البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

يُفكَّر فيّ.. إذاً أنا موجود؛ بحثٌ حول النقد اللاّهوتي الذي يُوجّهه بادر لديكارت: معناه وأهميته

الباحث :  جوريس غيلدهوف
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  24
السنة :  صيف 2021م / 1443هـ
تاريخ إضافة البحث :  October / 18 / 2021
عدد زيارات البحث :  25
تحميل  ( 390.870 KB )

يعدّ الفيلسوف  الألمانيّ فرانز فون بادر (1765-1841) من أبرز الفلاسفة  الذين نقدوا الحداثة ولا سيّما قيم الذاتيَّة التي أسَّس لها الفيلسوف رينيه ديكارت. وعلى الرغم من الحجب التي أحاطت بالفيلسوف بادر الذي كان معاصرًا لهيغل، فقد اكتسبت نقديّاته لديكارت ولسائر فلاسفة عصره أهمّيّة خاصّة، كونها جاءت من خارج المألوف الفلسفيّ الذي شهدته أوروبا في تلك الحقبة.

هذه المقالة للباحث الألمانيّ جوريس غيلدهوف تلقي الضوء على أبرز القضايا النقديّة التي تناولها بادر حيال منظومة ديكارت، وخصوصًا قضيّة الكوجيتو.

«المحرِّر»
------------------------------

«كلُّ نظريّات النور والوعي والمعرفة التي تبدأ بالأنا وليس بالله تُنكر الله»[2].
غالبًا ما يُنسَب بروز المادّة المعرفيّة المعاصِرة في تاريخ الأفكار إلى الميتافيزيقا التي طرحها ديكارت. سعى الفيلسوف الفرنسيّ الشهير في النصف الأوّل من القرن السابع عشر أن يفهم مسألة التفكير من منظورٍ مختلفٍ جذريًّا. قابل ديكارت جميعَ الانطباعات الحسّيّة بالشكّ ورفض جميع المعايير الإبستمولوجيّة التقليديّة واضعًا مصدر كلّ يقين في النفس الإنسانيّة، تلك النفس التي تملكُ قابليّة التأمُّل العقليّ، وعليه أصبحت عبارة «أنا أفكِّر، إذًا أنا موجود» الواردة في كتاب ديكارت: «مقال عن المنهج»[3] نقطة الإنطلاق الرمزّية لكلّ فلسفة مُستقبليّة تسعى إلى تفسير النتائج المذهلة للعلم الطبيعيّ الحديث. فضلًا على ذلك، امتلك ديكارت مهاراتٍ كبيرة في الحقل العلميّ، وساهم بشكلٍ كبير في تطوُّر الفيزياء والرياضيّات.

يُقال إنّ ديكارت شكّل علامة على التحوُّل في الفكر الغربيّ؛ لأنّه كان مُلهِمًا كبيرًا لمشروع سبينوزا، ووضع قاعدة منظومتي وُولف ولايبنيز، وترك تأثيرًا واضحًا على فلسفة كانط النقديّة، أمّا هيغل، فقد اعتبره «الأب المؤسِّس» للحداثة الذي لا يُمكن التغاضي عن أهمّيّته التاريخيّة[4]، ولكن نظرًا إلى هذه الأهمّيّة على وجه الخصوص، فقد استشعر أحد مُعاصري هيغل شبه المنسيّين -وهو فرانز فون بادر (1765-1841)- أنّه من الضروريّ إخضاعُ فكر ديكارت إلى التدقيق الشامل. أشار بادر في رسالةٍ لصديقه فون سترانسكي (حُدِّد تاريخها قبل عامٍ من وفاته) أنّه أراد وضعَ حدٍ للنزعة الديكارتيّة في الفلسفة[5]. كانت الأسباب وراء مُعارضته الشرسة لديكارت وأتباعه ذات طابعٍ لاهوتيّ وإبستمولوجيّ معًا، ولهذا السبب بالذات تجدرُ في يومنا الحالي دراسة احتجاجات بادر ضدّ فلسفة ديكارت، فالنزاع بين الحداثة والوحي، والعقل والإيمان، والفلسفة والَّلاهوت، والفكر والعواطف ما زال قائمًا.

أُحاولُ في هذه المقالة أن أُظهِر أهمّيّة النقد الذي يُوجِّهه بادر لفلسفة ديكارت آخذًا هذه النقاشات موضع اعتبار. وبالفعل، كما يحتجُّ كوسلوسكي، يُحتمل أن يكون نقد بادر مُثمرًا في «النقاش الحديث حول نهاية الحداثة وبدايات ما بعد الحداثة»[6]. سوف أقومُ أوّلًا بتقديم فكر بادر بشكلٍ عامّ، مُركِّزًا على موضع ديكارت فيه، بعدها، أتناولُ في القسم الأكبر من هذه المقالة خصائصَ بارزة في فكر بادر تتناقضُ مع موقف ديكارت، ولسوف أُشيرُ في كلّ حالةٍ إلى أهمّيّة الاختلافات بين العقلانيّين والرومانطيقيّين في التأمُّل اللاهوتيّ. وثالثًا، على نحو الاستنتاج، سوف أحاولُ صياغة درسٍ كلّيٍّ يُمكن تعلُّمه من بادر.

1) مؤلّفاتُ بادر وموقع ديكارت فيها
لم يكن بادر مُفكِّرًا «مُحترفًا»، على خلاف مُعاصرَيه شيلينغ وهيغل. عمل بادر أغلب حياته كمهندس تعدين ورجل أعمال، ولكنّه أبدى اهتمامًا شديدًا بالقضايا الفلسفيّة إثر دراساته المكثّفة لأفكار شخصيّاتٍ مثل بوهمه وسان مارتن وكانط وهيغل وتوما الأكويني وغيرهم كثير. شرع بادر في نهاية حياته بنشر المؤلّفات الفلسفيّة واللاهوتيّة البليغة، حتى أنّه أصبح أستاذًا لمادة اللاهوت النظريّ في جامعة ميونيخ المنشأة حديثًا، ولكنّه لم يتمكّن قطّ من التعبير عن أفكاره بطريقةٍ واضحة وشاملة ومنهجيّة[7].

قد يكون هذا النقص على وجه الخصوص هو السبب الأهمّ وراء ذهاب هذا المفكِّر الملفت والباحث المتعدِّد المؤهّلات بسهولةٍ طيّ النسيان في تاريخ الأفكار. خلال حياته، كان بادر شخصيّةً مرموقة للغاية ومشهورة بشكلٍ واسع، وقد مارس تأثيرًا كبيرًا في أوساط الرومانطيقيّين والمثاليّين الألمان، وبالفعل فإنّ كلّ ممثِّل تقريبًا عن هذين التيارَين الفكريَّين قد تحدّث عن بادر بمدحٍ وإجلال. كان من بين المعجبين به غوته، نوفاليس، هيغل، شيلينغ[8]، فريدريك شليغل، تيك، ويلهيلم فون همبولدت، وغيرهم[9]. مدح جميعهم مهارات بادر الخطابيّة ومشاعره العرفانيّة ونظرته العميقة في القضايا الفلسفيّة واللاهوتيّة، إضافة إلى ذلك، لم يكن بادر رجلًا أكاديميًّا مُنعزلًا يتعاملُ مع النقاشات الفكريّة فقط، بل كان مُنخرطًا بشغفٍ في الشؤون الاجتماعيّة والسياسيّة والمسكونيّة. يجبُ أن نذكر هنا نقده للرأسماليّة المبكرة، وانخراطه الشخصيّ في المفاوضات التي أدّت إلى «التحالف المقدّس» عام 1815، وجهوده الرامية إلى تأسيس أكاديميّة مسكونيّة في سانت بطرسبرغ[10].
سوف أُركِّزُ في هذه المقالة بشكلٍ حصريٍّ على كتاب بادر بعنوان «محاضرات حول العقائد التأمّليّة» الذي يُعدُّ التعبير الأكمل لفكره الناضج والصادر في فترةٍ متأخِّرة. حاضر بادر من العام 1826 لغاية 1838 عدّة مراتٍ حول اللاهوت التأمُّليّ، ولكنّه لم يُكرِّر نفس الأفكار قطّ، بل دخل في نقاشاتٍ حيويّة حول أنماط الفكر الأخلاقيّة والعرفانيّة والإبستمولوجيّة واللاهوتيّة، وحتّى العلميّة التي أراد أن ينفعل ضدّها. شكّلت فلسفة ديكارت إحدى المواضيع الرئيسة لتأمّلاته النقديّة.

