البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مصداقيّات التجارب الدينيّة

الباحث :  جابر موسوي راد
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  22
السنة :  شتاء 2021م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  April / 14 / 2021
عدد زيارات البحث :  86
تحميل  ( 441.550 KB )
تناقش هذه الدراسة إشكاليّة أساسيّة في حقل الدراسات الغربيّة تدور حول واقعيّة التجارب الدينيّة ومصداقيّتها، ولأجل هذه الغاية يتناول الباحث بالتحليل والنقد خمسة آراء لخمسة من كبار فلاسفة الدين في الغرب:
الرأي الأوّل: حول حجّيّة اتفاق الآراء حول التجارب الدينيّة (الإجماع) وتناسقها مع بعضها، وقابليّة طرحها للبحث والتحليل - الفيلسوف وولتر ستيس
الرأي الثاني: حول سرعة التصديق إثر التجارب الدينيّة (التصديق بدون تحقيق) - الفيلسوف ريتشارد سوينبورن‏
الرأي الثالث: حول تشابه التجارب الدينيّة مع التجارب الحسّيّة – الفلاسفة: وليام ألستون، وجون هيك، وكايث ياندل، ووليام ألستون
الرأي الرابع: يقدم ثلاثة أدلّة لإثبات واقعيّة التجارب الدينيّة - الفيلسوف رودولف أوتو
الرأي الخامس: يتحدث شخصية صاحب التجربة الدينيّة وهو للفيلسوف وليام جيمس.

«المحرّر»

تتضمّن الدراسات التي تُدوّن حول التجارب الدينيّة أهمّ المباحث التي تُطرح للبحث والتحليل في علم الفلسفة، وهذه التجارب تضرب بجذورها في النشأة الأولى للبشريّة؛ لأنّ كلّ إنسان على مرّ العصور عادةً ما يواجه في حياته نمطًا أو أنماطًا عديدة من التجارب الدينيّة.

شهدت التجارب الدينيّة تغييرات تدريجيّة كثيرة، ومثال ذلك في تأريخنا الإسلاميّ، حيث تبنّى أتباع الفكر الصوفيّ الذين فنّدوا الفكر الاستدلاليّ، واستهانوا بأحكام العقل بزعم عدم نجاعته في المجال الدينيّ، واستعاضوا عنه بالفكر الشهوديّ والمكاشفات العرفانيّة؛ لكن بعد ذلك تألّق نجم صدر الدين الشيرازيّ - صدر المتألّهين - في سماء الفكر الإسلاميّ ليطرح التجارب الدينيّة ضمن مباحثه الفلسفيّة باعتبارها مصدرًا مستقلًّا إلى جانب الاستدلال العقليّ، وقد سبقه الحكيم ابن سينا الذي اعتبرها مصدرًا معرفيًّا، بحيث يمكن لعامّة الناس أن يبلغوا بعض مراتبها[2].
وأمّا في العالم الغربيّ فقد شهدت النظريّات المطروحة حول التجربة الدينيّة تحوّلًا جذريًّا في عهد الفيلسوف شلايرماخر الذي ذاع صيته خلال عهد آلت فيه نظريّات اللاهوت الطبيعيّ إلى الركود، لتُطرح في الأوساط الفكريّة نقاشات محتدمة حول العديد من القضايا ذات الصلة بالدين والمعتقدات الدينيّة، وعلى رأسها مسألتا تعارض العلم مع الدين ونقد نصوص الكتاب المقدّس، ومن هذا المنطلق اعتبرت التجربة الدينيّة بديلًا عن اللاهوت الطبيعيّ.

المبادئ اللاهوتيّة التي تبنّاها شلايرماخر لا ترتكز على العقل ولا على الكتاب المقدّس، بل هي عبارة عن مبادئ لاهوتيّة منبثقة من التجربة الدينيّة، وعلى الرغم من أنّه تبنّى هذا المسلك بهدف الدفاع عن الدين وليس بداعي التشكيك بمصداقيّته، لكنّه تسبّب بإيجاد شبهات عديدة على المبادئ العقليّة وتعاليم الكتاب المقدّس.

بعد ذلك تطرّق إلى هذا الموضوع فلاسفة آخرون ذاع صيتهم في الأوساط الفكريّة الغربيّة والعالم قاطبةً وعلى رأسهم وليام جيمس، ورودولف أوتو، وواين براودفوت، وستيف کاتس، وريتشارد سوينبورن، وولتر ستيس، وجون هيك، حيث دوّنوا كثيرًا من البحوث والدراسات حول طبيعة الفلسفة الدينيّة وكلّ ما يرتبط بها من مسائل، ولا سيّما السؤال الأكثر شيوعًا في هذا المضمار، والذي يُطرح على مدى مصداقيّة هذه التجربة، وهو: هل التجارب الدينيّة تحكي عن الواقع أم أنّها مجرّد أوهام أو إلقاءات شيطانيّة يتصوّرها الناس من عند الله عزّ وجلّ؟

لا نبالغ لو قلنا إنّ أهمّ المواضيع التي تُطرح للبحث والنقاش بخصوص التجارب الدينيّة تتمثّل في مدى واقعيّتها ومصداقيّتها، وذكر الفلاسفة الغربيّون آراء متباينة في هذا الصدد، لكنّنا سنسلّط الضوء على خمسة منها فقط ضمن مباحث هذا المقالة، وذلك كما يأتي:

الرأي الأوّل: حجّيّة اتفاق الآراء حول التجارب الدينيّة (الإجماع) وتناسقها مع بعضها وقابليّة طرحها للبحث والتحليل - الفيلسوف وولتر ستيس.
الرأي الثاني: سرعة التصديق إثر التجارب الدينيّة (التصديق بدون تحقيق) - الفيلسوف ريتشارد سوينبورن.‏
الرأي الثالث: تشابه التجارب الدينيّة مع التجارب الحسّيّة – الفلاسفة: وليام ألستون، وجون هيك، وكايث ياندل، ووليام ألستون.
الرأي الرابع: ثلاثة أدلّة لإثبات واقعيّة التجارب الدينيّة - الفيلسوف رودولف أوتو.
الرأي الخامس: شخصيّة صاحب التجربة الدينيّة ذات تأثير عليه فقط فيما ينشأ لديه من معتقدات دينيّة (التفكيك بين التجارب الدينيّة التي يخوضها الناس) - الفيلسوف وليام جيمس.

في نهاية البحث سوف نذكر الرأي المختار الذي يمكن اعتباره السادس في ترتيب هذه الآراء.
1 - رؤية والتر ستيس
اعتبر بعض الفلاسفة الغربيّين مسألة اشتراك المتصوّفة وأهل السير والسلوك الروحانيّ في التجارب الدينيّة واتفاقهم بالإجماع حول ما يتحصل منها دليلًا على مصداقيّة هذه التجارب وحجّيّتها، وهذا أمر يحكم به العقل حسب رأيهم، باعتبار أنّ تكرارها بشكل متناسق من قِبل أناس تختلف مشاربهم الفكريّة وأعراقهم وبقاعهم الجغرافيّة وما إلى ذلك من اختلافات أخرى يعدّ برهانًا قطعيًّا على صدقها؛[3] وفي هذا السياق قال الفيلسوف وليام جيمس: "التغلّب على العقبات وتجاوز الحدود الحائلة بين الإنسان والوجود المطلق في الواقع أكبر نصر يحقّقه السالك الروحانيّ، وهذا الوجود المطلق يعتبر عقيدة مشتركة بين أصحاب السير والسلوك الروحانيّ من أتباع ديننا، ممّا يعني وحدة أفكارهم واشتراكها.

هذا العرف الثابت والدائم بين أهل السير والسلوك الروحانيّ، والذي يمكن اعتباره نصرًا دينيًّا، لا نجد فيه سوى تغييرات طفيفة في مختلف الأديان والأفكار الدينيّة ولدى أبناء مختلف البقاع الجغرافيّة، فهذا الأمر ملموس في الديانة الهندوسيّة والفكر الأفلاطونيّ وأتباع مسلك التصوّف والشهود الروحانيّ المسيحيّ وأتباع فكر وايتمان، حيث يردّد أتباع هذه المدارس الفكريّة والدينيّة العبارات والمضامين نفسها.

فثمّة اتفاق في الآراء - إجماع - دائم وشامل في التوجّهات الروحانيّة؛ لذا يجب على كلّ ناقد أن يتوقّف عند هذه النقطة ويحلّلها بدقّة كي يدرك مغزاها"[4].
تطرّق الفيلسوف وولتر ستيس Walter Terence Stace إلى شرح وتحليل هذا الرأي، حيث استدلّ في بادئ الأمر قائلًا إنّ التجارب الروحانيّة - الدينيّة - التي خاضها الناس في شتّى أرجاء العالم رغم تنوّعها ووجود اختلافات في بعض جوانبها، لكنّها بشكل عامّ تحكي عن اتفاق على رأي مشترك - إجماع - حول مرتكز فكريّ دينيّ ثابت ومتعارف، فالسالك الروحانيّ يخوض تجربةً دينيّةً يدرك من خلالها جزءًا من الحقيقة، وهذا أمر مشهود لدى جميع أقرانه في كلّ آنٍ ومكانٍ؛ لأنّ كلّ تجربة دينيّة في كلّ بقعة من العالم وفي كلّ عصر من العصور مستقلّة عن غيرها، ولا ارتباط لها بسائر التجارب التي يخوضها أو خاضها الآخرون، لكن نلمس منها جميعًا مضمونًا واحدًا متّفقًا عليه بشكل غير مقصود من قِبل أناس لم يروا ولم يعرفوا وحتّى لم يعاصروا بعضهم[5].

