البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

ما بعد الحداثة وتحدّيات أزمة "معنى الحياة"

الباحث :  سيّد أحمد رهنمائي
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  23
السنة :  ربيع 2021م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 6 / 2021
عدد زيارات البحث :  109
تحميل  ( 430.804 KB )
ما بعد الحداثة وتحدّيات أزمة «معنى الحياة»
هذه الدراسة تضيء على أزمة معنى الحياة في خلال حقبة أساسية وراهنة في تاريخ الغرب، عنينا بها حقبة ما بعد الحداثة، وينطلق الباحث من فرضية مؤداها ان أزمة «معنى الحياة» كانت وما زالت واحدةً من أعظم التحدّيات التي يواجهها الفكر البشري، فقد اقتضت ظروف الحياة والأوضاع الاجتماعية بقاءها على حالها لتتحوّل إلى أهمّ وأبرز مشكلة في حياة البشر.

السؤال الأساسي الذي يطرح في هذا المضمار هو: ما المقصود من أزمة «المعنى»؟ وما هو منشؤها؟ ولماذا واكبت الحياة البشرية على مرّ العصور كتحدٍّ جادٍّ تغلغل في كافّة المجتمعات واتّسع نطاقه وبقي سارياً بشكلٍ مستمرٍّ؟

المحرِّر

الهدف من تدوين هذه المقالة هو بيان دور التيار الفكري الموسوم بتيار ما بعد الحداثة في خلق أزمة على صعيد مفهوم «معنى الحياة» ضمن دراسة تحليلية، وفي هذا السياق استعرض الباحث المبادئ الأساسية لأنثروبولوجيا ما بعد الحداثة بشكل مقتضب لكون حياة الإنسان منذ ولادته حتّى وفاته حظيت باهتمام فلاسفة ما بعد الحداثة أكثر من أيّ موضوع آخر، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ المسائل الأنثروبولوجية تعدّ من أهمّ المسائل التي استقطبت منظّري ما بعد الحداثة نحوها.
في بادئ المقالة تطرّق الباحث إلى بيان مفاهيم ومسائل دلالية مرتبطة بتيار ما بعد الحداثة، ثمّ سلّط الضوء باختصار على عدد من المبادئ والمواضيع الخاصّة بهذا التيار الفكري بشكل موجز أيضاً، وبعد ذلك تطرّق إلى الموضوع المحوري بالتفصيل وهو واقع رؤية مفكّري هذا التيار إزاء الإنسان ودوره في خلق أزمة «معنى الحياة» في إطار منهج بحث تحليلي نقدي.

نتائج البحث دلّت على أنّ السبيل الوحيد للخلاص من الأزمة المذكورة هو العمل على إيجاد تغيير جذري في رؤيتنا إزاء الإنسان والحياة البشرية وفقاً لأيديولوجيا معتبرة ومعتقدات أصيلة وثابتة.
كلمات مفتاحية: تيار ما بعد الحداثة، فكر ما بعد الحداثة، إنسان ما بعد الحداثة، معنى الحياة، أزمة معنى الحياة

لا شكّ في أنّ اختلاف التوجّهات الأيديولوجية تجاه الإنسان والكون له تأثير على صعيد أزمة المعنى، إذ من شأنه أن يزيد من مستواها ويوسّع نطاقها أو أن يزيحها ولا يبقي لها أثراً، وفي هذا السياق نلاحظ أنّ الأيديولوجيات المادّية العلمانية والإلحادية تلعب دوراً مشهوداً في خلق أزمات على هذا الصعيد وتوسيع نطاقها في شتّى نواحي الحياة البشرية بسبب تلك القيود الفكرية والأكسيولوجية التي أوجدتها على صعيد المسائل الأنثروبولوجية؛ ومن جملتها التيار الموسوم بتيار ما بعد الحداثة، فقد طرح نظريات وآراء بخصوص شتّى جوانب حياة الإنسان ابتداءً من خلقته وصولاً إلى السبيل الأمثل الذي يجب أن يسلكه وانتهاءً بعاقبته في هذه الحياة على ضوء تفسيره الخاصّ للأنثروبولوجيا والمبادئ الأنثروبولوجية التي جاء بها، وأتباع هذا التيار في الواقع سلكوا نهجاً خاطئاً بعد أن تشبّثوا بما وصفوه بأزمة معنى الحياة وفقاً لما تمليه عليهم أسس فكرهم ما بعد الحداثي.
تطرّق الباحث في هذه المقالة إلى تحليل ونقد الآراء الارتكازية لتيار ما بعد الحداثة إزاء الإنسان بشكل مقتضب وفق منهج بحث تحليلي نقدي، وفي هذا السياق استدلّ على سبل الوقاية من هذه الأزمة وذكر الحلول الناجعة للخلاص منها.

سيمنطيقا ما بعد الحداثة
قواميس اللغة الإنجليزية ذكرت فيها تفاسير متنوعة لمفهوم ما بعد الحداثة وترجمته بألفاظ عديدة، وكلّ هذا التنوع في التفسير والترجمة يتمحور حول طرح هذا المفهوم ضمن مدلول يشير إلى حقبة تأريخية جديدة ابتدأت بعد عصر الحداثة[2].

موسوعة الفلسفة (Encyclopedia of Philosophy) ذكر فيها أنّ مصطلح ما بعد الحداثة ظهر في عقد الخمسينيات من القرن العشرين لوصف حركة معمارية ذات طابع فنّي وثقافي وأدبي معين وجديد من نوعه في مقابل الأعراف والتقاليد المتشابهة الموروثة من الماضي والمستوحاة من الأساليب التقليدية[3].

وهناك من فسّره بصفته ردّة فعل لحركة فكرية أو رؤية تبلورت في مقابل الرؤية التي كانت سائدةً في عصر الحداثة بغضّ النظر عن الأفكار الحديثة من الناحية التأريخية[4].
كما استخدمه البعض للدلالة على مسألة إعادة النظر بشكل متعصّب ومتشدّد في مختلف الفرضيات والأفكار التي طرحت في عصر الحداثة على صعيد الثقافة والهوية والتأريخ واللغة وغير ذلك، وهذه الرؤية لا ارتباط لها بالتأريخ[5].
بعض الفلاسفة الألمان والفرنسيين استخدموا مصطلح ما بعد الحداثة لنقد النهج العقلي الذي اعتبر في العصر الحديث أيديولوجيةً شموليةً، كذلك لتحديد المعيار الأساسي للعلم والأخلاق، ولنقد الثقافة الحديثة التي اعتبرت عنصراً أساسياً للرقي بواقع العلم والأخلاق[6].

بناءً على ما ذكر فالسؤال الأساسي الذي يطرح في هذا المضمار هو: هل مصطلح ما بعد الحداثة يُستخدم للدلالة على معاني ومفاهيم متنوّعة كتنوّع التفاسير التي طرحت في بيانه؟ إحدى الإجابات نستشفّها ممّا ذكر في قاموس ميريام ويبستر (Merriam Webster`s Collegiate Dictionary) وهي أنّ ما بعد الحداثة عبارة عن حقبة فكرية ونمط فكري ظهرا في العالم الغربي في المرحلة اللاحقة لعصر الحداثة، فهذا المصطلح يعدّ مفهوماً يشير إلى تيار فكري نشأ في نطاق الثقافة والفكر الغربيين على مرّ الزمان وبعد انتهاء مرحلة التيار الحداثي وتوفّر الظروف اللازمة لظهور عصر فكري وثقافي جديد، وعلى هذا الأساس انتهى عصر الحداثة بظهور هذا التيار الجديد لتبدأ حقبة جديدة في تأريخ البشرية وسمت بعنوان عصر ما بعد الحداثة.

