البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

خطاب الكراهية كنمط حياة غربيّة؛ عولمة القيم عبر مواقع وسائل التواصل

الباحث :  سعد عبد السلام
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  23
السنة :  ربيع 2021م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 6 / 2021
عدد زيارات البحث :  56
تحميل  ( 744.490 KB )
تتناول هذه الدراسة وجهًا استثنائيًّا مستحدثًا للحياة المعاصرة، وللحياة الغربيّة على نحو الخصوص. نعني بذلك الكيفيّة التي استخدمت فيها الميديا في إعادة انتاج قيم الكراهية والحذر من الآخر، وتحديدًا الآخر المنتمي إلى العالم الإسلاميّ. ويتوصّل الباحث هنا إلى استنتاجات في غاية الخطورة، وهو تحوّل الكراهية ونبذ الآخر إلى نمط حياة راسخ في البنية المجتمعة والحضاريّة في الغرب.

المحرِّر

 يجتاح جميع دول العالم ما اصطلح عليه «عولمة القيم عبر مواقع وسائل التواصل»، حيث تشهد المجتمعات انتشارًا واسعًا لهذه الظّاهرة، وتواجه الدول مستويات معقّدة من ألوان العولمة التي لا تستهدف الأفراد فقط، بل والجماعات والدول أيضًا، وتظهر عولمة القيم في صورة مضايقات وتهديدات بأوجه متعدّدة، منها ما هو سياسيّ ودينيّ واجتماعيّ وثقافيّ... ومن ثمّة تنوّعت جرائم الكراهية، ما بين ممارسة العنف ضد الآخرين في المدرسة وأماكن العمل ودور العبادة وممتلكات الأقلّيّات وغيرها، وذلك عن طريق نشر خطاب معادٍ، يمكنه أن يأخذ شكل لوحة أو كتاب أو نصّ أو ملصق أو أغنية أو فيلم، أو أي إنتاج آخر، ينطوي على عناصر مهينة وتهديديّة؛ لإلحاق الأذى بالفئة المستهدفة ومضايقتها وترهيبها وتهميشها والحطّ من كرامتها وإذلالها، واستغلالها لترسيخ فكرة عدم الاكتراث بها؛ فتظهر الكراهية في الشعارات والمواقف التي تكون غالبًا المصدر الرئيس لنشر ثقافة الكراهية؛ لذا تصاعد هذا الخطاب في دول العالم برمّتها، وهو يحتاج لرؤية بعيدة عن المثاليّة لمواجهته ولتثبيت أسس خطاب التسامح، وقبول الآخر دون مثالية بعيدة عن الواقع، فهل يُريد الغرب لنا أن نحصل على حقوق وحرّيّات؟ قد يكون الظاهر نعم، ولكن الحقيقة خلاف ذلك، والواقع أنّ أحد أخطر أدوات نشر الكراهية، يكمن في نشر الأكاذيب والافتراءات والتلبيسات، والتلاعب بالعقول وتزوير الحقائق، وتزييف التاريخ، حيث بات هذا الأمر صناعة ضخمة تُنفَق في سبيلها المليارات من الدولارات؛ ليس لاستهداف الدول والشعوب والأمم فقط، ولكن أيضًا لإشعال الحروب والصراعات والفتن لمصلحة جماعات ضغط، وشركات عابرة للقارات وغير ذلك، وهذه الممارسات لا تقتصر على منطقة جغرافيّة بعينها، أو تستهدف فئة بعينها، ويكفي الإشارة إلى ما تروّجه وسائل الإعلام الغربيّة عالميًّا للمجتمعات الغربيّة لتحقيق أهداف سياسيّة أو دينيّة أو ذاتيّة أو غيرها... ومن ثمّة فإنّها تؤلّب وتحرّض، وتدعو إلى التمييز.

فمواقع وسائل التواصل لا تُعلن عن هُويّتِها الحقيقيّة لعموم الناس؛ لأنّها تابعة لمنظومة الحقوق والحرّيّات الغربيّة، والتي تستقي فلسفتها من عدم وجود ميثاق أخلاقيّ ثابت تتوقّف عنده، بل يمكن تغييره واستبداله في أيّ وقت تشاء؛ لأنّ هذا الميثاق يخضع لآراء الناس وليس لأمر سماويّ، تحت ما يسمى بحقوق وحرّيّات الإنسان. بل إنّها تتواصل مع المنظّمات الدوليّة المدعومة سياسيًّا من بعض الدول الغربيّة، وفي الحقيقة فإنّ أغلب مواقع وسائل التواصل هي أذرع غير حكوميّة للمنظومة الفكريّة الدوليّة والتي تتخذ من «الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان» وسيلة لابتزاز الدول الإسلاميّة لتغيير معالم هُويّتها وتوطين الفكر الغربيّ داخلها، فهي تدعو إلى الحرّيّات التي تفكّك المجتمع من داخله وخلخلة الاعتقاد الدينيّ لأفراده، بدعوى حرّيّة التعبير وحرّيّة الاعتقاد، وتدعو إلى تفكيك النسيج الاجتماعيّ، حيث تتّخذ من حقوق المرأة وسيلة لإبراز الجانب السلبيّ ولاقتراح حلول مثل: تمرّديّة المرأة لتقودها إلى السير بعيدًا جدًّا عن هويّتها بدعوى الفرار من التسلّط الذكوريّ عليها، وبدعوى التمييز أو المساواة.
ومن ثمّة تسعى هذه المواقع بكلّ قوّة إلى أن تؤسّس لانتشار أفكارها التغريبيّة مثل: إلغاء نظام ولاية الأب على البنت، وإلغاء حقّ القوامة للرجل واستبداله بحقّ المساواة، والطعن في أيّ مبدأ دينيّ أو عرفيّ خاصّ بتمييز الرجل عن المرأة، مثل الطعن في أنّ للذكر مثل حظّ الأنثيين، بحجّة أنّ هذا مخالف للمساواة، وفي أنّ شهادة المرأة عند القاضي على النصف من شهادة الرجل، وأن تكون العصمة بيد الرجل، وغير ذلك من المسائل الشرعيّة، فجعلوا الإعلان العالميّ الأرضيّ لحقوق الإنسان فوق نصوص القرآن والشريعة الإلهيّة! لذلك نجد أنّ لهذه المواقع عداءً واضحًا مع هويّتنا الإسلاميّة؛ لأنّها تعارض بوضوح حرّيّة الكفر وحرّيّة الجنس وحرّيّة التغيير في خلق الله، وحرّيّة الزنا بالتراضي، وحرّيّة اللواط والسحاق -الشذوذ-، وحرّيّة سب الإله وسب الرسل، وسائر أنواع الحرّيّات التي تعارض أصلًا وفصلًا شريعة الله؛ وعلى رأسها رسالة الإسلام. فمن الذي يدافع عن حرّيّة الإلحاد؟ ومن ذا الذي يدافع عن حرّيّة التعبير بالطعن في الإله سواء عن طريق الرواية أو الشعر أو غير ذلك؟ ولمَ تنصّ المادة 18 من الإعلان العالميّ على أنّ لكلِّ شخص حقّ في حرّيّة الفكر والوجدان والدِّين، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في تغيير دينه، وحرِّيته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبُّد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، إلّا مع الحجاب وشعائر الإسلام! ومن الذي يدافع عن حرّيّة اللاتي يُظهرن مفاتنهنّ ودقيق عوراتهن بدعوى أنهنّ يتعرّضن للتنمّر؟ ومن الذي يدافع عن حرّيّة البنت في الزواج دون ولي؟ ومن الذي يشجّع على حرّيّة الجنس؟ ويدعم حقّ الذكر وليس الرجل في إقامة علاقة جنسيّة مع ذكر مثله «اللواط»، ويدعم حقّ المرأة في إقامة علاقة جنسيّة مع امرأة أخرى «السحاق».

