البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الحداثة المُضَلِّلة عرض نقديّ لرؤية عبد العزيز حمّودة للحضارة الغربيّة المعاصرة

الباحث :  بهاء درويش
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  25
السنة :  خريف 2021م / 1443هـ
تاريخ إضافة البحث :  February / 1 / 2022
عدد زيارات البحث :  366
تحميل  ( 406.327 KB )
 يدخل هذا البحث في سياق استراتيجيّة معرفيّة سعت «الاستغراب« إلى تظهيرها من خلال الإضاءة على أعمال عدد من المفكّرين العرب والمسلمين التي تركَّزت على نقد الغرب في مبانيه الفلسفيّة والمعرفيّة. والبحث الذي نقدّمه هنا يتناول المنظومة الفكريّة النقديّة للمفكّر المصريّ البروفسور عبد العزيز حمّودة في ثلاثيّته المشهورة «المرايا المقعّرة» و«المرايا المحدّبة» و«الخروج من التيه». وهي الثلاثيّة التي قاربت بالنقد والتحليل التاريخيّ الحداثة الغربيّة والمعاصرة وبنيتها التأسيسيّة التي قامت عليها.

«المحرِّر»
----------------------------
 في محاولة لحلّ الإشكال الذي شَغل معظم مفكريّ العالم العربيّ الإسلاميّ في القرن العشرين والذي يتحور حول السؤال الآتي: كيف يمكن لنا أن نتقدّم؟ أو لماذا تخلّفنا وتقدّم غيرُنا؟.. سعى المفكّر المصريّ الراحل عبد العزيز حمّودة للردّ على هذه المعضلة الفكريّة في كتبه الثلاثة الأشهر وهي «المرايا المقعّرة»، «المرايا المحدّبة»، و«الخروج من التيه». كان يرى أنّنا عندما نظرنا لأنفسنا بالمرايا المقعّرة رأينا أنفسنا وتراثنا أصغر وأكثر ضآلة من حقيقته، وعندما نظرنا لأنفسنا وللغرب بالمرايا المحدّبة تعاظمت الأنا لدينا وتعاظم انبهارنا بالغرب، ورحنا ننبهر بأنفسنا أن سرنا وراء الغرب، ولم ننتبه أنّ الحداثة الغربيّة كان لها شروط لم تتحقّق لنا ولا تتوفر لنا، كما أنّها هي ذاتها تحوي تناقضات كثيرة، وبالتالي يعدّ أخذنا وتبنّينا لها خطًا كبيرًا وتبنّيًا أعمى.

سوف نعرض في ورقتنا هذه للرحلة الفكريّة التي عاشها حمّودة تحليلًا للحداثة الغربيّة والحداثة العربيّة وموقفنا من كلٍّ منها، لننتهي بالإجابة على هذا السؤال: بأيّ مرايا يجب أن نرى أنفسنا ونرى الغرب، والجواب أننا ينبغي أن ننظر إليها بالمرايا العادية؛ إذ إنّ رؤيتنا لأنفسنا وللغرب رؤية صحيحة تمثّل الأداة التي تجعلنا نقوّم بالتحديد ما الذي نحتاجه من الغرب وما هو سبيلنا إلى التقدّم.

مثلما أرّق السؤال «لماذا تخلّفنا وتقدّم الغرب« جمعًا وازنًا من المفكّرين العرب والمسلمين على امتداد القرن العشرين، فقد فعل هذا السؤال فعله في أعمال عبد العزيز حمّودة (1937 – 2006)، وهو أستاذ الأدب الإنجليزيّ بجامعة القاهرة. فالاعتقاد أنّ الغرب تقدّم كان محلّ شكّ لدى حمّودة، فراح يحلّل الحداثة الغربيّة ليتأكّد من مقولة أنّها محور تقدّم الغرب، وانتهى حمّودة إلى أنّها تحمل الكثير من التناقضات، كما أنّها لا تناسبنا كشرقيّين، ثمّ رفض الحداثة العربيّة ودعا للانتباه إلى ما لدينا من تراث.

رفض الحداثة الغربيّة
كنت ولا زلت مقتنعًا أنّ الفلسفة تطبيقيّةٌ بالضرورة، بمعنى أنّ الاعتقاد بأنّها ترف فكريّ وتنظير مجرّد ينتهي عند حدود إشباع رغبة الانسان في المعرفة وريّ ظمئه إنّما هو اعتقاد خاطئن فالفكر الفلسفيّ يصدر عن حاجة إنسانيّة مجتمعيّة يعقبه تنظير يزعم به الفلاسفة حلّ هذه الحاجة بتنظير يؤثّر نتاجه بالضرورة في سلوكات مَن يعتقد ويقتنع به، أو ليسلكوا وفقًا له أو وفقًا لتنظير مختلف. هذا التأثير في سلوكات المقتنع بتنظيرٍ ما هو ما يجعل من الفلسفة فلسفة تطبيقيّة. فهي ما غيّر القناعات وتغيّر السلوك بتبعها. وهذا هو ما نعنيه عندما نقول إنّ الفلسفة تضع أسس سائر المعارف الأخرى.

يبدو أنّ عبد العزيز حمّودة من أولئك الذين هم على وعي بهذه المقولة، إذ يخطئ من يعتقد أنّ نظريّة عبد العزيز حمّودة مجرَّد نظريّة في النقد الأدبيّ، أو بالأحرى أنّها تعالج موضوع النقد الأدبيّ بشكل منفصل ومستقلّ تمامًا عن غيره من المباحث الأخرى؛ إذ راح يبحث عن الجذور الفلسفيّة والاجتماعيّة والسياسيّة التي جعلت من نقّاد الأدب صنّاعًا لما يقولون، كما حاول بيان المبرّرات الفلسفيّة التي جعلتهم يتبنّون ما تبنّوا. ربما تعدّ هذه أهمّ ميزة تميّز بها مشروع عبد العزيز حمّودة.

رؤية عبد العزيز حمّودة للحداثة الغربيّة
يمكن عدُّ اكتشاف المدرسيّين المتأخّرين في أوروبا بأنّ العقل البشريّ بذاته يمكن أن يدافع عن قليل من معتقدات الكنيسة بداية رحلة الغرب نحو الحداثة؛ إذ وجدوا في العقل أداة قويّة للبحث عن الحقيقة في ميادين أخرى. فلقد عززت العقلانيّة العلميّة بدءًا من نيقولاس كوبرنيقوس (1473 – 1543) النزعةَ العقليّةَ التي جعلت من مناهج العلم الطبيعيّ مفتاحًا لفهم الواقع والوجود، ثم تبدأ بعد ذلك بما عرف في تاريخ الفلسفة بفترة العلم الطبيعيّ، تلك التي تمثَّل إنجازها الأوّل في صياغة مناهج جديدة للبحث الفلسفيّ على يد كلٍّ من بيكون وديكارت. أمّا الصورة الثانية من الإنجاز فتتمثّل في تشييد الفلاسفة مذاهبِ كان لها تأثيرها حتى الآن. في حين كان بيكون وهوبز تجريبيّيَن empiricists لأنّهما كانا إنجليزيّيَن، كان الفلاسفة الآخرون الذين ذكرناهم عقلييّن rationalists؛ لأنّهم كانوا من قاطني القارّة الأوروبّيّة الذين تأثّروا بالتقدّم الذي شهدته الرياضيّات والفيزياء في عصرهم، بل وساهموا فيه بأنفسهم.