لا يذكرُ بادر في كتابه اسم ديكارت بشكلٍ صريح في كثيرٍ من الأحيان، ولكن على المستوى الضمنيّ يلعبُ ديكارت دورًا مهمًّا بصفته «نقيضًا نموذجيًّا وأساسيًّا»[11] يُصيغُ بادر تفكيره الخاصّ في مقابله، عوضًا عن ميتافيزيقيا ذات نزعةٍ ذاتيّة ومُشيّدة منطقيًّا فحسب، طوّر بادر نظرةً كونيّة شخصانيّة وعلائقيّة في جوهرها، واحتجّ بأنّ هذه المقاربة فقط يُمكن أن تكون وفيّة للدين المسيحيّ. انطلاقًا من إيمانه واعتقاده المسيحيّ العميق، استشعر بادر ضرورة مُعارضة جميع المنظومات الفكريّة التي تُفضي إلى نتائج تتناقض مع الدين المسيحيّ، وعليه، شكّل ديكارت وفلسفته نظريّةً معرفيّة أحاديّة الجانب، لا تتركُ مجالًا لحالة القبول التي يفترضها مُسبقًا كلّ دين، ولا للارتباط بين الله والإنسان الذي يسبقُ بنيويًّا جميعَ المحاولات الرامية إلى اكتساب المعرفة. «بدلًا من ترديد (الجملة التالية) مع ديكارت: أنا أُفكِّر، إذًا أنا موجود، يجب أن يقول الفرد: يُفكَّر فيّ، إذًا أنا أُفكِّر. أو يُرغَب فيّ (أنا محبوب)، إذًا أنا موجود»[12]. وعليه، يجب أن نتناول الآن أهمّيّة هذا الاعتقاد الأساسيّ فضلًا عن نتائجه ومُقتضياته بشكلٍ أكثر تفصيلًا.

2) انقلاب فلسفة ديكارت
يقتضي إحرازُ صورةٍ أوضح للنقد المبنيّ لاهوتيًّا الذي يُوجّهه بادر لديكارت حيازةً إستراتيجيّة وطرحًا واضح المعالم. يستحيلُ تقريبًا دراسة عناصر هذا النقد بشكلٍ شامل بسبب الطبيعة غير المنهجيّة لأعمال بادر، وعليه، فإنّني آثرتُ طرح نقاشٍ مفتوح وأكثر ترابطًا يُتيحُ لي الإشارة إلى العلاقات العميقة في المجموع المبهر لفكر بادر والذي -لولا ذلك- تمّ تناوله بشكلٍ مُجتزأ فقط. الفرضيّة الأساسيّة التي تُدافع عنها هذه المقالة هي أنّه: يُمكن توضيح الحدس الأساسيّ لبادر، أو “punto di partenza” (نقطة البداية) كما تُسمّيها ليديا بروشيسي[13]، على أنّه مزيجٌ مدروسٌ بدقّة من الأفكار المعارضة لديكارت.

أ) الشكّ كمنهج
من المعروف جيّدًا أنّ ديكارت وصل إلى اليقين التامّ الكامن في عبارة «أنا أكون، أنا موجود» (“ego sum, ego existo”) بعد الشكّ البنيويّ والكلّيّ فقط. تمسّك ديكارت لصالح العمليّة الاستدلاليّة باحتمال أن يُواجه البشر في سعيهم نحو المعرفة خداعًا منهجيًّا من قوّةٍ شرّيرة “malin genie”. ولكن حينما برز يقين الأنا البديهيّ بشكلٍ قاطعٍ، أصبح بالإمكان استنتاج نطاقٍ كامل من أفكارٍ مُحدّدة (وعلميّة) بشكلٍ منطقيٍ منه. وعليه، بقي الشكّ حسب ما يبدو الافتراض الضروريّ في أيّ منظومة.

رفضَ بادر هذا النوع من المنهجيّة بشكلٍ قاطع، وبدلًا من عمليّةٍ إبستمولوجيّة تبدأ بالشكّ، فقد سعى نحو اليقين التامّ المتسامي الذي يسبقُ أيّ جُهدٍ بشريّ يتمثّل بالفهم (أو حتى بالشكّ). وعليه، دافع بادر عن الإيمان غير المتزعزع الذي يملكُ أهمّيّةً وصِلَة إبستمولوجيّة غير قابلَين للإنكار. يضطرّ الإنسان «فيما يتعلّق بالتوجّه الممنوح داخليًّا والآسر لفكره، أن يتجاوز –ويسمح بتجاوز- القدرة على الشكّ “posse dubitare” في نفسه، لكي يتشكّل ويتوافق اليقين المباشر الممنوح بالإيمان –بصفته السابق “prius” واللاحق “posterius” على المعرفة الفرديّة- مع اليقين المتوسَّط الذي يتعاون معه»[14]. وعليه، من الوهم إعادة البدء بالتفكير من جديد انطلاقًا من “tabula rasa” (الصفحة البيضاء)؛ لأنّ البشر دائمًا يصلون إلى الرضى من خلال حقيقة سابقة مُطلقًا: الله. وعليه، فإنّ التفكير بالمعنى الحقيقيّ هو ببساطة الانفتاح على هذه الحقيقة السابقة مُطلقًا والعمل معها.

يعتقدُ بادر أنّه منذ زمن ديكارت، تمّ استبدال يقين الإيمان بالشكّ الكلّيّ -أي مُحاولة وضع كلّ شيء ضمن هلالَين- وكأنّ «هذه العزلة بالذات وتجريد عقل كلّ فردٍ وهجرانه من قِبل الله والإنسان والماضي والحاضر، هو الشرط والضمان الوحيد لحرّيّته وثراء نموّه»[15]. من الواضح أنّ بادر لم يكن يثق بالعمليّات العقليّة المحضة مثل التجريد والاختزال والشكّ المنهجيّ والمعارضة الرسميّة للـ»الفاعل» و»المفعول». تصدرُ جميعُ هذه النقاط ضمن مفهومٍ محدَّد راديكاليًّا حول المعرفة ناشئ عن سوء فهمٍ مُبسَّط للحالة البشريّة. وعليه، يُقدِّرُ بادر بشكلٍ كبير المفكّرين الذين تخلّوا عن «المذهب العلميّ (و) المنهج على وجه الخصوص»؛ لأنّهم أنقذوا أنفسهم من «إتعاب عقولهم بهذه الأمور»[16].

