البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

في تأويل ديكارت؛ عن معنى التفكير به غربيَّاً وعربيّاً

الباحث :  إدريس هاني
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  24
السنة :  صيف 2021م / 1443هـ
تاريخ إضافة البحث :  October / 18 / 2021
عدد زيارات البحث :  37
تحميل  ( 565.515 KB )
تحفر هذه الدراسة عميقًا في نظام ديكارت الفلسفيّ، وقد سلكت مسارها النقدّي انطلاقًا من الكوجيتو بوصفه نقطة الجاذبيّة التي أسَّست لميتافيزيقا الحداثة وأوقعتها في معاثر لا حصر لها. كما يقوّم الباحث الكيفيّة التي تلقّى فيها الفكر العربيّ وقبله الفكر الغربيّ منظومة ديكارت، وكيف جرى التعامل معها والآثار المعرفيّة السلبيّة التي ترتّبت على هذا التلقِّي.

«المحرِّر»
------------------------------
بدا ديكارت حتى اليوم بمثابة واقعة تاريخيّة في الكون الميتافيزقيّ الحديث، ومع أنّه زبدة القرون الوسطى وأحد القادة العقلانيّين الذين جاؤوا لتلبية دعم الإيمان طبقًا لمخرجات مجمع ليتران، إلاّ أنّ تاريخ الفلسفة منحه وسام الأب الروحيّ للفلسفة الحديثة بلا منازع، ليحتلّ قمرة قيادة تاريخ الأفكار في العصر الحديث، عرف ما بعده انطلاقًا منه، ما يجعله قسيم تاريخ مديد: ما قبل ديكارت وما بعده، وما بعده ينقسم إلى ديكارتيّين ولا ديكارتيّين. لا زال تسجيل الحضور في مدرك الكوجيتو الديكارتيّ يفرض نفسه على مجايليه، بدءًا من مالبرانس وسبينوزا وليبنيتز، ومرورًا بهيغل وكانط ووصولًا إلى هوسرل وهايدغر. لا زال ديكارت ينحت مكانته في راهنيّة الخطاب الفلسفيّ، ويفتح المجال لتأويلات عدّة، فغدا لكلٍّ ديكارته، إذ لم يبالغ بول ريكور حين اعتبر ديكارت هوسرل ليس هو ديكارت جيلسون أو لابورت أو ألكي[1].

قد لا يسلّم بعض الباحثين بصحّة هذه الأحكام في تاريخ الفلسفة الحديثة، إلّا أنّ ثمّة ما يؤكّد على أنّ ديكارت حاول تجديد الخطاب الأنطولوجيّ، أي المحاولة التي تعيّن أن لا تُقرأ فلسفيًّا وحسب، بل وجب أن تُقرأ في سياق جدل المعرفة والسّلطة وبنية الخطاب. يشير جونفيان روديس لويس إلى أنّ ديكارت ليس بدعًا فيما أتى به بخصوص تأمّل الوجود، فلقد أخذ بقسم وافر من الأنطولوجيا التقليديّة لأسلافه انطلاقًا من أسس جديدة يتجلّى فيها أمران: الانتقال من الفكر إلى الوجود والوضوح[2]. وليس في هذا التوصيف ما أنكره ديكارت، فهو سبق وأوضح بأنّ ما تناوله ليس جديدًا، بل هو قديم قدم الحقيقة نفسها. هذا الذي سيجعل البداية جريئة تتوسّل بالوضوح والمنهج والاستدلال، ولكن، كما سنرى فيما بعد في ضوء التّأمّلات الديكارتيّة الهوسرليّة، فإنّ ثمذة ما لم يتنبّه إليه ديكارت من سقطات أو التموضع خارج الكوجيتو. ليس الديكارتيّون هم من أخلصوا ووفوا لكلّ تفاصيل التّأمّلات الديكارتيّة، فهذا من أسوأ ما ابتُليت به الفلسفة حين يكون الحديث عن الأوفياء، فمالبرانس كسبينوزا كلايبنتز، يختلفون مع ديكارت في تفاصيل كثيرة، بل ذهب جنفيان إلى أنّ سبينوزا ولايبنتز -المصنّفَيْن كديكارتيّيْن- انطلقا من نقاط مختلفة مع ديكارت، كما صرّحا بأنّهما خصمان له[3]، وسنرى مع هوسرل أنّ العودة إلى ديكارت لا تعني الاتفاق مع سائر ما أتى به، بل العودة إلى البداية وإعادة التأسيس. لقد مضى ديكارت -وهذه خاصّيّة تجربته- إلى النهاية في كلّ مسألة كما زعم ألكسندر كويريه، غير أنّه ينبغي التّوقف عند العبارات، حين يتعلّق الأمر بمفهوم العقل والعلم والتجربة الفلسفيّة، فإنّ ديكارت في نظر هوسرل وانتهاء بهايدغر، لم يكمل المهمّة، ربما في نظر هذا الأخير أسّس لانطلاقة أنطولوجيّة خاطئة، لكن خلف هذا التبجيل توجد تلك الحقيقة، وهي أنّ ديكارت دشّن عصرًا جديدًا في التفكير انطلاقًا من تساؤلات بسيطة حول الوجود، ظلّت تساؤلات تراود الفلاسفة منذ قرون، غير أنّه استطاع أن يمضي بالشكّ إلى نهايته، ونهاية الشكّ هنا لا تعني إلاّ بداية اليقين، فما بعد الشكّ إلاّ اليقين. ومع أنّ الشكّ منهجيًّا ارتبط بديكارت إلاّ أنّه، بغضّ النّظر عن أهمّيّة «الإيبوشي»، فإنّ ديكارت كان بهذا المعنى أهمّ فيلسوف حديث استطاع أن يهزم الشكّ إلى الأبد. لعلّ السياق الذي يضعنا فيه كويريه في دروسه عن ديكارت في جامعة فؤاد الأوّل وبطلب من تلميذه طه حسين عميد كلّيّة الآداب، تضيء على هذا المسار الذي بدا فيه ديكارت متمّمًا ومخاصمًا لأستاذه الشّكاك مونتاني. كان الشكّ فوضى تلتهم كلّ شيء، لكنّ ديكارت قضى على الشكّ المدمّر للأسس، إنّه حسب كويريه يتمّم مهمّة الشكّ ولكن في الوقت نفسه يهدمها[4]. وجب فهم العبارة السابقة في السياق التاريخيّ، أي ديكارت متمّمًا وهادمًا لشكّانيّة مونتاني.

الشكّ التبسيطيّ منهك لنفسه كما رأى مناهضوه من الوهلة الأولى، كيف نشكّ في كلّ شيء، ونمنح الشكّ يقينًا حتى أنّنا لا نستطيع الشكّ في الشّك. لقد أوصل ديكارت الشكّ إلى أرضيّة يقينيّة منها يستأنف البناء الأنطولوجيّ والعلميّ على طريق اليقين. لقد كان أحرى أن يُقال بأنّ ديكارت هو فيلسوف اليقين بامتياز.

لماذا تأويل ديكارت؟
لهذه المقالة وهواجسها الأخرى أصل في حادثة عارضة، تتعلّق بتعقيب قام به باحث على محاضرة سبق أن ألقيتها قبل سنوات في جامعة بهشتي بطهران، تناولت فيها باختصار شديد علاقة الفكر بالوجود، وقرأت الكوجيتو قراءة نقديّة مجملةً في عين أصالة الوجود صدرائيًّا والكينونة الحاضرة هيدغيريًّا. جاء في كلام المعقّب حينئذ: علينا أن نكون أمناء حين نتحدّث عن الأموات، ولا شكّ أن المعقّب لم يكن جادًّا، لأنّه من خلال كلامه كان يتحدّث خارج مقصود كلامي، والقصد قضيّة ديكارتيّة بامتياز، والاستيعاب الضروريّ للخطاب هو مطلب تاريخيّ لديكارت أيضًا، وهو يبحث عن تمكين لتأمّلاته، غير آبه بمن لن يُحسن فهمه، فلقد كان من الأوائل الذين اعتبروا الحقيقة قديمة، وبأنّ الالتباس نابع من سوء النّيّة. وقد أخبرني بعض الحاضرين فيما بعد أنّ تلك هي عادة المعقّب المذكور في استفزاز المحاضرين، وهذا أكّد لي بأنّ الأمر يتعّلق بمغالطة يمكن أن نسمّيها: مغالطة الضمير أو المُغالطة الائتمانيّة فيما هو موضوع نظر نقديّ، ويبدو أنّ الرّد المنطقيّ للمغالطة لا يكفي، فلقد كانت مغالطة شديدة التأثير حتى أنّها تركت فيَّ أثرا نفسيًّا بالغًا على مستوى تأنيب الضمير، وإن كنت قطعت يقينًا بعدم جدّيّة كلام المُعقّب.

سأعود إلى ديكارت مرة أخرى لإعادة تأويله، ولكن في الوقت نفسه من أجل نحت راهنيّته من باب العودة إلى الأصل. لقد كان ديكارت منهمكًا بأسئلة كونيّة، وكان يرى في عالم المسيحيّة وتعاليمها ذروة المعقول والمنقول، إنّما ينقصها الطريقة الفلسفيّة للدّفاع عن حقائق الإيمان، والأهمّ من كلّ ذلك، أنّ ديكارت كما سنرى في «التّأمّلات» وقبله في خطاب المنهج، فيلسوف جادّ غير مخاتل، يمنح الأشياء القدر الكافي من التّأمّل ويذهب كما عقلاء عصره من أمثال وليام الآكامي(William of ockham) إلى أقصى ما يمكن من الاقتصاد في العلم، وذلك في محاولة للقبض على أقصى الوضوح. إنّه يسوس استدلالاته بعمق، ولكن دون عنف، لقد كان مدركًا لخطورة عصره؛ لذلك كان مجاملًا بارعًا لسلطة الكنيسة.

إنّ التّأمّل في «التّأمّلات»، يساعدنا على فهم «الإبستيمي» بالمعنى الفوكونيّ، الرّابض خلف هذا الأثر. لقد كان الخطاب الكنسيّ قد واجه خطابًا شديد الاستهتار بما كان يبدو بديهيًّا، غير أنّ هذه البديهيّة كما تراءت لديكارت، هي بديهيّة تستمدّ عناصرها من مجتمع المؤمنين، ولكنّها عاجزة عن إقناع من ليس جزءًا من هذا الاعتقاد. عقلنة الكلام المسيحيّ، وكأنّه يستعيد ويجدّد أمرًا تراءى له قديمًا، غير أنّ الرّغبة الملحّة في هذا التّحيين، هي قضية يفرضها الحِجَاج وتتطلّع إلى تعزيز المنهج والكشف على البدايات الصحيحة. كان ديكارت هو عُصارة عقلانيّة العصور الوسطى، يعيدنا بكيفيّة أكثر اقتصادًا إلى القدّيسيْن سان أوغسطين وأنسلم، لحظة الذّروة في علم الكلام الكنسيّ، وتجاوزهما في الوقت نفسه.

إذا شئنا الوقوف عند مفهوم الإبستيميّ، فإنّ ديكارت هو تعبير عن مفترق طرق، هو فرصة سانحة للكلام الكنسيّ ولتدشين عصر الإيمان العقلانيّ، عصر إيمان جديد، عصر تناول قضيّة الإيمان بمستوى من البراهين تمتاح من عقلانيّة القرن الوسيط ولكن بمنهجيّة ووضوح فلسفيَّيْن أكبر. هل هو يا ترى افتتاح رسميّ للعصر الحديث أم تأكيد على ذروة القرون الوسطى في التفكير؟ هل سنقرأ ديكارت كبداية أم كنهائية؟ في أيّ زمن فلسفيّ يتعيّن قراءة التجربة الديكارتيّة؟

حين كنت أتبرّى من الديكارتيّة أو على الأقلّ أحذّر من غلوّها واشتغالها تحت ضغط الشكّ العامّ لعصره، كنت في الحقيقة أتبرّى من الفهم المتداول عن الديكارتيّة، وكان هذا همّ ديكارت مسبقًا، أي الخوف من سوء الفهم، على الرغم من أنّه أشار في التأمّلات إلى أنّه يدرك مسبقًا أنّ قسمًا ممن سيقرأونه دون التخلّص من تشويش الحواس والمسبقات لن يستفيدوا شيئا.ً والحقيقة أنّه توجد مساحة كبيرة عند ديكارت لم تُفهم كما ينبغي، وهي أرضيّة صالحة لقيام تأويل متجدّد للكوجيتو الديكارتيّ، وهو ما سأقوم به هنا تدريجيًّا. فالفيلسوف بما أنّه يشتغل في حقل متخم بالمفاهيم، هو سابق لعصره على أيّ حال، لا شيء في عصره يُدرَك كما يُدرَك أيّ خطاب آخر، وحظّ ديكارت من التأويل كبير، فما هي تاريخانيّة الكوجيتو الديكارتيّ؟

هل كان ديكارت غزَّاليًا؟
أخفى ديكارت مصادره كما هو ديدن فلاسفة عصره وما بعده. فالبحث عن أصل للتفكير دفاعًا عن معتقد الكنيسة أو عن الميتافيزقا الغربيّة، يبرّر تجاهل حقبة من تجارب الفلسفة الإسلاميّة. ولا شكّ أنّ ثمّة من حاول اكتشاف ما بين أبي حامد الغزّالي ورينيه ديكارت من اشتراك، لا سيّما في مسألة الشكّ المنهجيّ وجرأة التفكير بتجرّد، غير أنّ هذا أمر لم يكن في نظري -على الأقل- في حاجة إلى برهنة. لم يهتمّ ديكارت باعتماد الفلسفة سبيلًا لدعم اللاّهوت فقط، بل أكّد في التأمّلات على أهمّيّة تحديث براهينها ما دامت الحقيقة قديمة. يحيلنا هذا إلى العمليّة التي قام بها الغزاليّ ليتقاسم تجربته المعرفيّة ومراحل الوعي بالأشياء بناء على الشّك. كان الغزالي بعد أن صفّ صنوف المتصدّين للمعرفة في زمانه وفي مقدّمتهم المتكلّمين، يبحث عن طريق جديد ومرتكز تنهض عليه أولى اليقينيّات. حصل عندي هذا الانطباع حينما قرأت المنقذ من الضّلال في طفولتي، كان حدسي الطفوليّ قد حسم بأنّ ثمّة تشابهًا لا يمكن إنكاره البتّة، لكنّني نظرت إلى الأمر بحسن نيّة وبراءة الطفل، وسيكبر ذلك الانطباع، حيث بدا لي ما بين «المنقذ من الضلال» والتّأمّلات، ما لا يمكن تفسيره بالتوافق التّخاطريّ، ووقوع الحافر على الحافر. لا شكّ أنّ كتابات الغزاليّ وابن سينا، مما تمّ نقله إلى اللاّتينية، قد شكّلت رافدًا لفلسفة اللاّهوت، كما شكّلت مصدرًا معرفيًّا كبيرًا خلال القرن الوسيط. كانت مصادر الفلسفة الإسلاميّة تمثّل حاجة، وفي الوقت نفسه تحدّيًا للقرن الوسيط الفلسفيّ الأوروبيّ. البحث عن الأصيل كما سنجد فيما بعد مع هايدغر هو مطلب الكينونة الأوروبيّة، وهو يكفي لتبرير ذلك التّجاهل. لقد أطلق الغزالي شكّه المنهجيّ في المنقذ من الضلال، وابتدأ ذلك باستهداف وسائل الحسّ، وقارن المشاهدة الواقعيّة بذات المشاهدة والإحساس في الحلم، وكان قد أربك بذلك طرائق المعرفة السابقة، حتّى أنّه هاجم الفلاسفة في موقفهم من الإلهيّات، وقد شكّل ذلك روح التّأمّلات الديكارتيّة.

لا أريد الوقوف عند ظاهرة تجاهل تجارب العالم الإسلاميّ في الممارسة الفلسفيّة الوسيطة من قِبل فلاسفة النهضة الغربيّين، ديكارت في التّأمّلات، دايفيد هيوم في موضوع السببيّة تحديدًا، تجاهل لم يعفِهم من الإخلال بالأمانة العلميّة، نظرًا لأنّهم كانوا يبحثون عن الـ «Arche»، أي عن نقاء الأصل الأوروبيّ وربطه بالإغريق إيتيمولوجيًّا، وبالجرمان كميراث تداوليّ، حتى أنّهم تجاوزوا الرشديّة اللاّتينيّة. لكن لا تفوتنا الإشارة إلى هذا التّأثر الديكارتيّ بموقف الغزاليّ، ربما فيما سأقف عنده، الصيغة التي اختارها بعد سنوات طويلة د. طه عبد الرحمن في تخطيء ترجمة محمود الخضيريّ للكوجيتو الديكارتيّ (في بداية الثلاثينات من القرن الماضي)، حيث سافر بعيدًا في تكلّف هذا التخطيء وإيجاد بديل من بيت صوفيّ[5]، بينما الكوجيتو لم يفعل سوى تغيير عبارة للغزاليّ: أنا أريد إذن أنا موجود وقادر أو إنسان، حيث أفرد زكي نجيب محمود في كتابه رؤية إسلاميّة فقرة لشرح هذه العبارة تحت عنوان: أنا أريد -إذن- أنا إنسان[6]. سيبدو هذا الاستبدال أكثر وضوحًا حين ندرك العلاقة بين الفكر والإرادة في عصر متأخّر مع شوبنهاور: العالم كتمثّل وإرادة. لعلّ ما يستوقف الناظر هو التشابه المفرط بين الغزالي وديكارت، وقد ذهب الأمر بالأمين العام للمكتبة الوطنيّة في تونس والمحقق اللغويّ عثمان الكعّاك أن قدّم عرضًا عن ذلك عام 1971 في المؤتمر العاشر للفكر الإسلاميّ بعنّابة، حيث أشار إلى العمل البحثيّ المشترك الذي دعاه إليه محمد عبد الهادي أبو ريدة بخصوص تأثير الغزالي على الفكر الغربيّ، حيث انتهى البحث إلى اكتشاف الكعّاك لنسخة من المنقذ من الضلال للغزاليّ ضمن مكتبة ديكارت، مترجمة بالَّلاتينيّة، حيث نقل أنّه عند الإطلاع عليها، اكتشف أنّ ثمّة خطوطًا حمراء بخطّ ديكارت على بعض العبارات نظير قول الغزالي «الشكّ أُولى مراتب اليقين»، حيث علّمها ديكارت بخط يده معلّقًا: «هذا ينقل إلى منهجنا»[7].