المؤاخذة التي تطرح على هذا الرأي هي أنّ ثمّة أشياءً على غرار السراب، بحيث يتّفق معظم الناس على كونها شيئًا واحدًا عندما يشاهدونها عن بعد، وهم في الحقيقة مخطئون فيما تصوّروا، فالسراب عندما نشاهده نتصوّر أنّه ماء، لكنّ الحقيقة على خلاف ذلك؛ إذ لا وجود للماء على الإطلاق، فهل يمكن اعتماد اتفاق جميع العرفاء للردّ على الشبهات التي يطرحها أصحاب الفكر الشكوكيّ؟ الشكوكيّون يؤكّدون على أنّ التجارب الروحانيّة حتّى إن كانت مفيدة في الحياة الاجتماعيّة والفرديّة لما فيها من نقاط إيجابيّة أخلاقيًّا واجتماعيًّا، لكنّها ليست سوى أفكار وهميّة لا وجود لها على أرض الواقع.
ردّ وولتر ستيس على هذه المؤاخذة، وطرح فكرة حجّيّة اتفاق الآراء حول التجارب الدينيّة (الإجماع) باعتبار إمكانيّة تحقّقها بشكل متشابه لدى جميع الناس، وفحوى استدلاله على هذا الرأي أنّ الإنسان عندما يخوض تجربة شخصيّة في عالم المنام أو يتصور أشياء من نسج الخيال، لا يمكن لأحد تأييد ذلك، في حين أنّ التجارب العمليّة التي يخوضها في عالم الخارج عادةً ما يتمّ تأييدها والتأكّد من مصداقيّتها، فهذه التجارب لا يفنّدها الآخرون إلّا إذا كانت ضعيفة الاحتمال إلى أقصى حدّ، كما لو أنّ أحد سكنة المدن كان منهمكًا بالكتابة ثمّ رفع رأسه فوجد حيوانًا كحمار الوحش على سبيل المثال واقفًا أمامه، في هذه الحالة يمكن احتمال أنّ ما رآه مجرّد وهم، ولا سيّما إذا افترضنا عدم وجود حديقة حيوان قرب داره، لذا يشكّك الناس في مصداقيّة كلامه، حيث يقولون إنّه لا وجود لحديقة حيوان قرب دار هذا الشخص، لكنّه يبقى في حيرة من أمره عندما يشاهد هذا الحيوان في داره متسائلًا من أين جاء وكيف دخل الغرفة؟! بطبيعة الحال تكتنفه كثير من الأفكار، فتارةً يقول في نفسه لو أخبرت الجيران أو اتصلت برجال الشرطة فجاؤوا إلى غرفتي ولم يجدوا أثرًا لهذا الحيوان غير المألوف في مدينتنا، كيف سأوضح لهم الحقيقة وليس ثمّة شاهد يؤيّد كلامي؟! لكن إذا شاهده الجيران بأعينهم، فلا بدّ من اعتباره أمرًا حقيقيًّا وليس من نسج الخيال، إلا أنّ كيفيّة دخوله في الغرفة تبقى أمرًا مجهولًا إن أردنا معرفتها بإمكاننا اللجوء إلى محقّق مثل شارلوك هولمز.

هذا المثال يدلّ على ضرورة كون الأمر الواقع منبثقًا من الإجماع العام بين الناس على ضوء تجاربهم المشتركة؛ لذا لا بدّ من اعتبار التجارب الدينيّة لأصحاب السلوك الروحانيّ دليلًا على واقعيّتها، إذ ليس هناك ما يدلّ على خلاف ذلك[6].

المؤاخذة الأخرى التي تُطرح في هذا المضمار يمكن تقريرها بالآتي: عدد أصحاب التجارب الحسّيّة أكبر بكثير من عدد أصحاب التجارب الروحانيّة، والاختلاف شاسع بين هذين النوعين من التجارب، بحيث لا يوجد أيّ مسوّغ للمقارنة فيما بينهما، ناهيك عن أنّ جميع الطبقات الاجتماعيّة دون استثناء بإمكانها تأييد التجربة الحسّيّة وتصديقها، بل من الممكن أن يخوضها جميع الناس حتّى العوام منهم، في حين أنّ التجارب الدينيّة - الروحانيّة - محدود النطاق وغير متعارفة، وتفاصيلها مجهولة لدى الغالبيّة العظمى من الناس، لذا لا يتسنّى لكلّ شخص تأييدها أو التحرّي عن مدى مصداقيّتها.
وقد ردّ وولتر ستيس على هذه المؤاخذة بقوله إنّه بإمكان أصحاب السير والسلوك الروحانيّ ادّعاء أنّ عدد حالات الشهود الروحانيّ لا تأثير لها على أصل الموضوع، أي أنّ الموضوع يحكي عن أمر واقع مهما كان عدد هذه الحالات، وهي بالتالي حجّة وصادقة لكون الحجّيّة تعني إمكانيّة تحقّقها فحسب، بغضّ النظر عن سائر القضايا المرتبطة بها، ومن ثمّ ليس من الصواب زعم أنّها حجّة عندما تتحقّق على أرض الواقع فقط، كذلك يؤكّد هؤلاء على أنّ جميع الناس - حتّى العامّة منهم - لديهم القابليّة على خوض هذا النمط من التجارب الدينيّة.

وفي هذا السياق استدلّ بالمثال الآتي: ينبغي لنا التصديق بوجود جبل اكتشف حديثًا في القطب الشماليّ أو الجنوبيّ من الكرة الأرضيّة فيما لو شاهده أحد الباحثين الموثوق بهم بعد جهد وعناء، وبطبيعة الحال حتّى عامّة الناس بإمكانهم رؤيته فيما لو أجهدوا أنفسهم وذهبوا إلى تلك البقعة من العالم، وكذا هو حال التجارب الدينيّة، إذ يمكن لكلّ إنسان خوضها إذا أعدّ نفسه لها وسلك تلك السبل التي تتيح له ذلك[7].
بناءً على ما ذُكر لم يقتنع هذا الفيلسوف الغربيّ بما ذُكر، ومن هذا المنطلق حاول إضافة قيد آخر في نظريّته، حيث أكّد على ضرورة وجود انتظام وتناسق بين المشاهدات الروحيّة أو الخارجيّة في شتّى التجارب كي تكون حجّة وقطعيّة، وهذا الأمر اعتبره شرطًا أساسيًّا في التجارب الدينيّة أيضًا، وفحوى استدلاله أنّ عموميّة الشيء وشيوعه بين الناس تعدّ شاهدًا على تناسقه وانتظام أجزائه، بينما الأمور الشخصيّة لا يمكن اعتبارها كذلك، ومن ثمّ فهي لا تعدّ شاهدًا على تناسقها مع بعضها، بل العكس صحيح، أي يمكن اعتبارها شاهدًا على عدم تناسقها.

المقصود من التناسق والتشابه في هذا المجال هو الانتظام في ظلّ قواعد النظم والترتيب والتوالي والتكرار والعلاقات الثابتة بين شيء خاصّ - غير عامّ – وبين شيء أو أشياء خاصّة أخرى، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الأحلام والأوهام لا انتظام فيها ولا تناسق، فأحيانًا نشاهد أحلامًا تتضمّن أحداثًا تتعارض ذاتيًّا مع القوانين الطبيعيّة، كما لو تحوّلت قطّة إلى كلب بشكل مفاجئ، لكنّها في بعض الأحيان تتضمّن أحداثًا تنطبق مع الواقع وتنسجم مع القوانين الطبيعيّة، كما تتناغم مع القواعد والأسس العقليّة، لكن غاية ما في الأمر أنّها لا تحدث على أرض الواقع لكون حدوثها مشروطًا بنقض القوانين الطبيعيّة.
ربّما يشاهد النائم في عالم الرؤيا أنّه في مدينة لندن ويرى أحداثًا معيّنة، لكنّه حينما يستيقظ يجد نفسه في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وفي هذه الحالة لم تُنقض قوانين الطبيعة في عالم الرؤيا، بل الشيء الخارج عن القاعدة المتعارفة هو الانتقال من أمريكا إلى بريطانيا خلال لحظة واحدة دون أن يقطع المسافر تلك المسافة المتعارفة بين البلدين[8].

ومن جملة المسائل الأخرى التي نوّه عليها أنّ واقعيّة القضايا الحسّيّة - المادّيّة - والنظم الموجود فيها شاهد واضح على وجود ارتباط ثابت بين مختلف أجزاء التجارب الحسّيّة التي يخوضها الإنسان، وكذا هو الحال بالنسبة إلى التجارب الروحيّة - غير الحسّيّة - حيث إنّ ثمّة ارتباطًا ثابتًا بين مختلف أجزائها، وهو ما نلمسه ضمن واقعيّة هذه القضايا والنُظُم الموجود فيها؛ وفي هذا السياق طرح السؤال الآتي: هل التجارب الشهوديّة - الروحيّة - تحكي عن هذا الارتباط حقًّا، أم أنّ الأمر مجرّد افتراض لا أكثر؟ وقد وضّح الإجابة قائلًا: التجارب الشهوديّة ليست من سنخ القضايا المحسوسة ولا الذهنيّة، فهي ليست على غرار التجارب التي يخوضها الإنسان عن طريق حواسه المادّيّة؛ لأنّ الانتظام الموجود فيها مشروط بأن تكون التجربة التي تخوضها النفس الإنسانيّة مكوّنة من عدّة أجزاء خاصّة بها، في حين أنّ التجارب الدينيّة بطبيعتها لا تكون محدّدة ولا متعدّدة الأجزاء، ولا يوجد اختلاف فيما بينها، أي أنّها لا تشتمل على أجزاء أو أحداث معيّنة، ومن ثمّ لا تحكي عن أفكار منتظمة مكرّرة أو متعدّدة.

أضف إلى ذلك أنّ التجارب الشهوديّة ليست ذهنيّةً؛ لكونها لا تتضمّن أجزاءً مختلفة ومحدّدة، وبالتالي ليس بينها توالٍ كي يُقال إنّها تختلف مع القضايا المتعارفة على صعيد النظْم الموجود في عالم الدنيا[9].

نقد رؤية ستيس
النظريّة التي تبنّاها الفيلسوف وولتر ستيس تَرِدُ عليها مؤاخذات يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:
1) أصحاب السير والسلوك الروحيّ - العرفاء والمتصوّفة - متّفقون على وجود تناقض ملحوظ بين كثير من الحالات الشهوديّة، ومن هذا المنطلق لا يمكن إجراء بحث علميّ موحّد وشامل حول طبيعتها بادّعاء أنّها من سنخ واحد، وبالتالي ليس ثمّة مجال لإجراء بحث من هذا النوع حول التجارب الدينيّة لكون كلّ إنسان بعد أن يخوض تجربة شهوديّة قد يتوصّل إلى نتيجة تختلف عمّا توصّل إليه نظيره؛ لذا لا يبقى مجال لأن تشملها دراسة موحّدة أو بحث علميّ شامل، ونتيجة ذلك لا يمكن تعميم الموضوع على كافّة أتباع أحد الأديان وادّعاء أنّ تجارب المسيحيّ أو اليهوديّ أو البوذيّ صحيحة؛ لكن غاية ما في الأمر أنّ الاتفاق - الإجماع - المطروح هنا يثبت صدق بعض هذه التجارب وليس كلّها.

2) المؤاخذة التي تَرِد على شرط الانتظام الذي ذكره هذا الفيلسوف الغربيّ يمكن تقريرها كما يأتي:
أ - العقل يحكم باستحالة وجود شيء غير حسّيّ وغير ذهنيّ في آنٍ واحدٍ، فحسب قاعدة الحصر العقليّ كلّ شيء إمّا أن يكون حسّيًّا أو ذهنيًّا، وليس ثمّة أيّ احتمال آخر.
ب - الثوابت الموجودة في النظم الحاكم على عالمنا هي المعيار المعتبر في واقعيّة كلّ تجربة؛ لذا لو كان المقصود منها تلك القواعد المادّيّة الموجودة في عالم الطبيعة، ففي هذه الحالة لا لزوم لأن تكون التجارب الدينيّة على غرار التجارب الحسّيّة، ولو كان المقصود منها قواعد أخرى، فهي في الواقع غامضة ولا أحد يعرف مغزاها الحقيقيّ.

2 - رؤية سوينبورن: تصديق بدون تحقيق
حاول الفيلسوف ريتشارد سوينبورن‏ إثبات مصداقيّة التجارب الدينيّة على ضوء طرح نظريّة سرعة التصديق (التصديق بدون تحقيق)، وفحواها أنّ عدم وجود دليل يثبت بطلان التجربة الدينيّة هو في الحقيقة دليل مناسب يثبت مصداقيّتها وصواب الاعتقاد بما يتمخّض عنها[10].