تشكّل هذه الاكتشافات العلميّة التي أدّت إلى تغيير صورة العالم الطبيعيّ من نموذج مغلق لعالم الأرض مركزه إلى نموذج ثوريّ لعالمٍ شمسيّ المركز، وهذه المناهج الجديدة للبحث الفلسفيّ والمذاهب الفلسفيّة- التي تمكّنت الفلسفة بها من التخلّص من تبعيّتها للَّاهوت والتفسيرات الدينّية لتصبح قوّة مستقلّة تستطيع أن تتحدّى الماضي وتبني ما هو جديد اعتمادًا على مبادئها الخاصّة- نواة ما عُرف في أوروبا بالتنوير[2].

رأى حمّودة أنّه حتى منتصف القرن السابع عشر، اشترك في الغرب مفاهيم الله والإنسان والطبيعة واللغة كلّ في الآخر في وحدة ثقافيّة واضحة. فحتى ذلك الوقت كان ثمّة وحدة ثقافيّة واضحة بين هذه الأضلاع الأربعة: الإنسان والله والطبيعة واللغة، ثمّ منذ منتصف القرن السابع عشر توالدت المذاهب الفلسفيّة من واقعيّة أو تجريبيّة إلى مثاليّة أو جوديةّ. وهي مذاهب أحدثت تغييرات في العلاقة بين الأضلاع الأربعة بدرجات متفاوتة، إلى أن حدث انفصام أو انشطار في الوحدة الثقافيّة لهذه الأضلاع الأربعة. أمّا التّفتّت المعرفيّ، فقد حدث في منتصف القرن التاسع عشر مع ذروة الثورة الصناعيّةح وفي القرن العشرين تحدّث الوجوديّون عن الإنسان المعزول، ليس عن الأشياء فقط، بل وعن بقيّة البشر، ليحيا في حالة وجود عبثيّ. ومما زاد من انفصام إنسان القرن العشرين هو التعارض الحادّ بين التوقّعات التي ولَّدتها الثورة الصناعيّة - وهي توقّعات أعادت إنسان القرن التاسع عشر إلى موقع السيطرة والتحكم - وبين فشل العلم الإمبيريقيّ في تحقيق السيطرة الكاملة التي كان الإنسان يحلم بها. ما جرى تأكيده في نهاية المطاف أنّ العلم بمذاهبه التجريبيّة قد فشل في تفسير الوجود أو التحكّم فيه[3]. على هذا النحو وقعت الحداثة كما يرى حمّودة في معضلة انتهت بهم بالضياع وبالاعتراف بأنّ العلم وحده الذي عوّلوا عليه لم يحقّق لهم السعادة والرفاهية التي انتظروها، وانتهوا بالاعتراف بفشلهم في تفسير الوجود أو التحكّم فيه اعتمادًا على العقل وحده؛ ذلك أنّ الإنسان الغربيّ في العصر الحديث بات يحيا أزمة قوامها فقدان القدرة على التحكّم في عالمه. كما يعيش انفصامًا أو انشطارًا على حدّ تعبير النقّاد الغربيّين، أو شرذمة على حدّ تعبير المفكّر العربيّ المعاصر لحمّودة.

حين يقوّم حمّودة الحداثة الغربيّة، فإنّه يركز على كلٍّ من البنيويّة والتفكيكيّة كأحدث نظريّتين يراهما تمثّلان مرحلتي الحداثة ومابعد الحداثة. ليبين كيف أنّ البنيويّة- ممثّلة مرحلة الحداثة- بدأت غريبة وانتهت غريبة في بيئتها، فما بالك في البيئة العربيّة، وهكذا يبرهن على عدم صلاحها لا هنا ولا هناك. ويرى أنّ كلّ فكر سواء أكان اقتصاديًّا أو سياسيًّا أو علمًا تجريبيًّا يجد أساسه في الفكر الفلسفيّ ويقدّم تطبيقات يؤكّد به على هذه المقولة. وعليه سوف نركّز على رأيه في الحداثة الغربيّةن بينما نؤجل حديثه عن الحداثة العربيّة.

ثمّة تفسير آخر يضعه حمّودة ليبرهن من خلاله فشل الحداثة الغربيّة، وهو في هذا يشير إلى نقد عدد من المفكّرين الغربيّين للغرب، ويرى حمّودة أنّنا إذا عدنا إلى بدايات الحداثة، فسنجد تجريبيّة القرن السابع عشر قد أقامت اليقين، أي إمكانيّة تحقيق المعرفة اليقينيّة عن طريق الاعتماد على الحواس والثقة في المعرفة التي يمكن التأكّد من صحّتها باتّباع المنهج العلميّ، ثم حدث أن شكّكَت الفلسفة الألمانيّة لكانط في قدرة الخارج وحده على تحقيق تلك المعرفة. فأصبحت التجريبيّة بمنهجها العلميّ موضع شكّ، قابله يقين في قدرة العقل بمقولاته الميتافيزيقيّة العليا على ذلك. ثمّ بدأت دورة جديدة مع عصر العلم والتكنولوجيا نقلت الثقل مرّة أخرى إلى التجريبيّة والمنهج العلميّ. في ظل هذه الدورة الجديدة للثنائيّة، ظهرت البنيويّة وازدهرت لفترة في أحضان العلم والتجريب. لكن منتصف القرن جاء بحركة جديدة لتدور الثنائيّة في الاتجاه المعاكس. فقد أدى الدمار الذي لحق بأوروبا في الحرب العالميّة الثانية - التي انتهت باستخدام الولايات المتّحدة الأميركيّة لقنبلتين ذريّتين ألحقتا دمارًا شاملًا في هيروشيما وناجازاكي - إلى إحساس بالرعب من نتائج التطبيقات التكنولوجيّة للاكتشافات العلميّة. لقد تأكّد العالم أنّ العلم فشل في تحقيق السعادة والأمان والمعرفة اليقينيّة. هذا بالإضافة إلى فشل المشروع البنيويّ في إنتاج المعنى أو تحقيق المعرفة باتّباع المنهج العلميّ. وعلى هذا النحو عاد عصر الشكّ عنيفًا معربدًا حيال قدرة العلم على تحقيق المعرفة. كان رد الفعل النقديّ في ما بعد البنيويّة هو العودة الكاملة إلى الذات والارتماء في أحضانها، ولكنّ هذه العودة لم تكن تعني العودة للثقة في قدرة الذات على المعرفة، ولكنّه كان شكًّا في كلّ شيء. لقد ارتبط الإحساس بالخديعة الذي تمخّض عن تجربة الإنسان مع العلم والتكنولوجيا بإحساس جديد باستحالة المعرفة[4]. وحين خيَّم الشك الفلسفيّ المتجدّد على العالم كان مجرّد شكّ فوضويّ عبر العدميّة النيتشويّة وهو شكّ نيتشويّ وفوضويّ. 