عزّز د. محمود حمدي زقزوق في مناقشته لرسالة دكتوراه بألمانيا تقدّمَ بها هذا الأخير في جامعة ميونيخ عام 1968 تحت إشراف رينهارد لاوت. ذكر محمود أنّ الأستاذ فوجئ بسبق الغزالي لديكارت في منهج الشكّ ولم يعترض على ذلك، إنّما قصارى ما طالب به الباحث، هو عرض النصوص المذكورة عن الغزالي على أحد المستشرقين الكبار للتحقّق من دقّتها، حيث أحالها على أنطون سبيتالر من كبار المستشرقين الألمان، ولم يغيّر فيها شيئا حسب صاحب الرسالة، سوى صعوبة تقبّله لتأثّر ديكارت بالغزالي، واعتبر ذلك شكلًا من توارد خواطر. حين نشر د. محمود رسالته هذه أوّل مرة باللغة الألمانيّة عام 1992 بواسطة دار (peter lang-verlag) أثارت اهتمام الصحافة، وكتب كريستوف فون فولتسوجن عن ذلك مقالة تحت عنوان: «هل كان الغزالي ديكارتيّا قبل ديكارت؟» مشيدًا بأهمّيّة الكتاب من الناحية العلميّة، وداعيًا لإعادة النظر لتجاوز فكرتنا عن كلّ من الغزالي وديكارت[8].

كان أولى أن يقال إذن: هل كان ديكارت غزّاليًّا، حيث ملامح التّمركز الغربيّ تضعنا أمام المفارقة التّاريخيّة لا يمكن هضمها إلّا بناء على مكانيّة السّفر في الزمان. يذهب الغزّاليّ هنا إلى ضرب من الشكّ المنهجيّ طلبًا لليقين، وذلك باستعماله عبارة «التّشكّك»، وهو قبل التّأمّلات الديكارتيّة اعتبر البحث عن مركز يقينيّ تقوم عليه المعرفة أمرًا لا مفرّ منه، وذلك حينما يقول: «ثمّ علمتُ أنّ.كلّ ما لا أعلمه على هذا الوجه ولا أتيقّنه هذا النوع من اليقين، فهو علم لا ثقة به ولا أمان معه، وكل علم لا أمان معه فليس بعلم يقينيّ»[9].

لم أقرأ المنقذ من الضلال في مقتبل شبابي قراءة عابرة، بل عشت تفاصيل ذلك الموقف بوجدان واهتمام فائق، وهي تجربة كافية كي تمنح حدسي قدرة على افتحاص وجوه الشبه بين التجربتين، لا مجال لإنكارها إلاّ على سبيل الاستغباء، فالغزاليّ في هذه التجربة يؤكّد على الخبرة الذاتيّة للوعي ونبذ التقليد عنوة، وسأجد نفسي في التّأمّلات الديكارتيّة أحوم حول المضمون نفسه، فالغزّالي انطلق من الحسّيّات والضروريّات باعتبارها الشيء الوحيد الذي قال عنه: «لا مطمع في اقتباس المشكلات إلّا من الجليّات، وهي الحسّيات والضروريّات، فلا بدّ من إحكامها أوّلًا لأتيقّن أن ثقتي بالمحسوسات وأماني من الغلط في الضروريّات، من جنس أماني الذي كان من قبل في التقليديّات ومن جنس أكثر الخلق في النظريات، أم هو أمان محقّق لا غدر فيه ولا غائلة له؟ فأقبلت بجدّ بليغ أتأمّل المحسوسات والضروريّات وأنظر هل يمكنني أن أشكّك نفسي فيها، فانتهى بي طول التّشكّك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضًا، وأخذت تتّسع للشكّ فيها...»[10].

في «المنقذ من الضلال» وكذا في «تهافت الفلاسفة» و»محكّ النظر وميزان العمل»، ما يكفي للوقوف عند منهج الغزّالي في الشكّ والتشكيك المنهجيّ، حيث اعتبر الشكّ طريقًا موصلًا لليقين، ومن لم يشكّ لم ينظر ومن لم ينظر لم يُبصر ومن لم يُبصر بقي في العمى والضلال. لقد ربط الغزاليّ بين النّظر والشّك، مما يؤكّد على أهمّيّة الشكّ المنهجِّيّ عند التحقيق.

التّأمّلات أو المنقذ من ضلالات الحواس
إذا تفادينا هذا النوع من التحقيق، ونظرنا بحسن نيّة، واعتبرنا أنّ ديكارت مارس أقصى التّناصّ مع الغزاليّ في كتاب المنقذ، ونظرنا في تجربة ديكارت باعتبارها تجربة فريدة استطاعت أن تفتتح عصر الحداثة بتساؤلات حول العقل والنفس والوجود والمنهج، مفجّرة عصرًا جديدًا يمكن اعتباره عصر الكوجيتو، وإذا ما تفادينا أحكام قيمة نابعة من جهل عصر ديكارت، وليس جهلًا شخصيًّا لديكارت، فإنّنا سنقف على محاولة جديدة في الاقتصاد في العلم، والبحث عن ركيزة لقيام معرفة حقيقيّة، فبين «التّناص» و «التّلاص»، مسافة يخفّف من وطأتها المفهوم المنقذ نفسه، ألا وهو نظام الخطاب. إنّ مقتضيات زمن المعرفة وضرورات الإبستيميّ تفتح المجال لولادة فكر جديد، لا أهمّيّة فيه لهذا التّفصيل، ولكنّه يمكن أن يشكّل استجابة لحاجة يقتضيها علم المعرفة الذي يحتلّ فيه المفكّر مكانة ثانويّة. هنا يبدو العقل تاريخيًّا وليس العكس، بتعبير آلان فانكيلكروت في هزيمة الفكر[11]. لقد اتسّع منهج الشكّ في تجربة ديكارت ليشمل مقصدًا آخر، منح العقل دورًا محوريًّا في الـ «أنا أفكّر»، وللعلم والطبيعة، بخلاف الغزّاليّ. هنا سنجد آثار السياق التّاريخيّ، عصر ثورات العلم الطبيعيّ والرياضيّ.

 لقد كان ديكارت بارعًا في المجاملة، حتى أنّه اعتبر تأمّلاته في خدمة اللاّهوت، بل أهداها إلى السادة عمداء ودكاترة الكلّيّة اللاّهوتيّة في باريس، حيث أظهر بأنّ كتابه جاء ليحلّ فلسفيًّا سؤاليْ: الله والنفس دون الاكتفاء بالجواب اللاهوتيّ الخاصّ بمجموعة المؤمنين المكتفين بالتسليم. في كلّ هذه المقدّمة من التأمّلات، نكون أمام خطاب يهدف إلى الدفاع عن الإيمان المسيحيّ من خلال التفكير الفلسفيّ، إنقاذًا للكنيسة من انتشار موجة الإلحاد. يعتبر ديكارت أنّه يؤدّي توصية لمجمع لتران(concile du latran) الذي أُقيم تحت إشراف البابا ليون العاشر في دورته الثامنة[12]، حيث دعا الفلاسفة إلى استعمال البراهين العقليّة لإظهار الحقيقة. يقول ديكارت بأنّه لم يفعل بدوره سوى تنفيذ هذه التوصية، وقد أوضح ديكارت أنّ عمله هذا، ليس بالضرورة أن ينجح في مهمّة الإقناع؛ ولهذا دعا إلى أن يُشمل الكتاب بعناية من قبل هؤلاء السادة في الكلّيّة اللاهوتيّة، بل دعا إلى أن يتدخّلوا في النظر فيه وتصحيحه ما أمكنهم ذلك[13].

وجب التذكير بموقف ديكارت، لجهة أنّه لا يزعم أنّه سيأتي بحجج جديدة، بل كان همَّه استئناف النهوض بها مع حسن الترتيب والوضوح، لكي يتلقّاها الناس كبراهين صحيحة، أي مقنعة. إذن يمكن تلمّس البعد الحجاجيّ في التّأمّلات، وبأنّنا لسنا فقط أمام تجربة ذاتيّة لا تستحضر الآخر، فالتّأمّلات بهذا المعنى، ليست إرادة تقاسم حالة تفكير بصوت رفيع، بل هو خطاب قاصد، بكل مقوّماته الحجاجيّة واستراتيجيّته الإقناعيّة. كيف نجعل النّاس يتلقّون هذه الحجج كبراهين صحيحة، انطلاقًا من اعتقاد ديكارت وتصريحه بأنّ البراهين القديمة صحيحة هي الأخرى فيما لو تمّ استيعابها كما يجب. لنتذكّر التوجيه الشهير لديكارت في خطاب المنهج حول أهمّيّة معرفة استعمال العقل حيث لا يكفي اكتماله. إنّ ديكارت وهو يتهيّأ لتقاسم تأمّلاته السّتة، كان يحمل همّ المتلقّي المفترض. وعلى الرغم من أنّه اعتبر طريقته في الاحتجاج متفوّقة في اليقين والبداهة على حجج الهندسة، إلاّ أنّه لا يضمن أن يتمّ فهمها كما يجب الفهم من قبل النّاس، لأسباب قد تكون عائدة إلى طول هذه البراهين، أو نظرًا لعدم تجرّد ذهن المتلقّي من المسبقات وبسبب ضغط الحواس.

لهذه الأسباب التي تتعلّق بغياب ما يضمن أن تكون حجج ديكارت مفهومة على الوجه الصحيح، هو يتوسّل بعناصر السّلطة والتمكين، ملتمسًا من السلطة العلميّة لرؤساء المجاميع المقدّسة أن تُشمَلَ رسالته هذه بالعناية،وعليه، فهو يبيّن بأنّ الحقيقة المشمولة بهذه العناية ستجبر في نهاية المطاف كلّ العلماء على أن يسلّموا بحُكم رؤساء وأعلام تلك المجاميع التي راهن عليها ديكارت في فرض براهينه، وذلك من شأنه أن يردع كبرياء المعاندين وصلفهم. لقد صرّح بأنّه غير آبه لرأي الجمهور فيه، ولا ينتظر منهم ثناء ولا حتى أن يقرؤوا عمله، بل دعا إلى أن لا يقرأ هؤلاء كتابه الذي تبيَّن أنه وجّهه إلى من هم جديرون بمشاركته تلك التّأمّلات.

 لقد وضع ديكارت مسؤوليّة القضاء على فوضى الشكّ على كاهل من اعتبر الحكم النّهائي لهم، لكن هذا يجعلنا ندرك وجهًا آخر للشكّ المنهجيّ، ليس بوصفه شكًّا راديكاليًّا، بل يمكننا أنّ نعتبره شكًّا منهجيًّا لمواجهة الفوضى التي ينتجها الشكّ العامّ. لم يكن الشكّ إذن سوى محاولة للبحث عن اليقين التأسيسيّ، وسندرك بأنّ ديكارت لم يكن ليشكّ وهو يخوض غمار هذا الحجاج، إنّه لا يريد أن يقنع نفسه وقد انطلق من اعتقاد مسبق يبحث له عن برهان مقنع، بل كان بالأحرى ممتعضًا من الشكّ العامّ الذي بدأ ينتج الفوضى ويشكّل خطرًا على المُعتقد.

 سيشير هوسرل في تأمّلاته الديكارتيّة مرارًا إلى أهمّيّة الشّك وعظمته، وهذا مما أكّده ديكارت نفسه، حين اعتبر أنّ هذا الشكّ يعود بفائدة عظيمة جدّا، ليس من الضروريّ أن تظهر لنا هذه الفائدة على الفور، بل هي هنا تحول بيننا وبين الأحكام المسبقة وتحرَّرنا من الحواس، فيما تجعلنا أكثر يقينًا بما بات واضحًا لنا. هذا مما تكفّل به التأمل الأوّل، بينما في التأمّل الثاني يكون الفكر قد تحرَّر، أي أنّ الشكّ في سائر الأمور من شأنه تحرير الفكر، وهذا الفكر الذي يشكّ في سائر الأمور لن يكون بإمكانه الشكّ في أنّه يفكّر، فالوجود هنا يبدو أهمّ ثمرة لهذا الشّك. ونتساءل بدورنا إذا ما كان ديكارت بالفعل قد شكّ شكًّا عامًّا قبل أن يهتدي إلى أولى يقينيّاته، أليس في مقاربة استحالة الشكّ في الوجود ما يؤكّد التسليم بقاعدة ذهنيّة منطقيّة تقوم على مبدأ عدم التناقض؟

نستطيع تأمّل التأمّل الأوّل والثاني لندرك أنّ البداية ليست واضحة، لا لأنّها غير صحيحة، بل لأنّها قول الشّيء نفسه: توتولوجيا (tautology). فالوجود كامن في هذا الإحساس السابق على الفكر نفسه، وهنا أحبّ أن أتحدّث عن حدس الوجود، بلا مقدّمات، الوجود أوضح من الفكر، وسابق على الفكر. ولكي نكون منصفين حقًّا، فإنّ تأويلًا متجدّدًا هذه المرة للتأمّلات يجعلنا نتفهّم متطلّبات البرهان. إنّ حدس الوجود في غنى عن كلّ حقيقة أخرى، الفكر نفسه متفرع عن هذا الوجود. والواقع الذي لن تستطيع التأمّلات توضيحه أكثر، هو أنّ ديكارت نفسه -وربما دون تصميم سابق- لم ينطلق من الفكر لإثبات الوجود، بل انطلق من الوجود لإثبات الفكر، غير أنّ مقتضى تنزيل هذا الحدس في تدبير الكاطيغورياس سيقلب الكوجيتو العميق لصالح الكوجيتو الديكارتيّ: (cogito ergo sum)، ما يعني أنّ التأمّلات ليست تقاسمًا لخبرة شعوريّة حقيقيّة، بل هو خطاب حجاجيّ لم يخرج بعد مؤوّليه من مقتضيات الخطاب إلى المفهوم الباطنيّ للخبرة الأنطولوجيّة. إنّ الحدس والحجاج، ليسا على خلاف في المبتدأ والخبر، بل إنّهما في وضعيّة انقلاب في مدارك السّبق واللّحوق، العلّة والمعلول، مجال دقيق، حيث إنّ ما يبدو علّة في مدارك الحدس قد يصبح معلولًا في مدارك البرهان، وهذا ما حصل بالفعل في التّأمّلات. نستطيع أن نقلب الكوجيتو على رجليه بعد أن جعلَته التأمّلات يمشي على رأسه لأسباب قلنا إنّها تتعلّق بمقتضيات الحجاج، ولأنّ ذلك بالفعل ضرب من النسيان المزمن للوجود حسب هايدغر.