وفي هذا السياق استند إلى برهانين أساسيين هما:
البرهان الأوّل: حجّيّة الشيء عند عدم وجود دليل يثبت بطلانه هي قاعدة جرت عليها سيرة العقلاء، فكما أنّهم يعتقدون بمصداقيّة التجارب الحسّيّة وفق مبدأ سرعة التصديق، كذلك يعتقدون بمصداقيّة التجارب الدينيّة وفق المبدأ ذاته[11].
البرهان الثاني: استثناء التجارب الدينيّة من مبدأ سرعة التصديق هو في الحقيقة باطل ولا مسوّغ له.
وفي هذا السياق طَرَحَ استدلالين على طاولة البحث والتحليل،حاول من خلالهما تضييق نطاق المبدأ المذكور، وخلاصة ما توصل إليه:

استُدل على أنّ مبدأ سرعة التصديق لا يعتبر قاعدة عقليّة ثابتة وشاملة، وعلى هذا الأساس قالوا لو أريد إثبات صوابه فلا بدّ من الاعتماد على أدلّة استقرائيّة، والاستقراء كما هو معلوم عادةً ما يعتمد في القضايا المحسوسة المتعارفة، ومن ثمّ لا طائل منه في مجال التجارب الدينيّة، أي لا يمكن الاعتماد عليه لإثبات مصداقيّتها، فإذا أردنا إثبات حجّيّته استقرائيًّا، فيجب علينا أوّلًا إثبات وجود قضايا سابقة مشابهة للموضوع قد ثبتت حجّيّتها مسبقًا ويمكن الاعتماد عليها أيضًا في الوقت الحاضر، كما هو الحال بالنسبة إلى القضايا المتعارفة في حياتنا والتي يمكن اعتبارها تجارب متداولة وثابتة، حيث ثبتت حجّيّتها منذ القدم وتوارثتها الأجيال إلى أن وصلتنا لتصبح معتبرة لدينا كما كانت سابقًا، إلا أنّ التجارب الدينيّة ليست بهذا الشكل.

ردّ سوينبورن على هذا الاستدلال قائلًا إنّه ليس ثمّة إلزام بأن يكون كلّ شيء ثابتًا لدينا على ضوء التجارب السابقة، فعلى سبيل المثال يحقّ للناس اعتبار شيءٍ شبيهٍ بالطاولة بكونه طاولةً حتّى إذا لم تثبت التجارب السابقة ذلك، ناهيك عن أنّ بعض التجارب السابقة لم تنشأ لدى البشر من عنصر مجهول، بل كلّ تجربة عادةً ما تحدث على ضوء الخصائص الموجودة في موضوعها، ومن ثمّ نحكم على مصداقيّة ما يتحصّل منها، رغم عدم وجود خلفيّة تأريخيّة لها، حتّى لو لم يجرّبها الأسلاف من قبل[12].

البرهان الثاني يستند على مسألة الاختلاف بين التجربة بذاتها وطريقة تفسيرها، حيث تمّ التأكيد عليه من قِبل الفيلسوف رودريك ملتون تشيشولم Roderick Milton Chisholm وسائر أتباع الفكر التجريبيّ، وفحوى كلامهم أنّ بعض التجارب توصف بذاتها أو تحدث بعينها في شتّى العصور وفي مختلف البقاع، مثل كون الشيء ذا لون بنّيّ أو ناعم الملمس أو واقع دائمًا على جهة اليسار، وما إلى ذلك من خصائص ثابتة، فنحن عادةً ما نذكر ذات الأوصاف لهذه الأشياء كما ذكرها الأسلاف، نظرًا لانطباقها على كلّ شيء من النوع نفسه، لكن إذا تجاوزنا نطاق عالم المحسوسات كما لو قلنا على سبيل المثال (هذا قارب) أو (هذا قارب روسيّ)، ففي هذه الحالة نكون قد وردنا في نطاق قضيّة تفسيريّة، ومن المؤكّد أنّ كلّ تفسير يقتضي وجود دليل يثبت مصداقيّته.
استنادًا إلى الاختلاف الذي أشرنا إليه - الاختلاف بين التجارب المحسوسة وغير المحسوسة-، فعندما نتصوّر أنّنا نتحدّث مع الله فالتجربة المتحقّقة هنا تتبلور في الصوت على سبيل المثال، لكنّ نسبة هذا الصوت إلى الله بشكل قطعيّ بحاجة إلى تفسير صائب يستند إلى برهنة واستدلال خارج عن نطاق هذه التجربة بذاتها.

رفض هذا الفيلسوف الغربيّ الرأي القائل بوجود اختلاف بين التجربة والتفسير، وقال في هذا الصدد إنّه كما أنّ التجارب الحسّيّة حجّة عندنا ومصداقيّتها ثابتة لدينا، كذا هو حال التجارب غير الحسّيّة - الروحيّة -، بحيث لو جرّب أحد الناس شهودًا روحيًّا، وثبت له وجود العنصر (x) على سبيل المثال، فهو في هذه الحالة ملزم بأن يعتقد بوجوده بعد أن ثبت له ذلك، شريطة أن لا يوجد دليل يثبت عدمه، بغضّ النظر عن كونه مادّيًا أو غير مادّيّ (شهوديّ)[13].

بعد هذه التوضيحات ذكر أربع حالات من شأنها تضييق نطاق التجارب الروحيّة، وهي:
الحالة الأولى: التجارب التي يخوضها أشخاص غير موثوقين، أو التي تحدث في ظروف لا يمكن تعميمها على كلّ زمان ومكان، كما لو جرّبها الإنسان وهو في حالة وهم، أو تحت تأثير بعض عقاقير الهلوسة أو غيرها، مثل عقار أل أس دي LSD [14].
الحالة الثانية: التجارب التي يكون موضوعها مجهولًا وتتسبّب بحدوث خطأ في الإدراك، كما لو افتقد الإنسان التجربة الكافية التي تؤهّله لإثبات ما يدّعي، ومن هذا المنطلق لا يمكن الوثوق بتجربته، فثمّة احتمال كبير في عدم قدرته على إدراك الموضوع بحقيقته ومن ثمّ تصبح تجربته خاطئة من الأساس.
الحالة الثالثة: التجارب التي لم يتمّ فيها معرفة الإله الحقيقيّ.
الحالة الرابعة: التجارب التي تتمخّض عنها نتائج غير تجريبيّة[15].
هذه الحالات الأربعة برأي ريتشارد سوينبورن لا تعدّ عقبةً جدّيّة أمام مصداقيّة التجارب التي يخوضها البشر، ومن ثمّ لا يمكن اتّخاذها ذريعةً لتفنيد التجارب الدينيّة من أساسها، ومن منطلق هذا الاعتقاد أجاب عن الإشكاليّات التي تطرح على أساسها كما يأتي:
الحالة الأولى: التجارب التي تستند على أوهام ويجرّبها أناس يتعاطون عقاقير هلوسة قليلة للغاية، وغالبيّة الذين خاضوا تجارب دينيّة لم يكونوا من هذه الشريحة الاجتماعيّة المرفوضة من أساسها في كلّ مجتمع بشريّ.
الحالة الثانية: إذا ادّعى معارضو التجربة الدينيّة عدم مصداقيّتها وتوثيقها بحيث لا يمكن الاعتماد عليها، فلا بدّ لهم من إثبات رأيهم هذا بأدلّة وبراهين قطعيّة؛ لذا إن لم يتمكّنوا من ذلك، ففي هذه الحالة ينبغي لهم الإذعان بصوابها وقبول ما ذكره من خاضها.

الجدير بالذكر هنا أنّ بعض الفلاسفة من أمثال أنطوني فلو اعتبروا التناقض الموجود بين مختلف التجارب الدينيّة التي يخوضها البشر في مختلف الأديان دليلًا جليًّا على كونها خاطئة،[16] لكنّ سوينبورن أكّد على عدم كون هذه الحالة دليلًا على بطلان التجارب الدينيّة، وبرّر ذلك بأنّه ليس من المستحيل أن يتجلّى الله في مختلف الثقافات بهيئات وأسماء مختلفة، وبطبيعة الحال ثمّة قضايا متناقضة في هذا الصعيد، مثل اليهود الأرثوذكس الذين يرفضون عقيدة تجسّم الإله عند المسيحيّين ويفنّدونها بشدّة، وحتّى هنا يمكن تبرير ما يحدث أو ذكر سبب وجيه له بحيث تبقى مصداقيّة التجربة الدينيّة على حالها، حيث يقال بخصوص هذه العقيدة المتناقضة إنّه إذا ثبت أنّ تجسّم الله مخالف لحكم العقل، ففي هذه الحالة تصبح التجربة مرفوضة ولا مصداقيّة لها، لكن إذا ساق كلّ واحد من الطرفين أدلّة وبراهين لإثبات رؤيته وتجربته الدينيّة، ولم يتمّ نقض القواعد العقليّة الثابتة، فهنا بإمكان كلّ منهما التمسك بتجربته، وليس ثمّة إلزام لأن يبدّل رأيه، بل يكفي أن يتجاوزا التفريعات والمسائل الجزئيّة كي يحدث اتّفاق فيما بينهما لتجاوز هذه العقبة.

خلاصة الكلام أنّ هذه الحالات ليس من شأنها تفنيد مصداقيّة التجارب الدينيّة من أساسها.
الإشكال الآخر الذي يُطرح في هذا المضمار هو أنّ بعض دعاة التجارب الدينيّة ليست لديهم تجارب سابقة يعتمدون عليها لإثبات مصداقيّة تجاربهم اللاحقة.

الردّ الذي ذكره سوينبورن على هذا الإشكال فحواه عدم وجود ضرورة لأن تكون كلّ تجربة مسبوقة بتجارب أخرى كي تثبت مصداقيّتها، ومثال ذلك أنّنا قادرون على معرفة إنسان في أوّل لقاء معه، وذلك بعد أن ذُكرت لنا أوصافه وميزاته الفارقة، فنحن هنا لم نخض تجربة سابقة معه ولم نشاهده، وهذه هي المرّة الأولى التي نجرّب اللقاء به والتعرّف عليه.
الحالة الثالثة: لو أنّ الله موجود حقًّا فهو لا بدّ أن يوجد في كلّ مكان دون استثناء، وعلى هذا الأساس لا يمكن افتراض عدم قدرة البشر على تجربته إلّا عندما يكون معدومًا من الأساس وتصوّره مجرّد وهم من نسج الخيال، وهذا الأمر لا يدّعيه سوى الملحدين الذين ينكرون وجوده من الأساس، لكنّهم لا يذكرون أيّ برهان قطعيّ يثبت مزاعمهم الإلحاديّة.