بعد البنيويّة ظهرت التفكيكيّة. وسوف يلاحظ القارئ المدقّق لظهور التفكيكيّة أنّها نشأت في فرنسا. يفسر عبد العزيز حمّودة هذه النشأة بأنّها أمر لا يثير الدهشة أو الغرابة؛ لأنّ المدرسة الفكريّة الفرنسيّة تميل إلى المحافظة والجمود، وبالتالي كانت أحاديّة التفكير، وهو ما يتّصف به الفكر الفرنسيّ الذي ولَّد تربة مثاليّة لظهور التفكيكيّة. فالمذهب التفكيكيّ الذي يعتمد في تجلّياته الميلودراميّة على تفسير سطحيّ وتقليديّ للحدث الاجتماعيّ ثمّ تفكيكه، لم يكن ليجد ثقافة توفّر له هذه البداية أفضل من التركيبة الفرنسيّة. فالناقد التفكيكيّ يجد ضالّته في الفكر البورجوازيّ المتحجِّر، وقد كانت ضالّة مثاليّة وسهلة، ليمارس عليها جميع حيل التفكيك ومبالغاته. فالناقد التفكيكيّ- على ما يقول عبد العزيز حمّودة- لا يزيح موضوع تفكيكه بنظريّة أو وجهة نظر جديدة تحلّ محلّه، ولكنّه يبقيه حيًّا دائمًا، موضوعًا للجدل، ويتلذّذ بتفكيكه وكشفه بصورة مستمرّة. فالتفكيك على نقيض المدارس النقديّة المعروفة، لا يقوم بالتمرّد على المدارس السابقة، أو مدرسة سابقة يختلف معها ويناقضها ويقدّم بديلًا جديدًا يحلّ محلّها، ولكنّه يختار لنفسه تفسيرًا مبدئيًّا أو وجهة نظر تتمتّع ببعض الثقل والثقة والسطحيّة في آن واحد، ثمّ يبقيها حيّة طول الوقت، يفكّكها في حضور كلّ رأي جديد، وكأنّها خلفيّة دائمة تستحقّ سخريته الدائمة. ولكن ما حدث أنّ التفكيكيّة وجدت أرضًا أكثر خصوبة في التركيبة الأميركيّة الخاصّة، فهاجرت إليها مع جاك دريدا واستقرّت فيها وتجذّرت فيها بصورة سريعة، وأصبحت ترتبط بالمزاج الأميركيّ أكثر من ارتباطها بالمزاج الفرنسيّ.[5]

ضمور البنيويّة وسقوطها
قد يتساءل القارئ أنّه لماذا لم تظهر البنيويّة في الولايات المتّحدة بينما ظهرت التفكيكيّة فيها؟ ونجيب على ذلك بأنّ البنيويّة الأوروبيّة قد ارتبطت في مراحل تطوّرها المختلفة إلى حدّ كبير بالماركسيّة والتحليل النفسيّ. كان هذا هو سبب فتور الاستقبال الذي لقيته البنيويّة في أميركا في الخمسينيّات؛ فالمزاج الأميركيّ الذي يقدّس الذات والفرديّة لم يسمح للبنيويّة في نسختها الماركسيّة أن تمدّ جذورها في التربة الأميركيّة.

وفي ظلّ الوعي المتزايد في كلٍّ من أوروبا الغربيّة والولايات المتحدة الأميركيّة باستحالة تطبيق النموذج الماركسيّ، كان على النظرية أن تجدّد أو تغيّر نفسها لتتكيّف مع روح العصر الجديد: الشكّ الشامل، رفض الأنظمة العليا، التمرّد على السلطة، فشل البنيويّة بنموذجها اللغويّ في تحليل النصوص وتحقيق المعنى، سقوط مشروع علميّة النقد. فكانت استراتيجيّة التفكيك هي التجسيد الجديد لروح العصر[6]؛ لهذا كان المزاج الأميركيّ أكثر استعدادًا لاستقبال التفكيك.

تنطلق استراتيجية التفكيك إذًا من موقف فلسفيّ مبدئيّ قائم على الشكّ، وقد ترجم التفكيكيّون هذا الشكّ في رفض التقاليد ورفض القراءات المعتمَدة، ورفض النظام والسلطة من ناحية المبدأ. الذي حدث أنّه بعد فشل البنيويّين في تحقيق المعرفة باتّباع المنهج العلميّ، ارتمى نقّاد ما بعد البنيويّة في أحضان الذات، ولكن ليس الذات الكانطيّة، بل الذات التفكيكيّة التي تقف على أرضيّة الشكّ المطلق والشامل في كلّ شيء، فالبديل الذي تقدّمه استراتيجيّة التفكيك ليس إعالة الذات إلى محور الوجود، بل حرّيّة كلّ قارئ في تقديم نصّه هو، في إعادة كتابة النصّ أو تفسيره- بالطريقة التي يراها، فكلّ قراءة هي إساءة قراءة، وكل قراءة إنّما هي تفكيك للقراءات السابقة وتدمير للقراءات التقليديّة السابقة إلى أن نصل إلى أصل الأشياء، وهذا يعني أنّه لا قراءة موثوقة أو نهائيّة أو معتمدة؛ إذ إنّ ذات المتلقّي هي ذات المتلقّي التي تطلق يدها في النصّ لتسيطر عليه وتفسّره كما تشاء[7]. وهنا يعلِّق عبد العزيز حمّودة على هذه الوضعية المهزوزة لحركة الحداثة كما استظهرها في نقده العنيف للتفكيك والبنيوية بالقول: «لقد انفرط عقد الكون، عقد المعرفة والوجود والكينونة. لقد حجبت المعارف المتراكمة والقوانين والأنظمة والأنساق الكينونة في إنشائها الأوّل، ولم تعد لدينا وسيلة لتحقيق معرفة بهذه الكينونة إلّا من خلال اللغة، بل لم يعد للكينونة من وجود إلّا في اللغة، ولكن حتى هذا لا يضمن لنا معرفة بالكينونة أو أصل الأشياء، فاللغة خدّاعة. وفي عصر يخيّم فيه الشكّ تفقد المراكز المرجعيّة كالعقل والانسان والوجود والله قيمتها، فتكون النتيجة: دلالة لانهائيّة، ومعنى مراوغ، وحضور في غياب وغياب في حضور، وتشرذم وانتشار. على هذا النحو أضحت المشكلة ليست في اللغة وقصورها عن تحقيق الدلالة، بل المشكلة أنطولوجيّة ومعرفيّة بالدرجة الأولى. فواقع اللغة نتيجة لواقع المعرفة في عصر الشكّ. هنا تكمن عدميّة التفكيك وتهديده بفوضى التفسير»[8].

التفكيك- إذًا- استراتيجية وليس مذهبًا، وهذا المصطلح هو ما أطلقه دريدا نفسه- في بداية كتابه «علم الكتابة On grammatology» - على مشروعه. ودريدا- على حد وصف ايرين هارفيIrene Harvey – يشرح ممارسته للتفكيك عن طريق الأمثلة أو الحالات وليس عن طريق نظريّة عامّة أو بحث حول الموضوع. فالتفكيك كما يقول هو نفسه « ليس نظريّة أو منهجًا» وليس مذهبًا هرمينوطيقيًّا، بل يمكن تسميته «استراتيجيّة للنصّ»، أو ممارسة وليس نظريّة. فالبريق الذي يظهر وهو ينسف القديم- كلّ قديم- هو نقطة قوّته ونقطة ضعفه على حدّ سواء. فالتفكيك ثور هائج، أطلقه عصر الشكّ الشامل من مربطه، يحطّم كلّ شيء، فلا شيء معتَمد، ولا شيء موثوق ولا شيء مقدّس. ثمّ يتوقّف التفكيك عند هذه المرحلة، فالتفكيكيّون لا يقدّمون بديلًا نقديًّا، وإذا حاولوا، لم يكن المقدَّم سوى مشرذم غير متكامل وليس جديدًا[9]. 