ب) المعرفة كفعل
يفهمُ ديكارت الفكر البشريّ على أنّه «شيء مُفكِّر» (“res cogitans”) مُستكشِف. يسعى الفكر دائمًا وباضطرابٍ ونشاطٍ نحو أفكارٍ عميقة جديدة، ولا يثقُ بشيءٍ لا يُمكن التحقُّق منه بنفسه. تقعُ جذور الفكر وفقًا للفلسفة الديكارتيّة في فاعلٍ يُشبه الجزيرة، يُقاومُ ويتحقّق من كلّ تأثيرٍ خارجيّ بدلًا من الاعتراف بأنّه ما هو عليه فقط بفضل وجود تعدُّديّة في العلاقات الداعمة. وفقًا لبادر، فإنّ هذه المنظومة المعقّدة من العلاقات هي خُماسيّة الأبعاد: الإنسان يرتبطُ دائمًا - بالوقت نفسه - مع الله، ونفسه، والأفراد الآخرين، والمخلوقات الذكيّة الأخرى، والطبيعة. وعليه، يتحدّثُ بادر عن ألعاب الخفّة الفلسفيّة: «إذا أراد الإنسان (بعد ديكارت) أن يبدأ التفكير من الأنا البدائيّة مُطلقًا أو من الأنا المنكرة للنفس، وبالتالي يُنكِر (الطابع) الثانويّ لهاتين القناعتَين؛ لأنّهما تظهران فقط كجزءٍ من قناعةٍ أعمق وبدائيّة وتأسيسيّة لشخصٍ آخر أو ذات رئيسة -أي الله- تكون الأنا بالنسبة إليه، أو الأنا المنكِرة للنفس هي الآخر، فعدم البدء بهذا هو إنكارٌ له»[17].

يحتجُّ بادر أنّه يوجد في العمليّة الإبستمولوجيّة نوعٌ من القبول الذي يسبقُ أيّ عمليّة فكريّة، هذا لا يعني إنكار قُدرة البشر على تحصيل المعرفة بفاعليّة[18]، ولكن يجبُ أن يتعرّف الإنسان على هذا القبول على مُستوىً أعمق؛ لأنّ المعرفة البشريّة ليست مُمكنة إذا لم تؤخذ كمجوعةٍ شاملة. «حينما يتمّ فحص ذلك بشكلٍ أدقّ، يتّضحُ أنّ هذا الإقرار، بأنّ الإنسان يُعرَف أو يتمُّ التفكير به من (حالةٍ) أعلى هو النقطة المطّاطيّة –أو النقطة النابضة “punctum saliens”- التي تنطلقُ منها كلّ معرفةٍ أخرى، وحيث تتأسّس»[19]. لا يعرفُ الفاعل البشريّ نفسَه أو أي شيءٍ آخر حقًّا «إذا لم يعرف نفسه (كما) يعرفه الله، وأن يكون معروفًا هو فعلًا قاعدة كلّ معرفة وافتراضها المسبَق»[20].
في النهاية، فإنّ هذا النوع من «المعرفة» الأعمق يملكُ جدارةً من الناحية الدينيّة[21]، ولكن وفقًا لبادر هذا لا يعني أنّ هذه «القناعة الخاصّة» ليس لها نتائج في الحقل الإبستمولوجيّ المحض. في الواقع، يرفضُ بادر جميعَ المحاولات الرامية إلى فصْل المعرفة عن الإيمان وبالعكس، ويُمكنُ أن نشير في هذا الصدد إلى دراسةٍ مثيرة للاهتمام والتحدّي أجراها فونك، حيث وصل -وعلى قاعدة التحليل المتسامي-الظواهريّ فقط، وبإلهامٍ من هوسرل- إلى الاستنتاج نفسه الذي توصّل إليه بادر، أي أنّ «التأكيد على «أنا أفكّر إذًا أنا موجود» مُرتكزٌ في المفكِّر»[22].

بديل بادر للفاعليّة الذاتيّة التي يطرحها ديكارت هو رؤية معرفيّة يؤخَذ فيها «الحبّ» وليس «العقل» كنموذج. هذا يُشيرُ إلى أنّ العمليّة الإبستمولوجيّة تنبثقُ ليس من الفاعل نحو المفعول فقط، بل أيضًا -وفي الوقت نفسه - من المفعول إلى الفاعل. وعليه، يكشف بادر عن «الخطأ الأساسيّ في هذا التأكيد (الذي تطرحه) الفلسفة الذاتيّة...التي ينبغي وفقها أن يُعرِّف كلُّ شيءٍ قابلٍ للمعرفة نفسه في عمليّة المعرفة بطريقةٍ غير مُبالية (خاملة) كلّيًّا»[23]. المفعول إذًا «يكمنُ» بمعنىً ما في الفاعل والعكس، ولكن من دون تحديد الاثنين. ينطبقُ الأمر نفسه على العاشِقَين، فإنّهما يتحوّلان فعلًا إلى جزءٍ من وجود الآخر ويُرجّح أن يكتشفا بأنّ توجُههما نحو الآخر لا يكمنُ في أصل علاقتهما.

الانقياد[24] والاعتراف والتقدير[25] هي المواقف الإبستمولوجيّة المناسِبة لهذه القاعدة المؤكَّدة كلّيًّا، والسابقة أساسًا، والداعمة. وفقًا لبادر، فإنّ المفهوم الأصدق للفاعل والذاتيّة لا يتّصلُ أبدًا بالكوجيتو الراضي عن نفسه، بل على العكس؛ إذ يجبُ ربط المضمون الأنطولوجيّ للمصطلح مع جذره الاشتقاقيّ، أي الفعل subicere باللغة اللاتينيّة (الذي يعني حرفيًّا «أن يُخضع» أو «أن يَخضع»)، بالتالي لا يُبدي بادر غير الاحتقار للـ»فلسفة الذاتيّة» الحديثة وشعاراتها: «لن أسمع، لن أخدم، لن أؤمن، لن أُصلّي، ولن أقبل».

3) الوعي بالذات
في تناغمٍ مع الفرضيّات الأساسيّة التي ذكرناها، طوّر بادر نظريةً حول الوعي الذاتيّ اعتبرها مناقضة كلّيًّا للفلسفة الديكارتيّة، «مُنذ أن ظهر ديكارت في الفلسفة مع (عبارة) أنا أُفكِّر إذًا أنا موجود... ساد الرأي بأنّ البشر -في تأكيدهم للذات أو إثباتهم للنفس داخليًّا- هم وحيدون كلّيًّا، وبما أنّهم موجودات حرّة فهم أحرارٌ ببساطة وسوف يبقون كذلك، وبالتالي فإنّ وظيفتهم الأولى هي أن يعرفوا بأنّهم موجودات من ذواتهم ولها، وعلى قاعدة هذه المعرفة -إن جاز التعبير- أن يحكموا على كلّ موجودٍ آخر، على سبيل المثال: الله»[26]. بتعبيرٍ آخر، لا ينبغي النظر إلى النفس البشريّة ككيانٍ معزول أو كحقلٍ مغلَق لا يُمكن الوصول إليه. عارض بادر فلسفيًّا جميع أشكال النزعة الذاتويّة ورفضها. العبارة اليونانيّة الشهيرة «اعرف نفسك!» ليست فاقدة للشرعيّة، فبالإضافة إلى كونها تأمّلًا بالنفس، فإنّها يجب أن تُنشئ أيضًا تأملًا حول الله والعالم.[27]

المفهوم الأهمّ في هذا السياق هو «قابليّة الاختراق» أو «قابليّة النفاذ»، سواء أوُصف الآخر بالنفس المطلقة أم بشيءٍ آخر، فإنّه موجودٌ في قلب كلّ وعيٍ بشريّ بالذات. من الواضح أنّ هذه الفكرة تفترضُ مُسبقًا نفسًا بشريّة مفتوحة و «قابلة للاختراق». وفقًا لبادر، توجدُ في النفس حالةٌ من انعدام الوجود “inexistenz” أو من الاختراق “Durchdringung” من قِبل حقيقةٍ خارجيّة أنطولوجيّة وغير ملموسة، أو «موجودٍ فعليٍّ أو روحيٍّ مُخترَق ومُتغلغَل من قِبل (موجود) آخر وفيه»[28]. من جهة النفس، لا يتجلّى هذا إلّا «من خلال هجرانٍ حرٍّ للنفس أو تخلٍّ حرٍّ عن النشاط الإبداعيّ للنفس المطلقة داخل النفس ومن قِبلها ومعها[29] –وهو بالطبع موقف دينيّ أساسًا من الخضوع والتفاني.