الحالة الرابعة: إذا أذعنّا بكون الله موجودًا وأقررنا بوجود تجارب يخوضها البشر بشأنه، فهذه التجارب في الواقع مرتبطة به ومنبثقة من ذات وجوده؛ لأنّه علّة العلل التي هي أكثر العلل تأثيرًا في عالم الوجود.
تأثير الله في عالم الوجود يتجلّى أحيانًا من خلال تغيير الأحداث والظواهر الطبيعيّة، وفي أحيان أخرى يتجلّى في رحاب علل طبيعيّة؛ لذا إن أردنا إثبات عدم ارتباط هذه التجارب الطبيعيّة بالله، فلا محيص لنا في هذه الحالة من ذكر برهان يثبت ذلك، وهنا بطبيعة الحال يجب أن نثبت أوّلّا أن لا وجود للإله من الأساس؛ لأنّ البشريّة جمعاء تعتقد بأنّه العلّة الأولى والأساسية لكافّة القوانين الحاكمة على عالم الطبيعة[17].

سوينبورن في بوتقة النقد والتحليل
النظريّة التي تبنّاها الفيلسوف ريتشارد سوينبورن ترِد عليها مؤاخذات يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:

1) لا يوجد أيّ دليل عقليّ يثبت صواب مبدأ سرعة التصديق لذا حتّى إن ادّعى الناس صوابه ضمن تجاربهم التي يخوضونها خلال حياتهم الرتيبة، إلا أنّ الفيلسوف الذي يتّبع النهج العقليّ الدقيق ويبحث عن الحقائق الثابتة بالدليل والبرهان، لا يعتقد به على الإطلاق نظرًا لانعدام الدليل عليه.
2) لا بدّ من التمييز بين التجارب الحسّيّة وغير الحسّيّة - الروحيّة -، ومن المؤكّد أنّ البحث عن كون إحدى التجارب معتبرة أو غير معتبرة واسع ومتشعّب، لكن مع ذلك نختصر الموضوع بالقول إنّ إثبات مدى اعتبار أو عدم اعتبار التجارب الحسّيّة لا يمكن تعميمه على التجارب الدينيّة، ومن هذا المنطلق ادّعى سوينبورن أنّنا بمجرّد مشاهدة شيء محسوس يجب أن نحكم بمصداقيّته ووجوده على أرض الواقع وفقًا لمبدأ سرعة التصديق، وإثر ذلك ينبغي لنا التصديق بالتجارب الدينيّة بمجرّد حدوثها.

المؤاخذة الأساسيّة التي تُطرح على هذا الرأي هي عدم إمكانيّة تعميم الأدلّة التي تثبت مصداقيّة التجارب الحسّيّة على التجارب الدينيّة، فالتجارب الحسّيّة تستند على أدلّة وبراهين خاصّة بها، سواء أكانت معتبرة أم غير معتبرة، وبالتالي من الخطأ بمكان الاعتماد عليها لإثبات صواب التجارب الدينيّة دون دليل قطعيّ.

3) ذكر سوينبورن أربع حالات أكّد على أنّها لا تعدّ وازعًا لتفنيد مصداقيّة التجارب الدينيّة، لكن المؤاخذة التي ترِد عليه في هذا السياق هي أنّ التجربة الدينيّة ليست أمرًا ثابتًا في هذه الحالات، بل مشكوك بها، فكما يُحتمل أن تكون دينيّة، كذلك ثمّة احتمال آخر مناقض يحكي عن كونها غير دينيّة؛ لذا ما السبيل المعتمد هنا للتمييز بين هذين النمطين من التجارب التي يخوضها البشر؟ من البديهيّ لو لم يكن لدينا معيار صائب ودقيق نميّز على أساسه بين مختلف أنماط التجارب، ففي هذه الحالة لا بدّ من الإذعان باحتمال عدم صواب جميع التجارب دون استثناء.
4) بعض الاستدلالات التي ذكرها سوينبورن ترِد عليها مؤاخذات، فعلى سبيل المثال استنتج من مسألة علّيّة الإله - تأثير الله على كلّ شيء في عالم الوجود - بأنّه العلّة الأولى والأساسيّة لكافّة التجارب التي يخوضها البشر، لكنّ هذا الكلام يرِد عليه أنّ كون الله علّة العلل والعلّة الأولى لا يتعارض مع مسألة كون التجربة ناشئة من أوهام أو قضايا طبيعيّة أو عقار خاصّ كعقاقير الهلوسة، كما أنّ التناقض في التجارب الدينيّة عادةً ما يحدث على ضوء ادّعاء كلّ طرف بأنّه شاهد موضوع التجربة - جرّبه - بعينه وبالتمام والكمال، وفي هذه الحالات عادةً ما يتمسّك برأيه ولا يتنازل عنه مهما حصل، ومن ثمّ لا مجال لحدوث اتفاق بين الطرفين أو الأطراف التي خاضت تجارب دينيّة مختلفة.

3 - رؤية ألستون
الفيلسوف وليام ألستون طرح نظريّة تشابه التجارب الدينيّة مع التجارب الحسّيّة، حيث قال هو ومن حذا حذوه إنّه كما أنّ التجارب الحسّيّة تُوجِد لدينا يقينًا بما يتمخّض عنها من نتائج ومشاهدات، كذلك ينشأ لدينا يقين من معطيات التجارب الدينيّة، ومن ثمّ لا بدّ من الإذعان بها والتصديق بكلّ ما ينشأ عنها.

فحوى هذه النظريّة أنّ الخطأ المحتمل في التجربة الدينيّة لا يختلف عمّا هو محتمل من أخطاء تحدث ضمن التجربة الحسّيّة، وثمرة ذلك أنّه إذا ادّعي عدم مصداقيّة التجربة الدينيّة، فيجب عندئذ تسرية هذا الأمر على التجربة الحسّيّة ورفض مصداقيّتها.

استدلّ بعض الفلاسفة الغربيّين من أمثال جون هيكJohn Harwood Hick، وكايث ياندل Keith Yandell على هذا الرأي بأنّه كما أنّ التجربة الإدراكيّة توجِد لدينا أفكارًا معيّنة بخصوص عالم المادّة، بحيث تصبح ثوابت بعد حدوثها، كذا هو الحال بالنسبة إلى التجربة الدينيّة، حيث لها القابليّة على إيجاد معتقدات دينيّة لدينا بالنسبة إلى الله وإلى كلّ شأن قدسيّ.[18] فحوى هذا الكلام أنّ الدليل الذي يثبت لنا صواب ما يحصل لدينا عن طريق الحواس بذاته يثبت لنا صواب ما نحصل عليه من تجاربنا الدينيّة وتوثيقه، فكما أنّنا نتيقّن بكون هذه الوردة حمراء اللون، ولا أحد يشكّك بهذا اليقين، كذلك ينشأ لدينا يقين بكون ما اكتنفنا من معتقدات دينيّة على ضوء تجاربنا الروحيّة حقيقيّ لا غبار عليه؛ وهذه القضايا صادقة بالكامل وليس ثمّة مجال لتفنيدها[19].

وفي هذا السياق قال كايث ياندل: «ثمّة حقيقة ثابتة فحواها أنّ تجارب البشر الإدراكيّة ذات أجزاء ظاهريّة محسوسة، في حين أنّ تجاربهم الدينيّة ليست هكذا كما هو واقع الحال، أي أنّها ليست محسوسة ولا تثبت بحدّ ذاتها قضيّة (الله موجود).
نظير ذلك أنّ التجارب الدينيّة مكوّنة من أجزاء ظاهريّة دينيّة قطعًا، إلّا أنّ التجارب الإدراكيّة ليست كذلك؛ لذا لا يمكن اعتبار الإدراك الحسّيّ بحدّ ذاته دليلًا على وجود الشيء المادّي الذي يستشعره البشر بحواسّهم...
حسب الأسس المنطقيّة يمكن القول إنّ جميع التجارب الدينيّة غير صحيحة، وهذه الأسس المنطقيّة بذاتها تطرح الاحتمال ذاته بخصوص التجارب الحسّيّة، بحيث يمكن القول بعدم مصداقيّتها قاطبةً»[20].

اعتبر وليام ألستون التجربة الدينيّة نمطًا من الإدراك الحسّيّ؛ لذا اعترض عليه بعض الفلاسفة بادّعاء أنّ الصفات التي يتجلّى لنا الإله من خلالها تختلف إلى حدّ كبير مع الصفات التي تتجلّى فيها الأشياء المادّيّة؛ لكنّه دافع عن رأيه قائلًا: عادةً ما نطرح غالبيّة الأمور الظاهرة لنا بالحواس ضمن مفاهيم مقارنة، فعلى سبيل المثال نقول إنّ هذه الوردة تشبه وردة السوسن، وطعم فاكهة معيّنة تشابه طعم فاكهة الأنناس، وهكذا نشبّه المفاهيم التي نصوغها بالنسبة إلى الإله، حيث نشبّه تجلّي صفاته لنا بما ندركه في رحاب تجاربنا الحسّيّة، لكوننا نعتمد في معتقداتنا الدينيّة على مفاهيم لأشياء محسوسة في عالم الظواهر ضمن رؤية مقارنة، وعلى هذا الأساس نصف تجاربنا الدينيّة بأوصاف ملموسة كي يتسنّى لنا إدراك كنهها، لذلك نتوقّع من كلّ من خاض تجربة الله أن يخبرنا عن شعوره بذلك الموجود القادر المحسن الرؤوف الرحيم[21].
تبريره هذا لم يقنع معارضيه، فقد أشكلوا عليه بأنّ التجربة الحسّيّة قد تكون معتبرة بهذا الشكل، لكن لا يمكن تسرية هذا الأمر على التجربة الدينيّة، وهو بدوره دافع عن رأيه قائلًا: كلّ مؤاخذة ترِد على التجربة الشهوديّة - الروحيّة - في الواقع ترد على التجربة الحسّيّة أيضًا،[22] لذا ليس ثمّة أيّ مسوّغ لقبول إحداهما ورفض الأخرى، فما هو دليلكم على ذلك؟! كلامكم مجرّد رأي ذوقيّ لا يرتكز على أسس منطقيّة وعقليّة، فلو قلتم إنّ العقل يحكم بمصداقيّة ما يتوصّل إليه من نتائج على ضوء التجارب الحسّيّة، كذلك يجب أن يحكم بمصداقيّة ما يتمّ التوصّل إليه في رحاب التجارب الدينيّة، أي أنّها تتناغم مع الأسس العقليّة حالها حال التجارب الحسّيّة[23].

الجدير بالذكر هنا أنّ هذا الفيلسوف أكّد على كون أصحاب التجارب الدينيّة كلّهم يصفون الإله بالاقتدار والرأفة والرحمة، حيث يدركونه في رحاب هذه الصفات، وهذا الأمر مشهود في المجتمعات البشريّة منذ القدم، وما زال قائمًا حتّى عصرنا الراهن، كما هو حال النتائج التي توصّلوا إليها على ضوء تجاربهم الحسّيّة[24]. وأضاف في هذا السياق أنّ الإدراك الحسّيّ مكون من ثلاثة أجزاء هي المدرِك والمدرَك وظهور المدرَك، وعلى هذا الأساس قال إنّ صاحب التجربة الدينيّة يتجلّى له الإله في رحاب تجربته الدينيّة هذه.

