البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الفطرة بوصفها نظريّة أنثروبولجيّة

الباحث :  حسين سوزنجي
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  26
السنة :  شتاء 2022م / 1443هـ
تاريخ إضافة البحث :  June / 4 / 2022
عدد زيارات البحث :  266
تحميل  ( 465.065 KB )
تقترب هذه الدراسة من قضيّة إشكاليّة شديدة الحساسيّة والتعقيد في علم الإنسان كموجود مفارق في عالم الوجود. هنا تأسيس لرؤية ميتافيزيقيّة تنطلق من مفهوم الفطرة البشريّة بما هي خاصِّية ينفرد بها الكائن الإنسان دون سائر الموجودات، وبقدر ما تتّخذ هذه الخاصِّية أبعادًا متّصلة بأصل الخلق الإلهيّ، هي أيضًا ذات أبعاد فعليّة في الحقل الأنثروبولوجيّ. وفي يومنا الحاضر يبدو أن نظريّة تشارلز دارون بشأن ماهيّة الإنسان قد تمّ اتخاذها لتكون أساسًا للأنثروبولوجيا الإنسوية الحديثة، ويتم تحليل جميع شؤون الإنسان بوصفه حيوانًا متكاملًا وفي ضوء الغريزة. وفي المقابل فإنّ الذي يتمّ تداوله في التعاليم والنصوص الإسلاميّة عن الإنسان بوصفه موجودًا متميّزًا هو اشتماله على حقيقة متعالية باسم «الروح» أو «الفطرة الإنسانيّة». وعلى الرغم من ذهاب بعض المفكّرين في الثقافة الإسلاميّة إلى القول إنّ الفطرة هي «أمّ المعارف»، بيد أنّ الحقّ هو أنّ «الفطرة» لم يتمّ التمكّن حتّى الآن من بيانها وتقديمها بوصفها نظريّة متكاملة ومنسجمة يمكن لها أن تظهر لوازمها بالمقارنة مع الآراء المنافسة الأخرى في حقل العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة. لقد تمّ السعي في هذه المقالة إلى إعادة صياغة نظريّة «الفطرة» في قبال بعض الثنائيّات المهمّة للفكر الغربيّ في إطار النظريّة، والتعريف ببعض زواياها وأبعادها بشكل ضمنيّ داخل الدائرة الأنثروبولوجيّة؛ وهي الأنثروبولوجيا التي تذهب إلى أبعد من العموميّات، ويمكن توظيفها بوصفها مبنى في دائرة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة في قبال النظريّات الغربيّة.

كلمات مفتاحيّة: الفطرة، نظريّة التطوّر، الإنسان، العلوم الإنسانيّة، العلوم الاجتماعيّة، تشارلز دارون.

المقدّمة
يبدو اليوم أنّ نظريّة تشارلز دارون بشأن ماهيّة الإنسان بحيث أصبحت مبنى وأساسًا للأنثروبولوجيا الإنسويّة الحديثة، حتّى أنّه يتمّ في الكتب الأكاديميّة لحقل الأنثروبولوجيا تخصيص بحث مستفيض في مسار التطوّر الداروينيّ الذي أدّى إلى ظهور الإنسان المعاصر[2]؛ بمعنى أنّه يتمّ التعريف في هذا النوع من الكتب بالإنسان الحديث بوصفه امتدادًا لهذا المسار التطوّريّ. ومن هذه الناحية فإنّ ذات الشيء الذي يمكن العثور عليه لدى الحيوان باسم الغريزة، يمكن العثور عليه لدى الإنسان مع شيء من الارتقاء النسبيّ، ومن هذه الناحية لا يمكن الحديث عن اختلاف جوهريّ بين الإنسان والحيوان، وبعبارة أخرى: يمكن إيضاح جميع الأمور الموجودة لدى الإنسان من خلال إعادتها إلى الأبعاد الفيزيقيّة والحياة الحيوانيّة[3]، وهذه مسألة يمكن تتبّع آثارها في أكثر النظريّات الواردة في حقول العلوم الإنسانيّة الأعمّ من علم النفس وعلم الاجتماع وحتى الاقتصاد وما إلى ذلك أيضًا.