يدعم الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان اختيار الرجل أو المرأة في إقامة علاقات جنسيّة خارج إطار الزواج -الزنا- طالما كان بالتراضي! ويدعم حقّ الرجل والمرأة في إقامة علاقات جنسيّة مع الحيوانات!! ويستنكف من تعدّد الزوجات في الحلال! بل ويدعم حقّ الأزواج والزوجات في إقامة حفلات للجنس الجماعيّ تحت مسمّى تبادل الزوجات طالما كان ذلك بالتراضي! فهذا من الحقوق والحرّيّات! ومن العجيب أنّ المادّة الأخيرة من الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان مقاومة لحقّ التعبير المخالف لها، بل وفيها من الصلف والغرور والعنجهيّة والكبْر، ما يجعل هذه الوثيقة وكأنّ لها قدسيّة لم تحصل عليها رسالة السماء، ولها من النفاذ ما ليس للأنبياء! ولمزيد من البيان، لو أعلن مجموعة من الشباب، ذكورًا وإناثًا أنّهم بصدد عمل مسيرة للشواذ أو مؤتمر للإعلان عن وجودهم الرسميّ، وأنّهم قدّموا طلبًا لوزارة الداخليّة، فإنّ هذه المنظّمات ستسعى جاهدة وبكلّ قوّة للضغط على النظام بدعم دوليّ لكي تُقام هذه المسيرة أو هذا المؤتمر.
وتزداد وتيرة الهجوم على المنظومة الدينيّة وكأنّها الوحيدة التي أدّت إلى انسداد الأفق بالنسبة للأوضاع السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة! وإنّما هو تبعيّة للغرب، ليصير مجتمعنا مفكّكًا يكثُر فيه الإلحاد، ثم يُدعم فيه الشذوذ وإدمان الإباحيّة، وتزداد نسب الطلاق وينتشر الزنا والإجهاض وأولاد الزنا، ويتمّ فيه التهجّم على الدين والرسل والصحابة والأئمّة، فمواقع التواصل ووسائل الإعلام، هي الباب الأوسع لسيطرة الغرب علينا!

فلقد استُعبدت أمّتنا من قبل المؤسّسات الغربيّة الحديثة؛ وقد حان الوقت للتخلّص من مفاهيم الغرب السحرّيّة، وخاصّة وسائل إعلامه، واستبدالها بمفاهيمنا الخاصّة، مع وجوب أن نعيد المعاني الحقيقيّة للمفاهيم التي قام الغرب بتفريغ مضمونها وألبسها هويّته الخاصّة، وأن تكون بوسائل إعلامنا نحن؛ بل إنّه يهدف إلى تفتيت بنية المجتمعات، ويتسبّب في شتى الأزمات السياسيّة والاجتماعيّة وغيرها؛ ولطالما استُخدم لتحقيق مكاسب شتّى في الحياة العامّة، فوجّه ضدّ أقلّيّات أو مهاجرين أو لاجئين أو ما يسمّى الآخر؛ وإنّ نتائج ذلك وخيمة على الجميع، وهي الأخطر؛ لأنّ أثرها يظهر سريعًا، فهي تبدأ بانسحاب أبناء الجماعة المستهدفة من الحياة العامّة، والتوقّف عن لعب دور إيجابيّ، ويدفعهم نحو الشعور المتزايد بالاضطهاد والاستهداف والتمييز ضدّهم، وربما إلى الرغبة في الهروب عن طريق العنف أو الإدمان، وبهذا يخسر المجتمع إسهامًا إيجابيًّا لأبناء تلك الجماعة، بل إنّهم قد يتحوّلون تدريجيًّا إلى عناصر خطر حقيقيّة تهدّد الجميع بلا استثناء؛ لذا كان من اللازم التصدّي لخطاب الكراهية والتحريض بكافّة أشكاله للدفاع عن مستقبل البشريّة جميعها، إنّها معركة أخلاقيّة بامتياز؛ ومن ثمّة تهدف هذه الدراسة إلى التفتيش والتقميش عن ازدواجيّة معايير الغرب في عولمة قيمه عبر مواقع وسائل التواصل الاجتماعيّ؛ لذلك كان علينا أن نُلقي بعض الضوء على بعض مواقع وسائل التواصل، والذي تسعى بكلّ قوّة لتوطينه داخل مجتمعاتنا وتعليمنا وثقافتنا. وسأتناول مثالًا ونموذجًا وحيدًا، وهو موضوع طالما روّجت له مواقع التواصل ووسائل الإعلام الغربيّة إنّه: «خطاب الكراهية»؛ بُغية الكشف عن جذوره ونتائجه، وفق منهج تاريخيّ تحليليّ نقديّ، يرصد علّة هذه الظاهرة وأبعادها؛ كما أنّ تناولنا لهذا الموضوع ينبثق من طرح تساؤلات مثل: ما خطاب الكراهية وكيف يحرِّض على العنف؟ ومتى يمكن اعتبار خطابٍ ما داخلًا ضمن عولمة القيم عبر مواقع وسائل التواصل؟ وما مخاطر هذا الانتشار على المجتمعات؟ وما سبل مواجهته؟

خطاب الكراهية بلغة القانون العولميّ
على الرغم من أنّ موضوع خطاب الكراهية قد حظي باهتمام كبير من الناحية القانونيّة، إلّا أنّ هذا الاهتمام انحصر في تقديم الحجج وتقويمها بشكل نقديّ، لدحض مبرّرات خطاب الكراهية، بدلًا من المهمّة المتمثّلة في تحليل المصطلح نفسه؛ ويبدو أنّ الوصول إلى تعريف شامل لما يسمّى: خطاب الكراهية، ظلّ أمرًا صعبًا ومعقّدًا، نظرًا لاشتمال هذه الظّاهرة على مفاهيم متشعّبة في المواثيق الدولية. فهذا المصطلح لم يتمّ تناوله صراحةً في المواثيق الدّوليّة إلّا من باب محاولات حظر أشكاله وذكر مبرّراته، ولتعريفه وضبط مفهومه، كان لا بدّ من العودة إلى النّصوص القانونيّة والاصطلاحيّة. والحقيقة هي أنّ خطاب الكراهية مصطلح حقوقيّ فضفاض، يُعرّف على أنّه: «أنماط مختلفة من أنماط التعبير العامّ التي تنشر الكراهية أو التمييز أو العداوة، أو تحرض عليها وتروّج لها أو تبرّرها، ضدّ شخص أو مجموعة ما، أو نشر الدعوة إلى الكراهية والتمييز والتحيّز، أو العنف والعدوانيّة ضدّ حاملي صفات معيّنة، مثل: العِرق أو الدين أو الإعاقة أو الرأي السياسيّ أو اللون أو النسب أو الجنس، أو أيّ عامل هويّة آخر؛ كما تندرج تحت مسمّى هذا الخطاب، كلّ العبارات المؤيّدة للتحريض على الضرر.  فكلّ خطاب عبّر عن مواقف متحيّزة تمييزيّة، اتّجاه جنس أو عرق أو دين أو إثنيّة أو إعاقة أو نحوها... فهو خطاب كراهية، فخطاب الكراهية خطاب استعلائيّ هجوميّ، الهدف من نشره التأصيل لممارسات تمييزيّة في منطقة أو مجتمع ما، مثل قرية أو مدرسة... وقد تتسع لتشمل شعوبًا أو أعراقًا، أو عقيدة دينيّة أو دولة أو ثقافة ما. ودائمًا ما يكون خطاب الكراهية أداة لتحفيز المشاعر وإثارتها، وتعبئتها في اتجاه معين، فيصبح تحريضيًّا وحاشدًا بما ينشئ سلوكًا وثقافة للانتقاص ممّن وجّه ضدّهم الخطاب، وهنا تكمن خطورة خطاب الكراهية، خاصّة إذا وجدت منابر إعلاميّة أو بيئةَ تواصلٍ خصبةٍ، تروّج له وتزيد من انتشاره؛ لذلك انتشرت في الآونة الأخيرة مصطلحات، لم تكن موجودة من قبل مثل: الإسلاموفوبيا (Islamophobia) ورهاب الأجانب (xenophobia) ورهاب الإلحاد (atheophobia) وغيرها...