4) الأخلاق والحرّيّة
يعتقدُ بادر أنّ ما حقّقه ديكارت في الإبستمولوجيا والميتافيزيقا قابلٌ للمقارنة مع ما حقّقه كانط في الفلسفة الأخلاقيّة، أي التحوُّل الخبيث نفسه. بالتوازي مع الاعتراف بحقيقةٍ سابقة أنطولوجيًّا في الحقل الإبستمولوجيّ، يجب الاعتراف بقوّةٍ مُحدّدة تؤثِّر على الإرادة البشريّة في الحقل الأخلاقيّ. يستحيلُ هذا «من دون معرفة الوجود الداخليّ لإرادةٍ داخل إرادة، وموجودٍ يُدرَك ويُعرَف ويُفهَم من آخر ومن خلاله»، ويُضيفُ بادر بدقّة «رُغم أنّ هذا الموجود المدرَك والمفهوم نفسه ليس قابلًا للمعرفة»[30].

يجبُ أن نصف التحوُّل الآنف بشكلٍ أدقّ، فبدلًا من التابع المطيع، احتلّ الفرد المغرور الذي يدّعي الاستقلال الأخلاقيّ مركز الأضواء، ولكنّ مفهوم الاستقلال الذي يتناوله الفلاسفة المعاصرون -خصوصًا بعد كانط وكاستمرارٍ للفلسفة الديكارتيّة- هو خطأ[31]، ويُنشىء انطباعًا بأنّ البشر هم أسيادُ أقدارهم أو أنّ خيارات الإرادة الحرّة هي الإنجازات الأعلى للحرّيّة[32]. وعليه، فإنّ المبدأ الحديث المتمثِّل بالاستقلاليّة يُشرِّعُ التحكُّم غير المقيَّد بالطبيعة، ولكنّ بادر يعتبرُ أنّ المعاملة المادّيّة والصناعيّة المحضة مع الطبيعة لا تتوافقُ مع النظرة المسيحيّة للخلق.
يطرحُ بادر مبدأ السلطة في مقابل مفهوم الاستقلال الحديث[33]. بما أنّه لا يُمكن نسبة «الاستقلال» بمعناه الصحيح إلّا إلى الموجود المطلق -أي الله-، فمن الوهم أن يخال المرء بأنّ الناس هم مُبتكرو القانون الأخلاقيّ الذي يُطيعونه أو أنّهم مُشرِّعوه الأساسيّون، فيجب أن يُنصت البشر إلى السلطة التي تُشكِّلُ قاعدة العدل الذي يسعون نحوه، وبعبارة أدقّ، يجب أن يُدخلوا إلى ذواتهم القانون الأخلاقيّ الذي يسمعونه، والذي لا يُمكن أن يُصوَّر كعامل إكراه قمعيّ وخارجيّ وباعث على الاغتراب، بل كقوّة مُحرِّرة ورافعة ومُرضية[34]. وعليه، لن يكون من المفاجئ أن يؤدّي فهم بادر لهذا الحدس الأخلاقيّ الأساسي إلى أن يقوم بصياغة نقدٍ شديد للذهنيّة في زمانه، وليس فقط فيما يتعلّق بالدِّين. لقد حلّل بادر علامات زمانه فكشف عن اتجاهٍ نحو الفلسفة العدميّة في كامل نسيج الحياة الاجتماعيّة والفكريّة والاقتصاديّة والثقافيّة[35]. كان مُصرًّا على مُجابهة هذا التطوّر الخبيث الذي نسبه إلى ضياع الحسّ الدينيّ، واللاّمبالاة الأخلاقيّة، وتعاظم الأنانيّة، والخواء الروحيّ.

5) المادّة والطبيعة والجسم
يُمكن تلخيصُ وصفَ ديكارت الشهير للعالم الخارجيّ بأنّه “res extensa”، أيّ «ذي حجم». نظر ديكارت إلى الطبيعة كمنظومةٍ آليّةٍ مُبدِعة[36]، والتي يُمكن -بل ويجب- أن يكشف الفكر البشريّ عن مبادئها الفاعلة. وفقًا لبادر، شكّلت هذه الفكرة مصدرًا لحالاتٍ جادّة من سوء الفهم، ويُفترض أنّ كلّ هذه الحالات تُختزل في تحديد المادّة والطبيعة[37]. من ناحية، تسبّب هذا التحديد بنشوء ثنائيّة الطبيعة والروح، ومن ناحيةٍ أخرى تسبّب لاحقًا بالعكس تمامًا، أي امتزاج الطبيعة والروح معًا، وهو -وفقًا لبادر- ما حصل بالضبط في فلسفة شيلينغ المبكّرة حول الطبيعة، وفي التأمّل الرومانطيقيّ المتحمِّس بشكلٍ زائد، وفي منظومة هيغل الميتافيزيقيّة الناضجة. عارض بادر هذين الموقفين الفلسفيَّين وأصرَّ على عدم فصْل الطبيعة والروح ولا الخلط بينهما.

من الواضح أنّ فلسفة ديكارت ارتكبت الخطأ الأوّل، أي أنّها أرست المعارضة وحتّى الانفصال بين الطبيعة والروح. في مواجهة هذا التيار دافع بادرعن الطبيعة «القابلة للاختراق»[38] التي -كما تُعبِّرُ عنها بروشيسي- تُختَصَر في «رؤيةٍ تستطيع –من خلال وضع نفسها في مقابل الفيزياء الميكانيكيّة وإعادة اكتشاف قيمة الكيمياء القديمة- أن تفهم الأهمّيّة الأساسيّة لنظريّة «الاختراق» في فلسفة الطبيعة»[39]، والسبب وراء إقدام بادر على ذلك هو سبب لاهوتيٌ بطبيعته، فهو يرى -من دون الوقوع في فلسفة وحدة الوجود[40]- وجودَ علاقةٍ وثيقةٍ بين الله والطبيعة[41] لا تقتصرُ على الحياة البشريّة، ويقول: يجبُ أن تصيغ فلسفة الطبيعة بيانًا مُلائمًا حول كيفيّة تشابُك الطبيعة الذكيّة والطبيعة غير الذكيّة، ولا يُمكنُ الفصل بين الأشياء الإلهيّة والطبيعيّة؛ لأنّ الله لم يتوقّف قطّ عن إظهار نفسه للبشر عبر العمليّات الطبيعيّة[42].

هذه الرؤية «الإيجابيّة» للمادّة والطبيعة ترتبط بشكل وثيق برؤيةٌ إيجابيّة أخرى حول البُعد الجسديّ. لا يُحلِّل بادر الحياة الجسديّة كلعنةٍ طبعًا، بل كفرصة لتحسين الوجود البشريّ الذي اتّخذ شكلًا ملموسًا في هذا العالم. وفي أيّ حالٍ، لا يُمكن الفصل أبدًا بين «الجسد» و «العقل»[43]، والسبب وراء ذلك يتّصلُ بشكلٍ مُباشر في عمليّة التفكُّر اللاهوتيّ. «ما يفصلُ العقيدة الكاثوليكيّة عن جميع الرؤى الروحيّة هو الإصرار على العلاقة بين الروح والطبيعة، فلا يُمكن أن يتواجد البشر كمحض أرواحٍ أو كمحض أجسادٍ، بل يحيَون دائمًا وبشكلٍ غير مُنفصل بالصورتين»[44].