وهذا الرأي يقع تمامًا إلى الضدّ من الرؤية القرآنيّة التي تقول بالعبور من السابقة الترابيّة والتطوّر الأحيائيّ من النطفة والعلقة والمضغة و... وصولًا إلى النشأة الأخرى في الإنسان[4]. وبالإضافة إلى الإقرار بالسابقة الترابيّة والحيوانيّة للإنسان يتحدّث القرآن الكريم عن وجود حقيقة أخرى لدى الإنسان باسم الروح، وإنّها تدخل في صميم خلقه[5]. وفي الأساس فإنّ القرآن الكريم قد ربط سجود الملائكة لآدم (أي القيمة الخاصّة للإنسان التي رفعته على سائر الكائنات) بنفخ هذه الروح فيه[6]؛ بحيث لو تمّ تجاهل هذه الروح، فلن يبقى بطبيعة الحال أيّ موضع لتقدير الإنسان وتكريمه من قبل الكائنات الميتافيزيقيّة، من قبيل: الملائكة وحتى إبليس[7]. وفي الحقيقة فإنّنا لو نظرنا من زاوية دقيقة، فسوف نجد أنّ نزاعنا الجوهريّ والأصيل مع نظريّة دارون بوصفها أساسًا للأنثروبولوجيا الحديثة لا ربط له بما إذا كان الإنسان يعود في أصله إلى القرد أم لا؛ لأنّ القرآن الكريم يقرّ بأن خلق الإنسان قد بدأ من تراب، بمعنى أنّ العودة النهائيّة لهذه السابقة سوف تكون إلى التراب[8] أو إلى مزيج من الماء والتراب[9]؛ بل إنّ النزاع الأصليّ يكمن في أن السابقة الوجوديّة للإنسان هي هذه السابقة المادّيّة فحسب، أم أنّ وجوده بالإضافة إلى هذه السابقة الترابيّة، يحتوي كذلك على سابقة روحانيّة وميتافيزيقيّة أيضًا، وهذه السابقة الروحانيّة هي التي يحظى الإنسان بسببها على تلك القيمة التي ترفعه فوق سائر الكائنات[10]. نحن ندّعي أنّه لو تمّ تجاهل الخلق الخاصّ للإنسان بسبب تنعّمه بالروح الإلهيّة، والحطّ من حقيقة الإنسان والوصول به إلى مستوى الحيوان المتطوّر[11]، لن يمكن عدم قبول قيمة خاصّة للإنسان فحسب، ولا يمكن الحديث بعدها عن «حقوق الإنسان» فحسب[12]، بل ولن يكون بمقدورنا الحصول على فهم صحيح لمختلف أبعاده السلوكيّة أيضًا.

في التبويب الأرسطيّ للموجودات، عمد إلى تمييز الموجودات (الجواهر) في عالم الطبيعة بالفصل [المميّز] بـ «الأبعاد المكانيّة الثلاثة» من الكائنات الماورائيّة (الجوهر المجرّد)؛ ثم انتقل إلى النباتات والحيوانات، ثمّ عمد أوّلًا إلى تمييز الكائنات الحيّة من الكائنات غير الحيّة بفصل «النامي والمتكاثر»، وميّز الحيوانات من سائر الكائنات الحيّة الأخرى بفصل «الإدراك والحركة الإراديّة»، وقد أدرج الإنسان بطبيعة الحال بوصفه نوعًا من الحيوانات، وميّزه من سائر الحيوانات بفصل «الناطق».

وعلى الرغم من أنّ تبويب أرسطو قد تعرّض لمختلف التغييرات في المرحلة الحديثة، إلّا أّن قوامه لم يتغيّر، فلا يزال التمايز بين الكائنات الحيّة والكائنات غير الحيّة يقوم على أساس النموّ والتكاثر؛ وعليه تندرج النباتات والحيوانات ضمن صنفين عامّين، والإنسان بدوره يمثّل نوعًا من أنواع الحيوانات (شعبة الحبليّات[13]، تحت شعبة الفقاريّات[14]، وشعبة الثدييّات، وصنف الرئيسات، وأسرة أشباه الإنسان)[15].