وممّا تقدّم يبدو أنّ تعريف خطاب الكراهية ليس معقّدًا فحسب، بل إنّه مثير للجدل أيضًا، نظرًا لاستخدام مصطلحات متحيّزة، مثل العرق واللّون والفئة والدّين... وهذا التعريف المنسوخ، عليه مآخذ عدّة منها: مطّاطيّةُ كلماته بما يتيح للتفسيرات المختلفة والمتناقضة أن تضيق وتتسع، بحسب تقدير كلّ فئة وكلّ حكومة وكلّ جماعة؛ ومع عدم توافر تعريف قانونيّ دقيق لـ «خطاب الكراهية»، فقد برزت في هذا السياق، إشكاليّة تتعلّق بالمعطيات الّتي تجعل من خطاب الكراهية جريمةً يعاقب عليها القانون؛ خاصّة في ظلّ تداخله مع مصطلحات أخرى، مثل: حرّيّة الرأي والتعبير... فهل ثمّة قوانين واضحة وصريحة يعتمد عليها في فهم وضبط مصطلح خطاب الكراهية؟

قوانين مكافحة خطاب الكراهية بين عولمة قيمته وقيمة عولمته
عملت القوانين الحديثة على محاولة ضمان حماية حقّ المساواة بين الناس، مع حظر خطاب الكراهية، وقد شملت قوانين الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان نصوصًا قانونيّة تمنع استخدام عبارات الإهانة للأفراد والجماعات، بناءً على عرقهم أو دينهم، أو نحو ذلك... ولعلّ أبرزها ما ورد في الفقرة: 2 من المادة: 20 من العهد الدوليّ الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسياسيّة: حيث تحظر بالقانون، أيّ دعوة إلى الكراهية القوميّة أو العنصريّة أو الدينية، أو أيّ دعوة تُشكل تحريضًا على التمييز أو العداوة أو العنف... كما تتضمّن مادّته الثانية: حقّ الفرد في التمتّع بكافّة الحقوق والحرّيّات الواردة في هذا الإعلان، دون أيّ تمييز بسبب اللون أو الجنس أو اللغة، أو الدين أو أيّ تمييز لسبب آخر؛ ثمّ عاود الإعلان في مادّته الثالثة ضرورة ضمان حقّ الفرد في الحياة، والتمتّع بالحرّيّة والسلامة؛ أمّا بالنسبة للمادة: 7 فقد أكد الإعلان على أنّ كلّ الناس سواسية أمام القانون، ولهم الحقّ في التمتّع بحماية متكافئة، دون أيّ تفرقة، وأنّ لهم جميعًا الحقّ في حماية متساوية، ضدّ أيّ تمييز يخلّ بهذا الإعلان. وجاء في نص المادة: 19 من العهد الدوليّ للحقوق السياسيّة والمدنيّة، ضبطٌ لما شملته حرّيّة التعبير، على أنّ أيّ دعوة إلى الكراهيّة القوميّة والعرقيّة والدينيّة... تشكّل تحريضًا على التّمييز والعداوة والعنف؛ ثمّ جاءت المادة: 20 من ذات العهد لتحظّر بشكل مباشر أيّ دعوات تحريضيّة أو عنصريّة أو كراهية...

1 - تحظّر بالقانون أيّ دعاية للحرب.
2 - تحظّر بالقانون أيّ دعوة إلى الكراهية القوميّة أو العنصريّة، أو الدينيّة تشكل تحريضًا على التمييز أو العداوة أو العنف.
3 - تتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة: 2 واجبات ومسؤوليّات خاصّة، وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود شريطة أن تكون محدّدة بنصّ القانون، وأن تكون ضروريّة، أوّلًا لاحترام حقوق الآخرين وسمعتهم، وثانيًا: لحماية الأمن القوميّ أو النظام العامّ، أو الصحّة العامّة أو الآداب العامّة. وعلاوةً على ذلك، ميّزت هذه الاتّفاقية بين التّمييز العنصريّ (racial discrimination) وبين خطاب الكراهية العنصريّة (racial hâte speech)؛ إذ يُعرّف هذا الأخير على أنّه نشر أفكار التّفوّق العنصريّ أو تبرير العنصريّة، أو الدّعوة إلى الكراهية العنصريّة أو التّمييز العنصريّ. كما تعتبر خطاب الكراهية انتهاكًا حقيقيًّا لحرّيّة التّعبير[2].

ووفقًا للاتفاقيّة الدوليّة للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصريّ، فإنّ كلّ نشر للأفكار القائمة على التفوّق العنصريّ أو الكراهية العنصريّة، وكلّ تحريض على العنصريّة، وكلّ عمل من أعمال العنف، أو تحريض على هذه الأعمال، يُرتكب ضدّ أيّ عرق أو جماعة من لون أو غيره... وكلّ مساعدة لأنشطة عنصريّة بما في ذلك تمويلها، يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون. وقد قامت المفوّضيّة السامية للأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين بتمويل مؤتمرات لمناقشة مدى انطباق حرّيّة التعبير على فضاء الإنترنت، بغرض مكافحة كلّ أشكال التحيّز العنصريّ طبقًا للقانون الجنائيّ الدّوليّ. وشاركت غوغل ومايكروسوفت وفايسبوك وتويتر في مدوّنة السّلوك، حيث التزمت جميعها بمراجعة المحتوى المنشور والإشعارات والخدمات المعروضة عبر صفحاتها ومواقعها، إن كانت تتضمّن خطاب كراهية.

ويمكن تقسيم تشريعات وأنظمة خطاب الكراهية إلى نوعين، الأوّل: وُضِع بهدف حفظ النظام العام، والنوع الثاني: وضع لأجل حماية الكرامة الإنسانيّة؛ ففي أوروبا مثلًا قام مجلس أوروبا بدعم حركة: «لا لخطاب الكراهية»، التي تعمل بنشاطٍ على زيادة الوعي اتجاه خطاب الكراهية، من أجل المساعدة في مكافحة هذه المشكلة، حيث عدّ التعصّب ضدّ المسلمين في ألمانيا من التحريض على الكراهية، وصنّف على أنّه جريمة يُعاقب عليها القانون الجنائيّ الألمانيّ، حيث يُجرِّمُ التحريضَ علنًا على الكراهية، ضدّ مجموعاتٍ معيّنة أو إهانتهم أو الافتراء عليهم؛ في حين أنّ المادّة 10 من الاتفاقيّة الأوروبيّة لحقوق الإنسان، تحظّر القوانين الجنائيّة ضدّ المراجعات التاريخيّة كنكران أو تقليل من شأن الإبادات الجماعيّة أو الجرائم ضدّ الإنسانيّة؛ لكنّ المحكمة الأوروبيّة لحقوق الإنسان لا تقدّم تعريفًا مقبولًا لـ»خطاب الكراهية»، لكنّها تقدّم فقط مُحدّداتِ يمكن للنائب العام من خلالها، أن يقرّر إمكانية اعتبار «خطاب الكراهية» حرّيّة تعبير أم لا.

وعلى سبيل المثال، تلك التوصية التي أوردها مجلس أوروبا للمفوّضيّة السامية لحقوق الإنسان، بشأن تعريفها لخطابات الكراهية، بأنّها تشمل جميع أشكال التعبير التي تنشر أو تحرّض، أو تشجّع أو تبرّر الكراهية العرقيّة أو كره الأجانب، أو معاداة السامية، أو غير ذلك من أشكال الكراهية المبنيّة على التعصّب، بما فيها التعصّب المعبّر عنه بالتمييز ضدّ الأقلّيّات والمهاجرين، فرفضت المفوضيّة شموليّة هذا التعريف، والذي سيثير المشكلات أكثر ممّا يحلّها؛ ولهذا كان الاهتمام أكثر بما تسفر عنه خطابات الكراهية، أو بما قد يترتّب عنه من آثار خطيرة. وقد تطلّبت تشريعات النوع الأوّل الموضوعة لحماية النظام العام في كثير من البلدان حدودًا أعلى في حال انتهاكها؛ لذلك لم يتمّ تطبيقها بصورة منضبطة في أكثر الحالات، فمثلًا لم يُحاكم في أيرلندا الشمالية بحلول عام 1992سوى شخص واحد بتهمة خرق تشريع من هذا القبيل، أمّا قوانين النوع الثاني الموضوعة لحماية الكرامة الإنسانيّة، فحدود تطبيقها أدنى بكثير من قوانين النوع الأوّل، كما تداخل تطبيق القوانين المتعلّقة بخطاب الكراهية في الولايات المتّحدة، مع حقّ حرّيّة التعبير الذي يضمنه دستور البلاد، وغالبًا ما تمّت إعادة فحص قرارات المحكمة، للتحقّق من عدم إخلال الحكم الصادر عن الدستور الأميركيّ.

احتدام الجدال حول مشروعيّة تجريم خطابات الكراهية 
نظرًا لعدم الاتفاق على تعريف واضح ومحدّد لخطاب الكراهية، ليشكّل إطارًا أو نطاقًا للحظر القانونيّ، فقد ثار جدال واسع حول مشروعيّة تجريم خطب الكراهية، وطُرح التساؤل عن مدى تعارض هذا المفهوم الواسع لخطاب الكراهية مع حرّيّة التعبير المكفولة بالمواثيق الدوليّة، حيث اقتصر خطاب الكراهية على ما يمكن أن يسمّى اليوم «خطاب العنصريّة» الّذي يغطّي جميع أشكال التعبير الّتي تنشر أو تحرّض أو تشجّع أو تبرّر العنصريّة، مثل كره الأجانب ومعاداة الساميّة والتمييز العرقيّ والإثنيّ واضطهاد الأقلّيّات والمهاجرين... وكافّة أشكال الكراهية ومظاهرها وممارساتها، لتشمل كلّ محتوى ينشر ويبرّر أو يحرّض على كراهية الأجانب ومعاداة الأقلّيّات... وكلّ الأشكال الأخرى للكراهية القائمة على عدم قبول الآخر.