نقد الحداثة المستعارة
في التمهيد الذي وضعه عبد العزيز حمّودة لأوّل كتب مجموعته الثلاثيّة (المرايا المحدّبة)، يتساءل: هل نحن كعرب نحتاج للحداثة؟ يجيب بالإيجاب أنّنا بالطبع نحتاجها، ولكن ما نحتاجه ليست الحداثة التي ترفض كلّ مقدّس وكلّ ثابت وتتبنّى الشكّ الشامل ولانهائيّة الدلالة، ولكنّها الحداثة التي «تهزّ الجمود وتدمّر التخلّف وتحقّق الاستنارة»[10]، حداثة عربيّة وليست «نسخة شائهة من الحداثة الغربيّة»[11] .

هل ما قدّمه العرب- وفقًا لحمّودة- حداثة عربيّة؟
وفقًا لحمّودة، فقد عجز البنيويّون العرب- أو الحداثيّون العرب كما يسمّيهم- عن تقديم بنيويّة عربّية. يقدّم عبد العزيز حمّودة عدم فهمه لكمال أبو ديب كمثال على ذلك، فهو في البداية كان سعيدًا بأن يقود كمال أبو ديب تيّارًا معاكسًا لهجمة التغريب والنقل عن الآخرين، وأن يبدأ الخطوات الأولى في تأسيس بنيويّة عربيّة، وأن يغري الآخرين من الباحثين العرب بإقامة ألسنيّة عربيّة. كما اتّفق مع عبد العزيز المقالح بأنّ «أبو ديب» يحاول في دراساته الخروج بأسس نقديّة عربيّة لا يتردّد في وصفها بالبنيويّة، وإن كانت بما تحمله من سمات عربيّة وعالميّة بنيويّة تخالف كلّ الأنماط البنيويّة التي عرفتها الدراسات الأوروبيّة. كما وافق كمال أبو ديب في إدعائه المبالغ فيه أحيانًا أنّه في دراساته حول الشعر العربيّ يطوّر منهجًا نقديًّا يتجاوز به ما أنتجه الفرنسيّون والدارسون الأوروبيّون. إلّا أنّ عبد العزيز حمّودة توقّف كثيرًا عند تنظيرات أبو ديب كلّها، ولا سيما في دوائره ومثلّثاته، وخطوطة المتقاطعة والمتوازية والمنحرفة، وزواياه الحادّة والمنفرجة دون أن يفهم منها شيئًا. وكان ينحى باللائمة على نفسه، وهو الموقف نفسه الذي وقفه مع هدى وصفي. لم يفهم شيئًا رغم التقاطه الخيط من أوّله بالاعتماد على تعريف جابر عصفور للحداثة، فوجده يقدّم تعريفًا فضفاضًا بالغ التعميم، قديمًا قدم الإبداع ذاته، للدرجة التي يعد بها حمّودة في ظلّ هذا التعريف للحداثة كُتّاب الأدب المدوّن على مدار خمسة وعشرين قرنًا حداثيّين[12]. على هذا النحو، رفض عبد العزيز حمّودة أن يكون كمال أبو ديب قد قدّم نسخة عربيّة أو فهمًا جديدًا لحداثة عربيّة مستقلّة.

كذلك يعدّ عبد العزيز حمّودة عز الدين إسماعيل من أهمّ من كتبوا عن الحداثة العربيّة وأكثرهم أمانة مع النفس. فهو وإن كان لا يُرجع الحداثة العربيّة صراحة إلى الحداثة الغربيّة، إلّا أنّ حديثه عن الحداثة لا يترك مجالّا للشكّ حول أيّ حداثة يعني، فهو يربط بين الحداثة والواقع، الواقع الثقافيّ الغربيّ الجديد بما يمثّله من تغيّرات هزّت نظام العالم كما نعرفه، وولّدت قيمًا جديدة فرضت نفسها على المبدع، فالتغيّرات التي حدثت تغيّرات ثقافيّة ولّدتها الحضارة الغربيّة، وهي تغيّرات جاءت مع التقدّم العلميّ بخطى متسارعة منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ثمّ الإنجازات التكنولوجيّة المذهلة، والتغيّرات السكانيّة التي تمثّلت في الهجرة إلى المدينة والتصنيع وما استتبع ذلك كلّه من تغيّر في سلّم القيم التقليديّ وفي العلاقات الاجتماعيّة وتراجع القيم الروحيّة بشكل ملحوظ. هذه التغيرات ولّدت عند الأديب المبدع حساسيّة جديدة أنتجت بدورها أدبًا جديدًا، من أبرز خصائصه لعب الأديب باللغة. وفي الصلة بين هذا الأدب الجديد والنقد يرى عز الدين إسماعيل أنّ قيام هذا الأدب على أساس من اللعب باللغة، قد استتبع من الناقد أن يتلقّاه بدور مماثل، بمعنى أن يلعب الناقد الدور نفسه مع النصّ، فإذن هو ينشئ كتابة سرعان ما تصبح هي ذاتها موضع قراءة. وتتساوى عندئذ النصوص الكتابيّة مع النصوص النقديّة، التي أصبحت هي ذاتها نصوصًا كتابيّة.
يرى عبد العزيز حمّودة أنّ هذا الربط بين اللعب في لغة النصّ المبدع واللعب في لغة النصّ النقديّ على أساس أنّ النقّاد قد جاروا المبدعين في تلاعبهم باللغة، هو ربط يسطِّح الأمور ويبسطها أكثر من اللازم، كما ويبعدها عن الأسباب الحقيقيّة لظهور الميتا لغة النقديّة في ربع القرن الأخير. فالنقّاد لم يجاروا المبدعين في اللعب باللغة، ولكن التغيّرات التي طرأت على لغة النقد تعود في حقيقتها إلى سيطرة نظريّات التلقّي من الغرب والأهمّيّة المتزايدة التي اكتسبها القارئء والناقد باعتباره منشئًا للنصّ الأدبيّ ومبدعًا له. فالعمليّة ليست مجاراة سطحيّة كما قد توحي كلمات عز الدين إسماعيل[13].

خلاصة رأي عبد العزيز حمّودة أنّ النقّاد لم يتمكّنوا من الاتفاق على هويّة حداثتهم، فهم يتأرجحون بين ادّعاء الأصالة وإنشاء حداثة عربيّة تختلف عن الحداثة الغربيّة في مقولاتها ومصطلحها النقديّ. هذا في الوقت الذي تكشف فيه كتاباتهم بصفة مستمرّة عن تأثّرهم الواضح بالحداثة بمفهومها الغربيّ. هنا يستعير عبدالعزيز حمّودة النصّ التالي من شكري عيّاد الذي يعبّر عن أزمة الحداثيّين العرب في جوهرها: «إنّ الحداثي العربيّ له حضوران يحرص عليهما قدر استطاعته: حضور في مجتمعه العربيّ وحضور أمام مراكز الثقافة الغربيّة. وحضوره في الثقافة العربيّة واضح: فهو يحارب التخلّف والجمود في النظم والمؤسّسات، كما يحطّم التقاليد اللغويّة والفنّيّة، ولكنّ حضوره في الثقافة الغربيّة غير بارز ولا مميّز؛ لأنّ هذه الثقافة تمرّ منذ فترة غير قصيرة بعصر من التجريب في كلّ ميادين الفكر والفنّ... فالحداثيّ العربيّ في محيطه العربيّ يقف ضدّ الجمود والتخلّف، وفي حضوره الغربيّ يقف ضدّ الثقافة التجاريّة الرأسماليّة...الخطر في بيئته العربيّة وعند قرّائه العرب يأتيه من كونه غير مفهوم، في حين أنّ الخطر عند أنداده الغربيّين يأتيه من إغراء الانحدار إلى السوقيّ، ويظل الحداثي العربيّ عندهم وعند قرّائهم غير مفهوم أيضًا؛ لأنّه يحطّم قيودًا لا يشعرون بها، ويهاجم محرّمات لم تعد عندهم محرّمات.» [14]