وأما لو تمّ الإذعان والإقرار بوجود بُعد ميتافيزيقيّ باسم الروح في الإنسان، فإنّ هذا التقسيم والتبويب سوف يتعرّض لتغييرات أساسيّة. وربما كانت أهمّ كلمة مفتاحيّة في التعاليم الإسلاميّة يمكن لها أن تقف في مواجهة هذا المبنى، هي كلمة «الفطرة»، بوصفها كلمة مفتاحيّة قرآنيّة. إن كلمة «الفطرة» تعني نوعًا خاصًّا من الخلق؛ حيث يكون بديعًا وغير مسبوق[16]، وقد عمد الشهيد مرتضى المطهّري إلى تطوير هذا البحث وإشباعه إلى حدّ ما، من خلال استعماله لكلمة الفطرة المفتاحيّة[17]. حيث كان سماحته يستعمل ـ في قبال المفردات الثلاثة المفتاحيّة والأساسيّة «ذات الأبعاد الثلاثة»، وهي: «الحسّاس المتحرّك بالإرادة»، و«الناطق»، حيث تمثّل على التوالي الفصل (المقوّم الذاتيّ المساوي)  للجسم، والحيوان والإنسان ـ المصطلحات الثلاثة الآتية، وهي: «الطبيعة»[18]، و«الغريزة»[19]، و«الفطرة». ويعمد إلى تعريفها بوصفها مادّة التمايز الذاتيّ والحقيقيّ للأجسام والحيوانات والإنسان. إنّ طبيعة ذلك أمر ذاتيّ مشترك بين الأشياء الجسمانيّة، والغريزة هي ذلك الأمر الذاتيّ الذي لا يوجد إلّا في الحيوانات، و«الفطرة» هي تلك الذات المقوّمة لحقيقة الإنسان والخاصّة به والتي تشكّل ما به امتيازه من غيره[20]. وفي الحقيقة نحن ندّعي أنّ تمايز الإنسان من سائر الحيوانات ليس من جنس تمايز الحيوان عن الحيوان الآخر؛ بل ثمّة في الإنسان ـ بالإضافة إلى بُعد الغريزة المشتركة مع الحيوان، ويمكن أن تكون موجودة في كلّ حيوان بأبعاد خاصّة أيضًا ـ بُعد آخر باسم الفطرة أيضًا؛ حيث يجب أن يقوم تحليل حقيقة الإنسان على فهم هذا البُعد، وحتى الأبعاد الموجودة في الحيوانات باسم الغريزة ـ والتي ربما نجد لدى الإنسان ما يشبهها بحسب الظاهر ـ يجب التعرّف عليها بنحو ما في ضوء الفطرة؛ لكي نحصل على معرفة معتبرة عن الإنسان. وهكذا فإنّه بالإضافة إلى الامتيازات الخاصّة التي يتحلّى بها الإنسان والتي قد تفضّله حتّى على الملائكة، قد يتّصف الإنسان في الوقت نفسه بأسوأ الرذائل الشيطانيّة التي قد لا نجدها حتى في أرذل الحيوانات أيضًا، إنّما يعود سببه إلى هذه الدقائق المودعة في هذه الدائرة من وجود الإنسان أيضًا.

لقد قيل الكثير حتى الآن بشأن «الفطرة»؛ ولكن قلّما تعرّض شخص إلى جدوائيّتها في قبال النظريّات المنافسة الأخرى؛ ومن هنا سوف نسعى في هذه المقالة إلى عرض هذه الرؤية على بعض المواقف الأساسية في الآراء الحداثويّة؛ لكي تتضح أبعادها وظرفيّاتها في قبال التنظيرات الغربيّة.