هذا الاستنتاج فيه تفسير لمفهومين هما «ما بعد» و «الحداثة» حسب مدلوليهما الأوّليين، لذا لا يشير إلى التعريف الدقيق الذي نريده لمفهوم «ما بعد الحداثة»، ومن المؤكّد أنّه مطروح من قبل أوائل الذين استخدموه وادّعوا انتهاء عصر الحداثة مثل آرنولد جوزيف توينبي[7] (Arnold Joseph Toynbee) وجان فرانسوا ليوتار[8] (Jean Francois Lyotard) حيث أكّد هؤلاء على انتهاء عصر الحداثة وانطلاق عصر جديد ألقى بظلاله على الفكر والثقافة البشريين يختلف إلى حدٍّ كبيرٍ عمّا هو موجود إبّان عصر الحداثة[9].
أمثال هؤلاء المفكّرون فسّروا مصطلح ما بعد الحداثة بأنّه مفهوم يتجاوز نطاق الحداثة ومضادّ له[10] (oppositional postmodernism) وعلى هذا الأساس ادّعوا أنّ ظهور هذا العصر الجديد يعني قطع الطريق على تيار الحداثة وانتهاء عهده من الناحية التأريخية بحيث لم يبقَ له حيّز في الفكر البشري[11].

هذا الكلام يعني أنّ الأجواء تتغير حينما يتغير الفكر، وتبعاً لذلك اتّسم مصطلح ما بعد الحداثة في العقود الماضية بدلالة مفهومية واسعة النطاق وتحول إلى مفهوم شامل يشير إلى انتهاء عهد ازدهار الحداثة وأفولها بعد أن استحوذت على الساحة في القرن العشرين[12].
تيار ما بعد الحداثة استناداً إلى الاستنتاج الثاني عبارة عن حركة تغييرية على صعيد الفكر والثقافة انبثقت من باطن الحداثة وليست ناقضةً لها، بل تعدّ عاملاً داعماً لتثبيتها واستمرارها، لذا فإنّ مصطلح ما بعد الحداثة الإثباتي (affirmative postmodernism) يدلّ على الرأي القائل بأنّ تيار ما بعد الحداثة استمرار للحداثة ومكمّل لها[13].
وأمّا حسب الاستنتاج الثالث فليس المقصود من مصطلح ما بعد الحداثة تفنيد الفكر الحداثي من أساسه وفي الحين ذاته ليس المقصود استمراره وبقاءه، وإنّما المقصود أنّه مصدر قوّة وحيوية له، إذ بما أنّ الفكر الحديث في تلك الآونة آل إلى الضعف والنقص ظهر تيار ما بعد الحداثة للحيلولة دون أفوله وزواله بالكامل فأضفى له اقتداراً إضافياً وأصبح داعماً قوياً له كي يبقى فاعلاً ومؤثراً على الساحة.

مصطلح ما بعد الحداثة المحيي أو المجدّد[14] (reviving postmodernism) يمكن اعتباره أنسب تعبير للدلالة على الاستنتاج المذكور، وأبرز مفكر تبنّى هذا الاستنتاج هو عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان (zygmunt bauman) حيث كان آخر من أجرى تغييراً على دلالة مفهوم ما بعد الحداثة بحيث لم يتطرّق بعده أيّ مفكر لتحويره أو تقويمه من حيث دلالته الزمانية.

يعتقد باومان أنّ مفهوم ما بعد الحداثة لا يشير إلى تيار زماني كي يمكن تصور أنّه البديل الذي يولد في لحظة فناء تيار الحداثة[15].
حسب هذا الرأي لا بدّ طبعاً من الأخذ بعين الاعتبار تلك الظروف التي أسفرت عن توقّف النشاطات الفكرية الحداثية المثمرة لأيّ سبب كان أو التي تسبّبت في انحرافها عن مسارها الذي انطلقت فيه منذ بادئ ظهورها، ففي خضمّ هذه الظروف لاحظ المنظّرون لتيار الحداثة ضياع جهودهم وعدم ترتيب أيّ أثر عليها بعد أن ظهر تيار جديد على الساحة باسم ما بعد الحداثة الذي جاء بمبادئ وقيم جديدة وغير الأوضاع على الساحة الفكرية بالكامل لينتشل الحداثة من المستنقع الذي سقطت فيه وينعشها من جديد كي لا تنقرض بالكامل[16].
الاستنتاج الرابع أو بتعبير أصحّ، الرأي الرابع بالنسبة إلى تفسير معنى ما بعد الحداثة يؤكّد على عدم وجود بنية متكاملة وواضحة لهذا المصطلح ممّا يجعله غامضاً ولا يمكن تعريفه بوضوح، لذا يدّعي من تبنّى هذا الرأي أنّ تعريف مفهوم ما بعد الحداثة صعب للغاية ولا يمكن بيان تفاصيله بشكل شامل وكامل[17]. الحقيقة أنّ السبب في عدم إمكانية تعريف مفهوم ما بعد الحداثة وفق الرأي المذكور يعود إلى التوجهات الفكرية الشخصية، فكلّ مفكر عادةً ما يحاول طرحه استناداً إلى استنتاجه الشخصي وما يراه مناسباً بنفسه، لذا ليس هناك إجماع على تعريفه.
التحدّيات الجادّة التي يواجهها الباحثون على صعيد بيان مدلول مصطلح ما بعد الحداثة يحول دون طرح استنتاج واقعي ودالّ بخصوصه بأيّ تحليل وتفسير كان، وهذا الأمر أسفر عن ذكر استنتاجات متباينة بالكامل وأحياناً متناقضة[18].

في المبحث التالي سوف نتطرّق إلى تحليل دور تيار ما بعد الحداثة في إيجاد أزمة المعنى في الحياة، ولأجل بيان الموضوع بشكل أوضح نسلّط الضوء على أهمّ مبادئه الأنطولوجية والأنثروبولوجية والإبستيمولوجية باعتبارها أسباب أساسية في حدوث هذه الأزمة الفكرية في العصر الحديث.

المبادئ الأساسية لتيار ما بعد الحداثة في بوتقة النقد والتحليل
المادّة وفق المبادئ الأنطولوجية لمفهوم ما بعد الحداثة هي أساس عالم الوجود بأسره، حيث يصوّر حقيقة الوجود وفق أسس الفكر المادّي التقليدي باعتبار أنّ نظام هذا العالم مكنون في الظواهر فحسب، وذلك ضمن رؤية فينومينولوجية ذات طابع مادّي تجريبي محض، وأصحاب هذا الرأي يؤكّدون على أنّ مفهوم ما بعد الحداثة لا يتجاوز في دلالته هذا المعنى المادّي وعلى هذا الأساس استنتجوا أنّه يتضادً بالكامل مع الرؤية الشمولية التي تعمّ القضايا المادّية والماورائية ويتعارض مع مفهوم ما وراء السرديات (metanarratives) الذي طرح في العقود الماضية[19].
المنظّر الشهير لتيار ما بعد الحداثة جان فرانسوا ليوتار (Jean Francois Lyotard) انتقد بشدّة مبادئ تيار الحداثة ومعاييره الأصولية ومختلف قضاياه التي أصبحت عامّة وشاملة في العالم وتغلغلت في كافّة نواحي حياة البشر وخصّ بالذكر منها ما اصطلح عليه  السرديات الكبرى أو السرديات الخلفية أو الورائية (the grand narrative) وما وراء السرديات (metanarratives)[20]؛ ومن منطلق اعتقاده بكون مفهوم ما وراء السرديات يعدّ الوجهة الأساسية لتيار الحداثة، أكّد على أنّ هذا المفهوم على الصعيد الإبستيمولوجي آل إلى الزوال بعد ظهور تيار ما بعد الحداثة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك معتبراً خطاب ما بعد الحداثة لا يشتمل على أيّة أسس لها ارتباط بشيء اسمه «الله» على الإطلاق، فالإله ليس له دور في المنظومة الإبستيمولوجية لما بعد الحداثة برأي هذا المفكّر الغربي، حيث قال حتّى إذا كانت التعاليم الدينية السابقة تؤكّد على وجود إله في عالم الوجود، فهو قد مات اليوم ولا دور له في حياة البشرية على الإطلاق[21].