أزمة الحداثة العربيّة
تبدأ أزمة الحداثة العربيّة وفقًا لحمّودة في انبهار العربيّ بإنجازات العقل الغربيّ والثقافة العربيّة، مما دعاه إلى الاعتقاد بأن الحداثة لا تكون إلّا بهذا التبنّي للثقافة الغربيّة، ومن ثم فقد خدع نفسه وخلق لنفسه أزمة هي أزمة فكر وثقافة في المقام الأوّل، فميخائيل نعيمة يبدأ من نقطة ارتكاز يبرّر بها تبنّيه للفكر الغربيّ مفادها أنّ الثقافة العربيّة قد ماتت لأكثر من خمسمئة عام، فلم يكن لوطننا في تلك الأجيال درهم يضيفه إلى خزانة العالم. ويتساءل: أسُباتٌ هذا؟ فنومًا هنيئًا! أم وفاة؟ فرحمة أبديّة !. ويخاطبنا قائلًا إنّه إذا أراد أحد أن يذكّرني بإسهامات امرئ القيس وعنترة بن شداد والمتنبّي وابن رشد وابن سينا وسواهم من الأقدمين، وشوقي وحافظ ومطران من المحدثين، فسأجيب بأن غثّهم كان أكثر من سمينهم. فما اعتاد بعض على أن يدعوه نهضة أدبيّة- هي من وجهة نظر ميخائيل نعيمة « نفحة هبّت على بعض شعرائنا وكتّابنا من حدائق الآداب الغربيّة، فدبّت في مخيّلاتهم وقرائحهم كما تدبّ العافية في أعضاء المريض بعد إبلاله من سقم طويل. أضف إلى هذا انبهار العقاد والمازني- ضمن آخرين- بالثقافة الغربيّة وآدابها[15].

المبرّر الآخر الذي يذكره الحداثيّون العرب- وفقًا لحمّودة- سواء أعلنوه أو لم يعلنوه- أنّهم تحوّلوا إلى فكر الحداثة الغربيّة بسبب غياب نظريّة علميّة متكاملة للنقد الغربيّ، وبالتالي فإنّهم في سعيهم لتحديث العقل العربيّ لجأوا إلى النقد الحداثيّ الغربيّ. يرفض بالطبع حمّودة هذا المبرّر محاولًا إثبات وجود بديل، وأنّ النقد العربيّ والبلاغة العربيّة قدّما نظريّة نقديّة ونظريّة لغويّة[16].
أمّا المبرّر الثالث الذي يذكره  للارتماء في حضن الغرب هو حدوث نكسة 1967؛ إذ تحوّلت الرغبة في تحديث العقل العربيّ إلى الارتماء الكامل في أحضان الحداثة الغربيّة من خلال الادعاء الباطل أنّها المنقذ من الضلال[17].

يرفض حمّودة هذه المبرّرات لتبنّي الحداثة الغربيّة، ذلك أنّ أزمة الحداثة العربيّة لم تكن مجرّد غياب إبداع عربيّ أو نظريّة عربيّة يبرّران الارتماء في حضن الغرب، وبالتالي لم تكن أزمة مصطلح نقديّ مستورد نَتُوه في تحديد دلالاته، ولكنّها أزمة فكر وثقافة بالدرجة الأولى[18]؛ ذلك أنّنا حينما نستخدم مفردات الحداثة الغربيّة ذات الدلالات التي ترتبط بها داخل الواقع الثقافيّ والحضاريّ الخاصّ بها، فإنّنا بذلك نُحدِث فوضى دلاليّة داخل واقعنا الثقافيّ والحضاريّ، وإذا كنّا ننشد الأصالة فقد كان من الأحرى بنا أن ننحت مصطلحنا الخاصّ بنا، النابع من واقعنا بكل مكوّناته الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة؛ لأنّ الهوة بين الواقعين الغربيّ والعربيّ واسعة سحيقة. وعليه، لا يكفي الادعاء الأجوف بإقامة جسور فوقها؛ لأنّه ينسينا إدراك الاختلاف، وحينما ننسى ذلك الشعور بالاختلاف، نقع في المحظور، لأنّنا نتناسى مجموعة من المحاذير التي تلازم هذا الاحساس بالاختلاف[19].  

قد يرد بعض المتحمّسين للحداثة بأنّ المصطلح الحداثيّ الغربيّ الذي يستخدمه الحداثيّون العرب يجري عزلُه عن دلالاته المعرفيّة والثقافيّة، وينقّى من شوائب واقعه ليتمّ استخدامه في الواقع العربيّ المختلف. يرفض عبد العزيز حمّودة مثل هذا الزعم لأنّه غير ممكن واقعيًّا وفعليًّا؛ ذلك لأنّ الواقع الحضاريّ والثقافيّ العربيّ يختلف تمامًا عن أرض الواقع الحضاريّ والثقافيّ الغربيّ، فالحداثة الغربيّة هي نتاج واقع يختلف عن الحداثة العربيّة[20]. وحقيقة الأمر أنّ مفردات الواقع الثقافيّ الغربيّ هي الأطر الفكريّة والفلسفيّة التي أدّت في النهاية إلى ظهور الحداثة وما يتبعها من نظريّات أدبيّة ونقديّة. ثمّ إنّ دراسة الحداثة الغربيّة والبنيويّة والتفكيكيّة على وجه التحديد لا يمكن أن تتمّ دون دراية بتاريخ الفلسفة الغربيّة منذ لوك وهيوم، ومرورًا بكانط ونيتشه، وانتهاء بهوسرل وهيدجر وجادامر. ومن البيِّن القول إنّ الدراسات اللغويّة والنقديّة الحديثة تنطلق من قلب التراث الفكريّ الغربيّ ومعطياته، وخاصة الآراء المختلفة حول الذات؛ ولهذا فإنّ المصطلح النقديّ الجديد يستمدّ القدر الأعظم من دلالته من تلك الخلفيّة الأساسيّة من تراث الفكر والفلسفة، إنّه يؤسّس شرعيّته على معرفة المتلقّي لهذا التراث الفكريّ. فإذا كنّا – كعرب- نستعير المصطلح النقديّ الغربيّ ونخرّجه من دائرة دلالته داخل القيم المعرفيّة، كان من الطبيعيّ أن يأتي غريبًا ويبقى غريبًا ويذهب غريبًا والنتيجة الطبيعيّة هي فوضى النقد التي خلقها الحداثيّون العرب[21].  لقد سمحت أرض الواقع الحضاريّ الثقافيّ للنقّاد الحداثيّين الغربيّين بأن يصلوا إلى ما أسماه شكري عيّاد «أنسنة الدين»، أي إرجاع الدين إلى الإنسان[22]. كما اندفع التحوّل الفكريّ في الثقافة الغربيّة بتأثير التقدّم المذهل في العلوم البيولوجيّة إلى حدّ إرجاع المقدّسات والغيبيّات إلى جسم الإنسان[23]. فنقل حقل المقدّس والأسرار في مجال العلاقات والقيم الدينيّة والماضويّة إلى مجال الإنسان والتجربة والمعيش يعدّ من أهم وأبلغ الانزياحات المعرفيّة- القيميّة في الحداثة الغربيّة، وهو ما يرفضه الواقع الثقافيّ العربيّ. يرفض الواقع الثقافيّ العربيّ هذا الترف الفكريّ الذي به تنسحب مظلّة الحداثة بمفاهيمها الغربيّة والمشاريع النقديّة التي أفرزتها على النصوص الدينيّة بصفة محدّدة في محاولات لأنسنة الدين؛ إذ إنّ تطبيق مقولات البنيويّة والتفكيك على نص دينيّ بما يعنيه ذلك من القول بالّلانصّ واللعب الحرّ للغة بمفهوم دريدا، وبانتفاء التفسير المفضّل والموثوق، أو التفسير النهائيّ، وبتعدّد التفسيرات بصورة لانهائيّة يوقع في محاذير ربما لا نقصدها أو ربما يحدث عن خطأ في تطبيق المنهج النقديّ- وليس عن إلحاد- ولكنّه يمثّل خطأ منهجيًّا في استخدام أدوات نقديّة مثيرة للجدل في تحليل نصوص غير أدبيّة[24].  كما يتمثّل في تبنّي مقولات نقديّة أفرزها فكر فلسفيّ غريب علينا[25].