لم أتعاط الكوجيتو بالنّظر المجرّد، بل كان لي مع الشكّ حكاية قضّت مضجعي ذات يوم، لا أتحدّث عن الآلام الناجمة عن الشكّ العامّ حين يصبح خبرة شعوريّة حقيقيّة تحاصر الموجود من داخل وجود «تبدّه» حتى اختفى، خبرة صامتة قبل اللّغة، وقبل الكاطيغورياس، إنّه مؤلم ولا يمكن أن يستمرّ إلاّ لِمَامًا، وإلاّ فقد الموجود ذائقة الوجود. ولعلّ اللغة كما سنرى هي من يساهم في هذا التلبيس، فهي تدخلنا في متاهات تؤكّد خلاف ما نزع إليه هايدغر، من حيث إنّ الوجود أوسع من اللّغة، وبالتالي ما معنى أن نعيد بناء الوجود في بيت اللّغة، في الوقت الذي نستشكل -كما سيفعل هايدغر- على ديكارت حول النقلة من الكينونة الأنطيقيّة إلى الكينونة الأنطولوجيّة؟ لعلّ ديكارت في التأمّل الثالث سيضعنا أمام مصدر فكرة الكمال التي ستعتبر عنصرًا أساسيًّا في الدليل الأنطولوجيّ، فمصدر فكرة الكمال في الذهن تحيل إلى وجود الكامل. كان النقد الكانطيّ للدليل الأنطولوجيّ قد كسر عنادي الذي لم أُظهره حينئذ، فقد انهار كلّ شيء، حتى هذا اليقين الذي أخفته التّأمّلات لم يعد له معنى، كنت مع هذا الشكّ العارم أمضي على وفق اليقين استصحابًا كما يقول الأصوليّ، وإن كان مورده في الأحكام فأصله هنا: لا تترك يقينك الأوّل إلّا بيقين تحقّقه الولادة الثانية، لكن في هذا الاستصحاب العميق كنت ألمحُ مفارقة الشكّ في الشّك. لقد اهتزّ الكوجيتو وعمّ الاضطراب، لا سيّما في النقد الكانطيّ للدليل الأنطولوجيّ، حينئذ وعلى الرغم من يقينيّة الوجود، إلّا أنّني كنت في مواجهة وجود مبهم، فارغ من أيّ معنى أو أثر، كان الهمّ أبعد مدى من كوجيتو الوجود الذاتيّ، بل كان الهمّ منصبّا على المُوجد خلف حضوري الذي افتقد المعنى من دون هذا الوصل، حضور غامض أجوف مجرّد من ثقل الوجود الذي لا يتحقّق إلاّ بالوعي المتجدّد بالوجود، كأنّي لم أحدسه من قبلُ، هناك حيث يتوقّف التفكير، بل حتّى الشكّ يفقد موضوعه، وكالغريق أسعى لاسترجاع شرف الوجود، ولكن بتوجّه من مانح الوجود. كان اليقين الأوّل المستعاد فلسفيًّا موصولًا ببرهان الصدّيقين، ذلك البرهان الذي لطالما تجاهلته حتى أنّني لم أتناوله في كتابي «ما بعد الرشديّة»، الذي يُعنى بالحكمة المتعالية. لكن وخلال هذه التجربة الحادَّة التي فجّرها فيَّ كانط، اهتديت إلى الفائدة العظمى لبرهان الصّديقين، لقد اكتشفت عبر خبرة أنطولوجيّة قاسية قيمةَ برهان الصّدّيقين. انتهى كلّ شيء حين استدرجت إلى وضعيّة نيهيليّة، لم يكن ثمّة بصيص من نور، كنت أدرك بأنّني كائن ينحو نحو كينونة أدنى، مكدورة، وحتى التفكير بات عبارة عن طلب، والتماس كوجيتو الطّلب، وهذا لا يكفي لاستبصار معنى الوجود إلاّ من خلال المُوجِد، ولفعل ذلك توجّهت من دون أدنى شكّ، إلى المطلق، بحدس يقينيّ، كان الوجود معطى قادني إليه الحدس، حتى المعنى لم ينطلق من الأنا أفكّر، بل أتى من خارج الأنا، غير أنّ فكرة المطلق كانت ملحّة، حيث لم أكن لأفهم الوجود دون الوجود الأكمل وفكرته. لعلّ الأمر أشبه بانحباس موجود (L étant) داخل الموجود (l être)، لعلّ هذا ما جعلني أتساءل عن جيوب لا زلت أراها معتمة حتى في الحكمة الصدرائيّة، لولا أنّ برهان الصّديقين قد تدارك الموقف وبات منقذًا لي من الضلال. في هذا المعنى الذي لم أستلهمه من المعنى الأنطيقيّ للكوجيتو، ولا من اللّغة؛ لأنّه في لحظة الذروة في هذا السّفر الميتافيزيقيّ ينتهي دور اللّغة، فحينما تصبح في مواجهة الوجود الغامر بالأنا أفكّر، فلا حاجة حينئذ للّغة، بل تصبح هذه الأخير حاجبًا للوجود، إن لم نقل هي أداة نسيانه. حينئذ أيّ معنى للتّشقيق اللّغويّ إن كان الأمر يتعلّق بحدس حضوريّ للوجود، ثمّ تأتي الحاجة التواصليّة، الحاجة اللّغوية لتحجب من الوجود أكثر مما تظهر. إنّني في تلك اللّحظة بلحاظ ما رأيت من ضروب التأويل اللّغوي للكوجيتو أدركت حنق وايتهايد من السفسطة في بعض العبارات الأفلاطونيّة التي ألهمته القول بأنّها مثال متطرّف على تدهور اللّغة[14].

 أتساءل عن اقتران الوجود مفهوميًّا بالخير في مقابل الأعدام كشرور؟ تساءلت أيضا إذا ما كان الوجود هو أظهر الأشياء، فكيف اقتضى الأمر كلّ هذا الاستدلال النّظريّ؟ إنّ قراءة مفهوم الوجود في تجربة الحكمة المتعالية وفي تعالق النور الإسفهبديّ الإشراقيّ الظاهر في الصّيصيّة، والأنوار القاهرة، سيكون أوضح انطلاقًا من برهان الصدّيقين. سيكون من الخطأ قراءة الحكمة المتعالية قراءة سكولائيّة خارج التأويل الذي تفرضه القراءة الثانية، فبذرة الخير تبدأ من حدس الوجود في أدنى مداركه التي تقترب من العدم، وأمّا الاستدلال والنظر، فهو لا يستهدف الوجود، بل يقصد إلى تقويض ما ران على الوجود من فكر. حين يصبح الشعور بالوجود في المحكّ، وجب أن نتحلّل من كلّ الأفكار، ولا نبقي إلاّ على أبسطها المساوي للإحساس الابتدائيّ للوجود، ولعل هذا هو المعنى العميق للكوجيتو إنْ نحن نظرنا إليه بعين الحكمة المتعالية.

في التّأمّل الرابع سيكون الاهتمام بالوجود الذّهنيّ، بالأحكام المعياريّة للذهن دون الضلال الذي يتعلّق بالموقف العمليّ وما كان متعلّقا بالإيمان، ولم يبهرني التأمّل الخامس والسادس، لا سيّما السادس مع أنّه احتلّ أهمّيّة كبيرة في مقاربات هوسرل للتأمّلات الديكارتيّة، ذلك الحرص على تجريد مقدّمات الدليل، ضلالات الحواس. وبالجملة كنت أتلمّس أطياف الغزّاليّ في التّأمّلات، كان يتحدث أيضًا عَمَّا ران عليه من آراء موروثة منذ صباه، عن ضلالات الحواس وخداعها، عن ضرورة تدشين بداية للتفكير الأكثر وضوحًا، بعيدًا عن ما لم يستوفِ قدرًا من اليقين، كنت قد عشت حالة شعوريّة مع المنقذ من الضلال ونظائر أخرى من أعمال الغزّاليّ، كنت على قدر من استيعاب إلهيّات الحكماء والعرفاء لكي أفهم معنى أن يتنزّه الله عن أن يأذن بتضليل الخلق أو يخلقهم للوقوع في الخطأ، كنت لا أرى ذلك من باب التنزيه فحسب، بل كنت أقرأه من خلال مفهوم اللّطف، أي تيسير سبل الموقف الصحيح لمخلوقاته، بالأحرى من جاهدوا واجتهدوا ليبلغوا المعرفة والكمالات. في تلك التجربة التي سافرت في مفهمة الخبرة الروحيّة الحكميّة والعرفانيّة، كانت البيئة تعمل تحت طائلة الكلام السكولاستيكيّ، حيث الوظيفة التاريخيّة للمتكلّم كالبذرقة المُستأجِرِ على طريق الحجّ لحماية أقمشة الحجيج، كما ذهب الغزّاليّ، فالمتكلّم ليس في محجّ العارفين، وبتعبيره: «فليعلم المتكلّم حدّه من الدين، وأنّ موقعه من موقع الحارس في طريق الحج، فإذا تجرّد الحارس للحراسة لم يكن من جملة الحاج، والمتكلّم إذا تجرّد للمناظرة والمدافعة ولم يسلك طريق الآخرة، ولم يشتغل بتعهّد القلب وصلاحه، لم يكن من جملة علماء الدين أصلّا، وليس عند المتكلّم من الدين إلّا العقيدة التي شاركه فيها سائر العوام، وهي من جملة أعمال ظاهر القلب واللّسان، وإنّما يتميز عن العامّي بصنعة المجادلة والحراسة»[15].

 لقد انتهى ديكارت في التأمّل الثاني إلى تحديد الأساس اليقينيّ، فالكوجيتو بات - ليس قضيّة صحيحة محتملة، بل - قضيّة حتميّة لا مفرّ منها، غير أنّ الكوجيتو لم يستقم، ليس فقط من حيث أنّه منح الفكر أسبقيّة على الوجود، إنْ تحدثنا عن أنّ هذا من مقتضيات الاستدلال لا حدس الوجود الذي يسبق أيّ حقيقة أخرى، بل حتى حينما نتحدّث عن عدم كفاية حدس وجودي والذي يستدعي بقوّة ما هو وجود أكمل، فهذا مقتضى برهان الصدّيقين، ومقتضى الفقر الوجوديّ الذي يجعل حدس الوجود ينجذب إلى الأكمل منه حتى لو كانت الذّات هي منطلق هذا الوعي، قلت: إنّ الأمر لا يتعلّق بعدم استقامة الكوجيتو من حيث تأسيس الوجود على الفكر فقط، بل إنّ هذا يتعلّق بمقتضيات مسالك الحجاج، ولكنّنا نستطيع عبر تأويل الكوجيتو أن نبلغ باللحظة الترانسندتاليّة إلى ذروتها، أستطيع أيضا تفهّم قصور اللّغة. لعلّ الفكرة التي تسبق الوجود في الكوجيتو هي فكرة الوجود نفسه، في كونه وجودًا يعبّر عن وجودانيّته بالتفكير، الفكر هنا أمارة، لأنّ ديكارت لم يكن معنيًّا بماهيّة الفكر في ذاته، حتى أنّه لم يكن معنيًّا بصوابه أو بخطئه، بل حتى في حال الضلال نستطيع أنّ نستدل على الوجود. إنّ موجودية الوجود مفارقة لغويّة لا شأن لها بالموجوديّة المحسّة للوجود، فالوجود متقوّم الوجود بذاته، منه وبه يتحقّق الوجود للغير. ما أغبى هذا التشقيق حين يستلهم من اللّغة وقائع الوجود وأسراره؟!.

 لعلّ ديكارت هنا، ومن دون أن يعي ما قاده إليه الكوجيتو، وهذا ما يؤكّد عليه انقلاب التصوّرات والعودة إلى مقتضى التقاليد الفلسفيّة الأرسطيّة، لكنّني في التأمّل الثاني سأقف على حقيقة أنّ الوجود في سير الكوجيتو هو سابق للماهيّة عند التّأمّل خارج شروط التّأمّلات الديكارتيّة، وذلك حين بلغ مرتبة اليقين بوجودانيّته، لكن لم يعد هذا كافيًا بعد استيقانه لوجوده؛ لأنّه بعد أن أيقن بأنّه موجود وليس «لا شيء»، دخل في نوبة أخرى من التساؤل: من يكون أنا؟ إنّه سؤال الماهيّة، سؤال التّميُّز في الوجود، لنقل سؤال الكثرة التي تعقب فكرة وحدة الوجود. إنّ وضوح معرفته بالوجود ويقينيّته، بل وبديهيّته، لا تكفي إذا لم تتحدّد ماهيّته في الوجود، وقد انتهى إلى أنّ الفكر صفة للنفس، صفة مُلازمة، فالفكر لازم للوجود. سينتهي الكوجيتو ويجد صيغته الأوضح في مخرجات التأمّل الثاني: أنا شيء يفكّر، وهذا لا يعني أنّنا قبضنا على الماهيّة، بل ما تجاهله الكوجيتو هو أنّ تلك العبارة يمكن أن نصيغها بطريقة أخرى هي: أنا موجود، وماهيّة وجودي هي الفكر، يمكن القول: أنا موجود إذن أنا أفكر، فالكوجيتو هنا مرتهن لمقتضيات البرهان، يصحّ في الاتجاهين تحت طائلة الطلب، القول: أنا أفكر إذن أنا موجود، تتبع الحقيقة من آثارها، الفكر هو أثر الوجود، وليس علّة انوجاده، كما أنّ: أنا موجود إذن أنا أفكّر، فيها تعزيز لأصالة الوجود واعتباريّة الماهيّة كما تقرّر في الحكمة المتعالية.

 نستطيع قراءة الكوجيتو في ضوء الحكمة المتعالية ومقتضيات أصالة الوجود، كما يمكن قراءة التأمّلات في ضوء برهان الصدّيقين، والذي سأجد له معنى في ما يمكن اعتباره شكلًا من فينومينولوجيا برهان الصّديقين في محاولة لجوزيف سايفرت، الذي اقترب من برهان الصدّيقين في  فينومينولوجياه الواقعيّة، ففي نظره كان ديكارت أكثر استيعابًا أو أكمل فهمًا للبرهان الأنطولوجيّ من أنسلم وبونافانتورا، حيث ظلّ وفيًّا للشيء في ذاته. ومن خلال هذه التجربة الفينومينولوجيّة الجديدة يتأكّد بأنّ برهان الصدّيقين، متضمّن في التأمّلات، لكنّه غير واضح تمام الوضوح كما في مقاربة صدر المتألّهين، وربما يوجد حدس غير كامل الشّفافية انطلاقًا من فكرة أن تصوّر الكمال يؤكّد على ثبوته، مثل عبارة بونافونتورا: «إذا كان الله إلهًا، فإنّ الله موجود»، أو لنقل بناء على قاعدة اللّطف في الإلهيّات الإسلاميّة، لكنّها في الحكمة المتعالية تنهض بوضوح- كالوضوح الذي قصد إليه ديكارت في خطاب المنهج والتأمّلات- بناء على أصالة الوجود ووحدته وتشكّكه، وبالتالي حاجة الوجود الأدنى إلى الوجود الأعلى من خلال فكرة الفقر الوجوديّ. ففي تجربة جوزيف سايفرت قارئًا فهم وتجربة ديكارت في البرهان الأنطولوجيّ، نكتشف أنّ برهان الصدّيقين هو سيّد البراهين، حتى أنّ البرهان الأنطولوجيّ الذي قوَّضه كانط في نقد العقل الخالص يستعيد قدرته توسّلًا ببرهان الصدّيقين غير الظاهر بما يكفي من الوضوح في الكوجيتو. ففي التجربة الشخصيّة سابقة الذّكر، كان الخوف من انهيار البرهان الأنطولوجيّ باعتباره سيّد الأدلّة الكلاميّة، لكن في الحقيقة، إنّ كانط قدّم خدمة جليلة للفلسفة حين قوّض البرهان الأنطولوجيّ، حيث لولا ذلك لما تمّ إعادة مقاربة الدليل الأنطولوجيّ من خلال تجديد القول في الفينومينولوجيا الترانسندتنتاليّة لصالح فينومينولوجيا واقعيّة متصالحة مع البرهان الأنطولوجيّ، بل والتي فتحت أمامه وجهة أخرى لمعانقة برهان الصدّيقين. ثمّة نقاط ضعف من شأنها أن تتهدَّد البرهان الأنطولوجيّ عند ديكارت، لا سيّما حين يتعلّق الأمر بكيفيّة إدراك التطابق بين ما في وعينا وما في الواقع الخارجيّ، لعلّ هذا ما حفّز كانط لاتخاذ ذلك الموقف الصارم، وإن كان كلّ من فيخته وهوسرل لم يعتبرا ذلك مشكلًا؛ نظرًا لأنهما حسب سايفرت يعتبران أنّ المعنى والوجود أيًّا كانا أمرهما، يمتلكان «تعاليًا واضحًا»[16].

ديكارت عربيًّا
انقلاب في صيغة الكوجيتو
آثر طه عبد الرحمن صيغة أخرى مختلفة عن صيغة محمود الخضيريّ في ترجمة عبارة الكوجيتو الديكارتيّ: أنا أفكر إذن أنا موجود، وبات مختاره هو عبارة: انظر تجد. وكان طه عبد الرحمن مأخوذًا بذهان الترجمة البابليّة المستحيلة، وتمثّل كلف التشقيق الإيتيمولوجيّ على طريقة هايدغر في ما سمّاه طه بالتأثيل، حتى أنّه حذا حذوه، حذو النعل بالنعل، في فقه الفلسفة -كتاب المفهوم والتأثيل- وعليها، أقام مستويات الترجمة من التحصيليّة إلى التوصيليّة حتى التأصيليّة، اقتفى في ذلك أثر هايدغر، لا سيّما في تساؤله حول مدى إمكانيّة نقل مفهوم من لغة إلى أخرى لم تفكّره. هنا ستُضاف شقوة أخرى إلى نسيان الوجود، وبدل الحفر في الأصل لإعادة استبيانه، تجعلنا اللّغة نمعن في النّسيان. الأصل هنا كان مقصد ديكارت في سياق التباس الأصل، كان البحث حول أنقى الأصول وأيقنها، ابتداء من لحظة الشكّ نفسها، لكنّ أزمة الأسس ستتفجّر بجدّية مع نيتشه ومن ذهب مذهبه، الأصل هنا مفقود، فتعيّن البدء خارج التأسيس. وهذه لم تعد قضيّة أنطولوجيّة محض، بل أضحت قضيّة عُنيت بها فلسفة العلم نفسها مع بوبر ولاكاتوس وفيرابند حسب تعبير إدغار موران[17]. يُضاف إلى هذا النوع من المزايدة الفلسفيّة التي لا تخلو من التكرار، فوضى التشقيق غير الآبه بالحاجة العميقة للمعنى. ثمّة متلازمة ستوكهولم مهيمنة على الإنشاء الفلسفيّ الخالي من الممارسة الفلسفيّة الحقيقيّة، متلازمة مرضيّة تخصّ الإنشاء الفلسفيّ الجرمانيّ، إلّا أنّ الفلسفة بطيئة جدًّا في مسار تطوّرها كما ذهب إليه كويريه، على الرغم من أهمّيّة مسائلها.