نستشفّ ممّا ذكر أنّ أيديولوجيا ما بعد الحداثة عبارة عن رؤية تغييرية لا تطيق وجود أيّة أيديولوجيا ثابتة لأنّ كلّ أيديولوجيا عادةً ما تتناسب بطبيعتها مع مبادئ موحّدة وقطعية ثابتة، وهذا الأمر يتعارض بالكامل مع مبادئ تيار ما بعد الحداثة[22].
الجدير بالذكر هنا أنّ فكر ما بعد الحداثة لا ينفي فقط وجود الله تعالى ويرفض الوحي والإلهام الميتافيزيقي والقضاء والقدر والمشيئة والمصلحة الربّانية، بل يتجاوز هذا النطاق ويؤكّد على ضرورة طرح كلّ موضوع وبيان حقيقة كلّ حدثٍ وواقعةٍ في منأى عن شيء اسمه «الله» وفق مبدأ «كلّ شيء بدون الله (everything without God)». هذه الرؤية تنامت وتطوّرت وتجاوزت هذا الطرح الجديد لتشمل قضايا أخرى ذات ارتباط عن قريب أو بعيد بالشؤون الدينية مثل تشييع الجنائز ودفن الموتى لدرجة أنّ بعض الباحثين والمفكّرين دوّنوا كتباً ومقالات في هذا المضمار[23].

هذه الرؤية تتناغم إلى حدّ كبير مع مبادئ النزعة الإنسانية وتواكبها في متبنياتها ولا سيما على صعيد الاعتقاد بأنّ كلّ عنصر ميتافيزيقي يفرض نفسه كمقنّن ومشرّع للبشرية وحاكم قهّار عليها سوف يكون مصيره الزوال لا محالة، إذ يؤكّد أصحابها على وجوب تقييم كافّة الآراء والمعتقدات وفق معايير العلوم البشرية كي يتّضح سقمها من صوابها، لذا يجب أن تخضع للتحليل العقلي والتجربة من قبل البشر فإذا ثبتت حقّانيتها تجريبياً حينئذٍ يمكن تبنّيها وفي غير هذه الحالة لا سبيل سوى نبذها لكونها باطلة من الأساس[24].

أضف إلى ما ذكر فالفكر البشري حسب مبادئ تيار ما بعد الحداثة لا وجود فيه لأيّة مبادئ ثابتة وقطعية إبستيمولوجياً بمقتضى الفطرة الإنسانية، لأنّ فطرتنا كبشر نقية لا وجود فيها لأيّة أسس ارتكازية مسبقة، وعلى هذا الأساس لا قيمة لأيّ رأي يدّعي وجود حقائق ميتافيزيقية في منظومة فكر ما بعد الحداثة،[25] وإذا أردنا تقييم أيّ شيء كان وفق وجهات نظرنا الشخصية بإمكاننا تسليط الضوء على حقيقته الوجودية وكلّ معالمه من كافّة الجوانب لأجل أن نعرف ما إن كان حسناً أو سيئاً، خيراً أو شرّاً، محبّب أو غير محبّب، أو أنّه شيء تمتزج فيه الأضداد، ممّا يعني أنّ رأي الإنسان هو القول الفصل في البتّ بحقائق الأمور،[26] ومن هذا المنطلق رفض دعاة فكر ما وراء الحداثة وجود أيّة حقيقة متعينة مسبقاً باعتبار أنّ كلّ شيء يجب أن يخضع للتجربة كي يتمّ إثباته، وعلى ضوء رؤيتهم النقدية أنكروا كلّ أمرٍ يعتبره الناس محتوماً وقطعياً دون أن يثبتوه بتجاربهم المادّية، وهذا الإنكار اعتبروه فصل الخطاب في نقاشاتهم ومناظراتهم[27].

خلاصة ما ذكر أنّ فكر ما بعد الحداثة من الناحية الإبستيمولوجية يكتفي بالمعارف الحسية التجريبية ولا يعير أدنى أهمية تذكر للمعارف البشرية الأخرى، ويؤكّد أتباعه على عدم وجود أيّة حقيقة موضوعية ثابتة وقطعية (objective truth) وفي هذا السياق يرفضون وجود أيّ أمر محتوم وقطعي مؤكّدين على ضرورة التمسّك بمبدأ نسبية كلّ شيء ويدعون إلى التعامل مع الأشياء وفق رؤية موضوعية ذاتانية (subjectivism) فالحقيقة من وجهة نظرهم ذات ارتباط بالحاضر ومنفصلة عن الماضي بالكامل كما أنّها ما زالت غربية على المستقبل ممّا يعني عدم وجود أيّ معيار ثابت ومحدّد تقيم المعتقدات والآراء على أساسه[28].
دعاة فكر ما بعد الحداثة يؤكّدون قبل كلّ شيء على ضرورة انتهاج مسلك نقدي إزاء كافّة الأفكار والمعتقدات الشمولية (الكلّية) (totalism) والإجمالية (العامّة) (totalizing) ولا سيّما تجاه علم الكلام - اللاهوت - والعلوم الميتافيزيقية مهما كانت مبادؤها وأسسها الإبستيمولوجية[29]، كذلك يحاولون صياغة مبادئهم الفلسفية عن طريق المزج بين مختلف المدارس الفلسفية في العالم كي يطرحوا نظرياتهم وفق هذا التركيب غير المتجانس، ولا شكّ في أنّ فلسفة كهذه تعدّ لقيطةً لا أصالة لها ومجرّد مزيج غير متجانس من شتّى القواعد والمبادئ الفلسفية والنظريات غير المتّسقة مع بعضها والمطروحة هنا وهناك.

من المؤكّد أنّ أتمّ أنواع الأيديولوجيا هو ما يتقوم على إدراج الآراء والمعتقدات ضمن نطاق العقل النظري، وإدراج القيم والإلزامات والنواهي ضمن نطاق العقل العملي، وعلى هذا الأساس فالأيديولوجيا التي تحظى مبادؤها بانسجام تامّ ومتكامل ويوجد اتّزان بين مختلف أركانها، هي التي تجعل القيم والإلزامات والنواهي تابعةً للمعتقدات التي تتبناها؛ في حين أنّنا نجد ايديولوجيا ما بعد الحداثة تعاني من تغيير متواصل على صعيد معتقداتها وإلزاماتها ونواهيها بحيث لا تطيق أيّ ثبات لأيّ ركن من أركانها، بل قوامها الأساسي هو عدم الاستقرار، فهي أيديولوجيا مرتكزة على نزعة فردية مبالغ فيها بحيث تسعى إلى استعراض عضلاتها أمام الأيديولوجيات الأخرى ولا تكتفي بذكر أطروحاتها وبيان متبنياتها الفكرية في مختلف شؤون الحياة، بل تسعى جاهدةً إلى تغيير نمط حياة البشرية وإرغامهم على السير في ركبها ونبذ كلّ ما سواها.
لا شكّ في أنّنا لو اتّخذنا رغبة الإنسان أو عدم رغبته كمعيارٍ لتقييم كافّة الإلزامات والنواهي في الحياة، سوف نضطرّ إلى التخلّي عن كافّة المبادئ والمعايير الثابتة دينياً وفطرياً وعقلياً واحداً تلو الآخر واستبدالها بمعايير واهية قوامها رغبات شخصية ونزعات ذاتية[30]؛ وعندئذٍ لو تغلغلت هذه المعايير الهشّة في شتّى نواحي الحياة الأخلاقية والاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها، ستكون النتيجة ظهور تعدّدية أكسيولوجية وتشرذم فكري وعقائدي وركود إنساني مطلق في شتّى النواحي المشار إليها، الأمر الذي يعني مواجهة تحدّ جادّ وصارم يزعزع الفكر البشري ويؤزّمه إلى أقصى حدّ يمكن تصوّره.

وأمّا من الناحية الأنثروبولوجية فتيار ما بعد الحداثة يجرّد الإنسان من هويته الحقيقية، حيث يعتبره أتباع هذا التيار كائناً لا يمتلك هويةً ثابتةً ومنسجمةً على الصعيدين الفردي والاجتماعي، ومن هذا المنطلق يؤكّدون على أنّها يعيش في تغيير وتحوّل متواصل وتبعاً لذلك لا ثبات لمعتقداته وأفكاره على الإطلاق لكونها ذات ارتباط وطيد بشخصيته وهويته الإنسانية المتزعزعة من أساسها[31].
إذن، مفكّرو ما بعد الحداثة ينظرون إلى الإنسان وفق رؤية هيومانية (Humanism) وفي هذا المضمار يؤكّدون على أنّ الذات الإنسانية هي المعيار الأساسي وكلمة الفصل في كلّ عقيدة وفكرة تطرح في المجتمعات البشرية، وأمّا التعريف الذي ذكروه للإنسان فهو يصوّره وكأنّه كائن ذو أوصاف لقيطة مستوحاة من رؤى وتوجّهات متنوّعة، حيث اعتمدوا على مختلف التعاريف المطروحة في مدارس وتيارات فكرية متنوعة واقتبسوا من كلّ واحدة منها عنصراً أو عدّة عناصر ليدّعوا أنّهم عرّفوه وفق متبناياتهم الفكرية.