المعايير التي تفضي إلى تجريم خطاب الكراهية
يشكّل خطاب الكراهية نوعًا من أفعال الكلام، حيث يسيء المتحدّث أو يلعن أو يعبّر عن كراهية تجاه فرد أو جماعة؛ إلّا أنّ ما يدفع إلى الشّك هو ما إذا كان خطاب الكراهية يمكن اعتباره نوعًا من الأداء، إذا ما تبنّينا معاييرَ التّمييز للمنطوق الأدائيّ والأوصاف، على اعتبار أنّ الخطاب أو الكلام مهما كان نوعه مقرون بقوّة الفعل، وإذا أمكننا التّعامل مع خطاب الكراهية انطلاقًا من هذا الاعتبار نفسه؛ فمن المؤكّد أنّ المتحدّث لا يعبّر في خطاب الكراهية عن أفكار عدائيّة فحسب، بل إنّه يقوم بعمل ما، مثل التّهديد أو التّحريض على إنجاز فعل معيّن، وهنا يمكن تطبيق إطار الحظر على الخطاب، إذا توفرت فيه ثلاث صور،  الأولى: التحريض على العنف، والثانية: التحريض على التمييز، والثالثة: التحريض على العداوة[3].

ولتقييم مستوى الكراهية، ومع محاولة للوصول إلى فهم شامل لظاهرة خطاب الكراهية؛ يؤخذ الحكم على الخطاب وطبيعته من منظور سلوكيّ، أي عبْر تحديد السّلوكيّات الّتي ينطوي عليها خطاب الكراهية، ومن ثمّ التّفكير في عواقبها المحتملة؛ ولكن ما يلفت الانتباه هنا، هو الحدّ الأعلى الذي قد تصل إليه هذه السلوكات، حيث إن الخطاب قد يتحوّل إلى فعل إجراميّ يهدّد الحياة، وبالتالي تأتي ضرورة  تلك المعايير، التي يتمّ تجريم خطاب الكراهية إذا توفّر أحدها فيه، كالآتي:

1 - سياق التعبير
أي النظر للسياق التاريخيّ لوضعيّة المجموعات التي يوجّه الخطاب ضدّها في المجتمع، وعلاقاتها بباقي أفراده، وإذا ما كانت هناك صراعات تاريخيّة أو معاملة عنصريّة لها تاريخها ضدّ تلك المجموعات، فيمكن الحكم من السياق على مدى خطورة التحريض وآثاره؛ وعلى سبيل المثال: إذا ما تمّ التحريض داخل دولة مصر على ذوي البشرة البيضاء، فمن غير المحتمل أن تترتّب أيّ آثار عنيفة، بخلاف ما إذا تمّ هذا التحريض في دولة كجنوب إفريقيا التي  لها تاريخ من العداء بين ذوي البشرة السمراء والبيضاء.

2 - مكانة قائل التعبير أو المتحكّم في انتشاره
يعني هذا أن تقاس مدى السلطة والتأثير من صاحب التعبير في الجمهور، ومعرفة ما إذا كان شخصيّة عامّة، أو يشغل منصبًا مهمًّا وبارزًا، أو كان قائدًا سياسيًّا أو اجتماعيًّا ونحوه... حيث تصبح دعوته أو تعبيره ذات احتمال للانتشار الواسع بين الجمهور، كما يمكن قياس درجة وعي قائل التعبير وخطورته.

3 - نيّة قائل التعبير
يمكن اعتبار التعبير تحريضًا إذا ذهبت نيّة صاحبه إلى التحريض على العنف والكراهية، أو الدعوة إلى أعمال تمييزيّة. وعنصر النيّة من الأمور التي يصعب إثباتها، ما لم يعترف بها صاحبها؛ لذا استقرّ قضاء حقوق الإنسان على وضع محدّدات وقرائن للاستدلال على نيّة الفاعل، ومنها لهجة صاحب التعبير، وهدفه من التعبير، ثمّ النظر إلى إعادة تكراره، لإثبات نواياه التحريضيّة من عدمها.

4 - محتوى التعبير
هنا وجب فحص محتوى التعبير، بربطه بقائله وبالفئة الموجّه لها، والموجّه ضدّها أيضًا، ونطاق التعبير ودوافعه ومخرجاته، وهل استخدمت في التعبير لهجة عنيفة مباشرة، وهل المحرَّض ضدّه كان واضحًا بشكل مباشر أو غير مباشر، مع مراعاة أن بعض الخطابات لا يمكن تطبيق معايير التحريض عليها، مثل التعبير الدينيّ والفنّيّ... وكذا الأبحاث العلميّة والحملات الانتخابيّة والمناظرات السياسيّة.

5 - حجم التعبير وقدرته على الانتشار
لكي يتمّ اعتبار التعبير تحريضًا، لا بدّ أن يتمّ توجيهه للجمهور بشكل مباشر وعلنيّ، لذا فقد وجّهت أمام دائرة الاستئناف عام 2007 تهمة ارتكاب الإبادة الجماعيّة والتواطؤ في الإبادة الجماعيّة والجرائم ضدّ الإنسانيّة ضدّ محرّر مجلّة: «كانغورا» ومالكها، والتي كانت مخصّصة لخطاب الكراهية ونشر رسوم كاريكاتورية لنساء التوتسي، ومقالات مهينة ومثيرة للكراهية عن طائفة التوتسي، وداعية لأفضليّة أبناء طائفة الهوتو على التوتسي، لهذا عدّت هذه المحاكمة الأولى تقريبا في القانون الدوليّ، التى عاملت الخطاب التحريضيّ تحت اسم: «إعلام الكراهية» لكونه يمثّل جريمة ضد الإنسانيّة[4].

صناعة الكراهية وجذور انتشار خطاب الكراهية من خلال قيم العولمة:
تعتبر صناعة الكراهية أحد أهمّ الأسلحة المستخدمة في الحروب النفسيّة، بل إنّها أهمّ أدوات الأنظمة الديكتاتوريّة لتفكيك التماسك الاجتماعيّ؛ فالحروب العسكريّة استهدفت حياة البشر وممتلكاتهم المادّيّة، في حين تستهدف الحروب النفسيّة السلوك الاجتماعيّ؛ من خلال التأثير على أفكارهم وحالتهم المعنويّة. وتصنع الكراهية بأساليب شتى، منها مثلًا: نشر الأكاذيب وتزيين الباطل، وتزوير الحقائق واختلاق الأحداث، والتلاعب بالعقول والافتراء على الآخرين، وهذا يؤدّي إلى توفير بيئة خصبة ترعى الكراهية والمعاداة، ليشتدّ عود الضغائن، فتتحوّل الكراهية إلى أفكار وعقائد، قبل أن تصبح سلوكًا عدوانيًّا عنيفًا متطرّفًا، فمثلًا كانت جرائم الإبادة الجماعيّة في رواندا قائمة على خلفيّة من التحريض الإعلاميّ وخطابات الكراهية التي تمّ بثّها عبر وسائل الإعلام باستمرار؛ لتعزيز وتأصيل أفضليّة طبقة الهوتو على التوتسي، ثمّ كان ما كان... فالتحريض بشكل مباشر وعلنيّ يعتبر صناعة للكراهية، وهي صناعة تتقنها طغمة من الدكتاتوريّات والأنظمة الفاسدة والنخب الفكريّة والسياسيّة والثقافيّة والدينيّة الكاسدة، حيث يقومون بنشر سموم وأكاذيب، ويبثّون الأحقاد بصورة يتمّ فيها التحريض، لبناء منظومة كراهة اجتماعيّة على أساس قوميّ أو عرقيّ وطائفيّ ومذهبيّ، أو قبَليّ أو مناطقيّ أو غيره... وهذه الصناعة تجد لها أسواقًا تروّجها في كثير من البلدان، وخاصّة في العالم العربيّ المثقل بالأزمات المركّبة؛ بل هي صناعة تحظى برعاية وغطاء من الأنظمة العربيّة المستبدّة، ومن دول كبرى تمتلك مشاريع جيو-ستراتيجيّة، تقوم على مبدأ الانقسام داخل الأمّة الواحدة والدولة الواحدة، وبثّ الكراهية والتفرقة بين الشعوب، وإحداث صراعات بينها لتتمكّن تلك الدول من تحقيق أهدافها ومآربها.