أمام هذا التهويل اللغوانيّ، نتجاهل بأنّ الألمان قبل أن يدشّنوا عصر الفلسفة، كانوا يبحثون عن التمكين في اللغة الفرنسيّة، حيث ألّف بها لايبنيتز. وتكفي التّأمّلات الديكارتيّة لهوسرل شهادة تاريخيّة إضافيّة على الأصل الديكارتيّ لمآلات الفينومينولوجيا الترانسندنتاليّة بنكهتها الجرمانيّة. العالم إذ يفكّر إغريقيًّا كما ذهب هايدغر في إحدى حواراته، حيث جعل دور الفكر الغربيّ أن يفكّر بطريق أكثر إغريقيّة، لكنّنا نجد الغرب في نظر كويريه يفكّر بالأحرى ديكارتيًّا؛ ولهدم هذه الصّنمية علينا استحضار موقف ليفيناس، حيث بات العالم يفكر باللّغة الإغريقيّة منذ تدشين المقولات في العصر الإغريقيّ، العالم كلّه يتحدّث اللغة الإغريقِّية حتى وإن كان يجهل تلك اللغة، وبتعبيره: حتى وإن جهل الفرق بين ألفا وبيتا[18]. هذا في نظري هو حديث العقل السويّ، لقد استطاعت الرشديّة الشّارحة في صيغتها اللاّتينيّة أن تمثّل منبع الأرسطيّة خلال العصر الوسيط، على الرغم من أنّ ابن رشد كان جاهلًا للِّغتين اليونانيّة والفارسيّة.
لا يفتأ طه عبد الرحمن يكرِّر في مقدّمات كتاباته، لا سيّما المتأخّرة، وخواتمها مسألة حيازة اللّسان كشرط لفهم الفلسفة، في محاولة لتعجيز من يروم انتقادهم مع أنّه لم يقدّم أيّ مثال للترجمة التأصيليّة ليكون نموذجًا، مثلما فعل باحثون كثر ومنهم العرويّ نفسه، وآخرون مثل حسن حنفي، وموسى وهبة، ناهيك عما نهض به عبد الرحمن بدوي وآخرون، وذلك حين يقول في كتاب المرابطة: «أنّ الطاعنين لا يتقنون اللغات الضروريّة للإحاطة بالإشكالات الفلسفيّة، إنّ جزءًا أو كلًّا، لا الحديثة منها ولا القديمة؛ ونحصي بالنسبة لحاجات مجالنا الإسلاميّ، اللغات الست الآتية: اليونانيّة واللاتينيّة والفارسيّة والألمانيّة والإنجليزيّة والفرنسيّة»، ثمّ استدرك لمّا علم أنّ من نقادِّه من أدرك اللسان الفرنسيّ واحترف الترجمة منه مُفاخرًا بالقول: «لم يتلقّوا تعليمهم الفلسفيّ بهذا اللّسان، ولا تعلّموا اللغة اللاتينيّة»[19]. يبدو الهاجس هنا لُغويًّا، مع أنّ نقاد طه عبد الرحمن ممن تفوّق عليه في الخبرة اللّغويّة وتلقّى الفلسفة بلسانها وهم كُثر. فعبد الله العروي -الذي يقصده في طعونه- هو ممن سبق طه عبد الرحمن دارسًا في فرنسا ومُدرّسًا في أميركا بطلب من كبير مستشرقيها غرونباوم، ومنهم من أتقن اليونانيّة والألمانيّة وسائر اللغات (لا مجال لسرد الأسماء لكثرتها)، كما أنّ من اعتبرهم أوفياء من قرّائه، لا يتقنون شيئًا من تلك الألسن، مما يعني أنّ جوهر الاستشكال في الولاء القرائيّ لا في الافتحاص القرائيّ. والغريب أنّه يستنقص من كِفاية اللغة الفرنسيّة، إلاّ أن يكون قد تلقّى الباحث الفلسفة بلسانها، مع أنّه شارط بلغات أخرى لم يتلقّ الفلسفة بها كاليونانيّة والألمانيّة، ناهيك عن الفارسيّة التي شارط بها دون أن يعرفها، إنّما هذا يذهب بنا إلى خواء المضمون الفلسفيّ في سوق المزاد العلنيّ للألسن، ففي الفلسفة لا نحتاج إلى مهارة الدليل السياحيّ، بقدر ما نحتاج إلى السفر العقليّ؛ لأنّ لحدس الوجود لحظات تنتفي فيها الألسن. سأعود هنا إلى عبارة ليفيناس، حيث كلّنا نتحدّث اليونانيّة، حين باتت لغة الفلسفة، حتى وإن جهلناها، لنقل إنّنا نتحدّث اليونانيّة فلسفيَّا بكلّ اللّغات!، ولعلّنا قد نتحّدث مستقبلًا جميًعا لغة الرياضيات كما ذهب وايتهايد، حتى وإن جهلنا أيضًا الفرق بين الجبر والهندسة. تبدو المزايدة بهايدغر ضربًا من انتهاك الادعاء أعلاه، بل تقليدًا ابتدعه بعض الفرنسيّين واتبعه كلّ من صمّم اللّغْو في اللّغة. قلت هذا ديدن بعض الفرنسيّين إزاء المعجم الفلسفيّ الهدغيريّ المحدّث، وليس كلّهم، فهناك من اعتبره بداية مثل كوربان وهناك من انقلب عليه مثل ليفيناس. لقد كانت فرنسا أوّل من احتضن الفكر الجرمانيّ وفلسفة هايدغر، وكان هنري كوربان الفيلسوف الكبير أولى بهايدغر، باعتباره أوّل من قدّمه وترجمه إلى الفرنسيّة، لكن لنعد إلى تلك الحواريّة التي أنجزها فيليب نيمو مع هنري كوربان، صديقًا ومحتكًّا بهايدغر، حين يسأله أوّل سؤال: أنت أوّل من ترجم لهايدغر إلى الفرنسيّة، وبعدها أوّل من ترجم الفلسفة الإيرانيّة الإسلاميّة؟ تساءل المحاور كيف استطاع هنري كوربان الجمع بين المهمّتين في ترجمة هايدغر والسهرورديّ؟

 لو اطلع طه عبد الرحمن على تفاصيل جواب هنري كوربان، لما عاد إلى هذا النوع من المُلاوغة. لقد صرّح هنري كوربان بأنّ ما بحث عنه عند هايدغر، وما فهمه من هايدغر، هو نفسه ما بحث عنه ووجده في الفلسفة الإيرانيّة الإسلاميّة، وقد أعطى هناك هنري كوربان أمثلة من خلال فتح عيّنات تتعلّق بالمعجم الفلسفيّ، حول مصطلحات عربيّة نظير»الظهور»، «الباطن»، التأويل، المظهر... محيلًا إلى ابن عربيّ، ملّا صدرا وغيرهما، باعتبار أنّه هناك ولدت هذه المفاهيم الكبرى، لقد اعتبر ترجمته لهايدغر عبارة عن تمرين سهّل عليه عمليّة ترجمة ابن عربيّ والسهرورديّ وملا صدرا. لقد فكّر في تلك العبارات العربيّة كالظاهر والباطن وما شابه، معتبرًا أنّ سائر العائلة اللفظيّة الأخرى تدور هذا المدار[20]، هكذا بات هنري كوربان الهيدغيريّ الفرنسيّ الأكبر هو نفسه يبحث لهايدغر عن أصل قبل أن يجده في إشراقيّة السهرورديّ وأصالة الوجود الصدرائيّة والخيال الخلاّق الأكبريّ. لكي نفكّر هايدغر علينا أنّ نجرِّب تفكيره عربيًّا في صلب المتون الكبرى للحكمة المتعالية، الشيء الذي اكتشفه هنري كوربان انطلاقًا من هايدغر إلى ملّا صدرا، ومن الدازاين إلى النور الإسفهبد عند السهرورديّ، الذي ينقلنا إلى فلسفة النور الفهلويّة التي لا علاقة لها بالإغريق. الغريب هنا أنّ هنري كوربان ينطق تلك المفاهيم كما هي بخلاف مزاعم الترجمة الطاهية التأصيليّة حين يسمّيها:

batin,zohur, zahir,mozhirmazhar,erfan,kashf al-mahjub,ta wil…[21].
لا يميَّز طه عبد الرحمن بين الفلسفة الفارسية القديمة الفهلوية والفارسية الإسلامية الحديثة التي تقترب في ألفاظها من العربيّة حدّ التماهي طبيعيا، أمّا صناعيا فثمة مشترك معجمي للمصطلح، لا سيما فلسفيًّا وأصوليًّا. وفي الحكمة المتعالية والإشراقية ما ألّف به أصحابه بالعربيّة، وكان أحرى جريا على مزاعم التشقيق إغريقيا انطلاقا من اللغات الأوربية أن يتمّ هذا التشقيق عربيّا في مباني الحكمة المتعالية، حيث تقارب اللسانان. إنّ سؤال الترجمة الفلسفية بين اللسانين لم يُثَر بشكل ذُهانيّ من قبل، كما أنّ كبار الهيدغيريين فضحوا هذه المأساوية اللّسانية حين اعتبروا أصل الهيدغيرية نفسها يمكن القبض عليها عربيّا كما ذهب هنري كوربان في محاولته. إنّ الهروب في مأساوية الترجمة البابلية محاولة لإخفاء الخواء الفلسفي ومزايدة علنية في سوق خارجة تخصّصا عن استشكالات الفلسفة الحقيقية، هذا علما أنّ الهيدغيرية الكوربانية وجدت تعميدها الفلسفي فيما بعد داخل حلقة العلاَّمة طباطبائي من كبار شرّاح الأسفار الأربعة، وحيث الهيدغيرية وجدت لها طريقا هناك من قبل أن تتدبّر لها جيوبًا ملتبسة في الممارسة الفلسفية العربيّة[22]. ذكرت مرارا، في مواجهة هذا الزعم الهيدغيري العربيّ، بأنّنا لا يمكننا من شروط رشدية أو غزالية أو تيمية، أن نكون هيدغيريين، هذا خلف جيو-فلسفي، ولكننا لن نكون هيدغيريين إن لم نكن صدرائيين، وهذا ليس مبالغة في القول، بل هو حقيقة تجلّت كبرى مظاهرها في تجربة هنري كوربان الهيدغيري الفرنسي الأوّل الذي أعاد اكتشاف هايدغر في الحكمة المتعالية وحكمة الإشراق.

لقد اتهم هايدغر الفلسفة بنسيان الوجود ووجب استعادة التفكير فيه من خلال السفر في الأصل عبر اللّغة الإغريقية. لقد سكن إذن الوجود هيدغيريا، ليس في اللغة -بشكل عام- فحسب، بل في اللّغة الإغريقية -بشكل خاص- أيضًا، هذا مع أنّ أكبر ثورة لاستعادة التفكير في الوجود، هي تلك التي حدثت مع صدر المتألّهين، وكانت تجربة تنحت مفاهيمها الواضحة بتجاهل بالغ للّغة، ولكنها طوّرت مفهمة متعالية باللّغتين العربيّة والفارسية، وأدركت مرارًا عجز اللغة في الوفاء بالمعنى، لا سيما ما تعزّزه الحاجة إلى العلم الحضوري، أو زعمه من تدارك الكشف لما تبيّن بالبحث، وكأنّنا أمام معيار حدسي عميق لمآلات البرهان. هكذا نقلتنا محاولة طه عبد الرحمن إلى تمثّل تقليدي لهايدغر دون الوفاء لفلسفته، تقليد في التشقيق لم يرافقه تقليد في التّأويل.

ترجمة محمود الخضيري لخطاب المنهج في بداية ثلاثينيات القرن الماضي، والتي يعود لها الفضل في تعريب الكوجيتو، حيث سنجد العبارة تتأكد في ترجمة «دروس»حول ديكارت لكويريه، هذا الأخير الذي استضيف بطلب من طه حسين الذي تلقّى هذا المنهج من أستاذه كويريه نفسه بالسوربون، وحاول تطبيقه على الشّعر الجاهلي، وهو نفسه الذي طلب من يوسف كرم ترجمة دروس كويريه إلى العربيّة، التي ألقاها في القاهرة ابتداء من عام 1932، هذا في حين أن محمود الخضيري كان قد ترجم كتاب مقالة في الخطاب لديكارت في 1930، هذا يعني أنّ استعمال صيغة «أنا أفكر» الواردة أيضًا في ترجمة يوسف كرم لدروس كويريه فيما بعد، عزّزت مقبولية ترجمة الخضيري، وحتما إنّ طه حسين الذي خبر اللّسان الفرنسي كونه طالبا عند كبار فلاسفتها، والخبير بخفايا اللّسان العربيّ وعميد الأدب العربيّ، قد اطلع على الترجمتين فأمضاهما حيث لم يقف عندهما بنقد أو استشكال. سيخرج طه عبد الرحمن بعد سبعين عامًا عن السلطة التداولية لصيغة «أنا أفكّر»، بحثًا عن بديل يربك الهيكل التداولي لصيغة دشّنها الخضيري، ومرّت تحت أعين جهابذة خريجي السوربون من العرب والمستعربيّن منهم، من دون إشكال. استند منكرو الصيغة «الطّاهية» إلى الإجماع الفلسفي، بينما قاومهم باعتبار إجماعهم واقعا في ضرب من حجّة السلطان، وهي مغالطة بالمعنى المنطقي، وهذا موقف فلسفي مشروع لو كان جادّا، غير أنّه كما سنرى حين عاب عليهم مخالفة مقتضى النحو، استند إلى الحجة نفسها، بافتعال شيء لم يقع، سماه بإجماع النّحاة. يقع هذا النّقاش إذن في الكوجيتو عربيّا ولغويّا كمتاهة لغوانيّة تجعل فكرة الوجود مرتهنة لشقاوة اللّغة.

 إذا كانت اللّغة هيدغيريًّا هي مأوى الوجود، فقد بنى عليها طه عبد الرحمن إصراره على إعادة تأثيل المفهوم، لينتهي بنسف المقصود من ترجمة الخضيريّ، ليعوّضها بعبارة «انظر تجد»، علمًا أنّ الأمر لم يكن ليُحدِث أيّ التباس لدى كلّ من تعاطى الشأن الفلسفيّ من قبل، بلُغته اللاّتينيّة أو الفرنسيّة، حيث هنا نقف على معضلة غياب الحاجة إلى تغيير الترجمة إيّاها. وكنت في سابق عهد قد دافعت عن صوابيّة ترجمة الخضيريّ ونقد صيغة «انظر تجد» باعتبارها تحريفًا للمضمون لا تفي بأيّ مستوى من مستويات الترجمة، فضلًا عن أنّه تكلّف مسرف يتهدّد العبارة بمزيد من الالتباس والمُلاوغة. وقد طبقت حينئذ معيار الترجمة المعكوسة عند طه عبد الرحمن نفسه، حيث بتنا أمام معنى: من بحث وجد، فالصيغة تداوليًّا، إن شئنا الترجمة التداوليّة، لدى الفرنسيّين تفيد عبارة «qui cherche trouve»، ولكي نخرج العبارة من التداوليّ، يتعيّن الإتيان بقرينة صارفة، ويمكن لأيّ إنسان أن يستعملها أيضًا في الكوجيتو: من بحث بالفكر (نظر) يجد الوجود. والغريب أنّ طه عبد الرحمن وهو يشير إلى بيت شعريّ صوفيّ(= يا تائهًا في مهمّه عن سرّه +++ انظر تجد فيك الوجود بأسره). نلاحظّ أنّ عجز البيت فيه توتولوجيا تشبه أنا أفكر، ذلك لأنّ فعل الإيجاد الذي نحته طه عبد الرحمن، جاء على نحو اللّزوم لا التعدّي، بينما نجده في البيت الأخير يشير إلى «وجد الوجود». بينما قول الشاعر الصوفيّ لا تعني الوجود بمعناه الأنطولوجيّ، بل هي تنويع على المقولة المأثورة:

أتزعم أنّك جرم صغير             وفيك انطوى العالم الأكبر
ذلك لأنّ الوجود مراتب، ولكلٍّ نصيب من مفهومه المشّكّك، وهو في البيتين السابقين توجيه إلى السير إلى الكمالات، به يخرج الوجود من درك الكدورة المتلبّسة بشروط الكينونة والتباساتها الدّانية بالوجود إلى حافّة الأعدام وإلى مدارك الإشراق المجرّد عن كلّ تلك الشّروط، وهو غاية السّالكين على درب الكمال الإنسانيّ الذي هو الكمال الوجوديّ لكائن يفكّر بقدر مرتبته في الوجود.

 وقلت يومئذ إنّ انفصال الضمير في الجملة يفيد التأكيد، مع أنّ طه نفى أن يكون الأمر متعلّقًا بالتأكيد، لكنّ لسان الجملة في الكوجيتو يحيل على تأكيد التفكير وربطه بالذّات المفكّرة. إنّ مضمون الكوجيتو فلسفيًّا يفيد التأكيد على الذّات والأنا، وسيكون إظهارها منفصلة في الجملة هنا، من باب التأكيد[23]. غير أنّ طه ادعى أنّ الضمير المنفصل «أنا» لا يرد في اللغة العربيّة منفصلًا ولا تُبتدأ به الجملة، وقد واجهته يومئذ بنظائر من الاستعمال كنص الآية: (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) [النمل-40].
قبل ذلك استنكر كثيرون على طه عبد الرحمن هذا الاختيار، ومارسوا انتقادًا لصيغته المختارة كما مارس هو نفسه انتقادًا لصيغة الخضيريّ، وكان من بين الذين عاد ليردّ على انتقادهم، كلّ من محمّد سبيلا وعلي حرب، وذلك في الجزء الثاني من كتابه فقه الفلسفة، معتبرًا أنّ الرّد عليهما إنّما جاء بطلب ملحٍّ ممن سمّاهم بقرَّائه الأوفياء، مستعينًا بمقايسة على عبارة فولتير: «الفنّ صعب والنقد سهل» بعبارة: «الاعتقاد عسير والنقد يسير»، مخطّئًا إيّاهم في موقفهم، وكان قد ابتدأ تخطئتهم في اشتباههم بأمريّة صيغة «انظر تجد»، بالقول: «لقد أخطأتم في اعتبار «انظر تجد» جملة أمريّة». وذلك ما جعلهم يخالفون القاعدة النحويّة، بينما الصيغة المذكورة لا هي أمريّة، لخلّوها من الإنشاء، ولا هي خبريّة، لخلّوها من التقرير، بل هي جملة شرطِّية باتفاق أهل النحو، باعتبار أنّ ثمّة ما هو مضمر في الصيغة المذكورة، حيث أصلها هو: «إن تنظر تجد»، وعلّق طه عبد الرحمن على أنّه لا يوجد ما يضاهي الجملة الشرطيّة في ترك الاختيار للمخاطب.