نستشفّ من جملة ما ذكر أنّ الإنسان وفق رؤية فكر ما وراء الحداثة لا يمكن تعريفه اعتماداً على مبادئ أصيلة، أي من المستحيل طرح تعريف شامل وجامع له، لذا لو أردنا معرفة ماهيته الحقيقية حسب هذه الرؤية فلا محيص لنا من استقصاء التعاريف السابقة التي طرحت بخصوصه من قبل مختلف المدارس والتيارات الفكرية الغربية كي نتوصّل إلى النتيجة التي توصّل إليها هؤلاء.
بناءً على ما ذكر لأجل أن نعرف الصورة الحقيقية للإنسان في فكر ما بعد الحداثة، يجب أوّلاً وقبل كلّ شيء إلقاء نظرة شاملة على مختلف التعاريف التي ذكرت في هذا المضمار، ولا شكّ في أنّ أهمّ التعاريف المذكورة في العالم الغربي تنسب إلى أبرز المفكّرين والفلاسفة المعنيين بالفكر والفلسفة من أمثال ديفيد هيوم وتشارلز داروين وكارل ماركس وفريدريك نيتشه وسيغموند فرويد، لذا نسلّط الضوء فيما يلي على آرائهم بهذا الخصوصو بشكل مقتضب:
ديفيد هيوم (David Hume 1711 - 1776) اعتبر عقل الإنسان أضعف بكثير من رغباته وغرائزه على صعيد تشخيص أهدافه في الحياة، حيث اعتبر الرغبة والغريزة والعرف والعادة أفضل هادٍ ومرشدٍ يمكن الاعتماد عليه.[32]
تشارلز داروين (Charles Darwin 1809 - 1882) اتّبع ديفيد هيوم في هذا المضمار مؤكّداً على عجز العقل عن معرفة طبيعة الإنسان ما لم يعتمد على الدوافع والغرائز الطبيعية، كما ادّعى أنّ طبيعة الإنسان نشأت إثر تغييرات متوالية حدثت عن طريق الصدفة إلى أن بلغ مرحلة الانتخاب الطبيعي؛[33] فضلاً عن ذلك فقد اعتبر الأعراف والتقاليد والعلاقات الاجتماعية ذات تأثير بالغ على سلوك الإنسان[34].

كارل ماركس (Karl Marx 1818 - 1883) أكّد على أنّ الإنسان جزء من عالم المادّة، والمعروف عنه اعتقاده بالحتمية على الصعيدين التأريخي والاجتماعي في عالمنا المادّي، وعلى هذا الأساس استنتج أن سلوك البشر وهويتهم متقومان على هذه الحتمية، حيث قال إنّنا نفكّر ونتصرّف وفقاً لما يجري في عالمنا المادّي[35].

فريدريك نيتشه (1844-1900 Friedrich Nietzsche) فسّر حقيقة الوجود الإنساني بالإرادة الرامية إلى كسب اقتدار، فالإنسان برأيه كائن باحث عن القدرة، ومن هذا المنطلق اعتبر البطل المثالي في الحياة البشرية هو من تقيّده الأعراف والتقاليد الاجتماعية الموروثة، فالإنسان الحقيقي والأمثل حسب أطروحته الفكرية يجب أن يكون استثنائياً وفي غنى عن كلّ شخص لأنّه كائن مقتدر لا يعجبه إلا من كان شبيهاً له في الحرية المطلقة والتحرّر من قيود الأخلاق والأعراف الاجتماعية الموروثة، أي أنّه كائن فيما وراء العرف والعادة والأخلاق، فهذا الإنسان يعتقد بعدم إمكانية اجتماع الأخلاق مع حرية الذات، وكلّ من يبلغ هذه المرحلة من الوجود فهو يمدح أقرانه الذين بلغوها.[36]

سيغموند فرويد (Sigmund Freud 1856 - 1939) ضمن بيانه حقيقة الوجود الإنساني أكّد قبل كلّ شيء على الدوافع الجنسية ودورها الفاعل في سلوك البشر، وفي هذا السياق تبنى رؤية سلفه ديفيد هيوم الذي اعتبر العقل عاجزاً عن فرض سلطته في الحياة كحاكم وآمر، بل غاية ما يمكن أن يفعله هو السيطرة على المشاعر والأحاسيس لا غير[37].
ما ذكر أعلاه خلاصة لآراء أبرز المفكّرين الغربيين تجاه حقيقة الإنسان ولا شكّ في أنّها ذات تأثير كبير على الآراء التي تبناها مفكّرو تيار ما بعد الحداثة بهذا الخصوص رغم عدم تصريحهم بذلك، إذ لا يذكر هؤلاء بمن تأثروا بغيرهم في مجال تفسير ماهية الإنسان، لكن حينما نمعن النظر في آرائهم نجد فيها بصمات لمن سبقوهم؛ وهذا الاقتراض من الآراء الأخرى على صعيد بيان حقيقة الإنسان يدلّ بوضوح على أنّ منظّري تيار ما بعد الحداثة ليسوا مستقلّين على الإطلاق في تفسيرهم لهذه الحقيقة ولا قدرة لهم على طرح تعريف مستقلّ وأصيل للوجود الإنساني.
الجدير بالذكر هنا أنّ مغزى أنثروبولوجيا ما بعد الحداثة مقتبسة من المذهب الإنساني - النزعة الهيومانية - ومن هذا المنطلق فسّر مفكّروها ماهية الإنسان حسب متبنيات مبادئ الفكر الإنساني مؤكّدين على أنّها ثمرة لمجريات الحياة المتواصلة (continuous process of life) في عالم المادّة وفق النظرية الداروينية - نظرية التطور - أي أنّ الكائن البشري ظهر في الكرة الأرضية عن طريق الصدفة ثمّ طوال قرون متمادية تطور بشكل طبيعي إلى أن بلغ هيئته الحالية.

فحوى النظرية الداروينية هي عدم وجود سلف أصيل للكائنات الحية والظواهر الطبيعية، لأنّ كلّ كائن عبارة عن نوع جديد متطور من نوع سابق.
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ البيان الإنساني الأوّل[38] (Humanist Manifesto I) ضمن مادّتيه الأولى والثانية أكّد على أنّ الكون -عالم الطبيعة- نشأ تلقائياً، وبما أنّ الإنسان جزء منه فهو قد نشأ تلقائياً أيضاً[39].

هذا التفسير لماهية الإنسان يقتضي رفض امتلاكه روحاً وبدناً ويلزم من يتبناه بعدم الاكتراث بالتعاليم الدينية التي تطرح نظرية الخلقة الإلهية بمحورية الروح والبدن، والبيان المذكور أشار في هذا السياق ضمن المادّة الثالثة إلى أنّهما -الروح والبدن- عنصران طبيعيان في عالم المادّة.[40] وقد بات هذا التفسير مرتكزاً أساسياً لأنثروبولوجيا ما بعد الحداثة.

وأمّا المادّتان الخامسة والسادسة من البيان الإنساني الثاني (Humanist Manifesto II) فقد رفضتا جميع القيود التي تفرض على الإنسان وكلّ مانع يحول دون استثماره ما يمكن أن يحصل عليه في الحياة ولا سيّما على صعيد المسائل الجنسية، وفنّدتا مشروعية كلّ فعل يطال كرامته وقيمه الإنسانية العليا، وعلى هذا الأساس أكّدتا على ضرورة تمهيد الأرضية المناسبة كي يعيش بحرّية تامّة ويفكّر بحرّية مطلقة ويفعل ما يشاء حسب ما تمليه عليه إرادته دون أيّ قيد وشرط[41].
كذلك المادّة الحادية عشرة من البيان الإنساني الأوّل أكّدت على ضرورة أن يتعلّم البشر كيف يعيشون اعتماداً على قابلياتهم العلمية دون اللجوء إلى أيّ عامل ميتافيزيقي، وأن يضعوا حلولاً لكافّة الأزمات والتحدّيات التي يواجهونها وفقاً لما يرونه مناسباً بغضّ النظر عن التصوّرات الميتافيزيقية[42].

