيّ الذي يجب أن يكون للميتافيزيقا، هو نفسه له قيمة ميتافيزيقيّة، خاصّة عندما يكون الميتافيزيقيّ رجلًا عبقرًّيا، وعندما تكون جميع وجهات النظر الأخرى للكون محدّدة، وهذا هو السبب في أنّ العمل الفلسفيّ العظيم يتمتّع بالكونيّة التي تنتمي إلى روائع فنيّة. إنّها في منتصف الطريق بين الثقة التي يقدّمها الموضوع التجريبيّ، والموضوعيّة شبه الكاملة للرياضيّات، وهي تشكّل نوعًا من النظام العضويّ الذي له أعضاؤه ومركزه، مثل السيمفونيّة.

في حين أنّ السيمفونيّة تحتوي على المفاهيم المنطوقة، فإنّ العمل الفلسفيّ يحاول بدلًا من ذلك التعبير عن بنية الواقع، إنّه أنشودة العالم بأسره، في حين أنّ السيمفونيّة ليست سوى إضافة أخرى إلى العالم. إنّ جمال السيمفونيّة ليس غريبًا على تأكيد الحقيقة، إنّها عاطفة تخلق تمثيلات، لكن نوع الجمال ونوع الحقيقة الخاصّة بالفلسفة، وعلى وجه الخصوص الميتافيزيقا، تنتميان إلى إعادة بناء كاملة للكون بحدّ ذاته، إنّ الأمر كما يؤكّد نيدونسيل منوط بقدرتي وقدرتك، وفي كلّ حالة، يكون الكون تمثيلًا خاصًّا، ولكنه امتداد مستمرّ لتمثيلاتنا، وهو معيار يدعو إلى فهمه وقبوله، وهي قداسة تأتي لمواجهة تلك الفلسفات وتعمل في كلّ شيء دون أن تكون قابلة للاختزال لأيّ منها. إنّ الفلسفة المسيحيّة هي مجرّد طريقة لتجربة حيويّة معيّنة لسلسلة الشواهد هذه: الوحدة الغامضة للوجود، والمبادرة التي تغرقنا فيها بطرق مختلفة، وعدم اكتمال مخططاتنا للكون.

المصادر والمراجع الأجنبية
Nedoncelle (Maurice), la reciprocite des consciences (Aubier).
La Personne humaine et nature (Presses Universitaires de France), reedite sous le titre : Personne Humaine et nature, Etude logique et metaphysique (avec une nouvelle preface, Aubier).
De la fidelite (Aubier).
Vers une philosophie de l’amour et de la personne (Aubier).
Conscience et Logos (ed. de l’Epi).

---------------------------
[1]ـ   باحث في الفكر الفلسفي – وأستاذ مشرف على الدكتوراه- جامعة القاهرة- مصر.
[2]- رغم أهمّيّته الكبرى فى الشخصانيّة الفرنسيّة والفلسفة المسيحيّة فى فرنسا، خاصّة فترة ما بعد الحرب، فإنّ نيدونسيل غير معروف فى العربيّة  تمامًا. وهنا تكمن أهمّيّة الكتابة عنه للتعريف بجهوده الفلسفيّة التى تجعل منه ومن بلوندل ولفيناس من أهمّ الفلاسفة الذين أسّسوا فلسفاتهم انطلاقًا من التجربة الدينيّة، إلّا أنّ ما تجدر الإشارة إليه هو أنّ نيدونسيل، ككثير من فلاسفة الدين المسيحيّين لم يتصدّ بعمق للتيّارات الوضعيّة التي تعاملت مع التجربة الدينيّة بما هي ظاهرة إنسانيّة تجد جذورها وأصولها في البعد النفسيّ والأسطوريّ للإنسان.
[3]- هنرى ديلاكروا: نظرة شاملة على الفلسفة الفرنسيّة المعاصرة، ترجمة يحيى هويدى، مؤسّسة فرانكلين القاهرة، ص107.
[4] - المصدر السابق، ص108-109.
[5] - المصدر  نفسه، ص110.
[6] - المصدر السابق، ص 111-112.
[7]- نظرًا لعدم وجود أيّ ترجمات لأيٍّ من كتابات نيدونسيل أو أيّ دراسات حول فلسفته سوى المقال القصير الذى كتبه هنيرى ديلاكرو وترجمة يحيى هويدي فى «نظرة شاملة» على الفلسفة الفرنسيّة المعاصرة نشير هنا إلى بعض نصوص الفيلسوف بالفرنسيّة، موضحين أنّنا سوف نعتمد على بعض كتبه وما كتب عنه باللغة الانجليزيّة، خاصّة كتاب هل هناك فلسفة مسيحيّة، والفقرة التالية كما كتبها نيدونسيل الشخصيّ الأخلاقيّ كمصدر للأفكار الدينيّة.
[8] - نعرض للأطار العام للتجربة الدينية عند نيدونسيل اعتماداً على مقدمة الترجمة الإنجليزية لكتابه هل هناك فلسفة مسيحية.
[9] - نعرض للأطار العام للتجربة الدينيّة عند نيدونسيل اعتمادًا على مقدّمة الترجمة الإنجليزيّة لكتابه هل هناك فلسفة مسيحيّة.