أمّا جون هيك فقد رأى أنّ غاية ما في الأمر أنّ الناس لا يشكّون بوجود المادّة نظرًا لظهورها للعيان، إلّا أنّهم يشكّون بالإله بسبب عدم ظهوره في أجزاء المادّة بادّعاء أنّ خفاءه عن الحواس المادّيّة مثار للشكّ والترديد في مصداقيّة وجوده على أرض الواقع[25].

ذكر الفلاسفة الغربيّون ثلاثة أوجه اختلاف بين التجارب الدينيّة والحسّيّة هي:
الاختلاف الأوّل: جميع الناس يخوضون تجارب حسّيّة خلافًا للتجارب الدينيّة (الشهوديّة - الروحيّة)؛ لأنّ القليل منهم يخوضونها.
الاختلاف الثاني: التجارب الحسّيّة رافقت وما زالت ترافق البشر على مرّ العصور، بينما التجارب الدينيّة ليست كذلك.
الاختلاف الثالث: التجارب الحسّيّة تمنح البشر معلومات واضحة وتفصيليّة، في حين أنّ التجارب الدينيّة غاية ما ينتج عنها معلومات غامضة ومحدودة لدرجة أنّ أهمّ وأدقّ تجربة دينيّة لا تمنحنا أيّ تفاصيل يمكن أن تقارن مع أدنى التجارب الحسّيّة.

وليام ألستون أذعن لهذه الاختلافات، لكنّه رفض رأي من اعتبرها وازعًا لوجود اختلاف بنيويّ بين التجارب الحسّيّة والدينيّة، مبرّرًا ذلك بأنّ كثرة تكرار التجربة ومقدار المعلومات التي تتحصّل منها لا ارتباط لهما بهيئتها الأساسيّة من حيث كونها تجربة، وفي هذا السياق ذكر رأيه بالنسبة إلى الاختلافين الأوّل والثاني، قائلًا إنّ قلّة التجارب الدينيّة وعدد من يخوضها لا يعدّ ذريعةً لتفنيدها من الأساس، فهل يمكن لعاقل ادّعاء أنّ تجارب العالم الكبير ألبرت أينشتاين التي طرح على أساسها نظريّته النسبيّة الشهيرة أقلّ شأنًا من التجارب الحسّيّة التي يخوضها عامّة الناس؟! فيا ترى هل من الصواب اعتبار تجارب العوامّ أكثر قيمةً من تجارب هذا العالم الخبير بداعي أنّها ترجّح بسبب كثرتها وتنوعها؟!

وأمّا بالنسبة إلى الاختلاف الثالث، فقد اعتبر التفصيل في مضامين القضايا مجرّد أمر ثانويّ وليس له ذلك التأثير الكبير الذي من شأنه أن يجعلها أفضل من غيرها، فالحواس بذاتها لا تمنحنا معلومات تفصيليّة دائمًا، بل أحيانًا نستنتج منها ما هو تفصيليّ وفي أحيان أخرى نستنتج منها القليل من التفاصيل، ومن الأدلّة على ذلك أنّ ما نناله من حاسّة الشمّ أقلّ تفصيلًا ممّا نحصل عليه من حاسّة البصر، لكن رغم ذلك لا أحد يقول إنّ ما ندركه بالبصر يمنحنا معرفةً أكثر ممّا ندركه بالشمّ؛ لذا من البديهيّ القول إنّه ليس هناك أيّ سبب يدعونا لأن نعتبر المعلومات القليلة عديمة القيمة أو أنّها أدنى قيمةً معرفيةً من المعلومات الكثيرة[26].

كما أكّد على أنّ الحواس الخمسة ليست بذات الكفاءة والفاعليّة لدى جميع الناس، إذ تتراوح بين الشدّة والضعف من شخص إلى آخر بحسب قابليّاته الجسمانيّة، وواقعنا الاجتماعيّ يدلّ بكلّ وضوح على وجود ضعف أو نقص عند بعض الناس في بعض حواسّهم، وحتّى إنّ بعضهم محروم من إحدى الحواس أو بعضها، مثل الأعمى المحروم من حاسّة البصر، والأصمّ المحروم من حاسّة السمع؛ لكن مع ذلك لا أحد يدّعي أنّ حاستي البصر والسمع لا قيمة لهما لكون بعض الناس محرومًا منهما[27].

في ختام كلامه حول هذا الموضوع خلص إلى القول بعدم حجّيّة كثرة التجارب أو قلّتها وتفصيلها أو عدم تفصيلها، فهذه الأمور لا تعدّ وازعًا لتحديد مدى مصداقيّتها وبطلانها، فربّما يعود السبب في قلّة التجارب الدينيّة وغموض بعض جوانبها إلى كونها بحاجة إلى قابليّات خاصّة لا يمتلكها جميع الناس على حدّ سواء[28].

سوف نذكر في الرأي الذي اخترناه بخصوص موضوع هذه المقالة أنّ علمنا بوجود الله على غرار علمنا بصفات ذاته المقدّسة، باعتبار أنّه من سنخ العلم الحضوريّ - البديهيّ -؛ لذا بإمكاننا إثبات مصداقيّته دون الحاجة إلى مقارنته مع الحقائق المادّيّة التي نستشعرها بالحواس الخمسة، لكنّ الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى جميع التجارب الدينيّة، بل لا بدّ من تفكيك البحث بالشكل التالي على ضوء أوجه الشبه والاختلاف بين التجربتين الدينيّة والحسّيّة:

أوّلًا: هل التجارب الدينيّة تشابه التجارب الحسّيّة من جميع جوانبها؟ بالتأكيد كلا، لأنّ الحس هو المضمار الأساسيّ لتجلّي القضايا المادّيّة - المحسوسة - في حين أنّ التجارب الدينيّة لا يمكن أن تتبلور في رحاب الإدراك الحسّيّ، لكن ربّما تكون واسطة التجربة الدينيّة حسّيّةً لكنّ موضوعها عبارة عن شيء خارج عن نطاق الحسّ والمادّة.
ثانيًا: سواء اختلفت التجارب الدينيّة ذاتيًّا مع التجارب الحسّيّة أم لم تختلف، هل يمكن اعتبارهما من سنخ واحد نظرًا لوجود تشابه كبير بينها؟ أي هل يمكن ادّعاء أنّ مصداقيّة التجربة الدينيّة على غرار مصداقيّة التجربة الحسّيّة؟ يبدو أنّ النتائج التي تتمخّض عن المقارنة بين هذين النوعين من التجارب لا تثبت كون التجارب الدينيّة صائبةً على الإطلاق، وذلك لما يلي:

1) هناك مرتكزات علميّة ثابتة ومعتمدة يمكن اللجوء إليها على صعيد تقويم التجارب الحسّيّة بغية إثبات مدى مصداقيّتها، لكن ليست لدينا مرتكزات علميّة ثابتة ومعتمدة لإثبات مصداقيّة التجارب الدينيّة.
عندما يطرأ خطأ على التجربة الحسّيّة يمكن تلافيه فيما بعد بكلّ سهولة، اعتمادًا على وسائل وأسس علميّة، ومن ثمّ يتسنّى لنا إثبات مصداقيّتها وكسب يقين منها[29]، لكنّ الأمر ليس بهذا الشكل بالنسبة إلى التجربة الدينيّة، فهي ليست مضمارًا للاختبار والتجربة المكرّرة والدقيقة؛ وهذا يعني أنّ التجارب الحسّيّة تتمخّض عنها نتائج مشتركة كلّها قابلة للتحليل والتقويم في رحاب الاختبار والتجربة، ومثال ذلك الاعتقاد السائد بين جميع البشر بكون اليد تحترق إذا لامست النار، فلا أحد يشكّك بهذه الحقيقة الثابتة اليقينيّة؛ لذا لو شكّ بها أيّ إنسان بإمكانه تجربتها لإزالة شكّه حتّى يعرف حقيقتها بكلّ وضوح وسهولة؛ في حين أنّ التجارب الدينيّة ليست بهذا الشكل والنتائج التي تترتّب عليها ليست من سنخ واحد، كما أنّ النتائج التي يتوصّل إليها صاحب التجربة تختصّ به وتتداعى آثارها عليه فقط لكونها متقوّمة على توجّهاته السيكولوجيّة المختصّة بشخصيّته؛ لذا لا يمكن تسريتها على غيره خلافًا للتجارب الحسّيّة التي لها تداعيات مشتركة قابلة للاختبار والتجربة من قبل الناس كافّة.

فنّد بعض الفلاسفة الغربيّين هذا الإشكال من أساسه عبر التشكيك بنتائج التجارب الحسّيّة، فلا أحد برأيهم يبتّ بكون هذه التجارب عبارة عن مرتكز أساسيّ ومستقلّ يمكن الاعتماد عليه لإثبات مصداقيّة ما يتمّ تحصيله عن طريق الإدراك الحسّيّ، ومن جملة الأسئلة التي طرحوها في هذا المضمار أنّه هل يمكن تصوّر أنّ النتائج التي تتوصّل إليها منظومتنا الإدراكيّة بأسرها خاطئة؟ الإجابة التي ذكروها هي عدم وجود ما يمنحنا اليقين بكون كلّ ما نحصل عليه من منظومتنا الإدراكيّة صائبًا، فهناك احتمال أن يكون خاطئًا بالكامل، لذا ليس من الصواب بمكان تفنيد مصداقيّة التجربة الدينيّة لمجرّد عدم إمكانيّة إعادة النظر في المعتقدات التي تتمخّض عنها أو اختبارها وتجربتها من جديد.[30] هذه الإجابة لا تبدو صائبةً لأنّ بحثنا يتمحور حول مصداقيّة التجربة الدينيّة مقارنةً مع التجربة الحسّيّة، ولا شكّ في أنّ تفنيد كافّة النتائج التي تتمخّض عن إدراك منظومتنا الحسّيّة وزعم بطلانها بالكامل هو ضرب من السفسطة، ومجرّد رؤية نسبيّة؛ وقد تمّ تفنيد رأيهم هذا في محلّه بأدلّة وبراهين قطعيّة.

2) التجارب الحسّيّة ليست متناقضة فيما بينها، وحتّى لو وُجدت بعض التناقضات الثانويّة فيما بينها، فبالإمكان تلافيها بكلّ سهولة؛ بينما التجارب الدينيّة محفوفة بتناقضات كثيرة، ومن هذا المنطلق لا يمكن ادّعاء أنّ كلّ تجربة دينيّة يجب أن تكون صادقةً، بل منها ما هو باطل من أساسه ولا صواب له.