ومع أنّ ما جاء في تلك الردود يدخل في إطار الحجاج والجدل، بحيث لا مجال للتفصيل في أشكال المغالطات الأخرى المستعملة في ذلك الحجاج، فسنعطي مثالًا هنا، حيث اعتراضاتنا على الترجمة الجديدة لم تنل ردًّا من صاحبها، مع أنّه اكتفى في كلّ عمل منذ اعتراضنا ذلك على مؤاخذات عامّة تخرج عن الموضوع بافتعال «ثابتة» سوء النّية، وكان تاريخ انتقادي لهذه الترجمة هو تاريخ توقّف المشروع في فقه الفلسفة عنوة. سيقارع طه عبد الرحمن كلًّا من منتقديه بتفريع واستدراج، يكون الردّ فيه على المستنتَج من كلامهم لا ادعائهم، كالحديث عن أهمّيّة صيغة المخاطب في اللغة العربيّة.

لقد خاض نقاشًا ساخنًا، مع إطناب وإنشاء كثير يخلو من روح الفلسفة، ولكنّه متخم بحجّة السّلطان ورغبة جامحة في إنشاء توتولوجيّ، كتلك التي تهمّنا في إبراز البعد الذّاتيّ في الكوجيتو الديكارتيّ مهما حاول طه عبد الرحمن الدّفاع عن صيغته ولو على حساب المضمون الفلسفيّ للكوجيتو الديكارتيّ. وقبل المضيّ في مناقشة صيغة الأنا ومدى إيفائها بمعنى الذّات، فإنّ نفيّ الأمريّة وادعاء خروج منتقديه عن القاعدة النحويّة بتأكيدهم على أمريّة صيغة «انظر تجد» تُخرج طه عبد الرحمن في تصوّره للجملة الشرطيّة عن مقتضى النحو كلّه، حين اعتبر أنّ الجملة الشرطيّة لا يضاهيها مثيل في معنى الاختيار. لن يخرج طه عبد الرحمن من الفلسفة في تقدير مضمون الكوجيتو، بل خرج من اللّسان العربيّ وجهل أكثر مما تجاهل بنياته النحويّة، على الرغم من لغوانيّته في تقدير صيغة الكوجيتو. ولربما غاب عن طه عبد الرحمن أنّ الجملة الشرطيّة وإن اختلفت شكلًا عن الجملة الأمريّة، لكنّها تتضمّن الطّلب ولا تفيد الاختيار. نتحدّث عن بنية إلزاميّة في الجملة الأمريّة كالجملة الشرطيّة، حيث لا يتأخّر جواب الشرط عن الشرط لزومًا، كلزوم المعلول لعلّته، فالربط بين مفهوم الشرط والسببيّة قائم عند النّحاة، ما انتهى بأبي البقاء إلى القول: « ما يسمّيه النحاة شرطًا هو في المعنى سبب لوجود الجزاء، وهو الذي تسميه الفقهاء علّة ومقتضيًا وموجبًا ونحو ذلك، فالشرط اللفظيّ سبب معنويّ»[24].
بتعبير ابن مالك أيضًا في شرح التسهيل:» تسمّى الأولى شرطًا؛ لأنّ وجود الملزوم علامة على وجود اللاّزم (...) وتسمى الثانية جزاءً وجوابًا؛ لأنّها مدّعى فيها بأنّها لازمة لما  جعل شرطًا»[25].

الإلزام ثابت في الجملة الشرطيّة والأمريّة عند الجوابين. ولو قلنا إنّ صيغة: انظر تجد هي للاختيار، بما يعني إن نظرت ستجد أو لم تنظر لم تجد، بما يعني افعل أو لا تفعل، فـ «إِنْ» تقع  فيما زعمه الخليل وذكره سيبويه، في كلّ هذه الأوائل، فهي أصل في كلّ طلب وأمر، أو حسب سيبويه محيلًا إلى  زعم الخليل أنّ «إِنْ» هي أمّ حروف الجزاء.
ويظهر من هذا أنّ الجازم يحتلّ منزلة الطلب نائبًا عن الشّرط، وعليه بات القول واضحًا في صيغة إنْ نظرت وجدت أو لم تنظر لن تجد المتضمّنة في صيغة انظر تجد، فهي تفيد الطلب.
وعليه، فإنّ إنكار طه عبد الرحمن على منتقديه بتهمة الخروج عن القاعدة النحويّة، وما استدلّ به على المنكرين بقوله إنّ صيغته لا هي أمريّة إنشائيّة ولا تقريريّة خبريّة، وإنّما شرطيّة بإجماع النحاة، وأنّ هذه الأخيرة لا تضاهى في إفادة الاختيار، إنّما كشف عن جهل بالإلزام ووحدة الطلب في الأمريّ والشرطيّ، وهو ما أكّده كبار النحاة كالخليل وسيبويه وصاحب مغني اللبيب ونظرائهم.

ونعود إلى المضمون الفلسفيّ الذي أراد طه عبد الرحمن أن يخرج المنكرين منه، بالعودة إلى مضمون الكوجيتو، فالذّات التي عبّر عنها ديكارت بالأنا المضمرة في العبارة الفرنسيّة «جو» (je) هي هنا عربيًّا تنفصل استثناءً للتعبير عن التأكيد، على أنّ ثمّة ذاتًا مفكّرة، هي ذاتها رافعة أرشميدس التي أشار إليها ديكارت بحثًا عن رافعة يقينيّة يقيم عليها بناءه المعرفيّ. وبقدر التشكيك الجذريّ يكون التأكيد على ذات تشكّ، وهي إذ تشكّ لا يمكنها أن تخطئ يقينها بأنّها موجودة. ولقد ذهب طه عبد الرحمن مذهبًا يكاد يكون تمجيديّا لهايدغر في تأثيله، الذي قارع به منكري طريقته التداوليّة، وما ذهب إلى تمجيد هايدغر إلّا مناكفة لنقّاده، والوقوف عند نزعة الترجمة البابليّة المستحيلة ووقوع في تقليد بدعيّ قوامه استعمال هايدغر في سياق حجّة السّلطان التي شاعت في الممارسة الفلسفيّة العربيّة بشكل يحوّل البيئة الفلسفيّة العربيّة إلى سوق للمزاد العلنيّ. غير أنّ هوسرل وهو أستاذ هايدغر ورائد الفينومينولوجيا، كما مرّ معنا، انطلق من الكوجيتو، ناظرًا إليه كلحظة تأسيسيّة للفينومينولوجيا؛ وذلك لأهمّيّة دور الذات الواعية في إدراك العالم، وعمليّة الإدراك بوصفها خبرة للوعي. من الذّات الخالصة تنطلق خبرة الوعي، فوجب حينئذ التأكيد عليها، وكيف يتمّ التعبير عن الذّات بغير الأنا؟ وهل اللّغة إلاّ مأوى الوجود كما عبّر هايدغر؟! هنا نكون أمام ضرب من انتهاك الموقف والتعقيد المفتعل، ففي ردّه على المنكرين، اعتبر أنّ المدار في تأمّلات ديكارت ليس على الذّات بل على الوجود، وهنا يصبح المأزق فلسفيًّا، لأنّ مدار الكوجيتو هو بالفعل على الذّات المفكّرة، بينما الوجود هنا هو لازم الذّات المفكّرة، إذ لا أحد يملك أن يضلّل الذات المفكِّرة، أيًّا كانت صوابيّة أو خطأ التفكير من أنّها موجودة. كان ديكارت يبحث عن قاعدة انطلاق، فكانت الذات التي قادته عبر بديهة وجودها إلى إثبات اليقين الأوّل.
حاول طه عبد الرحمن أن يقتفي طريقة هايدغر، حذو النعل بالنعل، سواء أكان في التشقيق أو في لَغْوَنَة الوجود أو حتّى في اشتراط هذه الأغرقة التي اتَّهم بها من وسمَهم بالمقلِّدة حين كان يستند في أصل التفضيل لمقوّمات المجال التداوليّ تيميًّا، ثمّ عاد ليكرس التقليد ويدعوا لاقتفاء طرائق التفكير الغربيّ في طور آخر من الحجاج فيمن يسِمُهم بالطّاعنين وليس النّقاد، في برزخ بين التقليدانيّة والحداثيّة تخلو من الاستقامة الإبستيمولوجيّة والأيديولوجيّة أيضًا، بطريقة يكثر فيها التقليد والاتّباع، حتى في ما يسمّيه مشروع الائتمانيّة، الذي لا يعدو سوى تطبيق حرفيّ مستوحىً من فكرة هايدغر عن الوجود الخطّاء في «الكينونة والزمن»، وهي قضيّة تفصيليّة لدى هايدغر، من الممكن أن نقف عندها في مناسبة أخرى، والتي تقرأ الوجود -لنقل- العامّ مع الوجود الخاصّ، والذي نعني به، الكينونة السابقة واللاّحقة للحدث المعتقديّ بوصفه ولادة ثانية. هناك تحدّث هايدغر عن المديونيّة، الائتمانيّة، بالمعنى الاقتصاديّ،  وهو الذي سيبني عليه وليام جيمس فيما بعد رؤيته للدين، حين يقول هايدغر: «أن تكون مدينًا (AVOIR DES DETTES) الذي يترجم عن ضرب من التعامل مع الغير، وإنّه «خطّاء...»، الذي يعبّر عن خرق لاقتضاء أخلاقيّ»[26]. هكذا، قرأ طه عبد الرحمن مفهوم عرض الأمانة في التفسير الهيدغيريّ للخطيئة والائتمانيّة بمعناها الاقتصاديّ. أمّا في الفلسفة، لا سيّما حين نستحضر الثيولوجيا، فإنّ الأمر يتطلّب شكلًا من القصديّة، وهدفها في المطلب الهيدغيريّ جعل الإيمان شفّافًا، وتمكين المجال من مفهمة تؤمّنها الفلسفة، وكذا ضرورة الكينونة المشتركة التي لا مناص منها لإدراك الكينونة الخاصّة في صلب الحدث العقديّ.

يؤاخذ طه عبد الرحمن منتقدي صيغته المقترحة بأنّهم واقعون في تقليد المنقول الفلسفيّ، وقد أكثر من تكرار هذا النعت على امتداد كتاباته تقديمًا وختامًا، غير أنّه يخفي أنّ لا شيء من طريقته إلاّ وهو منقول من التداوليّة -براغماتيّة بيرس ووليام جيمس وبوتنام- وهايدغر وغيرهم. شيء يدرك من خبر تاريخ الأفكار الحديثة[27]؛ وبهذا يصبح الموضوع ليس الإبداع مقابل التقليد، بل التنازع حول الشكل الأكثر وفاء للتّقليد.

وقد قارع طه عبد الرحمن إجماع مؤرّخي الفلسفة في إسناد ابتداء الفلسفة الحديثة إلى ديكارت، مبررًا ما أسماه بالتضليل والكذب والنسيان، مؤكّدًا سبق بيكون لديكارت وتأثّر هذا الأخير به، معتبرًا إيًاه أولى بالريادة في الحداثة[28]. سيبدو هذا الحكم ضعيفًا إذا استحضرنا رأي مختصّ، لعلّه أوّل من قدّم ديكارت إلى العرب: ألكسندر كويريه، وهو من اختصّ في ديكارت وغاليلي وبيكون باعتبار اختصاصه في فلسفة العلم، حيث إنّ أولئك كانوا قد تحدّثوا عن العلم الجديد من ناحية الوصف، فقد كان ديكارت مؤسّسًا للعلم، يقول في محاضراته تلك: «فبالإضافة إلى معاصري ديكارت وإلى ديكارت نفسه «المقال في المنهج» مقدّمة لعلم جديد وإعلان لثورة فكريّة ستتلوها ثورة علميّة كثمرة لها. ولقد نسينا نحن أنّه مقدّمة لعلم جديد وإعلان لثورة فكريّة ستتلوها ثورة علميّة كثمرة لها» ويستطرد قائلا:» ولم تكن الكتب في المنهج ناذرة لعهد ديكارت وأحدثها عهدًا «المنطق الجديد» لبيكون، جاء هو أيضا بمنهج جديد، منهج يؤدّي إلى علم جديد، إلى علم معارض للعلم النظريّ القديم، ولقد أعلن ديكارت من ناحيته هذا العلم الجديد، الذي كان ينتظر منه تغيير الحياة الإنسانيّة وإقامة الإنسان سيّدًا وملكًا للطبيعة، ولكن ديكارت لم يقتصر على إعلانه، بل جاء هو بذلك العلم الجديد وأعطانا النتائج...»[29]. هذا ناهيك عن آراء قادة الفلسفة الحديثة، ليس أوّلهم ولا آخرهم هيغل الذي اعتبر ديكارت البطل الذي أرسى الأرضيّة الجديدة للفلسفة[30].

النّقاش حول ديكارت عربيًّا، وتحديدًا من خلال النموذج الأخير، هو نقاش حول من هو جدير باحتياز الكوجيتو، والإمساك بالفهم الصحيح للتّأمّلات. لم نشهد نقاشًا في عمق وحيويّة النقاش الفينومينولوجيّ للتأمّلات، والذي بلغ أوجه مع هوسرل وهايدغر على خلاف وتفصيل. كلّ قراءة تظلّ وفيّة لمسبقاتها. لم يكن طه عبد الرحمن بصدد الدفاع عن ديكارت ولا عن الوجود، بل كان يدافع عن مهنته كممارس فلسفيّ من داخل كوجيتو خاصّ، ألا وهو: أنا أُلاوغ إذن أنا موجود، وهو ما أظهره تفكيك المدّعى، لا سيّما بعد أن زعم د. طه عبد الرحمن أنّ «ما ذكرناه من أنواع الوجود وأنواع الذّات شاهد صريح على أنّنا فتحنا في الكوجيتو أبوابًا في الاستشكال لم تطرق من قبلنا، كما فتحت آفاقًا في الاستدلال لم نسبق إليها، فالوجود اللازم الديكارتيّ أي الموقف على ذات المتكلّم صار فرعًا متولّدًا بطريق التجريد من أصل الوجود المتعدّي والوجود المباشر الديكارتيّ، أي الذي لا يدركه إلاّ المتكلم، صار هو الآخر فرعًا متولِّدًا بطريق التجريد من أصل هو الوجود بواسطة أو قل الوجود المتوسّط، وصارت الذات المفردة الديكارتيّة متفرّعة على ذات هي في الأصل مزدوجة، والذات غير المنعكسة الديكارتيّة متفرّعة على ذات هي في الأصل منعكسة، والذات المتوحّدة الديكارتيّة متفرّعة على ذات هي في الأصل مجتمعة»[31].

لا يستوقفنا الادعاء هنا من ناحية الشكل؛ لأنّه ادعاء سليم من حيث لا توجد رطانة فلسفيّة سابقة تضاهي هذا التفريع، حيث يتأكّد خلوّ هذه الممارسة الفلسفيّة من خبرة بتاريخ الفلسفة التي لطالما استهان بها الكاتب؛ لأنّها على الأقلّ كانت ستعفي الباحث من انتحال مفاهيم غريبة عن المأصول والمنقول الفلسفيّين معًا، إذن لكان استفاد من مفهوم اعتبارات وأنحاء الوجود، وخفّف من الالتباس المفهوميّ، ولما وقعنا في مفارقة أن تتفرّع الذات غير المنعكسة على الذات المنعكسة.

ذكرت في إحدى محاضراتي مُقايسة على عبارة للعرويّ وردت في ديوان السياسة مفادها: أنّ السياسيّ يخشى من المؤرّخ، لأنّه يذكر ويتذكّر. وبناء على أن مُحترف الأيديولوجيا هو بمثاةت من يسوس المفاهيم لأغراض سياسيّة، فإنّني ذكرت أنّ الأيديولوجي يخشى من مؤرّخ الفلسفة ومؤرّخ الأفكار؛ لأنّ هذا الأخير يتذكّر ويحرج التّمثّلات المخاتلة للمفاهيم، هنا وبتعبير ياسبرز يصبح تاريخ الفلسفة فلسفة.

الكوجيتو فينومينولوجيا
يكسر هوسرل ذلك التقليد الذي ساد في الممارسة الفلسفيّة الفرنسيّة، حالة الارتهاب من الميراث الفلسفيّ الجرمانيّ، وبينما يعيدنا هوسرل إلى التّأمّلات الديكارتيّة كأصل للفينومينولوجيا، يعيدنا هايدغر إلى الأصل الإغريقيّ لميتافيزيقا الوجود، وبالفعل فقد واجهنا في التّأمّلات كثيرًا من مغامرات الوضع بين الأقواس التي شملت كلّ مسبقات الحواس والانطلاق من الخبرة الذاتيّة للوعي بحثًا عن مركز إسناد آرشيميديّ لبناء جديد للمعرفة. القصد والاقتصاد أساسيّان في انطلاق خبرة الوعي بالأشياء. إنّ تأمّلات التّأمّلات في التّأمّلات الديكارتيّة، محاولة لتعميق الفهم وتأويله، وهي تؤكّد بشكل آخر على أنّ الفلسفة الحديثة حتى مع وجود القطائع الكبرى، لا زالت تفكّر ديكارتيًّا.
كان هوسرل بالأحرى يبحث عن بداية حقيقة، وعن مشروعيّة تاريخيّة صلبة للفينومينولوجيا من خلال التأمّلات الديكارتيّة، لكن لم يوفّق ديكارت في إتمام إعادة اكتشاف بداياتها، كأنّ الكوجيتو بهذا المعنى لم يستكمل مشواره ناحية الموضوع، بقي يحوم حول الـ «أنا أفكر»، لكن الكوجيتو ينطوي أيضًا على الموضوع.
لقد اعتبر هوسرل الفينومينولوجيا التراسندنتاليّة (المتعّدية)[32] مستوحاة من اللحظة الديكارتيّة، من هناك خرجت إلى حدّ يمكننا اعتبارها -حسب هوسرل- شكلًا من الديكارتيّة الجديدة
(new-cartesianisme).