قيم العولمة في خطاب الكراهية بين جذوره الفرديّة وأسبابه السوسيو- سياسيّة
ساهم التطوّر التقنيّ في وسائل الإعلام المتنوّعة في تفشي ظاهرة الكراهية وخطابها في منصّات التواصل الاجتماعيّ بصورة كبيرة، حيث يتمّ استقطاب شرائح وأعداد متزايدة للانضمام إلى جيوش الكراهية العصريّة، مسلّحين بالحقد والأفكار العنصريّة؛ لخوض معارك الاقتتال الاجتماعيّ والمذهبيّ والعرقيّ في الفضاء الإلكترونيّ الواسع؛ زد على ذلك التعصّب الفكريّ والإيديولوجيّ والنّظرة الاستعلائيّة المتمثّلة بالخطاب الأحاديّ الجانب، الذي يدّعي بأنّه الخطاب الوحيد الذي يملك الحقيقة، مما ساهم في تأجيج السّلوك العدوانيّ وإثارة النّعرات بمختلف أشكالها، ومنها مثلًا:

1- التمييز العنصريّ
إنّ خطاب الكراهية لا يمكن حصره في اللّفظ وحسب، بل إنّه يتعدّى اللّغة ليتحوّل إلى سلوك عمليّ، يشكّل خطرًا على المستويين الفرديّ والجماعيّ؛ ومن الأمثلة الحيّة عن خطاب الكراهية، تلك التّشريعات المتعلّقة بالفصل العنصريّ في جنوب إفريقيا، والّتي بموجبها يُحرم أعضاء مجموعة عرقيّة من حقوقهم في التّصويت وقد كان البلد الذي تتوفّر فيه أكبر مجموعة من القوانين التي تحظّر الدعوة إلى العداء العنصريّ هي جنوب أفريقيا، بلد الفصل العنصريّ، وكان ضحايا هذه القوانين دائمًا هم السود. ونأخذ مثالًا آخر، إنّ لوحةً مكتوب عليها «للبيض فقط»، موضوعة على عقار للبيع أو على باب مطعم، هي بمنزلة خطاب كراهية أدائيّ تمييزيّ ضدّ السّود، ولا شكّ أنّه بمجرّد أن نُقْصي طرفًا أو وجهة نظر مُعارضة، أو نمنعها من الظّهور من خلال إعدام فرص التعبير عن رأيها في وسائل الإعلام، وذلك بالاستعانة بالنصوص القانونيّة نفسها التي تكرّس حرّيّة التعبير باعتبارها حقًّا أساسيًّا من حقوق الإنسان، فإنّنا نكون بصدد خلق خطاب تحريضيّ موَلّد للكراهية؛ ونهدم القوانين، ونقوّض حقوقًا أساسيّة مثل المساواة وحقّ الناس في حرّيّة الاعتقاد والفكر والتعبير.

2- التهميش والإقصاء:
إنّ التهميش الذي تقوم به أنظمة استبداديّة بشكل ممنهج، ضدّ أفراد وفئات في المجتمع، يشكّل مناخًا مناسبًا لتنامي خطاب الكراهية لدى المهمَّشين، كما أنّ الصورة النمطيّة عن فئة محدّدة أو بلد معيّن، والأحكام المسبقة ضدّهم، نتيجة تشنيع أفكارهم في البنية الاجتماعيّة، فإنّما تقع المسؤوليّة هنا على كاهل الدولة بكافّة هيئاتها، وخاصّة امتلاكها لوسائل الإعلام ومناهج التعليم ومؤسّسات الدين... حيث يلجأ المتنفّذون في السلطة إلى ممارسات منها: تطويع التشريعات لصالحهم بغية إسكات أيّ انتقاد، تحت خانة القدح والذمّ؛ ويبدو أنّ قوانين القدح والذمّ والتحقير والتهديد، تطبّق فقط في حال كان «المعتدَى عليه» من السلطة؛ ففي هذه الحالة يتحرّك القضاء دفاعًا عن المشاعر الشخصيّة، أمّا إنْ تعرّض المواطنون لإساءة مماثلة، فإنّ الاستجابة تختلف؛ وإذ نورد هذه المقارنة، لإظهار الاستنسابيّة والمعايير المزدوجة في تطبيق القوانين، التي وجب تحديثها للتناسب مع حاجات الناس، وليس لحاجات من هم في الحكم.

نماذج ومستويات صناعة الكراهية في الإعلام الغربيّ:
إنّ الجانب الأسوأ للكراهية هو التحريض على العنف، ومن ثمّة العنف نفسه، والذي تقود الكراهية إليه في صورة حروب ومذابح وجرائم ضد الإنسانيّة، وفي صناعة الكراهية نجد نماذج ومستويات مختلفة، منها ما يتعلّق بإشعال الصراعات والحروب بين الدول والشعوب، ومنها ما يرتبط بصناعة الكراهية داخل الأمّة الواحدة، أو داخل البلد الواحد أو العرق الواحد أو الدين الواحد، فمثلًا عملت بعض الدول الغربيّة الاستعماريّة على تلطيخ صورة الإنسان العربيّ المسلم عبر وسائل الإعلام، وتعزّزت صورة العربيّ المتطرّف القاتل في وسائل الإعلام الغربيّة، مما أحدث ما يعرف بظاهرة الإسلاموفوبيا؛ وفي البلدان العربيّة حيث تتشابك المعايير وتمتزج المصطلحات وتفتقد الضوابط، يختلط النقد بالشتم وتتصاعد وتيرة القذف في الخطابات التي تجد استحسانًا لدى شرائح اجتماعيّة واسعة، حيث تلهب الخطابات الشوفينيّة مشاعرهم وحماسهم، في ظلّ التناحر والصراع السياسيّ والأيديولوجيّ والدينيّ... وثمّة صناعة للكراهية داخل البلد الواحد والدين الواحد، بهدف إثارة العصبيّات المذهبيّة والقبليّة، لإشعال الفتن والصراعات التي توصل إلى حروب أهليّة، وفي ظلّ حالة الجهل التي ما زالت تحكم واقع المجتمعات العربيّة، تصبح الكراهية نارًا تستعر، فتحرق المجتمع وتفكّك ترابطه، وتثير النعرات والحروب الأهليّة، وتنهي أيّ تفاهم وتناغم مجتمعيّ، بل وتحدث الرغبة في الانتقام بنشر ثقافة تبرير العنف والاعتداء على الغير.

خطاب الكراهية في وسائل الإعلام الغربيّة
تكرّس وسائل الاتصال خطاب الكراهيّة، وتتحمّل مسؤوليّة رئيسة في بثّ خطاب الكراهية بصورة متواصلة على مدار الساعة للمشاهدين والمستمعين والقرّاء، حيث تزايد الإعلام المتخصّص بالبغض والكراهية في ظلّ غياب شبه تامّ للإعلام المهنيّ، الذي يقوّي الروابط الوطنيّة للمكوّنات الشعبيّة، ويواجه الإعلاميّين الثرثارين الذين يهتكون النسيج الاجتماعيّ عبر التحريض الأعمى على العنف والإقصاء؛ وكافة الأطراف التي تدعم وسائل الإعلام القائمة على نشر الكراهية وتموّلها وتغذّيها، غايتها تخدير الشعوب وتغييب وعيها، وإشغالها عن حالة الشقاء والبؤس التي يعيشها الوضع العربيّ الراهن. والهدف هنا هو إبقاء الشعوب العربيّة أحجار شطرنج وبيادق تتقاتل دون أن تغادر الرقعة، ويظلّ اللاعبون الرئيسيّون متحكّمين بمصير المنطقة. وكثيرًا ما ترتكب وسائل الإعلام خطأً في إعادة نقل وتدوير خطاب الكراهية، وهو ما حدث إبّان الاعتداء على المسجد في نيوزلندا، ولم تكتفِ تغطيات إعلاميّة آنذاك بإيراد بعض مقاطع خطاب الكراهية الذي استخدمه منفّذ الهجوم عبر صفحته على موقع تويتر؛ بل أفردت بعض تلك التغطيات كامل المساحة لنقل ما وَرَدَ من خطاب كراهية ممّن يؤيّدونه، لتنقل أخرى ما كتبه منفّذ الهجوم على أسلحته، ولتبذل جهدًا لافتًا في الإحالات التاريخيّة لحقبة مسلمي الأندلس، ما سبق كلّه ينطوي على مخالفات مهنيّة جسيمة في معالجة خطاب الكراهية؛ إذ فيه تكريس لما يريده أصحاب هذا الخطاب من ترويج للفوضى والأحقاد والصور النمطيّة والقدح والذمّ، وما يقود إليه هذا كلّه من أفعال كراهية تصل حدّ الإيذاء وإزهاق الأرواح، وحسبنا هنا استذكار مجازر رواندا التي راح ضحيّة خطاب الكراهية فيها عام 1994 ما يقارب 800 ألف قتيل خلال مئة يوم فقط، ليمْثُل صحفيّون أمام محكمة الجنايات الدوليّة للمرّة الأولى بهذه التهمة.