1 ـ الفطرة في قبال الفهم الأرسطيّ والفلسفة الوجوديّة للإنسان: التعيّن بالقوّة
في الأفق التحليليّ الأرسطيّ، كان مفهوم «الناطق» يُستعمل بوصفه فصلًا مميّزًا ذاتيًا للإنسان، في عرض مفاهيم من قبيل «الناهق» (فصل الحمار)، و«الصاهل» (فصل الحصان)، و«المفترس» (فصل الأسد)، و«الخائر» (فصل البقر)، وكلّ واحد من هذه المفاهيم هو «فصل» بالنسبة إلى «النوع الأخير»؛ ويضع هذا النوع في عرض الأنواع الأخرى، وفي ذيل «الحيوان». إنّ هذا الرأي يتماهى كلّ التماهي مع النظرة الداروينيّة التي تشكّل مبنى للتقسيمات والتصنيفات الأحيائيّة المعاصرة، وللفرضيّات الأوّليّة في العلوم الإنسانيّة الحديثة، والتي تعتبر الإنسان حيوانًا وامتدادًا للحيوانات السابقة. وأمّا في الحكمة المتعالية، فيتمّ إثبات أنّ الإنسان ـ بالنظر إلى حقيقته النفسانيّة ـ لا يندرج ضمن النوع الأخير، بل هو من النوع المتوسّط (الجنس)[21]، حيث يمكن له أن يعيّن نفسه ضمن أيّ واحد من هذه الماهيّات الحيوانيّة[22]، أو يتخطّى جميع هذه المراتب[23]. إنّ هذا الأمر يثبت خلقًا خاصًّا للإنسان، وقد تمّ التعبير عنه في الأدبيّات والنصوص الدينيّة، بكلمة «الفطرة» المفتاحيّة، كما في قوله تعالى: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)[24].

وفي الحقيقة فإنّ «الفطرة» في الإنسان، ربما كانت في الأدبيّات الأرسطيّة أقرب إلى «القوّة» ـ في قبال «الفعليّة» (في معنى المادّة الثانية، دون الهيولى الأولى)[25] ـ منها إلى شيء من جنس «الماهيّة» و«الفصل الماهويّ» الذي يحتوي في ذاته على نوع من الفعليّة والثبات الذي لا يمكن اجتنابه: إنّ الذي يجعل من الإنسان إنسانًا، ويجعله مختلفًا عن سائر أنواع الحيوانات الأخرى، إنّما هي قابليّة وظرفيّة كبيرة للغاية، وتسجّل بطبيعة الحال توجّهًا معيّنًا في الإنسان؛ بيد أنّ تعيين هذا الاتجاه وإيصاله إلى مرحلة الفعليّة، أمر يقع تحت اختيار كلّ شخص، وإنّ الكائن الوحيد الذي يمتلك هذه الظرفيّة والقابليّة الخاصّة هو الإنسان فقط[26].

توضيح ذلك أنّ كلّ حيوان سوف يبقى على ما هو عليه منذ البداية إلى النهاية. فالحصان منذ البداية حصان والكلب كلب، ولا معنى لتغيير الماهيّة فيهما؛ وأمّا الإنسان فهو كائن يتقدّم وجوده على ماهيّته كما يقول الوجوديّون؛ بمعنى أنّ تعيّنه بيده وراجع إليه، وليس أمرًا متعيّنًا من ذي قبل؛ فالإنسان يمكن له أن يختار مسيرًا يؤدّي به إلى دائرة الذئب (مفترسًا)، أو إلى دائرة الخنزير (شهوانيًّا) أو ... الخ، أو يكون تلفيقًا منها وما إلى ذلك. وفي الحقيقة والواقع إذا أردنا أن نتكلّم بلغة أرسطيّة، يمكن لهذا الإنسان أن يصنع لنفسه الماهيّة التي يريدها، كما يمكنه ـ على حدّ تعبير القرآن ـ أن يكون من أسوأ أنواع الخلق (شَرُّ الْبَرِيَّةِ)[27] أو أن يكون من أفضل أنواع الخلق (خَيْرُ الْبَرِيَّةِ )[28]، وهو الشيء الذي يختلف في رؤيتنا العامّة للماهيّة الموجودة في جميع الحيوانات اختلافًا جوهريًّا.