تصلح التّأمّلات أن تكون نموذجًا لإعادة تأسيس مسار الفلسفة، قضية ملحّة لكلّ فيلسوف يتأهّب لبدء وظيفته، لا بدّ من العودة إلى الأنا الخالصة. يتأسف هوسرل كيف واجهت التّأمّلات هذا العزوف من قبل الفلسفة، بل هي أصلح حتى للعلوم الوضعيّة من حيث إنّها قدّمت لها الأساس العقليّ. تغيب جذرية الحدث الديكارتيّ بوصفه مدشِّنًا لعصر جديد أو نمط آخر من الممارسة الفلسفيّة، إلّا أنّنا في نظر هوسرل بتنا أمام تضخّم في الكتابة الفلسفيّة، ولكن في غياب فلسفة مشتركة تتمتّع بالحيويّة، لا يوجد رابط يشدّ عصب هذه الكتابات الفلسفيّة، توجد فلسفات بقدر وجود فلاسفة، مؤتمرات فلسفيّة، وفي هذا لا توجد فلسفات تلتقي، بل مجرّد لقاء بين الفلاسفة في غياب فضاء روحيّ مشترك حقيق بتوفير فرصة تلاقح الفلسفات. ففي تشخيص هوسرل لانحطاط الممارسة الفلسفيّة المعاصرة يشير إلى أهمّيّة بعث تأمّلات ديكارتيّة جديدة على أرضيّة «الأنا أفكّر»، ويعتبر أنّه مدين لذلك في تأسيس الفينومينولوجيا الترانسندتاليّة.
الحاجة ماسّة لكلّ فيلسوف يريد أن يكون فيلسوفًا ولو لمرّة واحدة في حياته أن يعود إلى ذاته الخالصة ومحاولة قلب كلّ العلوم المعطاة في محاولة لإعادة تأسيس فلسفة، مهما بدت الفلسفة ذات بعد كونيّ، فهي شأن ذاتيّ. يشير هوسرل إلى أهمّيّة الانطلاقة والوضوح طبعًا، وهو في الوقت نفسه لا يخفي الرغبة في تجديد الديكارتيّة الكلاسيكيّة، وتجنب الأخطاء التي سقط فيها ديكارت والديكارتيّون[33].

تكمن أهمّيّة إعادة تأويل ديكارت هوسرليًّا، في مبدأ تجديد الفلسفة انطلاقًا من القيمة الإبستيمولوجيّة للتأمّلات، من حيويّة الانطلاقة، ولكنّها تظلّ كما ذهب بول ريكور إلى كونها تأويلًا لكانطيٍّ جديد. ففي تأويل ريكور لتأمّلات هوسرل نقف على حقائق تساعد على ضبط وجوه التأويل ووضعها في سياقها، يؤكّد ريكور جريًا على المنوال نفسه، أنّ ديكارت لم يكن جذريًّا بما يكفي أو يمكن القول: إنّه لم يكن وفيًّا لجذريّته. لا بدّ من استكمال المهمّة لكي تخرج الفلسفة من تاريخها الخاصّ إلى معناها الأبديّ[34]. هذا في نظره ما توحي به التّأمّلات الديكارتيّة لهوسرل، أي نسف التاريخ الخاصّ للفلسفة والذهاب تقدّمًا نحو البدايات الحقيقيّة. الحديث هنا مع ريكور ينتهي إلى تأكيد خيانة ديكارت لجذريّته، باعتبار أنّ الكوجيتو من حيث المبدأ هو ذات ترانسندنتاليّة، لم يمض ديكارت إلى النهاية في تحقيق ذاتيّة خالصة من دون خارج مطلق. إنّنا حين نخطئ مقاربة ديكارت في ضوء البنية الديكارتيّة، فسنكون إزاء فلسفة أخرى مختلفة عن ديكارت ولسنا إزاء محاولة لتجذير ديكارت. بالنسبة إلى ريكور أيضًا نحن في التأمّلات الديكارتيّة لهوسرل إزاء موقف يتقدّم باتجاه القطيعة، إلى نحو من الإيغولوجيا من دون أنطولوجيا، كان همّ ديكارت هو الانشغال بالأنطولوجيّ أكثر من الابستيمولوجيّ أو الترانسندنتاليّ، يبحث عن الكينونة لا عن أساس للصحّة، هذا ما يخلص إليه ريكور من أنّ التأويل الهوسرليّ ينطلق من موقف الكانطيّة الجديدة، بل يبقى السؤال الريكوريّ: ماذا سيتبقّى من وجود الكوجيتو من خلال الاختزال الفينومينولوجيّ، إذا ما ألغى منه هوسرل البعد الأنطولوجيّ والثيولوجيّ[35]؟

أيّ معنى للكوجيتو في ضوء مفهوم الدازاين الهيدغيريّ؟
ليس القصد أن نفتح متاهة أخرى هنا، ولكنّنا نلامس بعض مخرجات التّأمّل الهيدغيريّ للوجود، وكيف أنّ التّأمّلات الديكارتيّة لا زالت تفرض تحدّيًا خاصًّا على كلّ استئناف فلسفيّ في غرب مأزوم ميتافيزيقيًّا. عن تلك الفينومينولوجيا التي قرأ هوسرل الكوجيتو في ضوء مفاهيمها كالإيبوخي أو ومركزيّة الوعي، يقتحم هايدغر تلك العلاقة غير الواضحة بما فيه الكفاية بين الفينومينولوجيا والتيولوجيا، ففي الأوّل يبدو القصد منصبًّا، حسب تعبير هايدغر، على البيان عما ينكشف انطلاقًا من ذاته كما ينكشف انطلاقًا من ذاته[36].
في نظر هايدغر يبدو موضوع التيولوجيا هو العلم الذي يمكّننا من جعل المسيحيّة حدثًا تاريخيًّا أصيلًا، وهو ما يدعوه هايدغر تأسّيًا بفرانتس أوفربك بالمسيحانيّة (christianite)، هي بهذا المعنى تقع خارج أيّ مفهمة إغريقيّة-رومانيّة، باعتبار أنّ الإيمان في نظر هايدغر هو نمط وجود للدازاين[37]. وفي قراءته لهايدغر يذكّر فيليب كابيل بمفهوم هيدغيريّ بالغ الأهمّيّة، يتعلّق بالمزامنة أو المشاركة، فالوحي يحيلنا إلى مشاركين في الحدث الوحيانيّ بوصفنا أمام معنيّين أو لنقل متلقّين، من هنا الإيمان يغدو ولادة ثانية، بتعبير هايدغر، أن تعتقد هو أن توجد في المعتقد بالتاريخ الموحى به، بل سنجد هايدغر، خلافًا للتأمّلات، يخرج التيولوجيا من كونها علمًا بالمعنى الأنطيقيّ، ليجعلها علمًا لما هو معتَقَد به، وأيضًا علمًا بسلوك المعتقِد، فالتيولوجيا تنبثق من الإيمان وهي العلم به، وهنا يصل هايدغر إلى كون التيولوجيا هي الكشف عن الوجود المعتَقَد لجعله وجودًا شفّافًا. وسيصل بنا هايدغر إلى أنّ الإيمان بوصفه ولادة ثانية هو مجاوزة للكينونة السابقة للحدث المعتقديّ، لكنّه تجاوز لا ينفي الكينونة المشتركة، لا يعني القطيعة مع الوجود السابق للمعتقد، الذي يحتفظ بوجوده في التواجد الجديد، وهنا يكمن دور الفلسفة بالكشف عن المفاهيم السابقة لمفاهيم التيولوجيا المسيحيّة، من هنا يأتي حديثه عن ضرورة العودة إلى المفاهيم السابقة لتأويل المفاهيم اللاحقة، كقراءة الخطيئة في ضوء الخطأ[38].

تضعنا المفهمة الجديدة للكائن الهيدغيريّ المُلقى به في العالم -الدازاين بوصفه زمنيًّا، متشخّصًا- في تجربة تأمّليّة أخرى وحدها تنقذ الموقف، غير أنّها تزجّ بنا في جيوب أخرى من الغموض، فتقلّبات هايدغر في مسار تصوّره للتاريخ والزمن والوجود، يخفي أشكالًا أخرى من التناصّ القريب والبعيد، إلى الحنين للخبرات السابقة، ولا أستطيع أن أجاريه في كلّ استشكالاته التي يبدو فيها مدينًا للمعتقد الخاصّ، وحتى توسيط تاريخانيّة النسيان للوجود لحلّ معضلة الميتافيزيقا الغربيّة فيه شكل من الاستيعاب الناقص والمحدود للفكرة الصدرائيّة عن الوجود وأصالته والجوهر وحركته. لم يكن  تناول هورتان (Horten) كمستشرق ألمانيّ لنظريّة الوجود عند ملّا صدرا -وهو مصدر هذا التأثير الصدرائيّ غير المعلن عند هايدغر- كافيًا للإلمام بكلّ تفاصيل نسق الحكمة المتعالية الصدرائيّة، وهو شكل من التناصّ يفضحه سوء الفهم نفسه أو لنقل سوء الانفتاح المباشر على هذا المتن لاستقصائه، فالتّأمّل الغزّاليّ ديكارتيًّا هنا يتمّ تجاوزه بالتّأمّل الصدرائيّ هيدغيريّا، نحن أمام سيمولاكر عن أصل مفقود، يتنابذ سُلطان الميتافيزيقا الغربيّة، غير أنّنا سنصادف ملامح كثيرة لسوء الفهم، لا سيّما حين يتحدّث هايدغر عن الوجود بوصفه جوهرًا. لقد أفرد هايدغر في «الكينونة والزمن» حديثًا عن ديكارت وتأويله للعالم، ربما كان هايدغر أكثر حسمًا من أستاذه هوسرل بخصوص مهام الفينومينولوجيا. ليس من اليسير أن تفتح لهايدغر ملفًّا تحقيقيًّا على مدى انتهاكه لفينومينولوجيّته وهو مأخوذ بالتّاريخانيّة التي منها ابتدأ وطارح قبل أن يكتشف الدازاين، وها هو يحاسب ديكارت على خلفيّاته ومسبقاته ليغامر في تفسير كيف يتم تأوّل العالم انطلاقًا من كائن يسكن في العالم، هذا يتطلّب تقصّي تأويلات العالم السابقة على ديكارت واللاّحقة أيضًا. وقد ناقش هايدغر ديكارت هنا من خلال ثلاثة محاور في الكينونة والزمن، الأولى تتعلّق بتعيّن العالم، والثانية بأصل هذا التعيّن الأنطولوجيّ، والثالثة تتعلّق بمناقشة هيرمينوطيقيّة للأنطولوجيا الديكارتيّة للعالم، وسيقف هايدغر عند التمييز الذي أحدثته الأنطولوجيا الديكارتيّة بين الطبيعة والروح، ويتساءل: وفق أيّ معنى للكينونة يعيّن ديكارت كينونة الكائن؟ محيلًا إلى تناوب المعنى في استعمال الكائن ديكارتيًّا إلى كينونة الكائن من حيث الجوهريّة تارة، كما يعيّن الكائن نفسه بوصفه جوهرًا تارة أخرى، وهذا ما حثّ هايدغر لبحث مفهوم الجوهر، ليتساءل: كيف يكون الجوهر قابلًا للإدراك؟ هنا يحضر التأثير الكانطيّ الذي يجعل هايدغر يُماهي بين النومينا والجوهر، وهذه قضية لا أريد أن أبحثها هنا، لكن سنجد الموقف الكانطيّ حاضرًا هنا في تصوّر هايدغر للجوهر قياسًا على الشيء في ذاته، حين يعتبر أنّ الجوهر لا يظهر إلّا من خلال صفاته. إن كان هايدغر كما ذكرنا يدعو للتفكير إغريقيًّا، وهو ما يبرر هذا السفر الإيتيمولوجيّ الغارق في التشقيق واللّغونة للوجود، فهو هنا كان أحرى لو جدّد في الكاطيغورياس، الذي سنجد الصدرائيّة استنزفته لصالح ممكنات متجدّدة في المعنى وعلاقة الجوهر بالأعراض من حيث هي ما يدلّ عليه، حتى أنّه استدلّ بالحركة الجوهريّة من خلال حركة الأعراض التي لا تنفصل عن الجوهر، وليؤكّد ملا صدرا هنا بأنّه من خلال أسفاره العقليّة هو أوْلى ببارمينيد من هايدغر في الكينونة والزمن، في جرأة الاقتحام ووضع المفهوم في سياقه مع اقتصاد في المفهمة، لم يرهن التجدّد الفلسفيّ في شقاوة التشقيق. لنتأمّل حديث هايدغر عن الجوهر، حيث يتحدّث عن خصائصه المميّزة، أي ما يميّز الجواهر، ليعطينا صورة عن تلك الخصائص في التمدّد بحسب الطول والعرض والعمق، أي عزّ عليه أن يقول إنّها الأعراض، وبأنّ الجوهر يتجلّى من خلال أعراضه، غير أنّ هايدغر في بحث الجوهر الجسمانيّ ومميّزاته وصلابته وفق التفسير الديكارتيّ كان في وضعيّة أقوى، وذلك حين لامس مفهوم الحركة وانحفاظ كينونة الجسم مع تغيرها، ليخلص إلى أنّ ما يشكّل الكينونة الحقيقيّة هو الـ «extensio» وليس «recorporea». هنا يكون هايدغر قد عبّر بوضوح عن الحركة الجوهريّة، وعن انحفاظ ماهيّة الكينونة داخل الانقسام والتشكّل والحركة، أي وجود الكائن الأصيل بصورة تتأكّد فيها خاصّيّةُ «جوهريّة الجوهر»، غير أنّ ثمّة شكلًا من الغموض يعود إلى مفهوم الجوهر الهيدغيريّ، حيث ربطه بالاستغناء عن الحاجة: «ما ليس في حاجة إلى كائن آخر في تحديد كينونته»، ومن هنا لم يتمكّن هايدغر من تصوّر مانح للوجود، بل اعتبار المطلق نفسه بهذا المعنى في حاجة إلى الوجود، فلو استعملنا مفهوم ابن سينا للممكن والواجب، فإننا مع هايدغر سنعتبر هناك حاجة للوجود مشتركة بين الواجب والممكن. انعدام الحاجة هنا هي بلحاظ أنّ الجوهر إن وُجد في الخارج، فلن يوجد في محلّ مستغنَى عنه في الوجود، وليست الحاجة  هنا في أصل الإيجاد، غير أنّ هايدغر سيقترب مرّة أخرى من وجودانيّة صدرا بعد تأكيد الحركة الجوهريّة على نحو من الأنحاء، حين اقترب من مفهوم تشكّكيّة الوجود، وهذا الاقتراب هو من ناحيتين: ناحية وحدة الوجود المشترك، وناحية التميّز بالوجود في الوجود من حيث تراتبيّته وتناسبيّته.

 يدعي هايدغر أنّ ديكارت استطاع أن يقترب من معضلة شغلت أنطولوجيا العصر الوسيط، يختزلها سؤال وهو أنّه بأيّ معنى يُطلق معنى الكينونة على الكائن محلّ الحديث؟ ذلك لأنّه اعتبر أنّنا إزاء وجود الله ووجود العالم نتحدّث عن الوجود، غير أنّنا لسنا نعني الوجود نفسه، أي أنّ هايدغر يرى أنّنا نصادف بين كائن وآخر اختلافًا لا نهائيًّا في أنحاء الكينونة؛ لأنّ معنى الوجود لو كان واحدًا لاستوى في ذلك المخلوق وغير المخلوق، وهذا لا محالة ينتهك بنية التّأمّلات الديكارتيّة. بل يسند للسكولائيّين إطلاق ما سماه الـ «Analog» كتعبير عن الكينونة، وهو ما يقابل مفهوم المتواطئ. لو سافر هايدغر عبر تشقيقاته عند فلاسفة الحكمة المتعالية، لا سيّما في مدركها الإشراقيّ مع السهرورديّ ومعنى الجواهر الغاسقة والنّور الإسفهبد والأنوار القاهرة أو في مدركها الصدرائي تحديدًا في اعتبار الماهية وأصالة الوجود وأنحائه وتشكّكه والحركة الجوهريّة[39]، لاهتدى إلى توصيفها بالتّشكك -المقابل للمتواطئ- في وخلع ملا صدرا وكما سيؤكّدها السبزواريّ في المنظومة من أنّ معنى الوجود مشكّك، ومن أنّه مشترك، فكونه مشكّكًا يعني أنّه مختلف، غير أنّ الاختلاف هنا يجري طبق قاعدة: ما به الاشتراك هو عين ما به الاختلاف. هذا إذن ما سيعبّر عنه هايدغر باختلاف صور الوظيفة الدلاليّة للوجود أو الكينونة، ويشير هايدغر إلى قضيّة مهمّة هنا، ألا وهي أنّ ديكارت أبقى على المعضلة ذاتها في اشتغاله الأنطولوجيّ، وهو بذلك يظلّ «متأخّرًا جدًّا مقارنة بالسكولائيّة»، بل إنّ ديكارت تجاهل في نظر هايدغر هذه المعضلة ومعنى الكينونة الكامن في مفهوم الجوهريّة، بل يمضي هايدغر أبعد من ذلك حين يعتبر أنّ ديكارت استبعد النظر في السؤال الأنطولوجيّ للجوهر حين تراءى له الجوهر من حيث جوهرانيّته منذ البدء في ذاته ولذاته قابلًا للفهم، فالكينونة هنا ليست مؤثرة، وهي حسب عبارة لكانط: ليست الكينونة محمولًا واقعًّيا، العبارة التي يراها هايدغر ردًّا لعبارة ديكارت نفسه.