إخفاقات الحداثة العربيّة
يعيد عبد العزيز حمّودة فشل الفكر الحداثويّ في العالم إلى قصوره عن الوصول إلى فهم مطابق للخصوصيّة الحضاريّة العربيّة من جهة، وإلى الأخذ بمنطق الحداثة الغربيّة وأدواتها المفهوميّة من جهة أخرى. يحدّد حمّودة بدايات أسباب فشل الحداثيّين العرب في إنشاء ثقافة حداثيّة استقلاليّة بمجموعة أسباب:

أوّلًا: أنّهم لم يتبنّوا المصطلحات الغربيّة التي تتأسّس على فكر وثقافة غربيّة فقط، بل تبنّوا أيضًا البداية التي بدأها الغرب كشرط للحداثة، ألا وهي ضرورة القطيعة المعرفيّة مع التراث. يقول في هذا الصدد لم يجرؤ بعض الحداثيّين العرب- مثل الغرب- على إعلان هذا الشرط، ولكن الاتّجاه العام الواضح أنّهم سلّموا بأنّ التمرّد على الماضي أو التحرّر منه هو المدخل الطبيعيّ لتحقيق حداثة عربيّة[26]. على هذا النحو فشلوا في إنشاء حداثة عربيّة حقيقيّة، وأضحى كلّ ما ينقلونه ينتمي لمفردات الحداثة الغربيّة. لقد وقع الحداثيّون العرب- أو أوقعوا أنفسهم- في بعض التناقضات الواضحة؛ ذلك أنّه على الرغم من أنّ البنيويّة في جوهرها تركّز على الداخل، على دراسة البنى الصغيرة التي تكوّن النصّ من داخل النصّ ذاته، في علاقاتها ببعضها على أساس أنّ العلامة اللغويّة ليست رمزًا لشيء خارجيّ، بل إنّها تسبق الشيء الخارجيّ في حقيقة الأمر، ومن ثمّ يجب دراستها في عزلة عن دلالتها المادّيّة خارج النصّ، أراد البنيويّون العرب إمساك العصا من المنتصف وتحقيق معادلة خاصّة بهم تقوم على أساس دراسة العلامة باعتبارها مستقلّة، باعتبارها «داخل» وباعتبارها «خارج» غير منفصلة عن الواقع المادّيّ الذي أفرزها، مما أوقعهم في بعض التناقضات الواضحة. تنسف بعض هذه التناقضات المبادئ البنيويّة من أساسها، وأبرزها عزل النصّ الأدبيّ كبنية، وعزل البنى الصغيرة المكوّنة لها عن الواقع الخارجيّ. هذه المحاولة لإمساك العصا من الوسط من جانب النقّاد الحداثيّين العرب تجعل النسخة العربيّة من البنيويّة في ظلّ هذا الربط الذي يؤكّدونه جميعًا وبلا استثناء بين الداخل والخارج لا تختلف كثيرًا عن الواقعيّة الاشتراكيّة، وربما يرجع هذا التناقض في جانب أساسيّ منه إلى افتقار الحداثيّ العربيّ إلى فلسفة خاصّة به عن الحياة والوجود والذات والمعرفة، فهو يستعير المفاهيم النهائيّة لدى الآخرين ويقتبس من المدارس الفكريّة الغربيّة، ويحاول في جهد توفيقيّ بالدرجة الأولى تقديم نسخة عربيّة خاصّة به، إنّها كلّها عمليّات اقتباس ونقل وترقيع وتوفيق لا ترتبط بواقع ثقافيّ أصيل. ومن هنا تجيء الصورة النهائيّة مليئة بالثقوب والتناقضات.

ثانيًا: لقد فشل النقّاد الحداثيّون العرب في نحت مصطلح نقديّ جديد خاصّ بهم تمتدّ جذوره في واقعنا الثقافيّ العربيّ، كما أنّهم فشلوا في تنقية المصطلح الوافد من عوالقه الثقافيّة الغربيّة؛ لأنّه- كما بيّنا- من قبل هو مصطلح مرتبط بالمناخ الثقافيّ والفكريّ الذي يمثّل المرجعيّة الدائمة للمصطلح النقديّ ويفسّره ويمنحه شرعيّته[27].

ثالثًا: اتّصفت الكتابات الحداثيّة العربيّة بالغموض، والغموض برأيه نوعان: غموض مقصود وآخر غير مقصود. فالغموض غير المقصود سببه سوء فهم النصّ الحداثيّ أو سوء نقله إلى العربيّة أو الاثنين معًا؛ أمّا سوء فهم المعنى فيعود إلى عاملين: الأوّل إلى أنّ الحداثة العربيّة هي إفراز مباشر للفلسفة الغربيّة الحديثة عبر ثلاثة قرون من التحوّلات الفلسفيّة الكبرى. وتمثّل المرحلة الأخيرة منذ ثلاثينات القرن العشرين أو قبلها بقليل بداية مدرستين فلسفيّتين ألمانيّتين بالغتي التعقيد هما الظاهراتيّة والتأويليّة ورموزهما «هوسرل» و«هايدغر» و«جادامر».