ولكن الإنسان بدوره ـ خلافًا لنظرة الوجوديّين ـ ليس غير متعيّن على نحو بحت؛ إذ يكفي أن نعلم بأجمعنا أنّ ثمّة نوعًا خاصًّا من الكائنات هو الإنسان، وهو يمتاز من الحصان والقرد وما إليهما، ليدلّ ذلك على أنّنا أمام تعيّن خاصّ. وفي الحقيقة يبدو أنّنا قد وقعنا في ثنائيّة:

1ـ أن نقول مثل أرسطو بوجود ذات وماهيّة متعيّنة خاصّة للإنسان؛ وعندها يبقى هذا التنوّع العظيم من السلوكات والهويّات الإنسانيّة الذي يتبلور بإرادة وأعمال الناس أنفسهم، ويجعل من الإنسان ـ على حدّ تعبير صدر المتألّهين ـ بمنزلة الجنس (دون النوع)، غير قابل للتفسير.

2 ـ أن نعمد مثل الوجوديّين إلى إلغاء جميع أنواع الماهيّة للإنسان، ونجعل من حرّيّة الإرادة (أن يحقّق ذاته على نحو ما يريد) بوصفها ضابطة أصليّة للإنسان؛ والذي هو بغض النظر عن النسبيّة الأخلاقيّة ـ التي ينطوي عليها هذا الرأي ـ يواجه هذه المعضلة الفلسفيّة أيضًا، وهي أنّه إذا كانت هناك ماهيّة في الواقع باسم الإنسان تميّزه من الكلب والأسد وما إلى ذلك، نتساءل عن أيّ موجود نتحدّث؛ بحيث يكون وجوده متقدّمًا على ماهيّته؟!

لو أخذنا كلمة «الغريزة» المفتاحيّة لتلك الحيثيّة الحيوانيّة المشتركة في جميع الحيوانات التي تميّزها من الأشياء الطبيعيّة والجسمانيّة المحضة، مع لحاظ التفاوت النوعيّ بمقتضى الحيوانات الخاصّة بنظر الاعتبار، يجب أن نرى للإنسان خلقًا خاصًّا جدًّا، أي «فطرة» مختلفة تميّزه من بُعد «الغريزة». إنّ هذه الفطرة قد جمعت في ذاتها بحسب الظاهر خصّيصتين متناقضتين؛ فهي من جهة تحتوي ـ بالنسبة إلى أنواع من التعيّنات ـ على ظرفيّات لا متناهية، وبطبيعة الحال فإنّه ليس أيّ واحد من هذه التعيّنات على نحو الفعليّة؛ ومن ناحية أخرى فقد تحقّق فيه نحو من التعيّن الخاصّ (نوع من الاتجاه الوجوديّ المقرون باختيار التحقّق أو عدمه) بحث جعله بوضوح منذ بداية الولادة مختلفًا عن سائر الكائنات الأرضيّة والسماويّة الأخرى.

وعلى هذه الشاكلة، فإنّه على الرغم من أنّ الإنسان في نظريّة الفطرة لا يتمّ التعريف به على النحو الأرسطيّ، حيث يستحيل في حقّه انقلاب الماهيّة، ويتمّ الإذعان والإقرار بهذه الظرفيّة الخاصّة لدى الإنسان ـ كما هو الحال بالنسبة إلى الوجوديّين ـ في تقدّم وجود الإنسان على ماهيّته؛ ولكنّه من ناحية أخرى، حيث يقبل في نهاية المطاف بـ «الحقيقة الأصليّة» للإنسان، لا يسقط في فخّ النسبيّة الناشئة من هذا الاتجاه الوجوديّ، بل يمكنه ـ على الرغم من إنكار الوضعيّة الماهويّة الفعليّة للإنسان ـ أن يتكلّم عن اتجاه ذاتيّ وعن واقعيّة مثاليّة إنسانيّة متعيّنة، وعن مسار معيّن للوصول إلى تلك الوضعيّة الأصيلة. إنّ الجمع بين هاتين الحيثيّتين في الإنسان هو الذي ميّز حقيقة الإنسان وماهيّته من سائر الموجودات، وجعلته متّصفًا بـ «الاختيار» و«الإرادة» بالمعنى الدقيق للكلمة بوصفهما من الخصائص الخاصّة بالإنسان. فهو يمتلك ظرفيّة لامتناهية، ويوجد لديه توجّه حقيقيّ، وهو بطبيعة الحال ليس من قبيل الميل والقوّة لدى الحيوانات، بحيث يمكن للعامل الخارجيّ وحده أن يحول دون الوصول إلى مرحلته الفعليّة، بل إنّ هذه القوّة الموجّهة تصل إلى مرحلة الفعليّة باختياره. فإنّ تحرّك بهذا الاتجاه فسوف يصل إلى الازدهار الذاتيّ؛ ولكن قد تمّ إيداع هذه الإمكانيّة في ذاته أيضًا، حيث يمكنه أن يمتنع عن السير في ذلك الاتجاه؛ فيضع نفسه في موقف شيطانيّ يقذف به لينحط إلى مراتب أدنى وأخطر من جميع أنواع مراتب الحيوانيّة؛ وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى:

ـ (أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ)[29].