إنسان ما بعد الحداثة يمضي حياته في رحاب تغييرات طبيعية متواصلة وفي بعض الأحيان يضطرّ لأن يساير الحتمية الاجتماعية أو التأريخية باعتبار أنّ جميع طرق حياته تنتهي إلى نقطة متزعزعة لا ثبات لها، حيث يواجه مصيراً في نطاق مقتضيات الطبيعة وعالم المادّة، أي أنّه يعيش بيئة تسير نحو النهاية ولا تتجاوز الحدود المرسومة لها وهو بدوره لا يمكن أن يتجاوزها على الإطلاق؛ وعلى هذا الأساس ليس هناك أيّ مجال لتبنّي أفكار بنيوية ولا محيص له سوى توطيد ارتباطه بعالم الطبيعة كي ينال سعادته المنشودة ضمن حياته التي هي مادّية بحتة.

معنى الحياة وأزمة معنى الحياة
ذكرت الكثير من الاستنتاجات بخصوص معنى الحياة، والمعنى الذي نقصده في هذه المقالة هو فهم ماهية الحياة من حيث مصدرها الذي انبثقت منه وشانها الحالي ومصيرها المستقبلي، أي أنّنا نقصد منها روح الحياة البشرية وأسباب نشأتها والحكمة من وجودها، فهذه حقيقة يسعى جميع الناس إلى بلوغها ويبذلون كلّ ما بوسعهم في هذا المضمار بحيث لا نجد شخصاً يتجاهلها، بل كلّ إنسان يريد معرفة معنى الحياة وفي الحين ذاته يرغب في معرفة ما إن استطاع إدراكها على حقيقتها أو لا.

من يريد معرفة معنى الحياة لا محيص له من البحث عنه في رحاب السؤال التالي: من أين جاءت الحياة؟ وما هو شأنها الآن؟ وإلى أين سيكون مصيرها؟ لذا يجب أن يسعى إلى معرفة حقيقة وجوده متسائلاً: من أين جئت؟ وأين أنا الآن؟ وما هو مصيري مستقبلاً؟

يا ترى هل يمكن لجميع الناس معرفة الإجابة الصحيحة عن هذه التساؤلات الهامّة؟ ولو أخفق البعض في معرفة الإجابة الصحيحة، فما هو المحذور الذي سيواجهونه في حياتهم؟ أي ما هي الأزمة التي ستعصف بأفكارهم؟
لا شكّ في أنّ الكثير من الأزمات - ومن جملتها أزمة معنى في الحياة - تنشأ من جهل الإنسان أو عدم رغبته أو عجزه عن امتلاك فهم واضح ودقيق للسؤال عن مصدر الحياة وشأها الحالي ومصيرها المستقبلي، لكن لو سلّطنا الضوء على الموضوع ضمن تحليل سيكولوجي وسوسيولوجي بسيط ندرك كم هذه الأزمات جادّة ومتفاقمة وواسعة النطاق بحيث باتت الهاجس الأساسي لأفكار الكثير من الناس على الصعيدين الفردي والاجتماعي في العصر الحاضر؛ ولا نبالغ لو قلنا إنّها أشدّ أزمة تواجهها البشرية لكونها مشكلة مستعصية تتغلغل تلقائياً في عمق حياة البشر وتخلق لهم أزمات حادّة في شتّى المجالات بحيث تضيّق عليهم عيشهم وتجعلهم في دوّامة فكرية لا مخرج منها.

ذكرنا آنفاً أنّ أزمة المعنى تلقي بظلالها على الإنسان حينما يعجز عن فهم مصدر وجوده ومكانته في هذا العالم ومصيره الذي سيلاقيه مسقتبلاً، أي أنّه يواجهها عندما يخفق في معرفة حقيقة الحياة وسبب وجودها وكيفية وجودها؛ وعلى هذا الأساس بات البحث والتحليل بخصوص هذا الموضوع ذا أهمية بالغة بين سائر قضايا العلوم الإنسانية.

إذن، ما المقصود من أزمة المعنى؟ وما هو منشؤها؟
عندما يكون الإنسان جاهلاً بمبدئه الذي نشأ منه ولا علم له بالهدف من خلقة الكائنات، سوف يسقط لا محالة في مستنقع الأوهام والتصورات الواهية التي لا أساس لها من الصحّة على الإطلاق، ولو لم يكن هذا الأمر أزمةً بحدّ ذاته فهو بكلّ تأكيد بداية لأزمة حادّة وجادّة هي أزمة المعنى.
من المؤكّد أنّ أوضاع الإنسان تتأزّم إلى أقصى حدّ وتتفاقم بشدّة ومن ثمّ يواجه تحدّيات شاقّة في حياته فيما لو جهل بمبدأ خلقته ومصيره والحكمة -الهدف- من حياته في هذا الكون، وحتّى لو تصور حسب ظاهر الحال أنّه أدرك هذه الأمور دون أن يدركها في الواقع، فهو بعيد كلّ البعد عن مغزى الحياة وحقيقتها.

إذا عرّفنا الحياة البشرية وفق معايير وأسس فكر ما بعد الحداثة، فلا بدّ لنا حينئذٍ من الإذعان إلى معنى ذي نطاق محدود لا يتجاوز العالم المادّي الذي تحكمه الغرائز بحيث لا نحصل على شيء أكثر من ذلك ولا ندرك المعنى الحقيقي للحياة، ومن ثمّ تصبح قيمتها مقيدة بنطاق المعتقدات والإلزامات والنواهي المطروحة من قبل المدرسة السكولاستيكية الليبرالية.
الحقائق الميتافيزيقية وفقاً لما يطرحه دعاة فكر ما بعد الحداثة عبارة عن أمر وهمي، حيث يعتقدون بعدم وجود أيّ شيء فيما وراء الحسّ والتجربة والشهود العيني والمادّة، لذا لا يمكنهم على الإطلاق طرح تعريف حقيقي وصادق للحياة كما لا يمكنهم معرفة الهدف والحكمة السامية منها، وهذا الأمر يتجلّى بوضوح حينما نستطلع الوثائق التأريخية بهذا الخصوص، فقد تداعت آراء الفيلسوف فريدريك نيتشه الذي ذاع صيته على نطاق واسع في القرن التاسع عشر على الرؤى والنظريات الحديثة ومهّدت الأرضية اللازمة لولادة تيار ما بعد الحداثة؛ وإذا أردنا تقييم مدى مصداقية الفكر الذي جاء به هذا التيار يكفينها تتبّع جذوره ومعرفة منشأه الأساسي.

فريدريك نيتشه أكّد على بعض المفاهيم ضمن آرائه الفلسفية، مثل مناهضة التوجّهات الفردية ونقض البنيوية ورفض جوهرية الأشياء وعدم قبول وجود أيّة حقيقة متعالية، وعلى أساس هذه الرؤى وضع نظاماً فلسفياً نسبوياً في منأى عن الحقيقة والواقع، ثمّ بات هذا الفكر المنحرف بنيةً أساسيةً لمبادئ فكر ما بعد الحداثة، ومن هذا المنطلق أصبح نفي الجوهر مرتكزاً لإنكار كافّة الضرورات في الحياة طبيعيةً كانت أو ميتافيزيقيةً، لأنّ نيتشه تبنّى وجهةً فلسفيةً نبذ على أساسها جوهر الأخلاق والقيم والأديان والفلسفة الباحثة عن الحقيقة وكلّ كيان كلّي وكلّ شيء يمكن اعتباره ضرورياً وإلزامياً، فهذه الأمور برأيه لا قيمة لها[43].
من جملة الأمور التي أكّد عليها هذا الفيلسوف الغربي هي أنّ الوجود الإنساني قوامه البدن فحسب، فالإنسان برأيه مجرّد بدن والروح والعقل ليسا سوى جزء من هذا البدن المادّي[44]. السؤال الذي يطرح على كلام هذا الفيلسوف، هو: إذا تجاهلنا العقل بالكامل وأعرضنا عن القيم من أساسها، هل يبقى لدينا أمل في معرفة المعنى الحقيقي للحياة حينئذٍ؟