4 - رؤية رودولف أوتو
الفيلسوف رودولف أوتو Rudolf Otto ذكر ثلاثة طرق أو أدلّة يمكن الاعتماد عليها لإثبات مصداقيّة التجارب الدينيّة، لكنّ أدلّته هذه تمحورت حول إثبات مصداقيّة تجربة وجود الإله (الماينو) - تجربة الروح المقدّسة – فحسب، ولا ارتباط لها بسائر التجارب الدينيّة، ويمكن تلخيص آرائه في النقاط الآتية:

1) وجود اتحاد نوعيّ بين المشاعر الدينيّة
رودولف أوتو اعتبر المشاعر الدينيّة على غرار الظواهر الفينومينولوجيّة من حيث كونها متّحدة نوعيًا، أي أنّها من سنخ واحد، وفي هذا السياق قال إنّ إثارة كلّ شعور لدى الإنسان يقتضي وجود قدرة لها القابليّة على ذلك، وهذه القدرة هي الماينو - الروح المقدّسة - فقط لا غير، باعتبارها كائنًا لا يمكن إدراكه بالقوى العقليّة.

2) المشاعر الروحيّة عبارة عن تداعيات تتمخّض عن واقعيّة التجارب
المشاعر التي تتمحور حول الماينو هي في الحقيقة حالات خاصّة تكتنف الإنسان ولا تشابه المشاعر المتعارفة، حيث تتبلور على هيئة هيبة وحيرة وإعجاب ورغبة بذلك الأمر القدسيّ المتعالي، وعلى أساس هذه المشاعر يجد نفسه أمام كائن آخر في غاية العظمة والجلال والجمال والكمال؛ ولا شكّ في أنّ شعورًا كهذا لا يمكن أن يتحقّق إلا عند وجود هذا الكائن العظيم على أرض الواقع رغم عدم وجود دليل عقليّ يثبت ذلك.

3) العناية الإلهيّة
تجربة الماينو حسب المبادئ اللاهوتيّة والمفاهيم الدينيّة تحكي عن شمول العناية الإلهيّة لصاحبها، وهي في الحقيقة واحدة من مصاديق الوحي.

في هذا السياق أكّد رودولف أوتو على ضرورة اعتبار سيكولوجيا الدين وتأريخه من جملة الألطاف والعنايات الإلهيّة، وتجربة الماينو بحدّ ذاتها تدلّ على حاجة الإنسان إلى القيم والمبادئ المتعالية، ومن ثمّ فهي على ضوء منحه هذه القيم والمبادئ تقهره وتخضعه لها، ممّا يعني أنّه ينال العناية الإلهيّة بفضلها والتي تتجسّد في الإيمان الحقيقيّ.

الإيمان - التديّن - يفعّل لدى الإنسان قابليّةً معرفيّةً مستقلّةً يمكن اعتبارها عنصرًا مكنونًا مسبقًا في نفسه ومستودعًا في روحه يمكّنه من إدراك حقيقة قدسيّة متعالية أرقى وأسمى من الحقائق المادّيّة المحسوسة، وعلى هذا الأساس تتّحد روحه مع هذه الحقيقة القدسيّة.[31]

نظريّة رودولف أوتو في بوتقة النقد والتحليل
الأدلّة الثلاثة التي ذكرها الفيلسوف رودولف أوتو لإثبات مصداقيّة التجارب الدينيّة ليست كافيةً في هذا المضمار، ولا تفي بالغرض بكلّ تأكيد، فعندما يُقال إنّ الله هو منشأ المشاعر والحالات الخاصّة التي تكتنف النفس الإنسانيّة ولا وجود لعنصر آخر سواء أكان باطنيًّا كان أم خارجيًّا، أي أنّ مجرّد ادّعاء أنّ الوحدة النوعيّة للتجارب الدينيّة منبثقة من أمر غيبيّ - إلهيّ - لا يعتبر دليلًا لإثبات المطلوب، بل هو محض ادّعاء ويبقى بحاجة إلى ما يثبت صوابه.

وأمّا دليله الثالث الذي يتمحور حول العناية الإلهيّة، حتّى إن افترضنا صوابه، لكن لا يمكن اتّخاذه ذريعةً لتفنيد آراء الملحدين الذين ينكرون وجود الله من الأساس، فهو في الحقيقة لا يعدّ دليلًا مقنعًا لهم.
بعض الفلاسفة والباحثين حاولوا إثبات صواب نظريّة رودولف أوتو، ولا سيّما الدليلان الأوّل والثاني، وخلاصة كلامهم أنّ: «التجربة الدينيّة عبارة عن شعور حقيقيّ يكتنف الإنسان المتديّن، وحقيقته هي من الأمور المضافة التي لا تتحقّق بدون تحقّق موضوعها، أي أنّ هذا الشعور لا يمكن أن يكتنف الإنسان ما لم يكن موضوعه واقعيًّا، لذا فهو على غرار العلم الحقيقيّ الذي يعتمد على وجود معلومات حقيقيّة ومثل الحبّ الحقيقيّ الذي يستند على وجود محبوب حقيقيّ؛ ومن هذا المنطلق يثبت أنّ الشعور بالارتباط المطلق لا ينشأ إلا عند وجود أمر حقيقيّ ترتبط به الروح، وهذا الأمر بطبيعة الحال لا بدّ أن يتناسب مع شأن هذا الشعور، ومن ثمّ لا بدّ من كونه مطلقًا كي يتحقّق الارتباط المطلق معه.

هذا التشبيه للتجربة الدينيّة يدلّ على كون متعلّقها واقعيًّا؛ لذا فهي على غرار المعنى الذي تبنّاه بعض المفكّرين المسلمين وطرحوه في رحاب برهان الفطرة»[32].
الإشكال الذي يرِد على هذا الاستدلال فحواه أنّ كون التجربة مضافةً لا يعدّ دليلًا يثبت كائنًا مضافًا، بغضّ النظر عن كونه ذهنيًّا أو خارجيًّا، فالبحث عمّا إن كان مجرّد أمر ذهنيّ أو حقيقيّ هو في الواقع مجرّد تقرير لمضمون الموضوع لا يعتبر دليلًا معتمدًا لإثبات المدّعى.

5- رؤية وليام جيمس (تفكيك التجارب)
طرح الفیلسوف ولیام جیمس William James نظريّة فحواها أنّ النتائج التي يحصل عليها صاحب التجربة الدينيّة ذات تأثير عليه فقط، فيما ينشأ لديه من معتقدات دينيّة، حيث فكّك بين التجارب الدينيّة التي يخوضها الناس، وعلى هذا الأساس اعتبرها حجّةً على صاحبها فحسب، وممّا قاله في هذا السياق: «هناك حقيقة سيكولوجيّة مضمونها أنّ الحالات الروحيّة - الشهوديّة - التي تكتنف الإنسان عبارة عن حقائق واضحة وثابتة، لكنّها حجّة على من يجرّبها فقط، فصاحب التجربة قد ولج فيها بنفسه ومن هذا المنطلق لديه يقين بعدم صواب اعتراض أصحاب النزعة العقليّة على مصداقيّتها، فحينما يخوض الإنسان هذا النوع من التجارب الروحيّة ويحصل لديه يقين بنتائجها، فسوف تنشأ لديه قابليّة روحيّة يعيش في رحابها؛ لذا لا يمكن للأغلبيّة من البشر إرغامه على الإذعان لآرائهم والعيش بنمط آخر يختلف عمّا لديه من معتقدات، بداعي أنّ تجاربهم الحسّيّة أكثر من التجارب الدينيّة»[33].
وتحدّث على لسان الذين لم يخوضوا تجارب دينيّة قائلًا: «الإنسان الذي يُحرم من التجارب الروحيّة - الشهوديّة - ولا يشعر بالنداء الباطنيّ الموجّه لبدنه، لا يحقّ لأصحاب هذه التجارب أن يرغموه على الإذعان لما توصّلوا إليه من نتائج كي ينجو من ضلاله؛ بل غاية ما في الأمر أنّ صاحب هذه التجارب يذكره بأشياء على هيئة فرضيّات وقضايا محتملة»[34].

نظريّة وليام جيمس في بوتقة النقد والتحليل
التفكيك بين صاحب التجربة وغيره برأي الفيلسوف وليام جيمس لا صواب له كما يبدو من الشواهد الدالّة على الموضوع، فلو كانت التجارب الدينيّة غير معتبرة ولا مصداقيّة لها، فلا محيص لنا من نبذها كافّةً، ولا فرق في ذلك بين صاحب التجربة وغيره، أي أنّ صاحب التجربة نفسه يجب أن لا يعتني بها من منطلق عدم مصداقيّتها ابتداءً؛ ولو كانت معتبرة وصادقة ففي هذه الحالة تثبت مصداقيّتها لصاحبها ولغيره على حدّ سواء، أي أنّها تكون حجّة على جميع الناس دون استثناء، ولا يختصّ اعتبارها بصاحبها فحسب.

الجدير بالذكر أنّنا نطرح الموضوع هنا ضمن مبحث فلسفيّ على ضوء رؤية واقعيّة، باعتبار أنّ التجارب الدينيّة حقائق ثابتة وليست أوهامًا من نسج الخيال كما يدّعي بعضهم؛ لذا فإن اعتقد صاحب التجربة الدينيّة بما ثبت له من خلال حالته الروحيّة والشهوديّة، فهو على حقّ ورؤيته صائبة، ومن ثمّ لا اعتبار لرفضها من قِبل الآخرين، أي أنّها حجّة عندما تتحقّق، وعدم اعتقاد الآخرين بها لا يمسّ بمصداقيّتها على الإطلاق، وثمرة ذلك أنّه في هذا النوع من التجارب - سواء أكان منطبقًا مع الواقع أم لم يكن كذلك - لا وجه للتفصيل والتفكيك بين صاحبها وغيره؛ لأنّ الشيء إذا كان منطبقًا مع الواقع حقًّا يعدّ معتبرًا لدى جميع الناس دون استثناء، ولو كان غير منطبق مع الواقع، فلا اعتبار له على الإطلاق مثل التجارب الحسّيّة، فعلى سبيل المثال لو ذكر شخص تجربة سفر وقال لقومه في كذا بلد توجد مدينة اسمها كذا وقد زرتها بنفسي، ففي هذه الحالة تعدّ تجربته الشخصيّة هذه حجّةً عليه وعلى كلّ من أخبره بها، وكذا هو حال التجارب الدينيّة، فإذا كانت يقينيّةً وثبت ذلك بالدليل، فهي معتبرة وحجّة على الناس كافّةً وليس على صاحبها فقط. طبعًا لا نعني من ذلك أنّ التجارب الدينيّة من سنخ التجارب الحسّيّة ولا تختلف عنها، بل المقصود هو أنّ كلّ مصدر معرفيّ عندما يمنحنا حقائق ثابتة ويقينيّة، فلا بدّ لكلّ إنسان أن يذعن بهذه الحقائق ولا يمسّ بمصداقيّتها، ومن هذا المنطلق لا صواب للقول بأنّ صاحب التجربة يجب أن يؤمن بتجربته، وغيره ليس ملزمًا بذلك.

الرأي المختار
بعد أن ذكرنا النظريّات الخمسة التي طرحها بعض الفلاسفة الغربيّين بخصوص تعيين مصداقيّة التجارب الدينيّة، نشير فيما يلي إلى الرأي المختار الذي نراه أنسب وأصحّ ويمكن اعتباره نظريةً سادسةً.