ويبدو أنّ الإنترنت صارت مرتعًا واسعًا لخطاب الكراهية، لأسباب عدة منها: ما توفّره الشبكة من إمكانيّة لنشر خطاب الكراهية باسم مستعار أو مجهول؛ ولا يمكن حصر عدد الحالات التي ساهم فيها الإعلام، ومن ذلك الفيسبوك، فقد سجلت سنة 2012م جريمة في كل 40 دقيقة مرتبطة بالموقع، يتعلّق كثير منها بما يمكن وصفه بخطاب الكراهية. والفيسبوك كغيره من مواقع التواصل الاجتماعيّ موقع خصب للتنمّر وللهجوم اللفظيّ الذي يقع ضمن دائرة خطاب الكراهية، وعلى الرغم من أنّ كلًّا من:  جوجل وتويتر وفيسبوك ومايكروسوفت قد وافقت بتاريخ: 31-5-2016 على مدوّنة ضبط السلوك لخطاب الكراهية، حيث ورد فيه أنّه: لا يُسمح بالمحتوى الذي يهاجم الأشخاص على أساس عرقهم الفعليّ أو سلالتهم، أو الأصل القوميّ أو الديانة أو الجنس، أو النوع أو الهويّة الجنسيّة أو الإعاقة أو المرض... إلّا أنّها في الوقت ذاته قالت إنّها تسمح بالتعبيرات التي تُنشر على سبيل الدعابة أو السخرية، والتي قد يعتبرها البعض تهديدًا أو هجومًا؛ ويتضمّن المحتوى مثلًا: النكات والأعمال الكوميديّة، وكلمات الأغاني ونحوها، ويبدو أنّ التناقض يتّضح سريعًا في تعريفهم لخطاب الكراهية، إذ إنّ السؤال المطروح: ما هو معيار التعبيرات الساخرة من التعبيرات الجدّيّة؟! وهذا بالطبع يعتمد على النوايا، والنوايا جوانب من غير الممكن الوصول إليها بسهولة، فحسب الدراسات اللغويّة في تحليل الخطاب، فإنّ نظريّة التهذيب تخبرنا بأنّ المتحدّثين لا يرتدون نواياهم، أي لا يمكن للشخص مثلًا معرفة النوايا من النظر، سواء إلى المتكلم أو إلى كتاباته على الفيسبوك آو غيره[5].

إزدواجيّة معايير الإعلام الغربيّ في تعامله مع خطاب الكراهية
استغلت بعض الأطراف حرّيّة التعبير، التي تصونها القوانين الدوليّة للاعتداء على كلّ شيء، فحتّى الخالق تبارك وتعالى ومعه الرسل والأنبياء ودين الإسلام ورسوله خاصّة لم يسلموا من شرور هؤلاء الإعلاميّين، والإشكاليّة المثارة هي حول حدود وضوابط حرّيّة وسائل الإعلام في التعبير، وفي الحديث عن إثارتها لخطاب الكراهيّة في هذا العصر الرقميّ.

رصاصة شارلي إيبدو مثلاَ:
بموازاة الحديث عن قوانين المطبوعات التي تقيّد النشر، خصوصًا في الإعلام الإلكترونيّ، ولأنّ الموقف من أيّ حدث يتبع لانحياز طائفيّ أو سياسيّ، فإنّ كلّ هجوم على الخصم في القاموس هو حرّيّة، وكلّ هجوم على ما أو من يمثّلهم يندرج في خانة التحقير والقدح والذمّ؛ فمثلًا سنلاحظ أنّها لا تعدو كونها امتدادًا لخطاب الكراهية السائد، وللتمييز والإقصاء المتبادلين على أساس طائفيّ، طبقيّ، أو... يضاف إلى ذلك كمّ كبير من الأذى اللفظيّ المتعمّد، وانتهاك الخصوصيّة. وليس البحث في حدود حرّيّة التعبير بحثًا مستجدًّا، خصوصًا أنّ كلّ التشريعات في العالم تكلّمت عن عقوبات القدح والذمّ والتشهير والتحقير والتهديد، سواء أكان كلاميًّا أم مكتوبًا؛ وفي حالات كثيرة يخشى المدافعون عن حرّيّة التعبير أن تستخدم تلك التشريعات كأداة لقمع الأصوات المغايرة أو المعارضة أو لارتكاب ملاحقات كيديّة بحقّ لعض المجموعات.
وبالمقابل يتّخذ بعض المروّجين لخطاب كراهية ما من حقّهم المطلق بالتعبير، وسيلةً للتحريض على جرائم ذات طابع عرقيّ أو طائفيّ... وتشكّل مجزرة قتل صحافيّي ورسامي مجلّة «شارل إيبدو» الفرنسيّة عام 2015 محطّة مفصليّة في النقاش حول إشكاليّة حرّيّة التعبير وخطاب الكراهية في العصر الرقميّ، فمن أطلق النار على رسّامين مثيرين للجدل، اتهمت مجلّتهم في مناسبات عدّة بتبنّي خطاب عنصريّ كاره للمسلمين والمهاجرين، فتح برصاصته الباب على نقاش الحقّ بالسخرية مهما علا سقفها، كما دفع المعنيين للتفكير بأبعاد تلك السخرية، حين تحدّث عن التقاطع بين ثقافات تقارب المقدّس والواقع والسياسة والرقابة بطرق مختلفة، لا بل هي متناقضة أحيانًا؛ وهذه المواقع التي نتحدث عنها باعتبارها أهمّ مواقع التواصل الاجتماعيّ في الوقت الحالي، وكذا بالنظر إلى اختلاف تخصّص كلّ موقع[6].

مخاطر وسائل التواصل الاجتماعيّ الغربيّة:
لقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعيّ خاصة الغربيّة منها في نشر خطاب الكراهية بعدّة طرق منها:
1- نشر معلومات مضلِّلة.
2- تهويل العنف والمشكلات الاجتماعيّة.
3- المساعدة على نشر العنف اللفظيّ، وإثارة الفتن بين مكوّنات المجتمع والتي تؤدّي إلى الفرقة والتناحر.

فالفضاء الإلكترونيّ الذي أوجد حرّيّة مطلقة بلا ضوابط أخلاقيّة وقوانين رادعة، جعل أبواب تلك المواقع مُشرّعةً، تتّسع لِكُلّ من يغذّي الكراهية المتخمة بالحقد على الآخر. وبطريقة مباشرة أو غير مباشرة، أصبح الفضاء الاجتماعيّ والثقافي مُهَيّأً لانتشار خطاب الكراهية، بل وأصبح خطاب الكراهية هو الوسيلة الأولى من وسائل الاستقطاب السياسيّ؛ ولا يزال ذلك المخاض العسير مستمرًّا في شكل صراعات سياسيّة، تستهدف إثارة الفتن ونشر العداوة، والإقصاء الممنهج الذي يشكّل العنصر الأساس في تنامي خطاب الكراهية، وما من شكّ في أنّ هذا التّنامي سوف يصبح ظاهرة اجتماعيّة وسياسيّة؛ بل وستساهم في إظهار الكراهية، واستحكام الفوضى المدمّرة، وبناء حالة من اللّاتسامح، فلم نأخذ من الماضي دروسه وعبَره لتفادي الصراع والكراهية، وهو السبب في ما آلت إليه الأحوال في علاقاتنا الإنسانيّة والحضاريّة المعاصرة مجدّدًّا.