إنّنا إذن أمام محاولة تصلح لتعزيز فكرة نسيان الوجود ديكارتيًّا أيضًا، فقضّية الجوهريّة هنا تؤدّي دلالة أنطولوجيّة وأنطيقيّة في الوقت نفسه، بهذا يكون ديكارت في نظر هايدغر قد قدّم فهمًا أنطولوجيًّا خاطئًا عن العالم، ومن خلال العالم القابل للإدراك كان قد تجاوز ظاهرة العالم وكينونة الكائن. لم يترك ديكارت في نظر هايدغر كينونة الكائن تعبّر عن نفسها من داخل العالم، بل فرض كينونته من خلال فكرة غير واضحة وغير مبرهنة عن الكينونة، ففي نهاية المطاف لم يفعل سوى أن نقل عبر هذا الاشتغال الفلسفيّ آثار الأنطولوجيا القديمة إلى الفيزياء والرياضيّات الحديثة وأُسُسِها الترانسندنتاليّة. يدرك ديكارت حسب هايدغر، أنّ الكينونة الأصليّة لا تكشف عن نفسها، بل لا يمكن عن طريق الحواس الكشف عن الكائن في كينونته، بل ولا تسمح الحواس للكائن أن يعرف داخل كينونته. لقد جعل ديكارت من المستحيل الظفر بإشكاليّة أنطولوجّية عن الدازاين، مختزلًا أنطولوجيا العالم في أنطولوجيا كائن متعيّن في العالم[40].
تبدو قراءة هايدغر أو بالأحرى تأويل هايدغر لديكارت أكثر جذريّة من هوسرل الذي تجاهل قيمة المحتوى الأنطولوجيّ للتّأمّلات، ليقف على أهمّيّة تجديد المنهج في التّأمّلات ومشروعيّة الانطلاقة الترانسندنتاليّة. ومع أنّ هايدغر هو نفسه معنيٌّ بهذا التجديد لأنّه صرّح بالإشكال المزمن الذي جعل التراث يعاني من أزمة المنهج، ولعلّ تلك هي أهمّيّة التّأمّلات. كان أحرى بهايدغر أن يقف عند تأمّلات هوسرل للتأمّلات الديكارتيّة، لا سيّما أهمّيّة ومنشأ البدايات. ألم يكن مهمًّا أن نعرف إن كان هايدغر يقرّ هوسرل على ادّعاء وجود الأصل الفينومينولوجيّ في الكوجيتو والـ «أنا أفكّر»؟

وحسنًا أدرك هايدغر أنّ تأمّلات ديكارت لم تقف هنا في التأمّلات الأنطولوجيّة، بل تجاوز تأثيره إلى حقل الفيزياء والرياضيّات الحديثة. هذا يدفعنا إلى اختبار الكوسمولوجيا الديكارتيّة، وتحديدًا مع ألكسندر كويريه، حيث يمنح لديكارت فضل صياغة مبادئ العلم الحديث والكوسمولوجيا الرياضيّة الجديدة -وليس لغاليلي أو برونو-. وينطلق كويريه من تضايف ما سمَّاه إله الفيلسوف وعالمه، حيث اعتبر أنّ إله ديكارت مختلف عن الآلهة السابقة من حيث لا تدلّ الأشياء التي خلقها عليه، باستثناء النفس والفكر الخالص، والفكر الهادي إلى معرفة الإله واللَّانهائيّ. إنّ ما سماه كويريه بتماهي المادّة والامتداد هي في نظره -وخلافًا لما سبق من موقف هايدغر- انتهت إلى إقرار نتائج كبيرة، أهمّها إنكار وجود الخلاء، هذا الأخير يبدو مستحيلًا ديكارتيًّا بشكل أوضح من أرسطو نفسه، وهذه الاستحالة هي ليست فيزيائيّة فحسب، بل هي استحالة جوهريّة أيضا[41].
أتساءل إن كان الوجود قد تعرّض للنسيان كما لم يفتأ يكرّر ذلك هايدغر، لا سيّما في المدخل إلى الميتافيزيقا، فكيف يتمّ نسيان ما كان الظهور خاصّة له، كما أكد في الوقت نفسه؟ انطلق ملا صدرا من بديهيّة الوجود وأظهريّته، أمّا ديكارت فقد انطلق من البديهيّة نفسها غير القابلة للشّك ليقيم العلم على يقينيّة الوجود. لعلّ هايدغر قصد بذلك أنّنا تجاهلنا البحث في الوجود واستنزفنا البحث في الموجود، وهو ما سيعود إليه ليفيناس، بعد أن بات البحث في الوجود حاجبًا للموجود. لا أريد أن أتوقّف كثيرًا عند ليفيناس؛ لأنّه كان يبحث عن مخرج للتعايش يقتضي تجاوز الوجود، لكنّه أحلّ مفهوم الوجه للآخريّة صفة الَّلامنتهي، الآخر لا يمكن إنكاره أو لعلّنا نصل إلى حدّ قلب الكوجيتو: الآخر هو اليقين الأوّل، ليس للآخر عدم في نظر ليفيناس، حتى الزمن لا يتأسّس إلاّ من خلال هذه العلاقة[42].

أساء ديكارت التقدير، حيث إنّه في غمرة شكّه المنهجيّ نفى الآخر، افتئات نابع من محاولة التماهي مع الحدث الديكارتيّ في تأسيس كوجيطو للغيريّة، ذلك الافتئات من الناحية الفلسفيّة يسقط حين ندرك أنّ الكوجيتو كما تحدّثنا قبل، يتضمّن القيمة التواصليّة للآخر باعتبارها نظيرًا في هذا المشترك الوجوديّ، فكوجيتو «أنا أفكّر» متاح للغير عن طريق التناظر، فما قيمة الاستدلال بالكوجيتو إذا تجاهلنا هذه الحقيقة. لا شكّ أنّ الغير غير نظير في مقترب ليفيناس، لكن هذه اللاّتناظريّة هي سوسيولوجيا، إيثيقيّة، وماهويّة اعتباريّة وليست في الوجود، لنقل هي لاتناظريّة موجوديّة برسم اشتراطات التّموجد، ففي لحظة اليقين الأوّل يشترك الأنا والغير في هذه الخبرة الوجوديّة، فيصبح «الأنا أفكّر» يساوي «الآخر يفكّر». وقد ذكرنا، وخلافا للقراءة الطّاغية السابقة، بأنّ الغاية من الكوجيتو ليست هي الوجود ولا الفكر ولا الذات، بل إحراز اليقين الأوّل. فالوجود هنا هو المعطى الذي قاد إليه الشكّ أو بالأحرى اصطدم به. كشف الوجود عن نفسه حين أصبحت بداهته تحت طائلة الشّك. كلّ بديهيّ يصبح محتجبًا، لكن حين الاختبار يكشف عن نفسه. ويتعيّن أن تدرك قيمة الوجود إبستيمولوجيًّا هنا أيضًا باعتبارها البداية اليقينيّة لتأسيس المعرفة، والضامن هنا ليس الوجود المعطى فقط، بل الموجد، ضامن الكوجيتو كما هو في لسان التّأمّلات. حين يصبح الوجود هو اليقين الأوّل يصبح اليقين المعرفيّ الأوّل ملازمًا للوجود، فالمعرفة هنا عين الوجود، وهكذا لا تنحلّ معضلة الكوجيتو الديكارتيّ وتحريره من ثنائيّاته الموروثة من سكولائيّة العصر الوسيط الأوروبيّ، بل ستكون تلك إنقاذا للكوجيتو خارج كلّ أشكال الرّطانة الفلسفيّة.
 إنّ إقحام إشكاليّة الغيريّة في الكوجيتو لا موضوع لها، ويمكن تقبّلها من باب المجازات؛ لأنّ الذّات في عيشها المشترك تتشكّل لديها ماهيّة اجتماعيّة، يتعيّن قراءتها في صلب التعاقد الجمعيّ، الذي يجعل من قراءة الذات في شرط الأصل الغيريّ، الذي سيرقى حدّ المحدّد للماهيّة الذاتيّة كما في المرحلة المرآويّة لجاك لاكان، فهذا برسم الماهيّة الممكنة السوسيولوجيّة والسيكولوجية، وليس برسم الخبرة الوجوديّة العميقة التي تضمّنت الآخر كنظير في تجربة الأنا أفكّر، فلا مجال إذن لإقحام الكوجيتو في آخريّة ليفيناس الميتافيزيقيّة، حيث يتجاوز من ناحية أخرى الأنا والآخر معًا تعاليًا بالوجود. الوجود المتعالي كشرط ضامن لتعايش أنحاء الوجود الكاشف عن الممكن الماهويّ الذي تحدّده مراتب الوجود وتشكّكه، فلا يمكن منح الآخريّة سمة أنطولوجيا محدِّدَة للأنا، وإن كانت الغاية هي التّعايش؛ لأنّنا حتمًا سنجد أنفسنا بعد ذلك في مواجهة استحقاقات الذّات[43].

أيّ انطلاقة لمشروع فلسفة عربيّة؟
إن كان هوسرل قد منح التأمّلات الديكارتيّة هذه المشروعيّة التي سيجعل منها مثالًا لأّي انطلاقة فلسفيّة، فما حظّ انطلاقتنا يا ترى؟ هل تفيد النمذجة في التأسيس لممارسة فلسفيّة محلّيّة تستطيع اكتساب مُكنة العالميّة، مع أن ديكارت نفسه في هذا الاستئناف تمسّك بشرعيّة البابويّة وأعلام المجاميع اللاّهوتيّة مستخفًّا بأفهام العامّة التي لم يأبه بها مثل مواقف المعاندين؟
تعاني الفلسفة العربيّة اليوم من سوء تدبير البدايات، وهي لن تجد في ماضيها القريب متانة سكولاستيكيّة لكي تمارس إزاءها اختلافًا خلاّقًا، لا زلنا في المنزلة المدرسيّة (scolaire) وليس المدرسانيّة (scolastique)، لا زلنا نهجو التقليد بالتقليد في التحقيق الفلسفيّ، ولا زلنا نتوسّل الحقيقة في مُغالطة حجّة السّلطة. فالحالة الإيمائيّة غالبة على الممارسة الفلسفيّة العربيّة. لا شكّ أنّ جزءًا من ذلك لا يقف عند المعضلة الإبستيمولوجيّة وحدها، ولا حتى عند جيو-ستراتيجيا المفاهيم، بل أرى المعضلة أنطولوجيّة. أمام هذا الرّكام من المواقف الفلسفيّة، هل يمكننا اللّحاق؟ ليس هناك أدنى إشكال في تصوّر هذه الإمكانيّة، وحتمًا لن نطبّق عليها قاعدة زينون الإيلي في الحركة، نستطيع أن نتخطّى تلك المعضلة بالقفز بواسطة حدس الوجود، ولن يفوتنا شيء كبير؛ لأنّه من حسن الحظّ أنّ تطوّر الفلسفة بطيء كما مرّ معنا في عبارة كويريه، لكنّ ما يبدو أمامنا من سوء البدايات، يجعل الفلسفة في الممارسة العربيّة تنحو بعيدًا عن الاقتصاد في المفاهيم وعن البحث في الأصول النقيّة لخبرة أنطولوجيّة يقينيّة. لم يشغل ديكارت نفسه بشقاوة التّشقيق اللّغويّ، ولا رأى في لاتينيته ما يعيق القبض على الكوجيتو. ما هي القيمة الفلسفيّة لِلَغْوَنة الفكر، وقد أعاده الكوجيتو إلى لحظته الصّامتة كعقل محض قبل أن ينتهي إلى الخطاب؟ كيف جعلتنا كبرى الفلسفات الثوريّة -الهيدغيريّة- نخفي نزعتنا للتقليد؟

لنتأمّل في محنة الترجمة وسوق المزاد العلنيّ للتشقيق المُلاوغ المقوّض لروح الفلسفة. إنّنا حقّا لا ننتج مفاهيمنا، ولكنّنا نزايد بالمُستعار، لكي ننخرط في الكون الفلسفيّ العام، علينا أن نتدبّر طريقتنا الخاصّة، كلحظة اختبار تأهيليّ، لأنّنا لازلنا غارقين في التكرار والنزعة الإيمائيّة وشقاوة اللّغونة. ننسف هيكل اللّسان العربيّ ليستجيب لمُلاوغة داخل لغة ما، أهلها أنفسهم يعتبرون ذلك إضافة واستحداثًا لعبارة. لو كان لأحد أن يرجّ اللّغة لإقحام مفهوم جديد، لكان أحرى بأولئك أنفسهم. والحل، أيسر مما يقتضيه الفكر حين يتجرّد ويقتصد في مقاربة تعقيد الواقع لا تعقيد اللّغة، الحلّ في الإبقاء على المفهوم كما هو دونما الحاجة إلى هدم النّاموس اللّغويّ.

الحاجة إلى كوجيتو عربيّ
الحاجة إلى تجربة الـ «أنا أفكّر» عربيًّا لا زالت قائمة؛ لأنّها نقطة البداية، بل هي لحظة تحلّل من كلّ حمل قديم، واستئناف السفر العقليّ من نقطة النّور المساوق للوجود. لم يصنع ديكارت جديدًا سوى العودة إلى أوغسطين، إلى تحرير العقل من أثقال السكولاستيكية، العودة إلى البدايات التي لا غنى فيها عن النور والوجود. هايدغر يعلن الثورة على الميتافيزقا الغربيّة بوصفها ارتهنت لنسيان الوجود، والحقيقة هي أنّ ديكارت سعى في الكوجيتو إلى تذكير الغرب بأهمّيّة الوجود، وبأنّه ليس معلولًا للتفكير الذي يدلّ عليه فحسب، بل هو ضامن استمرار الذّات المفكرة. كان أولى أن تدرك الذّات من حيث تفكّرها أنّها تُوجَدُ ما بقي الفكر، لكن الفكر اليوم يخفي عنّا الوجود؛ لأنّنا في الحقيقة نكرّر مقولات ولا نفكّر.
 لم تنه الفلسفة عربيًّا مهامّها، إنّها ممارسة تقع خارج الكوجيتو الديكارتيّ وخارج آفاق الدازاين الهيدغيريّ، أي خارج المهمّة التّاريخيّة للفلسفة باعتبارها -فيما ذهب إليه صدر المتألّهين- نظمًا عقليًّا للعالم كمقدّمة لتغييره حسب الطّاقة، مما يعني أنّها ممارسة اجتهاديّة، ولا اجتهاد إلاّ بعقل، بل سيعرفها مرّة أخرى بأنّها استكمال النفس الإنسانيّة بمعرفة الموجودات على ما هي عليها والحكم بوجودها تحقيقًا بالبرهان، لا أخذًا بالظّنّ والتقليد[44]. ولا يكفي نبذ التقليد في التّوصيف، حين تكون الممارسة الفلسفيّة عربيًّا خارج مهمّتها التّاريخيّة تلك، بل مقتضى الممارسة هو الوضوح واليقين الذي يؤمِّن لنا الرسوّ على الوجود. وها قد بات الفكر ليس خاصّيّة الإنسان الدّالة على كينونته، بل باتت المعرفة التي هي موضوع الفكر نفسه مساوقة للوجود. ولا يُرجى الإبداع فيمن أخطأ أصالة الوجود وتاه في الاعتبار الماهويّ، وهو الدرس الأصيل للحكمة المتعالية قبل هايدغر، لقد لاحظنا شرود المتفلسفة وذهولهم عن المعنى العميق للوجود، في ذلك الانفكاك بين ما تأصّل من الوجود وما اعتُبر من الماهيّة، حيث ذهب ملّا صدرا إلى استنتاج عميق مفاده أنّ المعقول من الوجود غير المعقول من الماهيّة، ولا خير إلاّ باسترجاع لحظة الوجود برسم هذا الكوجيتو الصدرائيّ القائم على العودة إلى أصالة الوجود، وهل غاية الكوجيتو التي لم يحرزها ديكارت نفسه سوى القبض على هذا الأصل؟
لا تهمّ هنا المناطق المعتمة في تدبير الكوجيتو ديكارتيًّا، نعود لنؤكّد على أهمّيّة البدايات، حتى كانط لم  يكمل المهمّة، ولكنه بقدر الاختلاف بقدر ما وجد في الديكارتيّة أرضيّة بداية أخرى، وربما بدا أنّه وجد الحلّ في إقحام عنصر ثالث ليحلّ معضلة التعيينين: الأنا أفكّر والأنا موجود، تفاديًا لمفارقة تضمّن اللاّمتعيّن في المتعيّن، والتي جرّأت كثيرين على الاستخفاف المنطقيّ بالكوجيتو. بينما كان ديكارت بصدد الاستدلال الصحيح ضدّ الشُّكّاك، وهو يستعمل -وكذلك وجب فهم البناء المنطقيّ للكوجيتو- دليل الخُلف. وسيحصل المنزلق النابع من سوء تدبير مفهوم الوجود، وبينما يقحم كانط عنصر حدس المتلقّي للتعيين، أي الزّمن. ومرّة أخرى سندفع ثمن غياب الحسم في معنى الوجود وعلائقه الاعتباريّة، وسوء تقدير انفكاكيّته في جدل العلاقة الوجوديّة-الماهويّة، حيث كلّ مرّة سنعثر في خلطٍ تجاوزته الحكمة المتعالية في تعبير صاحب المنظومة: والفرق بين نحوَي الكون يفي[45]. يرى حلّ إشكاليّة هذه الأنا المتصدّعة لا عند فيخته ولا هيغل، بل في شعريّة هولدرلن، في مفهوم الزمن الفارغ المحض، حيث بدت الكانطيّة عندما ورّطت نفسها في نقد الكوجيتو الديكارتيّ في حالة شرود، حيث الزمن الفارغ الهولدرلينيّ يحيل إلى «ماهيّة مأساويّة أو مغامرة أوديب»، يتساءل جيل دولوز حول ما إذا كان من الممكن اعتبار الكانطيّة وريثة أوديب[46]. في تقدير جيل دولوز أنّ هذه الإضافة الكانطيّة، ناتجة عن اختزال ديكارت للكوجيتو في اللحظة واستبعاد الزمن «والعهد به إلى الله في عمليّة الخلق المستمرّ». ليس كانط وحده، بل دولوز نفسه في هذا التقريب، ذهل عن أنّ ومضة الأنا أفكّر إذن أنا موجود لا يمكن أن تستحضر إلاّ اللحظة وفراغ الزمن الذي لا يتقوّم هو نفسه إلاّ في الوجود وبالوجود وللوجود.
 لعلّ ديكارت بالفعل بدأ المهمّة ولم يكملها، ولعلّ كويريه كان دقيقًا حين عبّر عن ذلك بطريقة أخرى، حين وقف عند عجز ديكارت عن تحقيق هذه المهمّة، باعتبار أنّ الوجود أوسع مما ظنّ ديكارت نفسه. إن شرف النهوض والإبداع والفكر يبدأ من الوجود، فهو هنا كما جاء في المنظومة السبزواريّة: منبع كلّ شرف[47]. بالنسبة لكويريه، كان ديكارت مدشّنًا للعلم الحديث، وكفيلسوف ومؤرّخ علم يحيل كويريه إلى النظريّات التي أسَّسها ديكارت في الرياضيّات والطبيعيّات والبصريّات، لم يكن ديكارت ذُهانيًّا في مزاعمه، بل في نظر كويريه، كان نبيلًا إلى حدّ أنّه أخفى اسمه بكبرياء لمّا نشر كتابه خطاب المنهج، كان شديد التواضع في تقويم تراث من سبقوه، وكذلك شديد التواضع النّفسّي والأخلاقيّ في إصلاح مناهج العلم والفلسفة في عصره. وبالعودة إلى كويريه نلاحظ أنّه يذكر بأنّ ديكارت لم يكن ليعرض منهجه ليكون نموذجًا، غير أنه مرّ معنا في تأمّلات هوسرل كيف اعتبر منهج ديكارت نموذجًا ضروريًّا[48]، وهذا ناتج عن أنّ ديكارت لم يكن معنيًّا بمآلات ما يخوض فيه، وغير آبه بمن لا يجد في منهجه ذاك مراده. في محاولة كويريه رسم صورة روحيّة لعصر ديكارت، وضعنا أمام ما ينبغي أن يقدّمه تاريخ الفلسفة للفلسفة نفسها، فديكارت حسب دارسه قام بنقد علوم عصره ما عدا الرياضيّات التي نجت من ذلك النقد، لكن في نهاية المطاف، وهذا أهمّ ما انتهى إليه كويريه، أنّ ديكارت لم ينجح في مهمّته بخصوص اليقين، لقد كان الوجود أغنى مما يظنّ ديكارت.