6) الله
رُغم أنّ بادر ينسبُ فلسفة ديكارت إلى الإلحاد، إلّا أنّ ديكارت نفسه -في استمرارٍ للعادات المعرفيّة للقرون الوُسطى- قدّم عدّة أدلّة على وجود الله[45]. الوظيفة الرئيسة لله في منظومة ديكارت هي ضمان الرابط بين الفكر والحقيقة لكي لا يكون العلم بالحالات الحقيقيّة لشؤون العالم وهميًّا. الله هو الجسر الذي يستطيعُ البشر عبوره بأمان حينما يُعبِّرون عن «أفكارهم الواضحة والمتميِّزة».

  لقد انتقد بادر هذا المسار الفكريّ بشكلٍ راديكاليّ للغاية إلى الحدّ الذي رفض أن يُشاركه نقطة انطلاقه. يعتبرُ بادر أنّه من الوقح وغير المسموح المبادرة لإثبات وجود الله استنادًا إلى النفس البشريّة، وبالتالي فإنّه يرفضُ «كلّ تلك الفلسفات التي تسعى لتعليم البشر أن لا يفهموا أنفسهم عبر الروح الإبداعيّة، بل عبر أنفسهم فقط، بل وأن يفهموا الروح الإبداعيّة من خلال «أنا أكون» (Ego Sum) أو إثباته مع ديكارت الذي يستدلُّ على وجود الله من خلال استنتاجٍ مُنبثقٍ عن الأنا»[46]. «في مقابل كلّ تلك النظريّات المعرفيّة التي تُنكرُ الله بشكلٍ أساسيّ، والتي تسمحُ للناس أن يكونوا مُلتفتين إلى أنفسهم ويتكاملوا قبل معرفة الله، فإنّنا نؤكِّدُ أنّ البشر يعرفون الله -ليس لأنّهم يُريدون ذلك أو حينما يودّون ذلك- بل يعرفون الله لأنّ الله يسمحُ ويأمرُ نفسه بالكشف عن ذاته وأن تُعلَن معرفته، وفي اللحظة التي يتمّ ذلك»[47]. تختزلُ المقاربة العقليّة الله كموضوعٍ في التدبُّر الفكريّ بدلًا من النظر إليه كموجودٍ داعمٍ ومُخلِّص. وفقًا لبادر، يوجد على مُستوىً أعمق حالة إلغاء لله في الأهواء البشريّة أو حتى في المحاولات الرامية إلى إثبات ذاته.

لا تقتصرُ نظريّة بادر حول الله على التأكيد على أبديّته وكماله وعدم إمكانيّة الإحاطة به علمًا، بينما تقتصرُ نظريّة ديكارت على ذلك بشكلٍ واضح. هذه المفاهيم ليست باطلة ولكنّها غير كافية تمامًا. يتحدّثُ بادر عن الله مُستخدمًا المصطلحات الفلسفيّة التقليديّة مثل ديكارت، ولكنّ الكلمة الفصْل ليست لهذه المصطلحات قطّ، بهذا الصدد، يُمكن اعتماد تعديل بادر لمفهومَي أحديّة الله وأبديّته كمثالَين، فلا ينبغي النظر إلى أحديّة الله كحقيقةٍ مُجرَّدة بمعنى الحاوي لجميع المخلوقات، بل كأحاديّةٍ أو فرديّة مُطلقة وحرّة يُمكنها أن تأخذ المبادرات. وعليه، ينظرُ بادر إلى الابتعاد عن الله[48] على أنّه مثال على التكبُّر المرفوض للبشر.

7) منطقُ الانفصال
تنبثقُ نقاط الاختلاف الستّ بين بادر وديكارت التي تناولناها آنفًا من اختلافٍ أكثر جوهريةً. يكمنُ نقد بادر الأساس الذي وجّهه إلى فلسفة ديكارت في أنّ هذه الفلسفة تُشكِّلُ نظريّةً ميتافيزيقيّة تعملُ وفقًا لما يُمكنُ أن نصفه بأنّه «منطق الانفصال»، بالفعل، وفي كلّ ميدانٍ من التفكير الفلسفيّ، طوّر ديكارت فروقات، ومتناقضات ذات قطْبين، وانقساماتٍ إلى شُعبتين، وثنائيّات وما إلى ذلك، منها: الله والمادة، المنطق والإيمان، العقل والجسد، الشيء المفكِّر “res cogitans” والشيء الممتدّ “res extensa”. إضافة إلى ذلك، واجه ديكارت صعوباتٍ جادّة في إعادة الربط بين هذه الحقائق بعد أن قام بفصلها عن بعضها. على أيّ حال، تنتمي أدلّة ديكارت على وجود الله وتخميناته حول الغدّة الصنوبريّة إلى الأبعاد الأقلّ إقناعًا من فكره.

طوّر بادر في مقابل «منطق الانفصال» نظريّة «الحقيقة الكاملة»[49] على أساس الوعي العميق والدائم للترابُط، وذلك من وجهة نظرٍ مسيحيّة مؤكَّدة. لا يُنكِر بادر التوتُّرات والاختلافات الحقيقيّة طبعًا [50]، ولكنّه يُصرّ على وجود ترابط على الدوام فوق الاختلافات. نكونُ مُنصفين بالفعل تجاه حدس بادر المحوريّ -الذي نُسمّيه اليوم «رؤية تأمُّليّة»- حينما نؤكِّد على إنكاره الكلّيّ لفلسفة ديكارت لصالح نظرةٍ كونيّة مسيحيّة مُحيطة ومُتكاملة وشموليّة.

من المثير للاهتمام أنّ هذه النظرة الكونيّة لا تسمحُ بوقوع انفصالٍ بين التفكُّر الفلسفيّ واللاهوتيّ، في هذا الصدد، يسعى بادر حتمًا للارتباط بتقاليد القرون الوسطى وبتوما الأكويني على وجه الخصوص. يقتنعُ بادر أنّ «ما هو غير لاهوتيّ في تلك الأفكار الفلسفيّة هو غير فلسفيّ في الوقت نفسه، تمامًا كما أنّ ما هو غير فلسفيّ في الأفكار اللاهوتيّة النقيضة يبدو على قدم المساواة غير لاهوتيّ، وبالتالي يُمكن ويجب أن يربط الفرد تواضع الإيمان مع سموّ البحث في ترويج العلوم الدينيّة وتطبيقها (أي العقائد التأمُّليّة)»[51]. تتّصلُ معرفةُ الله ومعرفة العالم ومعرفة البشر بشكلٍ غير قابل للانفصال، وهذا هو الحال أيضًا في المقاربات التأمُّليّة والتجريبيّة تجاه الحقيقة، وعليه، يُعارضُ بادر بشدّة الذهنيّة التي سادت في زمانه، وتتمسّكُ بعنادٍ بعدم إمكانيّة التوافق بين المعرفة والإيمان.