 العامل الثاني إلى الغموض غير المقصود لجهة أنّ الحداثة النقديّة ومابعد الحداثة تمثّلان مرحلة جديدة في تاريخ النقد التطبيقيّ يدّعي فيها الحداثيّون ومابعد الحداثيّين أنّ النصّ النقديّ لا يقلّ أهمّيّة عن النصّ الإبداعيّ؛ لهذا يتعمّد الحداثيّون ومابعد الحداثيّين الغربيّين إلى اختيار الغموض والمراوغة أسلوبًا للكتابة حتى يجهد القارئ عقله في فهم النصّ النقديّ؛ لهذا تمثّل قراءة استراتيجيّات النقد الحداثيّ تحدّيًا حقيقيًّا أمام الحداثيّ العربيّ الذي قد لا يكون مؤهّلًا لغويًّا أو ثقافيًّا للتعامل معها. مما يعني أنّ الكتابة الحداثيّة العربيّة تضيف غموضًا جديدًا في اللغة العربيّة إلى الغموض الأوّل الذي يرجع إلى طبيعة الحداثة الغربيّة وما بعدها. أمّا الغموض المقصود في الكتابات الحداثيّة العربيّة، فهو مجاراة واعية مدركة لغموض النصّ الحداثيّ في لغته الأصليّة تأسيسًا على مبدأ لفت لغة النقد النظر إلى نفسها. هذا على افتراض أنّ الحداثيّ العربيّ الذي يختار الغموض أسلوبًا متعمَّدًا قد فهم النصّ في لغته الأصليّة قبل أن يبدأ الكتابة باللغة العربيّة. [28]

رابعًا: تختلط عند الحداثيّ العربيّ الحداثة بما بعد الحداثة، وتختفي الخطوط الفاصلة بين البنيويّة وما بعد البنيويّة، ويتداخل عنده ما هو بنيويّ مع ما هو تفكيكيّ؛ لأنّه يتبنّى عن وعي كامل حداثة غربيّة ترتبط بأزمة الإنسان الغربيّ من دون أن يعي أنّ أزمة الإنسان العربيّ مختلفة وتستحقّ منّا إنشاء حداثة عربيّة ترتبط بالمشروع التنويريّ الذي لا يختلف على أهمّيّته مفكّر. حاولت الباحثة والناقدة اللبنانيّة حكمت الخطيب الخروج بالبنيويّة الماركسيّة من مأزق الثنائيّة، انطلاقًا من السؤال التالي: هل النصّ الأدبيّ بنية مغلقة مستقلّة أم بنية نظيرة لأنساق عامّة أخرى؟.. لكنّ الحلّ الذي تقترحه لا يعدو أن يكون محاولة لإمساك العصا من المنتصف، ويمكن التعبير عن هذا الحلّ في النقاط الأربع التالية:

بنية النصّ الأدبيّ تمثّل نسقًا مستقلًّا يمثّل استقلال النسق اللغويّ
وظيفة الناقد البنيويّ تحليل عناصر النسق الأدبيّ للنصّ من الداخل عن طريق إضاءة العلاقات بين هذه العناصر وتحديد العلاقات بين نسق النصّ الفرديّ والنسق الأدبيّ العام للنوع

لا يمكن للنسق الأدبيّ أن يكون نسقًا داخليًّا مستقلًّا فقط، ولكنّه بنية نظيرة لبنى أخرى تمثّل في مجموعها الثقافة التي أفرزت النصّ أو النسق الأدبيّ الخاصّ.

على الناقد البنيويّ أن يدرك الحضور المتزامن للداخل والخارج في النصّ.
يرى عبد العزيز حمّودة أنّ الأمر حتى هنا لا مشكلة فيه، ولكنّ المشكلة تكمن في أنّ حكمت الخطيب ما كان يجب أن تقف عند هذا الحد، لأنّ البنيويّة الماركسيّة والواقعيّة الاشتراكيّة لم تقف عند هذا الحدّ: على الناقد أن يتخطّى مجرّد الوعي بهذه العلاقة، ألا وهي مرحلة المقارنة ثمّ إصدار الحكم القيميّ على النسق الأدبيّ ومعناه، وهو ما لم تفعله حكمت الخطيب. على هذا النحو يرى حمّودة أنّ هذا المثال يبيّن أزمة الحداثيّ العربيّ في خلطه بين الحداثة وما بعد الحداثة، واختفاء الخطوط الفاصلة بين البنيويّة وما بعد البنيويّة، وتداخل البنيويّ والتفكيكيّ[29].

خامسًا: كان على الحداثيّين العرب أن ينتبهوا إلى أنّ النقطة الأساسيّة التي تفصلنا عن الغرب هي أنّ الغرب نفسه أحلّ مقولة العلم محلّ فكرة الله في قلب المجتمع، وقصروا الاعتقادات الدينيّة على الحياة الخاصّة بكلّ فرد. إلى ذلك فإنّ التطبيقات التكنولوجيّة والتغيّرات الاجتماعيّة التي طرأت على علاقات القوى الاجتماعيّة منذ بداية الثورة الصناعيّة بالإضافة إلى التحوّلات الفلسفيّة التي مرّ بها الفكر الأوروبيّ منذ القرن السابع عشر أدّت بصورة حتميّة إلى إنتاج الحداثة الغربيّة.  فالحداثة الغربيّة كانت نتيجة منطقيّة للتحوّلات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والفكريّة التي مرّت بها المجتمعات الأوروبيّة؛ أمّا نحن فقد تبنّينا النتائج النهائيّة للحداثة الغربيّة دون أن نعيش مقدّماتها، النتائج الوحيدة المقبولة كانت ستكون النتائج التي اعتمدت على مقدّمات التراث العربيّ. كان من الممكن أن نطعم هذه المقدّمات بما نشاء من التراث الغربيّ المعتمد على اختيار حصيف، بدلًا من تبنّي نتائج تعتمد على مقدّمات ليست مقدّماتنا[30].

سادسًا: كان على العرب – مثلما فعلت بعض المجتمعات – أن ينتبهوا إلى أنّ الحداثة الغربيّة لم تكن حداثة بريئة، غرضها نشر التفكير العقلانيّ، ولكن الغرض كان الرغبة في سيطرة المركز الحداثيّ على الثقافات الواقعة على المحيط بهدف استغلالها تجاريًّا وصناعيًّا وعن طريق الاستعمار غير المباشر. لقد كان هذا ما انتبهت إليه بعض القوميّات مثل الأفريقيّ والأميركيّ اللاتينيّ أنّ الهدف هو فرض نماذج ثقافيّة غربيّة[31].

سابعًا: من عوامل فشل الحداثة العربيّة أيضًا أنّها جاءت حداثة نخبويّة، بمعنى أنّ نخبة الحداثيّين العرب اتحدوا مع القيادات السياسيّة لمجتمعاتهم العربيّة، ليبتعدوا بذلك عن الجمهور، وبالتالي أضحت النخبتان السياسيّة والحداثيّة غير مؤهّلة لإحداث التغيّرات الأساسيّة في البنى والعلاقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة في المجتمع بسبب أمّية متفشّية خلّفتها عهود استعماريّة طويلة، لتتحوّل بذلك قرارات التغيير بالنسبة للنخبة السياسيّة إلى دكتاتوريّة قاهرة، وتتحوّل ريادة الفكر الإبداعيّ والنقديّ الحداثيّ إلى عمليّة ابتعاد مستمرّة عن الجماهير التي جاءت هذه النخبة في الأساس لتغييرها[32].  