التجارب الدينيّة نوعان:
النوع الأوّل: تجارب لا يدرك الإنسان مواضيعها عن طريق علمه الحضوريّ (البديهيّ أو الفطريّ).
يبدو أنّ هذا النوع من التجارب ليس يقينيًّا، ولا دليل على كون ما يتمخّض عنه منطبقًا مع الواقع حقًّا، فلربّما يكون من نسج الوهم والخيال.
صحيح أنّ الشعور الذي يكتنف الإنسان عبارة عن علم حضوريّ، لكنّ هذا الأمر لا ينطبق على موضوعه في جميع الحالات، أي أنّ موضوعه لا يُدرك أحيانًا في رحاب علم حضوريّ، بل قد يكون ناشئًا من محض تصوّرات وأوهام شخصيّة، وما أكثر التجارب الروحيّة - الشهوديّة - التي هي من هذا النمط، ومن هذا المنطلق يحدث تعارض واختلاف بين مختلف التجارب الدينيّة التي يخوضها البشر، وفي هذا السياق قال آية الله عبد الله الجوادي الآملي: «ربما يواجه الإنسان حالةً يشاهد فيها شيئًا باطنيًّا في عالم اليقظة أو المنام، وفي هذه الحالة قد يُتصور أنّه كمن تلقّى إلهامًا كما لو كانت مشاهدته هي شخص صالح، لكن مع ذلك ليس لديه أيّ يقين علميّ بما رأى؛ لأنّ هذه الرؤية لم توجد لديه غير الظنّ وربّما تكون مجرّد حالة نفسيّة أو حتّى شيطانيّة».[35]  

ثمّة من يدّعي أنّ جميع المكاشفات الروحيّة - الشهوديّة - صادقة لكونها من سنخ العلم الحضوريّ، لكنّها تكون عرضةً للخطأ فيما لو كانت من سنخ العلم الحصوليّ.

هذا الكلام خاطئ بكلّ تأكيد، فلو قبلناه فلا بدّ من الإذعان حينئذٍ بعدم وجود ما يضمن تحقّق العلم الحضوريّ لدى الإنسان؛ لأنّ كلّ ما لديه ناله عن طريق علمه الحصوليّ، ولو قيل إنّه غير قادر على ترجمة مشاهداته الحضوريّة - تجاربه البديهيّة الثابتة - إلى علوم حصوليّة بذات هيئتها الحقيقيّة، ففي هذه الحالة لا يبقى للعلم الحضوريّ أيّ أثر ولا فائدة، بل يزول من أساسه. لكن لو كان المقصود أنّ الإنسان يذكر شيئًا فيما وراء موضوع العلم الحضوريّ بحيث طبّق ما حصل عليه حضوريًّا على شيء آخر بشكل خاطئ، يكون الرأي المذكور صائبًا، إلا أنّ المشكلة تكمن في أنّ الشواهد التأريخيّة تحكي عن كثير من المكاشفات الروحانيّة التي يذكر أصحابها ما شاهدوه فيها بادّعاء أنّ نفس هذا الأمر المشهود يحكي عن نفسه دون أن يفسّروا الموضوع أو يطبّقونه على شيء مفهوم، وهذه المشاهدات لا تنطبق مع الواقع من أساسها.
آية الله عبد الله الجوادي الآملي قال في هذا السياق: «يتصوّر بعض الناس أنّ صاحب التجربة الدينيّة ما دام قادرًا على المشاهدات الروحانيّة فكلّ ما يراه لا بدّ أن يكون صائبًا ولا ترد عليه أيّ شبهة تُذكر ولا شكّ في مصداقيّة مشاهداته، حيث يكتنف الشكّ مشاهداته بعد أن تنتهي مكاشفته وينتقل إلى عالم العلم الحصوليّ.
هذا التصوّر خاطئ بكلّ تأكيد؛ لأنّ كثيرًا من المشاهدات الروحانيّة والمكاشفات لا تحكي عن قضايا يقينيّة وقطعيّة، بل إنّ بعضها مقترن دائمًا بالشكّ والترديد»[36].
النوع الثاني: تجارب دينيّة يدرك صاحبها موضوعها عن طريق علم حضوريّ، وهي معتبرة وحجّة، نظرًا لكون العلم الحضوريّ يمنح الإنسان أفضل أنواع المعارف، والجدير بالذكر هنا أنّ العلم الحضوريّ الذي يمتلكه جميع الناس بالنسبة إلى وجود الله تعالى وصفاته الحسنى، يُصطلح عليه دينيًّا عنوان «فطرة»،[37] وهو في الحقيقة ضرب من التجارب الدينيّة؛ لذا نحن نعتقد بمصداقيّة كلّ ما يتحصّل منه من نتائج، أي لا بدّ من كونها معتبرةً، ومن ثمّ فإنّ معطياتها حجّة علينا.

يمكن تقسيم العلم الحضوريّ ضمن ثلاثة أقسام أساسيّة هي:

القسم الأوّل: علم الإنسان بنفسه وحالاته السيكولوجيّة
الإنسان في هذا القسم هو موضوع العلم الحضوريّ، سواء أكان الأمر يتمحور حول نفسه أم حول حالاته السيكولوجيّة دون واسطة، ولربما لهذا السبب يعجز الناس عن تحصيل هذا العلم، ومنهم من أنكره أساسًا إثر طروء بعض الشبهات على ذهنه، لكنّهم في الواقع يقرّون به لا شعوريًّا، بحيث يتجلّى في كلامهم وكتاباتهم، أي أنّهم يعتقدون به بشكل غير مباشر دون أن يصرّحوا بذلك.

القسم الثاني: علم العلّة بمعلولها وبكلّ ما يكتنفه من حالات.
أثبت الفلاسفة المسلمون أنّ العلّة تمتلك علمًا حضوريًّا بمعلولها؛ لأنّه في الحقيقة انعكاس لها ومتعلّق بها بكلّ تفاصيله وجزئيّاته، فهو مظهر شفّاف وظريف لها - حسب التعبير الفلسفيّ - وهذه الميزة تقتضي بطبيعة الحال امتلاك العلّة علمًا حضوريًّا به وبكلّ الحالات التي تكتنفه.

القسم الثالث: علم المعلول بعلّته حسب قابليّاته الوجوديّة
المعلول له علم بعلّته حسب القابليّات التي يمتلكها والتي استودعت فيه من قبلها، وهذا العلم موجود إلى حدّ ما عند الناس كافّةً، فكلّ إنسان منذ لحظة ولادته يشعر ذاتيًّا بوجود إله خلقه وخلق الكون بأسره، وهذا الأمر كامن أيضًا في باطن الملحدين الذين ينكرون وجود الله في ظاهر الحال.
الإنسان في هذه الحالة يمتلك علمًا حضوريًّا بوجود الله عزّ وجلّ، لأنّ جميع الناس يدركون فطريًّا وذاتيًّا أنّ الإله لا بدّ وأن يكون موجودًا، ومن هذا المنطلق نعتقد بأنّ هذا العلم معتبر ومصداقيّته ثابتة لكونه حضوريًّا.
إذن، معرفة الإنسان ربّه هي من سنخ العلم الحضوريّ الذي يمتلك الناس جميعًا جانبًا منه، لكون المعلول الذي يبلغ مرتبةً من التجرّد سوف ينال علمًا حضوريًّا بالعلّة الموجدة له، وهذا العلم ذو مراتب عديدة طبعًا؛ لذا علمه هنا قد يكون عن وعي وإدراك تامّ أو أنّه منبثق من إدراك ضعيف، نظرًا لتفسيراته الذهنيّة الخاطئة للمشاهدات الروحيّة، حيث تقلّل من شأن علمه الحضوريّ بالحقائق.
آية الله محمد تقي مصباح اليزدي قال في هذا الصعيد: «ثمّة مرتبة من مراتب العلم الحضوريّ بالله سبحانه وتعالى ينالها الناس قاطبةً... لأنّ المعلول الذي يبلغ مرتبةً من مراتب التجرّد الروحيّ بإمكانه أن يمتلك علمًا حضوريًّا بعلّته الموجدة له، وهذا العلم ربّما ينشأ من وعي وإدراك تامّ وكامل أو عن إدراك غير تامّ ناشئ من ضعف روحيّ، وإثر هذا الضعف، فهو يفسّر إدراكه بشكل خاطئ»[38].

أذعن بعض الفلاسفة الغربيّين بهذه التجربة الدينيّة الشموليّة التي تعمّ الناس قاطبةً، وأقرّوا بأنّهم يدركون وجود الله ضمن علمهم البديهيّ، لكن غاية ما في الأمر أنّهم لم يستخدموا ذات المصطلحات المستخدمة في الفلسفة الإسلاميّة، لذا لا نجد في كلامهم بعض التعابير مثل عبارة «العلم الحضوريّ»، ومن جملتهم الفيلسوف أتش. دي. لويس الذي أعرب عن أسفه لكون غالبيّة العلماء والباحثين الغربيّين يفنّدون التجربة الدينيّة ويعتبرونها مجرّد أمر عارض يحدث خلسةً وفجأةً بشكل مشتّت لا ضابطة له، ويصفونها بكونها خارجة عن نطاق القواعد المتعارفة بين البشر، في حين أنّ معرفة الله عبارة عن أمر شموليّ يعمّ البشريّة قاطبةً قديمًا وحديثًا وفي كلّ بقعة جغرافيّة، حيث يدركونه كوجود فائق القدرة ومتعالٍ يسمو على عالم المادّة[39].

نتيجة البحث
نستنتج من جملة ما ذكر في المقالة أنّ النظريّات الخمسة التي طرحها بعض الفلاسفة الغربيّين بخصوص التجارب الدينيّة التي تكتنف باطن الإنسان ضمن مشاهداته الروحيّة أو ما يسمّى «تجربة الله» لا صواب لها، وترِد عليها مؤاخذات جادّة ونقد لا محيص منه؛ لذا فإنّ أفضل سبيل لتجاوز هذه المعضلة هو اعتبار الحالات الشهوديّة ـ التجارب الدينيّة ـ بأنّها من سنخ العلم الحضوريّ الذي يصطلح عليه البعض عنوان علم بديهيّ أو فطريّ.
العلم الحضوريّ حسب الأسس الإبستيمولوجيّة يمنح الإنسان معرفةً مباشرةً بالموضوع، وهو يقينيّ لا يكتنفه أدنى شكّ وترديد، لكن ليس المقصود من ذلك أنّ جميع التجارب الدينيّة معتبرة، فالشواهد التأريخيّة تحكي عن كثير من هذه التجارب الباطلة التي هي مجرّد أوهام أو مزاعم باطلة ومعظمها محفوف بالتناقض، وهي بكلّ تأكيد غير معتبرة ولا مصداقيّة لها على الإطلاق.
التجارب الدينيّة المعتبرة التي يجب الإذعان بمصداقيّتها والتي لها قيمة علميّة هي التي تكتنف الإنسان في رحاب علم حضوريّ، مثل العلم بوجود الله عزّ وجلّ، فهو علم حضوريّ موجود لدى جميع الناس لكن بمراتب متنوّعة؛ لذا بإمكان كلّ إنسان بلوغ أعلى مراتبه عن طريق الجدّ والاجتهاد وعدم الانجرار وراء الأهواء والنزوات النفسانيّة.