مناهضة الإسلام لعولمة خطاب الكراهية
إنّ الله يعطي بالرفق ما لا يعطي بالعنف، وخطاب الكراهية هو عنف لفظيّ، والله جل وعلا يقول لنبيّه صلّى الله عليه وسلم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾[7]؛ ذلك أنّ خطاب الكراهية خطاب يفُضّ ولا يجمع، يُبعد ولا يُقَرِّب، يُفسد ولا يُصلح، إنّه كحصى الخذف، يفقأ العين ولا يقتل الصيد؛ أو كزَبَد السيل يذهب جُفاءً ولا يمكث في الأرض، وما تلبّس أحدٌ بخطاب الكراهية إلّا نفرت من وَحْشِيِّه أسماعُ العقلاء، فكرهوا سماعَ قوله أو قراءة مقاله، إنّه بركان هائج لا يقذف إلّا بالحمم، فلا تقع على شيء إلّا أحرقته أو أذابته؛ لذلك أمر الله عزّ وجل بالقول الحسن، والدليل قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾، والحَسَن هو النافع في الدين أو الدنيا، ويشمل ذلك جملة من الأمور، حيث يشمل ذلك ما يتخاطب به الناس فيما بينهم، ويدخل فيه الكلام الطيّب العفيف الذي لا عيب فيه، ويدخل فيه كلّ خُلق حسن، يشمل ذلك أن نجازيهم بأحسن ما نحبّ أن نُجازَى به، وفي ضمن ذلك أيضًا النهي عن الكلام القبيح حتى للكفّار﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[8] ويدخل فيه أيضًا النزاهة في القول فلا يكون فاحشًا، ولا بذيئًا، هذا فيما نتحدّث ونتخاطب به مع الآخرين، وإذا تردّد الإنسان بين كلمتين إحداهما حسنة، والأخرى قبيحة فينبغي أن يتخيّر الكلمة الحسنة، فإنّه مأمور بذلك ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾[9] فأما مع الأعداء فإنّه يطفئ نار العداوة ويكسر حدّتها، أو على الأقلّ يوقف تطوّر الشر، والله تبارك وتعالى يقول في الميثاق الذي أخذه على بني إسرائيل، والمراد بالميثاق العهد المؤكّد﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾[10] فالرحمة والرأفة والحرص على هداية الناس صفات لا تجتمع في امرئ يحمل لسانُه خطابَ الكراهيةِ، وقد روى البخاري في «الصحيح» عن عائشة قولها: «دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ اليَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم) فَقَالُوا: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ» ففَهِمْتُها، فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ» فَقَالَ رَسُولُ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم): «مَهْلًا يَا عَائِشَة، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ؛ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟! قَالَ رَسُولُ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم): قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ». وعلى سبيل المثال محتوى الكراهية الذي يروّج عن الدين الإسلاميّ، بكونه يدعو للقتل، بينما يتناسى هؤلاء ما يقوم به غير المسلمين في شتى أنحاء العالم، كما يتجاهلون نصوص الإسلام التي فاقت كلّ نصوص حقوق الإنسان ومواثيقه العصريّة، ولم يجد هؤلاء سوى ما ارتكبه بعض المسلمين من أخطاء؛ بل ويتجاهل جميع السياقات التاريخيّة والزمنيّة للنصوص الدينيّة، ويقفزون إلى أحكام نهائيّة تتجاهل الحقيقة، كدفاع المسلم عن نفسه وعن دينه وعن كلّ ما يحقّ له الدفاع عنه.
وإنّ رأينا ليس خاصًّا بنا في هذه المسألة، إنّما يشاطرنا فيه بعض الأوروبيّين، إذ يقول روبرتسون: «إنّ المسلمين وحدهم هم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم وروح التسامح نحو أتباع الأديان الأخرى، وإنّهم مع امتشاقهم الحسام نشرًا لدينهم، تركوا من لم يرغبوا فيه أحرارًا في التمسك بتعاليمهم الدينيّة». ويرى ميشود في كتابيْه: «تاريخ الحروب الصليبية» و «رحلة دينيّة في الشرق» أنّ القرآن الذي أمر بالجهاد متسامح نحو أتباع الأديان الأخرى، وقد أعفى البطاركة والرهبان من الضرائب، وحرَّم محمّد قتل الرهبان لعكوفهم على العبادات، ولم يمسّ عمر بن الخطاب النصارى بسوء حين فتح القدس، في حين ذبح الصليّبيون المسلمين وحرقوا اليهود وقتما دخلوها؛ ومن المؤسف أن تقتبس الشعوب النصرانيّة من المسلمين التسامح الذي هو آية الإحسان بين الأمم، واحترام عقائد الآخرين وعدم فرض أيّ معتقد عليهم بالقوّة[11].

لذا نتساءل كيف ولماذا كثر الحديث عن خطابَ الكراهية عند المسلمين دون غيرهم؟ فلا يخرج الأمر عن أنّ الذي يُغَذِّي خطابَ الكراهية ضدّ الإسلام والمسلمين، إمّا ينطلق في ذلك من خلفيّة عقديّة، وإمّا من ردّة فعل عكسيّة، فأمّا ما كان سببُهُ البُعد العقديّ، فلا حيلة لأمّة الإسلام اتجاهه، فلو جاءتهم كلّ آية لم يستطيعوا نزعه من صدروهم إلّا أن يشاء الله، قال الله جل شأنه:    ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾[12]؛ وأمّا خطاب الكراهية الذي يكون سببُه راجعًا إلى ردّة فعل عكسيّة لأخطاء بعض أهل الإسلام، فإنّ هذا هو ما يعنينا بالدرجة الأولى؛ لأنّ أهل الإسلام هم المعنيّون بالقدوة الحسنة، وموافَقة أفعالهم لما ينتسبون إليه؛ فإنّ الطرف الآخَر لا يُفَرِّق بين الإسلام وبين المنتسبينَ إليه، فأيّ غلط يقع فيه أحد منهم سيُلقون باللائمة على الإسلام؛ فقد حدث مثلًا عام 2012م أن قام أحد الأشخاص في الولايات المتّحدة الأمريكيّة بنشر فيديو لفيلم بعنوان: «براءة المسلمين» على موقع يوتيوب يحمل إساءة بالغة للرسول عليه الصلاة والسلام، وتسبّب  الفيديو في أعمال عنف معادية في أكثر من دولة عربية وإسلاميّة راح ضحيّتها أكثر من 11 قتيلًا، كان من بينهم: «كريستوفر ستيفينز» سفير أمريكا في ليبيا[13]،  وهذا يدلّ دلالة واضحة وقاطعة على وحدة الطبيعة الإنسانيّة. لقد منح الإسلام هذه الهوية الجديدة للإنسان، وأحدث من أجل استيعاب هذه الهويّة أمّة جديدة، لم يكن لها مثيل من قبل بين الأمم، فإنّه لا اعتبار إلّا للتقوى، قال تعالى:﴿إنّ أكرمَكُم عند الله أتقاكُم﴾[14] ومن هذا المنطلق يتعرّف المسلم على نفسه وعلى ما حوله، فالشخص سواء أكان مسلمًا أو غير مسلم، يجد نفسه ضمن هذا الانتماء، وإزاء هذا الحضور السرمديّ اللامتناهي الأعظم، وقد حثّت الآيات والأحاديث على أنّ كلّ مؤمن مسؤول عن أفعاله واختياراته، وفي هذا إثبات لكينونة المسلم وشخصيّته، وإشعار له بضرورة تحمّل المسؤوليّة[15].  ويمكن القول إنّ التسامح الدينيّ كان مطلقًا في دور ازدهار العرب، ومثلُ هذا التسامح،  مما لم تصِل إليه أوروبا بعدما قامت به في أكثر من ألف سنة من الحروب الطاحنة، وما عانته من الأحقاد المتأصّلة، وما مُنِيَت به من المذابح الدامية[16].

نتائج عولمة خطاب الكراهية والآثار الناجمة عن انتشاره
يطرح خطاب الكراهية مخاطر جسيمة على تماسك المجتمع وحماية حقوق الإنسان، حيث يضعف المجتمعات ويدمّرها، كما يعمل على زرع بذور الخوف والكراهية، وانعدام الثقة في نفوس الأفراد، فإذا ترك دون رصد ومراقبة، أدّى إلى أعمال عنف وربما ساعد في تهيئة الظروف لارتكاب إبادة جماعيّة، ومن الآثار التي يترتّب عليها انتشار هذا الخطاب:

1- قتل روح الإبداع في المجتمع، وهجرة الكفاءات البشريّة.
2- فقدان المجتمع تماسكه الداخليّ، فيصبح ضعيفًا أمام الأزمات، وتهديد وحدة النسيج الاجتماعيّ.
3- تقسيم المجتمع إلى جماعات غير متجانسة، مع انتشار التطرّف بين الشباب.
4- خطورة مثل هذا الخطاب، تكمن في إرباكه للأمن الفكريّ والاجتماعيّ، المؤثِّرَيْنِ في النسيج المعرفيّ والتجانس الاجتماعيّ.