الجدير بالذكر هنا أنّ التعريف الذي ذكرته الموسوعة البريطانية لمفهوم ما بعد الحداثة يدلّ بوضوح على كونه يدلّ على تيار فكري يعاني من ضعف، ومن هذا التعريف ندرك السبب في عجز مفكّري ما بعد الحداثة عن بيان المعنى الحقيقي للحياة، حيث أشارت هذه الموسوعة في تعريفها إلى أنّ تيار ما بعد الحداثة ظهر في أواخر القرن العشرين للميلاد ووصفته بأنّه محفوف بالنزعات الشكوكية (skepticism) والنسبوية (relativism) والذاتانية (subjectivism) إلى جانب تجاهل الفنّ والذكاء والعقل وكافّة المعارف العقلية، أو التنزّل بمستواها واعتبارها العلمي وكاشفيتها إلى أدنى حدّ ممكن (a general suspicion of reason)، كما تعرّض للأيديولوجيا an acute) sensitivity to the role of ideology) وكلّ نزعةٍ أيديولوجيةٍ بنقدٍ لاذعٍ[45].
مفكّرو ما بعد الحداثة انخرطوا في هذا التيار الفكري وطرحوا آراء ونظريات تؤكّد على استقلال الحقائق الموضوعية عن العقل البشري وأوعزوا إنسانية البشر إلى حقيقة بسيطة (naive realism) وتنزّلوا بها إلى مستوى فرضية دلالية (conceptual construct) وإبداع لغوي، لذا كيف يمكنهم على أساس هذه الرؤية الضيقة التي قيدوا فكرهم بها أن يعرفوا حقيقة الحياة ومعناها[46]؟

من جملة آراء هؤلاء اعتقادهم بأنّ هوية الإنسان تنشأ بفعل حتمية اجتماعية، وعدم اكتراثهم مطلقاً بالمبادئ النفسية الفردية للإنسان وقابلياته وأوضاعه ورغباته الطبيعية المكنونة في ذاته منذ لحظة ولادته قبل أن يلج في مضمار الحياة الاجتماعية، حيث يعتبرون هذه الأمور -أو معظمها على أقلّ تقدير- مجرّد قضايا مرتبطة بالسيكولوجيا الإنسانية العامّة والتوجّهات النفسية التي تنشأ في رحاب الحياة العامّة إثر التفاعل الاجتماعي بين البشر، لذا لا تعدّ مبادئ ثابتة وأصيلة[47].
من الطبيعي أنّ رؤيةً كهذه إزاء الحياة تجعل الإنسان دائماً في مهبّ رياح ظروف مشوّشة وأحياناً غامضة بالكامل بحيث لا يمكنه تحديد المصير الذي ستؤول إليه حياته، حيث ينشأ لديه شكّ بكلّ شيء ولا يبقى له أيّ مجال للاعتقاد بوجود معنى ثابت ومستقلّ عن الظروف الاجتماعية التي يعيش في رحابها، وهذه الظروف بطبيعة الحال في تذبذب متواصل ولا استقرار لها على الإطلاق.
بناءً على ما ذكر لو بقي الإنسان حائراً في حياته ولا قدرة له على الاطمئنان لهدف يأمل في تحقيقه، ثمّ شيئاً فشيئاً يواجه أزمة في معنى الحياة ولا يستمتع في حياته كما ينبغي، وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنّ الفيلسوف جان فرانسوا ليوتار (Jean Francois Lyotard) الذي يعدّ واحداً من أشهر مفكّري تيار ما بعد الحداثة أكّد على ما يلي:

1) عصر الصناعة والإنتاج نشأ في رحاب السياسة والحياة الاجتماعية.
2) ليس بمقدور البشرية طرح نظرية أخلاقية وأكسيولوجية مطلقة -ثابتة ودائمة-.
3) إضفاء معنى إلى الحياة والكون مجرّد أمرٍ نسبي وشخصي بحتٍ[48].

كذلك اعتبر التشكيك (increduality) بالمبادئ والمفاهيم الثابتة من خصائص فكر ما بعد الحداثة[49].
إذن، حسب هذه الاعتقادات كيف يمكننا البحث عن معنى ثابت ودائم للحياة؟! فهل هناك أمل في ذلك لو اعتقدنا بهذه الآراء؟! وهل يبقى أمل لمعرفة الهدف أو الأهداف المتعالية في عالم الوجود؟!

التيارات والمدارس الفكرية التي كوّنت بمجموعها مبادئ وقيم تيار ما بعد الحداثة الذي تبلور على هيئة حركة فكرية جديدة، إذا تمكّنت من إضفاء معنى أصيل تامّ يتّصف بالثبوت والاستمرار وهدف سامٍ لحياة الإنسان، سوف يتمكّن مفكّرو تيار ما بعد الحداثة عندئذٍ من تحقيق ذلك لكون أفكارهم ملتقطة من تلك المبادئ والقيم المشتّتة؛ لكن بما أنّ فكر ما بعد الحداثة لا يقتضي ذلك فلا أمل في تحقيق هذا الهدف على الإطلاق.

نتيجة البحث
معنى الحياة ذو ارتباط وطيد بالمبادئ والمناهج الأساسية في الحياة، لذا كلّما كانت هذه المبادئ والمناهج أصيلةً ودقيقةً وثابتةً يتّضح معنى الحياة بشكل أفضل؛ والعكس صحيح، أي كلّما كانت لقيطةً وغامضةً وغير ثابتةٍ سوف يعاني المجتمع من ضياع ويفقد هويته وينسى واقعه ثمّ لا يبقى للحياة أيّ معنى.
حياة الإنسان تكتسب معناها الأصيل عندما يعرف من أين أتى ولماذا خلق وإلى أين سيكون مصيره، وإثر ذلك يعرف مقامه الإنساني فتعمّه رحمة الله الواسعة ويستثمر نعمة الحياة التي أُكرم بها بأفضل وأمثل شكلٍ وإلى أقصى حدٍّ ممكنٍ؛ وهذه الميزة لا يتّسم بها إلا من يعرف نفسه حقّ المعرفة ويدرك الحدّ الفاصل بينه كبشرٍ وبين خالقه العظيم وعلى هذا الأساس يصوغ ارتباطه بالدنيا والآخرة وفق أسس صائبة وقويمة؛ ولا شكّ في أنّ بلوغ هذه الدرجة من الإدراك يقتضي الاعتقاد بمجموعة من المبادئ والأهداف والمناهج الثابتة التي تضفي إلى الحياة معنى وتجعل بني آدم مختلفين عن الحيوانات من الناحية الروحية.
إذن، لو أردنا وضع حلّ لأزمة «معنى الحياة» فلا ينبغي لنا الاكتفاء بالجانب الحسّي والتجريبي في الحياة، بل يجب الاعتقاد بوجود عوامل مؤثّرة أخرى في الحياة لا يمكن تجاهلها على الإطلاق، مثل الفطرة والعقل والوحي، إذ لو اعتقدنا بهذه المبادئ الأصيلة سنواجه أقلّ قدر ممكن من التحدّيات المحتملة كما ننجو من أزمة المعنى.
وبعبارة أوضح: الهاجس الذي يكتنف الإنسان لمعرفة روح الحياة ومعناها لا يسمح له بأن يقيّد فكره وقابلياته ودوافعه ويحبسها في قفص فكر ما بعد الحداثة الذي يعجز عن تجاوز حدوده الضيقة.

خلاصة الكلام أنّنا إذا أردنا انتشال أنفسنا من أزمة معنى الحياة فلا بدّ لنا ممّا يلي:
1) معرفة الهدف من خلقتنا وخلقة العالم.
2) معرفة المبادئ والمناهج الأساسية في الحياة.
3) معرفة حقيقة ارتباطنا من أربعة أوجهٍ كالتالي:

أ - ارتباطنا بالله عزّ وجلّ
ب - ارتباطنا بأقراننا البشر
ج - ارتباطنا بأنفسنا
د - ارتباطنا بما حولنا في عالم الطبيعة

مفكّرو ما بعد الحداثة ضمن أيديولوجيتهم الجديدة من نوعها عرّفوا الإنسان بذاتانية فردية قوامها تمكين كلّ إنسانٍ من استثمار ما حوله ومن حوله ضمن توجّهات شخصية بحتة، حيث قيّدوا الحياة بهذا الحدّ وأنكروا كلّ شيء فيماورائه، أي أنّهم اقتصروا على أفق مادّي ونفسي ضيق ومحدود.