المصادر والمراجع
اللغة العربية
أبو البقاء: الكلّيّات، ج3، تحقيق عدنان درويش ومحمد المصريّ، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1981.
أبو حامد الغزاليّ: المنقذ من الضّلال، تحقيق د. جمال صليبا ود. كامل عيّاد، ط 7، دار الأندلس-بيروت1967.
ادريس هاني: المعرفة والاعتقاد، ط1، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلاميّ، بيروت، 2012.
ادريس هاني: ما بعد الرشديّة، ط 1، الغدير للدراسات والنشر، 2000، بيروت.
ادريس هاني: محنة التراث الآخر، ط 1، الغدير للدراسات والنشر، بيروت.
إدغار موران: هل نسير إلى الهاوية، تـ: عبد الرحيم حزل، أفريقيا الشرق_ المغرب، 2012.
ألفريد نورث وايتهايد،: مغامرات الأفكار، تـ: أنيس زكي حسن، بالاشتراك مع مؤسسة فرنكلين، 1960، منشورات دار مكتبة الحياة ومكتبة النهضة، بغداد.
ألكسندر كواريه: ثلاث دروس في ديكارت، تـ: يوسف كرم، المركز القوميّ للترجمة، القاهرة، 2014.
ألكسندر كوهويريه: من العالم المغلق إلى الكن المفتوح، تـ: يوسف بن عثمان، دار  سيناترا، تونس، 2017.
بول ريكور: في مدرسة الفينومينولوجيا، ترجمة عبد الحي أزرقان، مراجعة: د. جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط1، 2020/ بيروت.
جمال الدين محمد بن مالك: شرح التسهيل، ج 4، دار هجر، الطبعة الأولى، 1990.
جنفيان روديس لويس: ديكارت والعقلانيّة، تـ: عبده الحلو، ط 4- 1988، دار عويدات، باريس-بيروت.
جوزيف سايفرت: الله كبرهان على وجود الله، تـ: د. حميد لشهب، ط 1، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء –بيروت، 2001.
جيل دولوز:  الاختلاف والتكرار، تـ: د. وفاء شعبان، المنظّمة العربيّة للترجمة، بيروت، ط 1، 2009.
د. طه عبد الرحمن: فقه الفلسفة(2) القول الفلسفيّ: كتاب المفهوم والتأثيل، المركز الثقافي العربيّ، 1999، الدار البيضاء-بيروت.
زكي نجيب محمود: رؤية إسلاميّة، مؤسسة هنداوي سي آي سي- 2018.
فيليب كايل: الفلسفة والتيولوجيا في فكر مارتن هيدغر، تـ: د. فؤاد مليت، ط 1، 2017، ابن النديم للنشر والتوزيع(الجزائر) ودار الروافد الثقافيّة- ناشرون(بيروت)
محمود حمدي زقزوق : المنهج الفلسفيّ بين  الغزاليّ وديكارت، دار المعارف، القاهرة، 1998
مفارقة الخُلُقيّة، حوار مع إيمانويل ليفيناس، انظر مجلة الاستغراب عدد 10، 2018، بيروت
يمكن الرجوع إلى نقدي لصيغة «انظر تجد» إلى كتابي: الإسلام والحداثة، مركز دراسات فلسفة الدين- بغداد، ط1، دار الهادي، بيروت، 2005.

اللغة الأجنبيّة
Alain finkielkraut: la defaite de la pensee, edition gallimard, 1987.
jean-loup bonnamy, les grandes expressions philosopkiques; le point, N : novembre-decembre 2017.
l herne  henry corbin; éditions de l Herne, paris
Levinas: de l’existence a l existant, librairie philosophique j, vrin, paris, 1963.
Martin heidegger: Etre et temps, traduit par; emmanuel Martineau, edition hors commerce.
MةDITATIONS CARTESIENNES; Edmond HUSSERL, Traduit de l allemand par M, GABRIELLE PEIFFER ET M. EMMANUEL LEVINAS. PARIS LIBRAIRIE PHILOSOPHIQUE J. VRIN 6, Place de la. Sorbonne (Ve) 1953.
René descartes: Méditation metaphysique: t, du latin par M, le D, D, L, N, S, edition electronique: philosophie (pierre hidalgo), decembre 2010.

------------------------------------
[1]* - مفكر وباحث في الفلسفة – المملكة المغربية.
 - بول ريكور: في مدرسة الفينومينولوجيا، ص 198، ترجمة عبد الحي أزرقان، مراجعة:د. جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط1، 2020/بيروت
[2]- جنفيان روديس لويس: ديكارت والعقلانيّة، ص 11، تـ: عبده الحلو، ط 4- 1988، دار عويدات، باريس-بيروت
[3]- م، ن، ص 12
[4]- ألكسندر كواريه: ثلاث دروس في ديكارت، ص 30، تـ: يوسف كرم، المركز القوميّ للترجمة، القاهرة ، 2014
[5]- زعم طه عبد الرحمن في ردّه هذا على ما سماه شاهدًا قطعيًّا ضدّ منازعات خصومه، أورده في الختام لكنه كان أحرى أن يورده في مقدّمة الاستدلال، بأنّ صديقًا نقل له ورقة مكتوب فيها بيت شعريّ بعد أن قرأ صيغة انظر تجد وهي: يا تائهًا في مهمّة عن سرّه +++ انظر تجد فيك الوجود بأسره. وطبعًا، أعطاها طه عبد الرحمن صيغة «وجدتها» لحامل الورقة ، كما أعطاها صفة «وقوع الحافر على الحافر»، انظر: فقه الفلسفة.(2 القول الفلسفيّ، المفهوم والتأثيل)، ص 37.
[6]- زكي نجيب محمود: رؤية إسلاميّة، ص89 مؤسّسة هنداوي سي آي سي- 2018.
[7]- لعلّه من المفارقة – كما يُحكى - أنّ الكعاك وجد ميتًا بغرفته في اليوم الثاني من المؤتمر المذكور.
[8]- د. محمود حمدي زقزوق : المنهج الفلسفيّ بين  الغزالي وديكارت، ص 12، دار المعارف ـ القاهرة، 1998.
[9]- د. محمود حمدي زقزوق : المنهج الفلسفيّ بين  الغزالي وديكارت، دار المعارفـ القاهرة، ص64.
[10] - أبو حامد الغزالي: المنقذ من الضّلال، ص 65-66  ، تحقيق  د. جمال صليبا ود. كامل عياد، ط 7، دار الأندلس-بيروت 1967.
[11]-Alain finkielkraut : la defaite de la pensee ,p ;18, edition gallimard,1987
[12]- سمّي على اسم كاتدرائيّة القدّيس يوحنا اللاّترانيّ بروما، الذي شهد انعقاد المجمع الأّوّل.
[13]- René descartes : Méditation metaphysique ;p 3-4-5-6-7-8 , t, du latin par M, le D ,D,L,N,S, edition electronique : philosophie(pierre hidalgo) , decembre 2010
[14]- ألفريد نورث وايتهايد،: مغامرات الأفكار، ص 301/ تـ: أنيس زكي حسن، بالاشتراك مع مؤسسة فرنكلين، 1960، منشورات دار مكتبة الحياة ومكتبة النهضة، بغداد.
[15] - ادريس هاني: المعرفة والاعتقاد، ص116، ط1، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت ، 2012.
[16]- جوزيف سايفرت: الله كبرهان على وجود الله، ص 153، تـ: د. حميد لشهب، ط 1، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء –بيروت، 2001.
[17]- إدغار موران: هل نسير إلى الهاوية، ص27، تـ: عبد الرحيم حزل، أفريقيا الشرق-المغرب، 2012.
[18] - مفارقة الخُلُقية، حوار مع إيمانويل ليفيناس، انظر مجلّة الاستغراب عدد 10، 2018، بيروت.
[19]- طه عبد الرحمن: ثغور المرابطة، ص 242-243، ط1،2018، مركز مغارب، المغرب .
[20]- l herne  henry corbin, p : 23-24 ; éditions de l Herne, paris.
[21]- م، ن.
[22]- سيكون لنا تفصيل في هذه القضية في مناسبة أخرى.
[23] - يمكن الرجوع إلى نقدي لصيغة « انظر تجد» إلى كتابي: الإسلام والحداثة، ص 116-119، مركز دراسات فلسفة الدين- بغداد، ط1، دار الهادي ، بيروت، 2005.
[24]- أبو البقاء: الكلّيّات، ص5، ج3، تحقيق عدنان درويش ومحمّد المصريّ، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، دمشق 1981.
[25] - جمال الدين محمد بن مالك: شرح التسهيل، ص73-74، ج4، دار هجر، الطبعة الأولى، 1990.
[26]- فيليب كايل: الفلسفة والتيولوجيا في فكر مارتن هيدغر، ص35، تـ: د.فؤاد مليت، ط 1، 2017، ابن النديم للنشر والتوزيع (الجزائر) ودار الروافد الثقافيّة-ناشرون (بيروت).
[27]- لم يبالغ عبد الله العروي حين قال:» ما لم يأخذه في الاعتبار طه عبد الرحمن، لم يبحث عن أصول تفكيره هو في الوقت الذي يبحث عن أصول أفكار الآخرين. لولا أنّ جل مفاهيمه الإجرائيّة مأخوذة من هناك وليست مأهولة كما يدعي أو لنقل مأهولة عبر واسطة، والواسطة يا للغرابة هي جماعة المستشرقين الثائرين على الليبراليّة في عهد الموجة الشمولانيّة (,,,) ميدان التداول مثلًا هو عبارة لسانيّة عن مفهوم الجماعة، يصفه ثمّ يدّعي أنّه يعرفه...»، انظر خواطر الصباح(1982-1999) ج 3، ص 222-225ط 2005، المركز الثقافيّ العربيّ
[28] - د. طه عبد الرحمن: فقه الفلسفة – 2 – اقول الفلسفيّ: كتاب المفهوم والتأثيل، ص40، المركز الثقافيّ العربيّ، 1999، الدار البيضاء-بيروت.
[29]- الكسندر كوايريه: ثلاثة دروس في ديكارت، ص 18
[30]- jean-loup bonnamy, les grandes expressions philosopkiques;  le point, p: 47, N: novembre-decembre 2017.
[31]- طه عبد الرحمن: فقه الفلسفة (2)القول الفلسفي: كتاب المفهوم والتأثيل، ص53.
[32]- حار المترجمون في إيجاد معادل عربيّ لمفهوم تراسندنتال، إذ هناك من استعمل لفظ متعالي وهناك من استعمل لفظ استشرافيّ، وهناك من استعمل لفظ تجوّز..وأفضّل استعمال المتعالي، لأنّها العبارة الفلسفيّة التي استعملها حكماء وفلاسفة مسلمون، وإن طرأ عليها إضافات جديدة في الممارسة الميتافيزيقيّة الغربيّة، فليس المطلوب قلب المفهوم بل إضافة المعنى إلى اللفظ نفسه كواحد من احتمالات المعنى. والحقيقة أنّ عبارة تعدّي إن كان لا بدّ من بديل قد تؤدّي الغرض، فهي تأتي بمعنى التجاوز أيضًا، وهي كلمة استعملها النحاة في عبارة الفعل المتعدّي وغيره. ولا إشكال في استعارة المفهوم، تمامًا كما فعل الفلاسفة المسلمون حين استعملوا كلمة مشتقّ وميّزوا بين معناها في اللغة ومعناها في المنطق والفلسفة ومعناها في علم الأصول في مبحث المشتقّ، وربما أمكنهم لو استمرّ إبداع المفاهيم على وتيرته أن يتحدّثوا عن المشتقّ في الرياضيّات الحديثة.
[33]- MةDITATIONS CARTESIENNES ;Edmond HUSSERL, page 1,2,3/ Traduit de l allemand par M, GABRIELLE PEIFFER ET M. EMMANUEL LEVINAS. PARIS LIBRAIRIE PHILOSOPHIQUE J. VRIN 6, Place de la. Sorbonne (Ve) 1953 .
[34]- بول ريكور: في مدرسة الفينومينولوجيا، ص197، تـ: عبد الحي أزرقان، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2020.
[35]- م، ن، 198-207.
[36]- فيليب كابيل: الفلسفة والتيولوجيا في فكر مارتن هيدغر، ص20، (م، ن).
[37]- فيليب كابيل: الفلسفة والتيولوجيا في فكر مارتن هيدغر، م، س، ص24-25
[38]- م، ن، ص25-34
[39]- طوّرت الحكمة المتعالية فلسفة نسقيّة متكاملة حول الوجود والجوهر، ومن داخل اللغة العربيّة نفسها، بعيدًا عن ركاكة التشقيق الشّقيّ الذي رهن العمق الفلسفيّ ومضمونه لكلف إيتيمولوجيّ لطالما تجاهله ملاّ صدرا الذي أسند إبداعه بالمتداول من المفاهيم وفجّر الإبداع من داخل النّسق المفاهيميّ نفسه، من خلال إعادة إبداعه في أفق تأويليّ يمنحه حياة فلسفيّة جديدة. ما يجري اليوم يتجاوز فلسفة اللغة إلى لغونة الفلسفة.
[40]-Martin heidegger: Etre et temps, traduit par; emmanuel Martineau p :88- 97, edition hors commerce
[41]- ألكسندر كوهويريه: من العالم المغلق إلى الكن المفتوح، ص147-148، تـ: يوسف بن عثمان، دار  سيناترا، تونس، 2017
[42]- Levinas: de l’existence a l existant, p: 160, librairie philosophique j, vrin, paris, 1963.
[43]- تظلّ غيريّة ليفيناس في حاجة إلى تأمّلات جديدة، قد نتناول لها لاحقًا في صيغة: تأمّلات ليفيناسيّة.
[44]- ادريس هاني: محنة التراث الآخر، ص280، ط 1،1998، الغدير للدراسات والنشر، بيروت.
[45]- ادريس هاني: ما بعد الرشديّة، ص145، ط 1، الغدير للدراسات والنشر، 2000، بيروت
[46]- جيل دولوز:  الاختلاف والتكرار، ص194-193 تـ: د. وفاء شعبان،  المنظّمة العربيّة للترجمة ، بيروت، ط 1، 2009.
[47]- ادريس هاني: ما بعد الرشديّة، ص138- 146.
[48]- كويريه: ثلاثة دروس في ديكارت، ص19-23-24-25-31-32-64.