المصادر والمراجع العربية
وليام باين ألستون وآخرون، درباره تجربه ديني (باللغة الفارسيّة)، مقالات مختارة انتقاها مايكل بيترسون وآخرون، ترجمه إلى الفارسيّة مالك حسيني، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، طهران، منشورات هرمس، 2010م.
وولتر ستيس، عرفان وفلسفه (باللغة الفارسيّة)، ترجمه إلى الفارسيّة بهاء الدين خرم شاهي، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، طهران، منشورات سروش، الطبعة السادسة، 2005م.
واين براودفوت، تجربه ديني (باللغة الفارسيّة)، ترجمه إلى الفارسيّة عباس يزداني، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، طهران، منشورات كتاب طه، الطبعة الثانية، 2004م.
ديفيد بالين، مباني فلسفه دين (باللغة الفارسيّة)، ترجمه إلى الفارسيّة السيد محمود موسوي، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، قم، منشورات معهد دراسات العلوم والثقافة الإسلاميّة، قم، الطبعة الأولى، 2004م.
تشارلز تاليافيرو، فلسفه دين در قرن بيستم (باللغة الفارسيّة)، ترجمه إلى الفارسيّة إنشاء الله رحمتي، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، طهران، منشورات مكتب سهروردي للدراسات والنشر، 2003م.
عبد الله الجوادي الآملي، تبيين براهين إثبات خدا (باللغة الفارسية)، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، قم، منشورات إسراء، الطبعة السادسة، 2011م.
علي رباني كلبايكاني، در آمدي بر كلام جديد (باللغة الفارسية)، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، قم، منشورات هاجر، الطبعة الخامسة، 2010م.
علي شيرواني، مباني نظري تجربه ديني (باللغة الفارسيّة)، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، قم، منشورات بوستان كتاب، الطبعة الثانية، 2009م.
علي شيرواني، مباني نظري تجربه ديني از نظر ابن سينا (باللغة الفارسيّة)، مقالة نشرت في مجلة «معرفت فلسفي»، العدد 3، 2011م.
مايكل بيترسون وآخرون، عقل واعتقاد ديني (باللغة الفارسيّة)، ترجمه إلى الفارسيّة أحمد نراقي وإبراهيم سلطاني، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، طهران، منشورات طرح نو، 1998م.
محمد تقي مصباح اليزدي، آموزش فلسفه (باللغة الفارسيّة)، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، طهران، منشورات مكتب الإعلام الإسلاميّ، 1986م.
محمد تقي مصباح اليزدي، آموزش عقايد (باللغة الفارسيّة)، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، طهران، منشورات شركة الطباعة والنشر الدوليّ، 2011م.
وليام وايرايت، فلسفه دين (باللغة الفارسيّة)، ترجمه إلى الفارسيّة علي رضا كرماني، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، قم، منشورات مؤسّسة الإمام الخمينيّ للتعليم والبحوث العلميّة، 2011م.
جون هيك، فلسفه دين (باللغة الفارسيّة)، ترجمه إلى الفارسيّة بهزاد سالكي، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، طهران، منشورات الهدى، 2011م.

المصادر والمراجع الأجنبية
William P. Alston, 1998, Religious experience justifies religious belief, in: contemporary debates in philosophy of religion, Michael L. Peterson and Raymond J. Van Arragon, Blackwell, USA.
William P. Alston, 2012, Perceiving God, in: philosophy of religion and anthology, edited by Louis Poyman and Rea Michael, sixth edition,   Wadsworth, Boston.
Antony Flew, 1996, God and philosophy, Hutchinson, Michigan.
William James, 1982, The varieties of religious experiences, Penguin American library, USA.
Richard Swinburne, 2004, The existence of God, Clarendon press - Oxford, New York.

---------------------------------
[1]ـ  باحث وأكاديميّ متخصّص في فلسفة الدين - جامعة طهران.
- هذه المقالة نُشرت في مجلّة «حكمت إسراء» الفصليّة التي تصدر باللغة الفارسيّة في جمهوريّة إيران الإسلاميّة، السنة الثامنة 2014م، العدد 22.
ترجمة: أسعد مندي الكعبيّ.
[2]- علي شيرواني، مباني نظري تجربه ديني از نظر ابن سينا (باللغة الفارسية)، مقالة نشرت في مجلة «معرفت فلسفي»، العدد 3، 2011م.
[3]- William James, 1982, The varieties of religious experiences, Penguin American library, USA, p. 324.
[4]- Ibid.
[5]- وولتر ستيس، عرفان وفلسفه (باللغة الفارسيّة)، ترجمه إلى الفارسيّة بهاء الدين خرم شاهي، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، طهران، منشورات سروش، الطبعة السادسة، 2005م، ص 137 - 138.
[6]- المصدر السابق، ص 140 - 141.
[7]- المصدر السابق، ص 141.
[8]- المصدر السابق، ص 143 - 144.
[9]- المصدر السابق، ص 146 - 147.
[10]- Richard Swinburne, 2004, The existence of God, Clarendon press - Oxford, New York, p. 303.
[11]- Ibid.
[12]- Ibid, p. 305 - 307.
[13]- Ibid, p. 309 - 310.
[14]- ثنائيّ إيثيل أميد حمض الليسرجيك (يختصر LSD وذلك من التسمية الألمانيّة للمركّب Lyserg sنure diethylamid) هو مادة صلبة عديمة اللون والرائحة والطعم في شكله النقيّ، وعبارة عن مركب شبه قلويّ من المهلوسات القويّة المؤثّرة على العقل، بحيث إنّ جرعة صغيرة جدًا منه تكفي لإحداث اضطرابات في الرؤية، والمزاج والفكر.
[15]- Richard Swinburne, 2004, The existence of God, p. 310 - 315.
[16]- Antony Flew, 1996, God and philosophy, Hutchinson, Michigan, p. 120.
[17]- Richard Swinburne, 2004, The existence of God, p. 315 - 320. 
[18]- تشارلز تاليافيرو، فلسفه دين در قرن بيستم (باللغة الفارسيّة)، ترجمه إلى الفارسيّة إنشاء الله رحمتي، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانية، طهران، منشورات مكتب سهروردي للدراسات والنشر، 2003م، ص 439.
[19]- ديفيد بالين، مباني فلسفه دين (باللغة الفارسيّة)، ترجمه إلى الفارسيّة السيد محمود موسوي، الجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة، قم، منشورات معهد دراسات العلوم والثقافة الإسلاميّة، قم، الطبعة الأولى، 2004م، ص 388.
[20]- تشارلز تاليافيرو، فلسفه دين در قرن بيستم (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسيّة إنشاء الله رحمتي، ص 441 - 442.
[21]- وليام باين ألستون وآخرون، درباره تجربه ديني (باللغة الفارسية)، مقالات مختارة انتقاها مايكل بيترسون وآخرون، ترجمه إلى الفارسيّة مالك حسيني، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، طهران، منشورات هرمس، 2010م، ص 45.
[22]- المصدر السابق، ص 50.
[23]- وليام وايرايت، فلسفه دين (باللغة الفارسيّة)، ترجمه إلى الفارسيّة علي رضا كرمانيّ، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، قم، منشورات مؤسّسة الإمام الخمينيّ للتعليم والبحوث العلميّة، 2011م، ص 281.
[24]- وليام باين ألستون وآخرون، درباره تجربه ديني (باللغة الفارسية)، مقالات مختارة انتقاها مايكل بيترسون وآخرون، ص 46.
[25]- جون هيك، فلسفه دين (باللغة الفارسيّة)، ترجمه إلى الفارسيّة بهزاد سالكي، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، طهران، منشورات الهدى، 2011م، ص 177.
[26]- William P. Alston, 1998, Religious experience justifies religious belief, in: contemporary debates in philosophy of religion, Michael L. Peterson and Raymond J. Van Arragon, Blackwell, USA, p. 139 - 140.
[27]- مايكل بيترسون وآخرون، عقل واعتقاد ديني (باللغة الفارسيّة)، ترجمه إلى الفارسيّة أحمد نراقي وإبراهيم سلطاني، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، طهران، منشورات طرح نو، 1998م، ص 43 - 45.
[28]- William P. Alston, 2012, Perceiving God, in: philosophy of religion and anthology, edited by Louis Poyman and Rea Michael, sixth edition, Wadsworth, Boston, p. 244.
[29]-  تجدر الإشارة هنا إلى وجود خلاف بين العلماء والمفكّرين المعاصرين حول ما إن كانت التجربة الحسّيّة تمنحنا اليقين بموضوعها، أو أنّها مجرّد وسيلة عمليّة يمكن الاعتماد عليها لوضع حلول لبعض الإشكاليّات التي تكتنف أذهاننا ومعرفة حقائق القضايا الغامضة علينا بغضّ النظر عمّا إن كانت تمنحنا اليقين أو لا.
هذه القضيّة أثارت جدلًا في المباحث المطروحة على صعيد فلسفة العلم في العصر الحديث، لكن من المؤكّد أنّ العلوم التجريبيّة - حتّى حسب الرؤية البراغماتيّة - ذات خلفيّة قويّة لكونها خاضعة للاختبار والتجارب المكرّرة، لذلك تحوّلت إلى قضايا مهمّة ذات نتائج عمليّة ومعتبرة في حياة البشر؛ في حين أنّ التجارب الدينيّة ليست كذلك.
[30]- تشارلز تاليافيرو، فلسفه دين در قرن بيستم (باللغة الفارسيّة)، ترجمه إلى الفارسيّة إنشاء الله رحمتي، ص 451.
[31]- علي شيرواني، مباني نظري تجربه ديني (باللغة الفارسيّة)، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، قم، منشورات بوستان كتاب، الطبعة الثانية، 2009م، ص 84 - 90.
[32]- علي رباني كلبايكاني، در آمدي بر كلام جديد (باللغة الفارسيّة)، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، قم، منشورات هاجر، الطبعة الخامسة، 2010م، ص 179 - 180.
[33]- وليام باين ألستون وآخرون، درباره تجربه ديني (باللغة الفارسيّة)، مقالات مختارة انتقاها مايكل بيترسون وآخرون، ص 44 - 45.
[34]- المصدر السابق، ص 25.
[35]- عبد الله الجوادي الآملي، تبيين براهين إثبات خدا (باللغة الفارسيّة)، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، قم، منشورات إسراء، الطبعة السادسة، 2011م، ص 274.
[36]- المصدر السابق، ص 269.
[37]- آراء العلماء والباحثين متنوّعة بخصوص مسألة «الفطرة» وطبيعتها، ويبدو أنّ أفضل بيان فلسفيّ لها هو اعتبارها سنخًا من العلم الحضوريّ.
[38]- محمد تقي مصباح اليزدي، آموزش فلسفه (باللغة الفارسية)، الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، طهران، منشورات مكتب الإعلام الإسلاميّ، 1986م، ج 2، ص 330 - 331.
[39]- تشارلز تاليافيرو، فلسفه دين در قرن بيستم (باللغة الفارسيّة)، ترجمه إلى الفارسيّة إنشاء الله رحمتي، ص 468.