المصادر والمراجع
روجر تريغ، انسان از دیدگاه ده متفکر (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية رضا بخشایش، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، طهران، منشورات معهد التعليم والتربية، 2003.
علي جمشيدي، پست‌ مدرنیسم چیست؟ (باللغة الفارسية)، 1999، على الرابط الإلكتروني التالي:
 http://postmodir.blogsky.com/1387/03/13/post-27/ 
سيد أحمد رهنمائي، غرب ‌شناسي (باللغة الفارسية)، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، قم، منشورات مؤسسة الإمام الخميني (ره) للتعليم والبحوث، الطبعة الخامسة عشرة، 2016.
إسحاق طاهری سرتشنیزی، أحمد عزیز خاني، انسان ‌شناسي پست ‌مدرن و نقد آن از منظر آموزه‌هاي دیني، مقالة باللغة الفارسية نشرت في مجلة «انسان‎ پژوهي ديني» الفصلية، الدورة الثامنة، العدد 25، 2011م.
أنطوني غيدنز، پیامد هاي مدرنیته (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية محسن ثلاثي، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، طهران، منشورات مركز، 1998.

1. Bauman, Zygmunt, 2000, Postmodern Ethics, Massachusetts, Blackwell.
2. Borchert, Donald M. , Editor in Chief, (2006), Encyclopedia of Philosophy, v. 7, 2nd. Edition, Macmillan Reference USA, Thomson, Gale.
3. Docherty, Thomas, (1993), Postmodernism: A Reader, New York, Columbia University press.
4. Duignan, Brian, (2017), Encyclopedia Britannica (on line), s. v. Postmodernism.
5. Flinders, Neil, (1990), A Restorationist Views the Modernism / Post modernism Debate, Salt Lake Sity.
6. http://www.britannica.com/topic/s.v. postmodernism-philosophy.
7. http://www.merriam-webster.com/dictionary/s.v. postmodern.
8. http://www.newworldencyclopedia.org/entry/Metanarrative.
9. https://www.funeralzone.co.uk/blog/c/funeral-zone-services
10. Jameson, Fredrick, “Postmodernism, or the Cultural Logic of Late Capitalism” in New Left Review, n. 146, (July - August 1984, 59 - 92).
11. Kurtz, Paul, (1973), Humanist Manifestos I and II, Buffalo, New York, Prometheus Books.
12. Luntley, Michael, (1995), Reason, Truth and Self, the Postmodern Reconditioned, Routledge.
13. Lyotard, Jean - Francois, (1987), “The Postmodern Condition” in After Philosophy: End or Transformation? Cambridge, Massachusetts, MIT Press.
14. Marx, Karl. and Engels, Frederick, (2004), German Ideology, C. J. Arthur, ed. , New York, International Publisher.
15. Merriam - Webster, Merriam - Webster’s Collegiate Dictionary, (2005), 11th edition, Frederick C. Mish, editor in Chief, s.v. “post-modern”, Merriam-Webster, Incorporated, Springfield, Massachusetts, USA.
16. Mibank, John, (1992), “Problematizing the Secular: the Post Postmodern Agenda” in Shadow of Spirit Postmodernism, edited by Philippa Berry and Andrew Wernick, Routledge. PP 31 - 32.
17. Nietzsche, Fredrick Wilhelm,(1966), On the Genealogy of Morals and Ecce Homo, New York, Vintage Book.
18. Ozmon, Howard and Craver, Samuel, (1995), Philosophical Foundations of Education, Columbus, Toronto, Merrell Publishing Company.
19. Sarup, Madan, (1993), An Introductory Guide to Post Structuralism and Postmodernism, The University of Georgia Press.
20. Smart, Barry, (1992), “Postmodernity and Present”, in Theories of Modernity and Postmodernity, London, Sage Publication.
21. Tappan, Mark, and Lyn Mikel. Brown, (2006) Envisioning a Postmodern Moral Pedagogy, Journal of Moral Education, 25, n. 1, p. 101.
22. Tappan, Mark B. and Brown, Lyn Mikel, (1996), March, “Envisioning a Postmodern Moral Pedagogy”, in Journal of Moral Education, 25, n. 1.
23. Wood, Elizabeth, (1993), Postmodernism, Montreal, McGill University, Department of Culture and Values in Education, Course Pack.