هل كان من الممكن أن نقيم حداثة عربية؟
من الممكن أن نستخلص من كلّ ما سبق، كيف أجاب عبد العزيز حمّودة على السؤال عما إذا كان ممكنًا إحداث حداثة عربيّة من دون التبعيّة لمنطق الغرب وثقافته. يرى حمّودة أنّ بالإمكان أن نقيم حداثة عربيّة لا تقطع مع التراث ولا تحقِّر العقل العربيّ، فهذا العقل هو العقل نفسه الذي حقّق النهضة العربيّة الإسلاميّة في العصور الوسطى، وهو ذاته الذي أنتج العلوم التي بنى عليها الغرب نهضته، إنّها حداثة تنطلق من مفاهيمنا نحن، ومن تراثنا نحن. وللتدليل على ذلك يبيّن حمّودة كيف أنّ العرب أنتجوا نظريّة عربيّة في البلاغة، ووصلوا إلى مفاهيم قبل أن يصل إليها سوسير وعلماء اللغة في الغرب الحديث. على سبيل المثال، استطاع عبد القاهر الجرجانيّ في كتابه «دلائل الإعجاز» أن يطوِّر إنجازات البلاغيّين العرب السابقين عليه على مدى قرنين إلى نظريّة متكاملة للنظم تقوم على تأكيد شبكة لعلاقات بين العلامات اللغويّة أفقيًّا ورأسيًّا[33].  لقد أراد حمّودة بعرض إسهامات الجرجانيّ في تطوير نظريّة عربية في البلاغة أن يثير رغبة الآخرين في إعادة قراءة التراث بقليل من الإنصاف وعدم الانبهار بمنجزات العقل الغربيّ[34]. فما طوّره سوسير لم يكن فتحًا جديدًا، وما كان يجب أن تكون كذلك للمثقّف العربيّ لو أنّه في حماسه للتحديث وانبهاره بمنجزات العقل الغربيّ لم يتجاهل تراثه العربيّ. لقد عرف العقل العربيّ اللغة كنظام أو نسق علامات تربطها شبكة العلاقات من التتابعيّة والاستبداليّة، وذلك لأكثر من خمسة قرون. وكان من الممكن تطوير هذه المفاهيم لو أردنا مستخدمين مصطلحات عربيّة أصيلة[35]. 

الخاتمة
على هذا النحو يبدو أنّنا يجب أن نرى الغرب- ونرى أنفسنا- بالمرايا التي لا تكبّر ما نراه ولا تصغّره، فلا المرايا المحدّبة ولا المرايا المقعَّرة تفيدنا في الحكم على الغرب حكمًا صحيحًا، أو حكمًا قد يغرينا أحيانًا أن نقلّده، في الحقيقة لسنا في حاجة لتقليد أحد. إنّنا وإن لم نستطع تكوين حداثة خاصّة بنا، فإنّ ما نحتاجه ليس بالضرورة «حداثة»، ويبدو أنّنا لم نستطع أن نتخلّص من التقليد حتى في المصطلح، من الممكن أن نطلق على ما نحتاجه كأمّة عربيّة مسلمة «صحوة»، وإن كنت لا أفضّل هذا المصطلح الذي قد يعطي معنى أنّنا نيام، وبالتالي فنحن في حاجة إلى صحوة، والحقيقة أنّنا لسنا كذلك. هل نطلق عليه «دفعة» من حيث إنّه مصطلح يعبّر عمّا نحتاجه بشكل أدقّ؟  يعني هذا المصطلح أيضًا أنّنا في حاجة إلى من يدفعنا من الخارج، وهو يعني أنّنا لا نملك زمام دفع أنفسنا. ما نحتاجه هو استنارة ثقافيّة، أو نهضة فكريّة «تقدّم مستمرّ متّصل لا توقف فيه يتناسب مع معطيات العصر ولا يختلف مع أسس العقيدة وأطر الشريعة».

إذا كان لنا أن نضع لعبد العزيز حمّودة مكانة بين المفكّرين العرب المعاصرين، فهو من أولئك الروّاد الذين عرفوا الغرب وتعرَّفوا على مبانيه المعرفيّة من دون أن تأخذهم الدهشة بمفاهيمه ومعطياته الفكريّة؛ لذا فإنّ خطّ النقد الذي اعتمده حمّودة في قراءة الحداثة الغربيّة يُدخله في حقل مفارق للكثيرين من المفكّرين العرب ممن أخذوا بأدوات الحداثة لإنجاز مشاريع فكريّة لم تلبث أن أخفقت وآلت إلى الفشل.
ومع أنّ تجربة حمّودة في مجال نقد الغرب قد اقتصرت على ثلاثيّته المرآويّة، إلّا أنّها تشكّل علامة فارقة في المواجهة المعرفيّة النقديّة لثقافة الحداثة وللمنطق الاستعلائيّ للمركزيّة الغربيّة.

المصادر العربيّة
عبد العزيز حمّودة، المرايا المحدّبة، العدد 232، ابريل 1998، عالم المعرفة، المجلس الوطنيّ للثقافة والفنون والآداب، الكويت.
عبد العزيز حمّودة، المرايا المقعّرة، العدد 272، أغسطس 2001، عالم المعرفة، المجلس الوطنيّ للثقافة والفنون والآداب، الكويت.

--------------------------------
[1]*ـ باحث في الفكر الفلسفيّ وأستاذ الفلسفة الحديثة في جامعة المنيا ومستشار لدى هيئة اليونسكو - جمهوريّة مصر العربيّة.
[2]- بهاء درويش، «علوم اجتماعيّة غربيّة قاصرة»، مجلّة جامعة المعارف، العدد الرابع 2021، ص 100- 102.
[3]- عبد العزيز حمّودة «المرايا المحدّبة، العدد 232، ابريل 1998، عالم المعرفة، المجلس الوطنيّ للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص 58 - 60.
[4]-  عبد العزيز حمّودة «المرايا المحدّبة، العدد 232، ابريل 1998، عالم المعرفة، المجلس الوطنيّ للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص 260 - 261.
[5]-  المرجع السابق، ص 72، 73.
[6]- عبد العزيز حمّودة «المرايا المحدّبة، العدد 232، ابريل 1998، عالم المعرفة، المجلس الوطنيّ للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص 278، 279.
[7]- المرجع السابق، ص 267، 269.
[8]- السابق، ص 349- 351.
[9]- عبد العزيز حمّودة «المرايا المحدّبة، العدد 232، ابريل 1998، عالم المعرفة، المجلس الوطنيّ للثقافة والفنون والآداب، الكويت،  ص 270.
[10]- المرجع السابق  ص 9 .
[11]- المرجع السابق الصفحة نفسها.
[12]-  عبد العزيز حمّودة «المرايا المحدّبة، العدد 232، ابريل 1998، عالم المعرفة، المجلس الوطنيّ للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص 18.
[13]- عبد العزيز حمّودة «المرايا المحدّبة، العدد 232، ابريل 1998، عالم المعرفة، المجلس الوطنيّ للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص 27
[14]- المرجع السابق ص 28.
[15]- عبد العزيز حمّودة، المرايا المقعّرة  العدد 272، أغسطس 2001، عالم المعرفة، المجلس الوطنيّ للثقافة والفنون والآداب، الكويت ص 32 - 34.
[16]- المرجع السابق، ص 185.
[17]- المرجع السابق ص 188.
[18]- المرجع السابق، ص 55.
[19]- المرايا المحدّبة  ص 29 – 30، 74.
[20]- المرايا المقعّرة ص 52.
[21]-  المرايا المحدّبة ص 30 – 32، 52.
[22]-  المرايا المقعّرة، ص 56.
[23]- المرجع السابق، ص 31.
[24]- المرايا المقعّرة، ص 31.
[25]- االمرايا المحدّبة، ص 351.
[26]- المرايا المقعّرة ص 46.
[27]- المرايا المقعّرة، ص 53.
[28]-  المرايا المقعّرة، ص 106، 107.
[29]- االمرايا لمحدبة ، ص 182 – 185 .
[30]- المرايا المقعرة ص 58، 59.
[31]- المرجع السابق، ص 74.
[32]- المرجع السابق ص 92.
[33]- المرايا المقعرة ، ص 235.
[34]- المرجع السابق ص 247.
[35]- المرايا المقعّرة ص 257، الخروج من التيه ص 50 .