السبل المثلى للتعاطي مع خطاب الكراهية وآليّات مواجهته
على الرغم من أنّ خطاب الكراهية مليء بالحقد والتحريض والعنف، ورغم كلّ العنف المختزن فيه، إلّا أنّ تفكيكه وإظهار سطحيّته ومواجهته ليس مستحيلًا، إن كان ثمّة رؤى جادّة، وقناعة إنسانيّة مشتركة، بأنّ هذا الخطاب يحمل في أحشائه ما يهدّد البشريّة جمعاء، فليست الأممُ بنتَ ساعةٍ واحدة، بل هي نتيجة ماضٍ طويل، وهي محصولُ ما خضعت له من البيئات المختلفة التأثير، ولذا يُفسَّر حاضرها بماضيها؛ وثمّة طرق عديدة لمناهضة خطاب الكراهية ومنعه، ومنها: 

1- احترام حقّ الآخر في التعبير عن ذاته، وآرائه وثقافته ومعتقداته، دون خوف من الملاحقة.
2- ضبط استخدام وسائل التواصل الاجتماعيّ؛ لأنّ خطاب الكراهية  يُمرّر من خلالها، فلا بدّ من العمل على تنظيم استخدامها، ونشر التوعية الأخلاقيّة حول الخطاب المستخدَم فيها ضرورة وليس ترفًا.
3- ضرورة وضع حدّ فاصل وواضح بين مصطلحي: «حرّيّة التعبير وخطاب الكراهية».
4- رفع مستوى الوعي ببيان مخاطر التمييز والتعصّب بإعداد برامج تثقيفيّة للأطفال والشباب.
5- الإبلاغ عن منشورات وسائل التواصل الاجتماعيّ التي تنشر الشائعات والمعلومات الخاطئة.
6- دعم الأفراد والجماعات التي يستهدفها خطاب الكراهية، ومكافحة المعلومات التضليليّة.
7- تحديد المسؤوليّات الخاصّة بمرتكبي خطاب الكراهية، ومزوّدي خدمات الإنترنت.
8- حظر المواقع الداعية إلى خطاب الكراهية، ومنع نشر الكراهية في منصّات التواصل الاجتماعيّ.
9- ضمان الحقّ في المقاضاة للأشخاص المستهدفين من خطاب الكراهية.
10- ساعدة الصحفيّين على تطوير قدراتهم لنقل الأخبار نقلًا عادلًا أمينًا ودقيقًا.
11- تشكيل لجان للإنذار والاستجابة المبكرة لرصد خطاب الكراهية وأشكال التحريض على العنف.
12- تشجيع الباحثين والمؤسّسات المعنيّة بهدف القيام بأبحاث ودراسات اجتماعيّة وفكريّة علميّة لرصد أفكار الكراهية وخطابها وسلوكها، وتحليل الظاهرة ومقارباتها، وإصدار توصيات محدّدة تتحوّل إلى خطط عمل بهدف محاصرة الكراهية والحيلولة دون استفحالها.
13- تحديد المواقف التي تؤدّي إلى استخدام خطاب الكراهية واتخاذ التدابير المناسبة لوضع حدّ لها
14- ضرورة تفكيك هذا الخطاب برفض منهجيّته الفكريّة المبنيّة أساسًا على رفض الآخر، مع التشبّث بتوطيد القيم التي يهدّدها خطاب الكراهية، ويجب أن تهدف مكافحة خطاب الكراهية إلى حماية الأفراد والمجموعات.
15- إقامة الحدود الفاصلة بين حرّيّة التعبير وخطاب الكراهية، مع إعادة النظر في ما يسمى: «نظرية الحرّيّة الإعلاميّة».
16- ضرورة وضع إستراتيجيّة لوسائل الإعلام في كيفيّة التعامل مع معتقدات الغير.
17- لا ينبغي استخدام القيود المفروضة على خطاب الكراهية لإسكات الأقلّيّات وقمعها.
18- الحوار مع الأخر «فالحوار هو الاستماع الواعي الحقيقيّ للأقوال والآراء والأفكار... لأنّ الحوار فهم وتفاهم تعارف وتواصل لصنع الحقيقة والرأي المشترك... الحوار سبيل التعايش والتواصل ضرورة تطوير سياسات الاعتراف بالآخر المختلف والمغاير... وجودًا ورأيًا وحقوقًا...»[17]

خاتمة لازمة
بين هذين الموقفَين: الإشادة المفرطة والمأخذ اللاذع، على خطاب الكراهية وحرّيّة التعبير، يمكننا القول إنّه يكتنفهما كثير من اللبس والغموض، والشطط والاستنتاجات والاقتضاءات غير المنطقيّة، وعلى الأخصّ في تقديم تصوّرات متناقضة لبنية الأطروحات التي تناولت هذين الموضوعين، وخاصّة أنّه لا يوجد لهذين المصطلحين صيغة واحدة متعارف عليها؟ وقد حاولت الإجابة عن جذور صناعة خطاب الكراهية في ثقافة المجتمع المعاصر، ومخاطر هذا الانتشار على المجتمعات، وسبل مواجهته، وبيان المسؤولين عن إخماد نار خطاب الكراهية، غير أنّ التعايش والتسامح لن يتحقّقا، إلّا عبر نبذ كافّة أشكال الكراهية ومظاهرها وممارساتها، وشمولًا لكلّ محتوى ينشر ويبرّر، أو يحرّض على الكراهية بشتّى أشكالها، والقائمة أساسًا على عدم القبول بالآخر إلّا في إطارها، وهذا الإطار ممّا قد نتّفق أو قد نختلف حوله، وله موضوع خاصّ منفرد به لكن على السلطات الحاكمة في كلّ الدول تحمّل مسؤوليّة رئيسة في منع خطاب الكراهية، وحماية أفرادها منه، والعمل على وقف هذا الخطاب، الذي يساعد على ارتكاب أعمال العنف وتشجيعها؛ لأنّ الأنظمة الدوليّة في نظري ما تزال بعيدة عن الساحات التي ينتشر فيها هذا الخطاب ويتمدّد، ويبقى الموضوع حبيس لقاءات وحوارات المثقّفين، الذين ليس لهم أيّ تأثير على صناع القرار السياسيّ في دولهم، ولا على المجتمعات التي يتمدّد فيها خطاب الكراهية؛  ولكن مع ذلك يمكن المشاركة بأشكال عدّة؛ أبرزها اثنان: أحدها توعويّ والآخر قانونيّ؛ ليُعاد طرح السؤال مجدّدًا: هل بالإمكان إطفاء سعار ولهيب الكراهية يومًا ما؟.

المصادر والمراجع
1.   القرآن الكريم.
2.   العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية – وثائق الأمم المتحدة.
3.   دايك، فان (2000) وبراون، جون؛ وبول، جون (1418/ 1997).
4.   لوبون، غوستاف،  حضارة العرب، نقله إلى العربية: عادل زعيتر، دار الطليعة، بيروت، 2013.
5.   محفوظ، محمد، العولمة، شمس للنشر والتوزيع، القاهرة-2011.
6.   مركز هردو لدعم التعبير الرقمي: "خطابات الكراهية"، القاهرة، دار الشروق،  2016.

-------------------------------------
[1]*ـ  باحث وأستاذ علم النفس في جامعة زيان عاشور، الجلفة، جمهوريّة الجزائر.
[2] - العهد الدوليّ الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسياسيّة – وثائق الأمم المتّحدة.
[3] - مركز هردو: «خطابات الكراهية» (2016)- ص 9.
[4] - مركز هردو (2016)- ص 10-11.
[5] - دايك، فان ( 2000 ) ص255-275؛ وبراون، جون؛ وبول، جون (1418/1997) ص 227-240.
[6]- معتوق، وكريم، (2012).
[7]- سورة آلِ عِمْرَانَ: 159.
[8] - سورة العنكبوت: 46.
[9] - سورة الإسراء: 53.
[10] - سورة البقرة: 83.
[11] - لوبون، غوستاف، 2013، 137-138 
[12] - سورة البروج، الآية 8.
[13] - زهرة، وليد (2011)
[14] - سورة الحجرات، الآية 13.
[15] - الحُبّابي، محمد عزيز، (1969)، ص112.
[16] - لوبون، غوستاف، (2013)، ص24.
[17] - محفوظ، محمد (2012)، ص59-60.