ـ (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَة)[30].[31]

وعلى هذه الشاكلة لا نخرج من الثنائيّة الأرسطيّة / الوجوديّة فحسب، بل لن تكون هناك حاجة إلى تحليل جميع مساوئ الإنسان وشروره على أساس مجرّد إحالتها إلى بُعده الحيوانيّ فقط؛ لا سيما بالنسبة إلى الشرور التي لا يمكن أن نجدها لدى أيّ نوع من أنواع الحيوانات، ولربما لا يكون هناك إمكان لوقوعها وتحقّقها أيضًا[32].

2 ـ الفطرة في قبال الثنائيّة الديكارتيّة / الكانطيّة، وجدل الوضعيّة والهرمنيوطيقيّة: التركيب الاتحاديّ بين النفس والبدن
إنّ مسألة نسبة النفس والبدن التي شغلت التفكير الغربيّ مع رينيه ديكارت[33] على شكل ثنائيّة «الذهن» و«الجسم»، وبلغت ذروتها مع إيمانوئيل كانط[34]، قد أدّت بعد كانط إلى وضع الاتجاهين المتمثّلين بالواقعيّة والمثاليّة[35] في مواجهة بعضهما؛ حيث انتهى الاتجاه الأوّل إلى تبلور التيّارات الوضعيّة، بينما انتهى الثاني إلى تمهيد الأرضية لظهور المواجهة الهرمنيوطيقية والتفسيرية مع الإنسان والثنائيّة المتخاصمة بين الفلسفات القارّيّة والتحليليّة، وتبعًا لذلك ثنائيّة الاتجاهات الوضعيّة والتفسيريّة في فهم حقيقة الإنسان.

وحيث إن ركوب الفطرة على صهوة الغريزة والطبيعة (أو على حدّ التعبير القرآنيّ: نفخ الروح الإلهيّة في القالب الجسمانيّ)، كان على نحو التركيب الاتحاديّ ـ دون التركيب الانضماميّ ـ فإنّ تحليل دائرة الفطرة واقتضاءاتها، يجب أن يقوم على تحليلات دائرة الغريزة والطبيعة في الإنسان، وليس في عرضها؛ ومن هنا فإنّ التحليلات التي تسعى إلى إيجاد تفاوت واختلاف أساسيّ وجوهريّ بين الروح والجسم، وتفصل مهمّة التعرّف على الظواهر الإنسانيّة ـ تحت ذريعة الظرفيّات المعنويّة العظيمة في الوجود الإنسانيّ ـ عن مسار معرفة مادّيّته بالمرّة، وحتى أنّ تضع المسار التكامليّ للروح إلى الضدّ من المسار التكامليّ للجسم (الأعمّ من الاتجاهات الهنديّة والمسيحيّة المحرّفة على أساس الرهبانيّة، والتعارض بين عالم المادّة وعالم المعنى، والاتجاهات الهرمنيوطيقيّة السائدة في المدارس القارّيّة والمناهضة للوضعيّة)، قد تنكّبت الطريق، بنفس المقدار الذي تنكّبته التحليلات التي تحيل جميع أفعال الإنسان وتصرّفاته بشكل وآخر إلى دائرة الغريزة (أي الاتجاهات الوضعيّة وما بعد الوضعيّة في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة الحديثة في فضاء الاتجاهات التحليليّة الأنجلوسكسونيّة).