---------------------------------------------
[1]*ـ  باحث وأكاديمي إيراني، عضو هيئة التدريس في مؤسّسة الإمام الخميني (ره) للتعليم والبحوث.
مصدر هذه المقالة: مجلة "تربيت اسلامي" الفصلية، السنة الخامسة عشرة، العدد 32، سنة 2020م. (الصفحات 77 - 92)
[email protected]
ـ ترجمة: د. أسعد مندي الكعبي.
[2]- Merriam - Webster, Merriam - Webster’s Collegiate Dictionary, (2005), 11th edition, Frederick C. Mish, editor in Chief, s.v. “post-modern”, Merriam-Webster, Incorporated, Springfield, Massachusetts, USA. p. 970. 
“of relating to, or being an era after a modern one “ postmodern times “ a “ postmodern metropolis “.
[3]- Borchert, Donald M. , Editor in Chief, (2006), Encyclopedia of Philosophy, v. 7, 2nd. Edition, Macmillan Reference USA, Thomson, Gale, p. 729.
[4]- Merriam - Webster, Merriam - Webster’s Collegiate Dictionary, (2005), 11th edition, Frederick C. Mish, editor in Chief, s.v. “post-modern”, Merriam-Webster, Incorporated, Springfield, Massachusetts, USA. p. 970. 
of relating to, or being any of various movements in reaction to modernism that are typically characterized by a return to traditional materials and forms (as in architecture) or by ironic self-reference
and absurdity (as in literature).
[5]- Ibid.
of, relating to, or being a theory that involves a radical reappraisal of modern assumptions about
culture, identity, history, or language “ postmodern feminism “.
[6]- Borchert, Donald M. , Editor in Chief, (2006), Encyclopedia of Philosophy, v. 7, 2nd. Edition, Macmillan Reference USA, Thomson, Gale, p. 729.
[7]- آرنولد جوزيف توينبي هو أوّل منظّر غربي استخدم مصطلح «ما بعد الحداثة» في عام 1939م حيث فسّر على أساسه الأفكار والرؤى التي طرقت ذهنه في أجواء اعتبرها مرتبطة بعصر جاء بعد عصر الحداثة.
[8]- جان فرانسوا ليوتار هو أوّل من فنّد المعايير الحداثية التي اعتبرت آنذاك كلّية وشاملة واعتبرها المفكّرون قواعد أساسية ثابتة، فقد رفض الفكر الحداثي كمبدأ قطعي وانتقد بشدّة مفهوم السرديات الكبرى للحداثة أو ما يسمّى بالسرديات الخلفية أو الورائية the grand narrative.
[9]- For more information see: Docherty, Thomas, (1993), Postmodernism: A Reader, New York, Columbia University press, p. 1.
Also see: Sarup, Madan, (1993), An Introductory Guide to Post Structuralism and Postmodernism, The University of Georgia Press, p. 132.
[10]- التيار ما بعد الحداثي المضادّ oppositional postmodernism يطلق عليه البعض عنوان تيار ما بعد الحداثة المقاوم post modernism of resistance للتأكيد على أنّ تيار ما بعد الحداثة بمثابة حركة مدمّرة للحداثة ومقاومة لها.
[11]- For more information see: Smart, Barry, (1992), “Postmodernity and Present”, in Theories of Modernity and Postmodernity, London, Sage Publication, p. 44.
Also see: Wood, Elizabeth, (1993), Postmodernism, Montreal, McGill University, Department of Culture and Values in Education, Course Pack.
[12]- سيد أحمد رهنمائي، غرب ‌شناسي (باللغة الفارسية)، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، قم، منشورات مؤسسة الإمام الخميني (ره) للتعليم والبحوث، الطبعة الخامسة عشرة، 2016، ص 197.
[13]- For more information see: Smart, Barry, (1992), “Postmodernity and Present”, in Theories of Modernity and Postmodernity, London, Sage Publication, p. 24.
يستخدم البعض مصطلح ما بعد الحداثة الإثباتي affirmative postmodernism للدلالة على بقاء الفكر الحداثي متواصلاً ضمن تيار ما بعد الحداثة، وهناك من طرح مصطلح ما بعد الحداثة التفاعلي post modernism of reaction للتأكيد على أنّ تيار ما بعد الحداثة حصيلة ردّة فعل إزاء تيار الحداثة تتناغم مع الظروف المستجدّة على الساحة.
[14]- هذا المصطلح من إبداع كاتب المقالة ولم يستخدم من قبل المفكرين الغربيين.
[15]- سيد أحمد رهنمائي، غرب ‌شناسي (باللغة الفارسية)، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، قم، منشورات مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحوث، الطبعة الخامسة عشرة، 2016، ص 198.
[16]- Bauman, Zygmunt, 2000, Postmodern Ethics, Massachusetts, Blackwell, p. 10.
[17]- For more information see: Flinders, Neil, (1990), A Restorationist Views the Modernism / Post modernism Debate, Salt Lake Sity, p. 6.
[18]- للاطلاع أكثر، راجع: سيد أحمد رهنمائي، غرب ‌شناسي (باللغة الفارسية)، ص 195 - 196.
[19]- أنطوني غيدنز، پیامد هاي مدرنیته (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية محسن ثلاثي، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، طهران، منشورات مركز، 1998، ص 5.
[20]- Lyotard, Jean - Francois, (1987), “The Postmodern Condition” in After Philosophy: End or Transformation? Cambridge, Massachusetts, MIT Press, p. 74.
[21]- Luntley, Michael, (1995), Reason, Truth and Self, the Postmodern Reconditioned, Routledge, p. 2.
[22]- Sarup, Madan, (1993), An Introductory Guide to Post Structuralism and Postmodernism, The University of Georgia Press, p. 130.
Also see: Jameson, Fredrick, “Postmodernism, or the Cultural Logic of Late Capitalism” in New Left Review, n. 146, (July - August 1984. P. 1).
[23]- تمّ تدوين الكثير من الكتب والمقالات بهذا الخصوص تأكيداً على عدم أهمية الأمور المرتبطة بالدين بشكل مباشر أو غير مباشر وتفنيدها من الأساس تحت عناوين ومسميات متنوعة من جملتها ما يلي:
- How to Hold A Funeral without God
- Humanist Funeral Finding Meaning without God
- Education without God
- Economy without God
- Marriage without God
للاطلاع أكثر، راجع الموقع الإلكتروني التالي:  https://www.funeralzone.co.uk/blog/c/funeral-zone-services
[24]- Kurtz, Paul, (1973), Humanist Manifestos I and II, Buffalo, New York, Prometheus Books, p. 15 - 16.
[25]- سيد أحمد رهنمائي، غرب ‌شناسي (باللغة الفارسية)، ص 207.
[26]- المصدر السابق.
[27]- Ozmon, Howard and Craver, Samuel, (1995), Philosophical Foundations of Education, Columbus, Toronto, Merrell Publishing Company, p. 364 - 372
[28]- Ibid..
[29]- Tappan, Mark, and Lyn Mikel. Brown, (2006) Envisioning a Postmodern Moral Pedagogy, Journal of Moral Education, 25, n. 1, p. 101.
[30]- Mibank, John, (1992), “Problematizing the Secular: the Post Postmodern Agenda” in Shadow of Spirit Postmodernism, edited by Philippa Berry and Andrew Wernick, Routledge. PP 31 - 32.
Also see: Bauman, Zygmunt, 2000, Postmodern Ethics, Massachusetts, Blackwell, p. 10.
[31]- Sarup, Madan, (1993), An Introductory Guide to Post Structuralism and Postmodernism, The University of Georgia Press, p. 130.
[32]- للاطلاع أكثر، راجع: روجر تريغ، انسان از دیدگاه ده متفکر (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية رضا بخشایش، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، طهران، منشورات معهد التعليم والتربية، 2003، ص 122 - 123.
[33]- المصدر السابق، ص 143 - 144.
[34]- المصدر السابق، ص 143.
[35]- المصدر السابق، ص 162.
Also see: Marx, Karl. and Engels, Frederick, (2004), German Ideology, C. J. Arthur, ed. , New York, International Publisher, p. 57 - 59.
[36]- روجر تريغ، انسان از دیدگاه ده متفکر (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية رضا بخشایش، ص 185 - 187.
[37]- المصدر السابق.
[38]- البيان الإنساني الأوّل (Humanist Manifesto I) كتبه في عام 1933، ريموند براغ ونظمه الفيلسوف الأمريكي بول كيرتز (Paul Kurtz)، ونشر مع 34 توقيعاً لمفكرين غربيين بينهم اليلسوف وعالم النفس الأمريكي جون ديوي (John Dewey). يتحدث هذا البيان عن دين جديد، ويشير إلى الإنسانية كحركة دينية، تهدف إلى تجاوز، واستبدال الأديان السابقة، القائمة على مزاعم الوحي الخارق، ومع ذلك، يجب الحرص على عدم التعبير عن العقيدة، أو المعتقد.
تحدد الوثيقة، خمسة عشر بندا، وتؤكد، على علم الكونيات، والتطور البيولوجي والثقافي، والطبيعة البشرية، و نظرية المعرفة، والأخلاق، والدين، وتحقيق الذات، والسعي إلى الحرية والعدالة الاجتماعية.
وصفت العدالة الاجتماعية، المنصوص عليها في المادة الرابعة عشرة، أنها الأكثر إثارة للجدل، حتى بين الإنسانيين، بالإضافة إلى النظرة العلمانية، حيث أعلن معارضته عن “مجتمع الاستثمار، الذي يحركه الربح”، ومطالبته، بمجتمع المساواة، في جميع أنحاء العالم، على أساس التعاون المتبادل الطوعي.
تم الإعلان عن إصدار البيان الإنساني الأول، من قبل وسائل الإعلام الرئيسية، في 1 مايو/ يونيو 1933، ويتبعه بيانان هما البيان الإنساني الثاني عام 1973، والبيان الإنساني الثالث (الإنسانية، وتطلعاتها)، عام 2003.
البيان الإنساني الثاني يعتبر متمّماً للبيان الإنساني الأوّل وقد تمّ تدوينه سنة 1973 من قبل بول كيرتز وإدوين أتش. ويلسون (Edwin H. Wilson) ووقّع عليه 120 مفكراً غربياً من ضمنهم بي. أف. سكينر (B. F. Skinner).
For more information see: Kurtz, Paul, (1973), Humanist Manifestos I and II, Buffalo, New York, Prometheus Books.
[39]- Kurtz, Paul, (1973), Humanist Manifestos I and II, p. 8.
[40]- Ibid.
[41]- Ibid, 18 - 19.
[42]- Ibid, p. 9.
[43]- إسحاق طاهری سرتشنیزی، أحمد عزیز خاني، انسان ‌شناسي پست ‌مدرن و نقد آن از منظر آموزه‌هاي دیني، مقالة باللغة الفارسية نشرت في مجلة "انسان‎ پژوهي ديني" الفصلية، الدورة الثامنة، العدد 25، 2011م، ص35.
[44]- Nietzsche, Fredrick Wilhelm,(1966), On the Genealogy of Morals and Ecce Homo, New York, Vintage Book, p. 59.
[45]- Duignan, Brian, (2017), Encyclopedia Britannica (on line), s. v. Postmodernism.
[46]- Ibid. 
[47]- Ibid.
[48]- علي جمشيدي، پست‌ مدرنیسم چیست؟ (باللغة الفارسية)، 1999، على الرابط الإلكتروني التالي:
http://postmodir.blogsky.com/1387/03/13/post-27/
[49]- Lyotard, Jean - Francois, (1987), “The Postmodern Condition” in After Philosophy: End or Transformation? Cambridge, Massachusetts, MIT Press, p. 74.