النتيجة
إحدى الأسئلة الختاميّة المهمّة هي: هل أنصفَ بادر ديكارت، وإن كان الجواب نعم، فإلى أيّ حدّ؟ يبدو أنّ بادر لم يقرأ أعمال ديكارت بأسلوب المحترف، ولكنّه فعل ذلك قطعًا بحقّ مؤلَّفات بوهمه وهيغل. أخذ بادر ديكارت كمثال -كنمطٍ أو نموذجٍ فكريّ- وهذا يُشرِّع حديثنا عن «ديكارت» و «الفلسفة الديكارتيّة» في الوقت نفسه. لم يقم بادر في رفضه العامّ أو في قيامه بقلب العناصر الديكارتيّة بتناول التشابهات الواضحة بين موقف ديكارت وموقفه. لاحظ فونك أنّ المفكِّرَين يعتقدان بأنّ «الذات التجريبيّة المحدودة ليست قادرة على أن تُحصِّل الطمأنينة من خلال إنجازاتها. ينبثقُ اتّحاد الأنا بالنسبة لديكارت وبادر أيضًا من (حقيقة) أنّه جُعِل ممكنًا... جُعِل مُمكنًا من إنجازاتٍ لا تعودُ إلى الذات التجريبيّة»[52]. يُثيرُ هذا الأمر السؤال الآتي: على ضوء هذه الملاحظة، هل يكون النقد المستلهَم لاهوتيًّا الذي يُوجّهه بادر لديكارت فاقدًا للمعنى ومَلغيًّا؟

جوابي على السؤال السابق هو: لا! يتّضحُ أنّ حدس بادر حول الفلسفة الديكارتيّة ونتائجها ودلالاتها لا يخلو من التقدير. لا يُمكن تبسيط المشكلة من خلال تحليل قراءة بادر القاسية لديكارت فحسب، أو من خلال تصوير حالات تحيُّزه المفترضة وبالتالي إدانتها، تُعيقُ هاتان الإستراتيجيّتان النقاش الشامل حول ما يقعُ على المحكّ هنا. برأيي، وكما أدرك بادر نفسه، فإنّ همّه كان مُختلفًا تمامًا عن همّ ديكارت، حاول الأخير العثور على قاعدةٍ صلبة للعلوم -«رياضيّات كلّيّة»- بينما كان هدف بادر أكثر شمولًا، أي دمج جميع (أنواع) المعرفة في نظريّةٍ تأمُّليّة واحدة وفيّة للدين المسيحيّ. فهم بادر ذلك بوضوح، ولكي يُحقِّق ذلك كان عليه أن يُغيِّر -أو على الأقل أن يتحدّى- مركز فلسفة ديكارت.

يجب أن نلتفت أيضًا إلى أنّ معاداة بادر للفلسفة الديكارتيّة لم تنشأ من العدم، فحتى في عصر التنوير، كانت الفلسفة الديكارتيّة موضعَ نزاعٍ شديد[53]، كان هذا هو الحال مع هارمان على سبيل المثال، وهو مُفكِّرٌ مهمٌ مهّد بمعنىً ما الطريق للرومانطيقيّين، وكان بادر مُطّلعًا على أعماله. فوق كلّ شيء، تتعارض إعادة التأهيل العامّة للحواس مع النزعة المنطقيّة لديكارت. يذهبُ كونديليس أبعد من ذلك ويدّعي أنّ «عصر التنوير ككلّ اتّسم برفض المعتقدات الديكارتيّة»[54]. أكمل الرومانطيقيّون –وخصوصًا «مدرسة توبنغن» الشهيرة- هذا الاتّجاه وقاموا بتفصيله بشكلٍ إضافيّ. صاغ كلٌ من دراي، موهلر، ستودنماير، وكُون احتجاجاتٍ ضدّ ديكارت والفلسفة الديكارتيّة تُشبه تلك الأدلّة التي قدّمها بادر. يذكرُ ستاينبوخل الآتي: «اختلفت روح توبنغن عن الروح الديكارتيّة... يتناقضُ شكّ ديكارت الموجود «منذ البداية» مع فهمهم للتقليد، وتتناقضُ نقطة بدايته الكامنة في وعي الذات مع فهمهم للجماعة التي يقفُ فيها الأنا، وتتناقضُ نزعته المنطقيّة التي تفرضُ الوعي الذاتيّ وكامل عبء المعرفة مع فهمهم للوضعيّة غير المختزَلة في المنطق، و(فهمهم) لسلطةٍ ممنوحة في التاريخ حينما يتمّ الإيمان بالروح المقدّسة، الحيّة والفاعلة للوحي واكتساب المعرفة بها. تتّفقُ مدرسة توبنغن في هذا النقد الموجّه لديكارت بشكلٍ أساس مع بادر»[55]. ولكن ربما بادر هو أكثر راديكاليّة وصرامة بقليل.

بادر ليس مُثيرًا للاهتمام من الناحية التاريخيّة فحسب، حيث تكمنُ أهمّيّة فكره أكثر في الاتّجاهات الجديدة التي تدلّ عليها عقائده التأمُّليّة فيما يتّصل باللاَّهوت المستقبليّ السليم. يُظهِرُ بادر أكثر من أيٍّ من مُعاصريه أنّ النظرة الكونيّة المسيحيّة الصحيحة والشاملة يجب أن تترك مجالًا ليس فقط للذكاء بل للإيمان والرغبة والإرادة أيضًا؛ ليس للتحليل فقط بل للتركيب أيضًا؛ ليس للبشريّة فقط، بل للطبيعة أيضًا؛ ليس للقانون الأخلاقيّ فقط، بل للتقوى والخضوع أيضًا؛ ليس للسعي نحو المعنى فقط، بل للروحانيّة أيضًا؛ ليس لهذا العالم الظاهر فقط، بل -فوق كلّ شيء- للإله الشخصيّ الموجود بشكلٍ غير مرئيٍّ فيه. ربما واجه بادر صعوباتٍ في الطرح المكتوب لأفكاره، ولكنّه كان ثابتًا بشكلٍ مُدهش في التفكير بها[56].
ماذا يُمكنُ في النهاية أن يتعلّمه علماء اللاَّهوت المعاصرون من النقد اللاَّهوتيّ الذي يُوجِّهه بادر لديكارت؟ أوّلًا، من المفيد معرفيًّا أن نُلاحظ كيف يغوصُ بادر في أصول الحداثة، فقد درس بشكلٍ نقديٍّ فرضيّاتها وكشف عن نقاط ضعفها التي تتضمّنُ توجُّهًا أحاديّ الجانب نحو النفس، وعدم الاكتراث بـ «الآخر» بالمعنى الواسع للكلمة وحتّى عدم تقبُّله في بعض الأحيان، ورفض مُلاحظة حالات تحيُّزها الخاصّة أو عدم القدرة على ذلك. ثانيًا، يُقدِّمُ بادر بدائل وحلولًا أيضًا، ومن المفاجئ أنّه عصريٌّ ويبني الجسور بين حقباتٍ تاريخيّة مُختلفة[57]. وعليه، يستطيعُ بادر أن يُظهر طريقًا للنجاة من مُعضلات الحداثة[58]، لأنّه من المرجَّح أنّ البحث عن فترة ما بعد الحداثة «الحقيقيّة» لا ينبغي أن يتمّ في العمليّات المتواصِلة المتمثِّلة بالتجزئة، وإضفاء الشخصانيّة، والتقسيم، والتحديد التقييديّ –، وهي في الواقع لا تصنعُ شيئًا غير إكمال «منطق انفصال» شبيه بالفلسفة الديكارتيّة. تتألّف فترة ما بعد الحداثة «الحقيقيّة» في دراسة الترابط بين كلّ شيءٍ بشكلٍ أعمق.

المصادر والمراجع
Falk Wagner, “Die spekulative Dogmatik im Umkreis Hegels und die spekulative Dogmatik Baaders”.
Franz von Baader. Vorlesungen über speculative Dogmatik. Vol.IX.
Georg W. F. Hegel. Enzyklopنdie der philosophischen Wissenschaften im Grundrisse.
Hans Grassl, “Baaders Lehre vom Quaternar im Vergleich mit der Polaritنt Schellings und der Dialektik Hegels”.
Panajotis Kondylis, Die Aufklنrung im Rahmen des neuzeitlichen Rationalismus.
Peter Koslowski: Die Philosophie, Theologie und Gnosis Franz von Baaders,
Theodor Steinbüchel, “Franz von Baaders Descartes-Kritik im Rahmen ihrer Zeit und in ihrer grundsنtzlichen Bedeutung”.
Baader, Biografie und Briefwechsel, Vol. XV.
Philosophien der Offenbarung: Antiker Gnostizismus, Franz von Baader, Schelling.

-------------------------------------
[1]*ـ  -جوريس غيلدهوف (Joris Geldhof)، أستاذ في كلّيّة اللاهوت في جامعة لوفان الكاثوليكيّة.
[2]- العنوان الأصلي للبحث: *
 “Cogitor Ergo Sum”: On the Meaning and Relevance of Baader’s Theological Critique of Descartes
ـ إصدار: مجلّة اللاهوت المعاصر، نيسان 2005
 Franz von Baader. Vorlesungen über speculative Dogmatik. Vol.IX, p.266.
- تعريب: هبة ناصر.
[3]- اشتُهرت الصيغة اللاتينيّة لهذه العبارة بشكلٍ أكبر “cogito, ergo sum”، ولكنّها كُتبت بشكلٍ أساسيّ باللغة الفرنسيّة.
[4]- Georg W. F. Hegel. Enzyklopنdie der philosophischen Wissenschaften im Grundrisse, pp.80–81/88–89.
بشكلٍ أدق، يبدو أنّ هيغل قدّر ديكارت بسبب تحديد الكينونة والتفكير، وهو المعنى الأعمق لـ»أنا أفكّر، إذًا أنا موجود»، «هذه الجملة التي –إن جاز التعبير- يتمحورُ حولها كامل اهتمام الفلسفة الحديثة» (ص.80).
[5]- «مهمّتي هي وضع حدٍ للنزعة الديكارتيّة في الفلسفة».
Baader, Biografie und Briefwechsel, Vol. XV, p.643.
[6]- Peter Koslowski (ed), Die Philosophie, Theologie und Gnosis Franz von Baaders, p.27.
[7]- نظرًا إلى افتقار فكر بادر للمنهجيّة حسب الظاهر، حاول بيتر كوسلوسكي جمع أعماله اللاَّحقة في القسم الثاني من بحثه الرائع تحت عنوان:Philosophien der Offenbarung: Antiker Gnostizismus, Franz von Baader, Schelling.
إنّني أدينُ بشكلٍ كبيرٍ لأبحاث كوسلوسكي في نقاشي حول فلسفة بادر.
[8]- ينبغي أن نُضيف بأنّ صداقة بادر وشيلينغ لم تدُم رُغم حصول مداولات فكريّة وشخصيّة مُثمرة بينهما وتأثيرهما على بعضهما. حصل توجُه شيلينغ نحو «فلسفته الوضعيّة» قطعًا بواسطة بادر، اطّلع شيلينغ من خلال بادر على تأمّلات جايكوب وبوهمه العرفانيّة. ولكن بعد صدور مقالة بادر الجدليّة عام 1824 تحت عنوان «ملاحظات حول بعض الفلاسفة المعادين للدين في زماننا»، قطع شيلينغ كلّ اتّصال به؛ لأنّه شعر بإهانة كبيرة منه. منذ تلك الحادثة فصاعدًا، واجه المؤلّفان بعضهما بالرفض والازدراء.
[9]- للاطّلاع على مزيدٍ من المعلومات الببليوغرافيّة حول ردود الفعل هذه وغيرها من ردود الفعل المعاصِرة تجاه بادر وفكره وتأثيره، راجع إصدار رامون بيتانزوس تحت عنوان «فلسفة الحبّ لدى فرانز فون بادر» (1998) وإصدار ديفيد بومغاردت تحت عنوان «فرانز فون بادر والرومانطيقيّة الفلسفيّة» (1927). مما لا شكّ فيه أنّ بحث بيتانزوس يُشكِّلُ المقدّمة الأفضل والأيسر حول فكر بادر في عالم الناطقين باللغة الإنكليزيّة. إضافة إلى ذلك، يحوي البحث العديد من الترجمات الدقيقة للغة بادر التعبيريّة الألمانيّة الصعبة.
[10]- للاطّلاع على فلسفة بادر الاجتماعيّة، راجع مدخل هانس غراسل حول فرانز فون بادر، «النظريّة الاجتماعيّة» (1957). كذلك، وثّق إرنست بينز مغامرات بادر السياسيّة بشكلٍ جيّد للغاية في كتاب «المهمّة الغربيّة للكنيسة الأرثودوكسيّة الشرقيّة؛ الكنيسة الروسيّة والمسيحيّة الغربيّة في عصر التحالف المقدّس» (1950)
[11]- Theodor Steinbüchel, “Franz von Baaders Descartes-Kritik im Rahmen ihrer Zeit und in ihrer grundsنtzlichen Bedeutung”, pp.24–42/p.25.
[12]- محاضرات في العقائد التأمّليّة (3)، المجلد الثامن، ص339.
يُخبرنا فونك أنّ عبارة «يُفكَّر فيّ، إذًا أنا موجود» تظهرُ لأوّل مرّة في عملٍ من تأليف بادر، وعليه يُمكنُ اعتباره مُفكّرًا أصليًّا في هذا المجال. راجع مقالة «الكينونة والوعي» (1960) من تأليف جيرارد فونك.
[13]- لا ينبغي أن نفهم العبارة بمعنى «نقطة البداية» فحسب، فهي تدلّ على أكثر من ذلك بكثير، أي على تلك الفكرة الأساسيّة والمحدِّدة كلّيًّا –ولكن التي يتمّ التعبير عنها بصعوبة- التي تتغلغل في جميع الاعتقادات الفلسفيّة واللاهوتيّة البارزة.
[14]- محاضرات في العقائد التأمّليّة (4)، المجلد التاسع، ص.105-106.
[15]- م.ن.(2)، المجلد الثامن، ص.202-203.
[16]- م.ن.(5)، المجلد التاسع، ص.160. المفكّرون الذين يذكرهم بادر في هذا السياق هم بوهمه وباراسيلسوس.
[17]- م.ن.(3)، المجلد الثامن، ص.339.
[18]- يتحدّثُ بادر في هذا السياق عن «لغزٍ من الفعل والشغف» يكمنُ في علاقة البشر كمخلوقاتٍ ذكيّة بخالقها، أو عن «التحامٍ لضوءٍ داخليّ وشمسٍ خارجيّة».
[19]- راجع «محاضرات في العقائد التأمّليّة» حيث يستذكرُ بادر الأهمّيّة المحوريّة التي تؤدّيها علاقة الإنسان بالله بحقّ جميع العلاقات الأخرى.
[20]- م.ن.(1)، المجلد الثامن ص.110.
[21]- م.ن.(3)، المجلد الثامن، ص.336.
[22]- فونك، ص.180.
[23]- راجع «محاضرات في العقائد التأمّليّة»: «سوف تُلاحظون بسهولة أنّنا نرى أنفسنا قد أُحضرنا مُجددًا إلى البصيرة نفسها... أي أنّ ما يُعرف بشكلٍ ملائم (يملك) المعرفة (أيضًا)، ويُمكن إظهار هذا اشتقاقيًّا من خلال كلمتي اليقين (Gewissheit) والوعي (Gewissen).»
[24]- راجع المصدر نفسه:»لا يكونُ أيّ تجلٍّ، وبالتالي أيّ فكر، مُمكنًا من دون الخضوع.»
[25]- هناك إشارة مُلفتة لسان مارتن في هذا الصدد (مذكورة في المصدر نفسه): «عدم التقدير وعدم الحبّ هو أكبر دليلٍ على الجهل».
[26]- م.ن.(4)، المجلد التاسع، ص.33.
[27]- م.ن.(1)، المجلد الثامن، ص.63.
[28]- م.ن.(4)، المجلد التاسع، ص.96.
[29]- م.ن.(2)، المجلد الثامن، ص.291.
[30]- م.ن.(5)، المجلد التاسع، ص.265. هذه الجملة الملحقة تؤكِّد معارضة بادر على إضفاء الشيئيّة والمنطق على الشؤون الدينيّة. على سبيل المثال، فإنّ الله «غير قابل للمعرفة» بأيّ نحوٍ من الأنحاء.
[31]- م.ن.(2)، المجلد الثامن، ص202.
[32]- أمّا فيما يتعلّق بـ»الحرّيّة»، يرفضُ بادر التحليل «السلبيّ» المحض لها الذي ينسبه إلى كانط. لا ينبغي خلط الإرادة التعسُّفيّة مع المفهوم الحقيقيّ للحرّيّة الذي يتّصل بتحقيق إرادة الله والخضوع لها.
[33]- Falk Wagner, “Die spekulative Dogmatik im Umkreis Hegels und die spekulative Dogmatik Baaders”.
وفقًا لفاغنر، يملكُ بادر احتجاجاتٍ جيّدة ليفعل ذلك، ولكنّه يُبالغ في تفضيل «السلطة» على «الاستقلاليّة».
[34]- محاضرات في العقائد التأمّليّة(1)، المجلّد الثامن، ص41.
[35]- في الواقع، ندينُ بمصطلح «العدميّة» بمعناه الفلسفيّ لأعمال بادر وليس لنيتشه. راجع ص.73 من كتاب بيتانزوس «فلسفة الحبّ لدى فرانز فون بادر» حيث يعتمدُ المؤلِّف على مقالٍ من تأليف إرنست بينز تحت عنوان «فرانز فون بادر والعدميّة الغربيّة».
[36]- «مُجرّد آلة» وفقًا لتعبير بادر.
[37]- راجع محاضرات في العقائد التأمّليّة، حيث يعتبرُ بادر أنّ «مزيج مفهومَي الطبيعة والمادة» هو «مشكلة رئيسة لفلسفة الطبيعة». للاطلاع على بعض المعلومات الخلفيّة، راجع الصفحة 50 وما بعدها من كتاب بروشيسي. على خلاف بروشيسي، فإنّنا نبسطُ نظريّة بادر حول الاختراق لتمتدّ إلى حقل الوعي البشريّ بالذات.
[38]- يذكرُ بادر بشكلٍ صريح أنّ ديكارت هو مسؤول عن نظريّة «عدم إمكانيّة اختراق» الطبيعة.
[39]- Procesi, p 53.
[40]- يرفضُ بادر مفهوم وحدة الوجود بشكلٍ صريح؛ لأنّه يتعارض مع الرؤية المسيحيّة حول تسامي الله وحرّيّته. تشهدُ ملاحظاته المتكرّرة حول فلسفة سبينوزا وبعض أقرانه الرومانطيقيّين في أنحاء النصّ على هذا الاعتقاد.
[41]- رسائل بولس هي مصدر إلهام كبير في هذا الصدد، حتى أنّ بادر يذكرُ «فلسفة طبيعة» بولسيّة لم يتمّ لغاية الآن إدخال أهمّيّتها في عقل مُعاصريه. إضافة إلى ذلك، وفيما يتعلّق بمبدأ «يُفكَّر فيّ» الأساس، يُمكن أن يستحضر الإنسان أيضًا إلهامًا بُولُسيًّا واضحًا إلى حدٍّ كبير: «إذا ظنّ الإنسان أنّه يعرف أيّ شيء، فإنّه لا يعرف كما يجب أن يعرف؛ ولكن إذا أحبّ الإنسان الله فإنّ (الله) يعرفه».
[42]- ينشطُ هنا التأثير الكامل للمتصوّف الألمانيّ جايكوب بوهمه وتأمّلاته حول الطبيعة، ولكن خطّة هذا البحث لا تسمحُ بمتابعة الموضوع بشكل إضافي.
[43]-  يؤكِّد بادر على القول اللاتينيّ «لا شيء في الروح لم يكن (سابقًا) في المادّة (أو مرّ عبر المادّة)».
[44]- محاضرات في العقائد التأمّليّة (1)، المجلّد الثامن، ص58.
[45]- يوجد بحثٌ ممتاز حول هذا الموضوع تحت عنوان «مفهوم الله والأدلّة على وجوده» من تأليف Jean-Marie Beyssade في كتاب «دليل كامبريدج حول ديكارت».
[46]- محاضرات في العقائد التأمّليّة: «كيف يُمكنهم (العقلانيّون) أن يُحصِّلوا معرفة حول الفكر المعادي لله، أو الفاقد لله، أو الخالي من الله، أو حتى (الفكر) الذي يتمّ بمساعدة الله حينما يكون وجود الله أو عدمه (مُستندًا) إلى أن يُقرّر فكرهم بذلك، ويضعون المعرفة بذاتهم قبل أن يُعرَفوا لأنّ (جملة) Deus est «الله موجود» الخاصّة بهم هي نتيجة فقط لـ «أنا أكون» (Ego sum).
[47]- محاضرات في العقائد التأمّليّة (4)، المجلّد التاسع، ص112.
[48]- وفقًا لبادر، أن يكون الإنسان «من دون» الله  ليس إلّا شكلًا خفيًّا عن كون الإنسان «معاديًا» لله. فضلًا على ذلك، يعتقد بادر أنّ وجود الله يقينيّ حتمًا، أي ليس فقط من وجهة نظر دينيّة: «لا يُعتقَد (فقط) بوجود الله، بل يُعرَف ذلك (أيضًا)». يدّعي بادر هنا أنّه يتوافق مع موقف توما الأكويني، ولكنّ صحّة رأيه هي موضع للشكّ.
[49]- يعودُ هذا المصطلح إلى كوسلوسكي.
[50]- عارض بادر أيضًا نظريّاتٍ مُوحِّدة واضحة مثل فلسفة شيلينغ حول الهويّة، وحدة الوجود، فلسفة سبينوزا، وعدّة اتجاهات عرفانيّة.
[51]- محاضرات في العقائد التأمّليّة (4)، المجلّد التاسع، ص8.
[52]- Funke, p.175–176.
[53]- Panajotis Kondylis, Die Aufklنrung im Rahmen des neuzeitlichen Rationalismus, pp. 170–209.
[54]- Ibid., p.172.
[55]- Theodor Steinbüchel, “Franz von Baaders Descartes-Kritik im Rahmen ihrer Zeit und in ihrer grundsنtzlichen Bedeutung”, p.122.
[56]- راجع كتاب بيتانزوس، ص105: «من الملفت للنظر أنّ الحجم الكبير والمجتزأ للمؤلّفات التي أنتجها بادر على مدى أكثر من خمسة عقود يُظهر هذا القدر من الاتساق والترابط الداخليّ التام. لا يوجد قسم رئيسيّ من مؤلفات بادر غير مُرتبط بشكلٍ تكامليّ مع كلّ قسمٍ رئيسيّ آخر. بالفعل، فإنّ فكر بادر خالٍ على نحوٍ استثنائيّ من التناقض الذاتيّ».ّ
[57]- Hans Grassl, “Baaders Lehre vom Quaternar im Vergleich mit der Polaritنt Schellings und der Dialektik Hegels”, p.44.
[58]- Peter Koslowski: Die Philosophie, Theologie und Gnosis Franz von Baaders, p.27.