يبدو أنّ كلا الرؤيتين تشتركان في هذه الناحية، وهي أنّهما تقولان إنّ النسبة بين الروح والبدن (وتبعًا لذلك: النسبة بين الفطرة والغريزة)، تكون على نحو التركيب الانضماميّ [دون التركيب الاتحاديّ)، وحيث يسقطون من الناحية المبنائيّة في نوع من الثنائيّة، فإنّهم لا يجدون بُدًّا من إلغاء واحد من هذين البُعدين لحساب الآخر، الأمر الذي يقطع الطريق بشدّة على الفهم الصحيح والجامع لحقيقة الإنسان، والمعتقدات، والاتجاهات، والسلوكات.

ولكي نفهم هذه المسألة بشكل أفضل، أرى من المناسب أن أذكر البحث عن الأفق الانتزاعيّ الفلسفيّ لساحة العلوم الأكثر انضماميّة:

إنّهم يذهبون إلى اعتبار أوجست كونت[36]  أبًا لعلم الاجتماع؛ وهو يرى أنّه ليست العلوم الأحيائيّة فحسب، بل وجميع العلوم الناظرة إلى الأفعال الاجتماعيّة والثقافيّة للإنسان، يجب أن تكون من جنس العلوم الطبيعيّة أيضًا (وإنّه في الإشارة إلى علم الاجتماع يستخدم في البداية مصطلح «الفيزياء الاجتماعيّة»)، وهذا يمثّل بداية للاتجاه الوضعيّ في حقل العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، وهذا الأمر يتنزّل بالإنسان إلى حدود سلسلة من الواقعيّات الفيزيقيّة القابلة للتكهّن، وبالتالي فإنّها تهبط بمستواه إلى مستوى علم الأحياء، وتسعى إلى جعل التكهّن بشأن الأبعاد الجسمانيّة والحيوانيّة ـ كما هو الحال بالنسبة إلى اكتشاف القوانين العلّيّة الميكانيكيّة في حقل الفيزياء والبيئة ـ أمرًا ممكنًا، بحيث تكون القوانين العلّيّة في دائرة العلوم الاجتماعيّة قادرة على التنبّؤ بسلوك الإنسان، وهو ما نشاهده بوضوح في أعمال إميل دوركهايم[37]. عندما يذهب شخص مثل إيمانوئيل كانط إلى التعريف بمجرّد «الفيزيقا» (الطبيعيّات) بوصفها وحدها العلم الواقعيّ الممكن، ويرى الفلسفة عاجزة عن إبداء أيّ رأي بشأن الواقعيّة العينيّة، فمن الطبيعيّ أن تظهر مثل هذه الاتجاهات الوضعيّة حتى في حقل العلوم الاجتماعيّة ـ التي تسعى إلى التعريف بنفسها بوصفها نظيرًا للعلوم الطبيعيّة «العلم» ـ أيضًا.

في مقابل هذا الاتجاه، ظهر فيلهم دلتاي[38] بوصفه واحدًا من أبرز الشخصيّات في التيّار التاريخيّ[39] الذي مهّد الأرضيّة لظهور الاتجاهات الهرمنيوطيقيّة في حقل العلوم الإنسانيّة، وحيث كان يرى كانط فيلسوفًا فيزيقيًّا، ويرى نفسه فيلسوف العلوم الإنسانيّة، فقد خالف صراحة مواجهة الوضعيّة في حقل معرفة الإنسان، وتحدّث صراحة عن الاختلاف الشديد بين «العلوم الطبيعيّة»[40] (الأعم من الفيزياء وعلم الأحياء) وبين ما يطلق عليه عنوان «العلوم الروحيّة»[41]، ويتمّ الحديث عنه في المجتمعات الناطقة بالإنجليزيّة بعنوان «العلوم الاجتماعيّة»[42] أو «العلوم الإنسانيّة»[43]. وفي الحقيقة فإنّ دلتاي والتيّار الهرمنيوطيقيّ الذي جاء من بعده، أدركوا أنّ أفعال الإنسان بسبب تمتّعه ببُعد «المعنى» تختلف بشكل جذريّ عن سلوك الأشياء الطبيعيّة وتصرّفات الحيوانات، بيد أنّهم يمتلكون أفقًا وراء الفهم الداروينيّ للإنسان، وبالتالي لم يكن لديهم شرح وتفسير معقول لأسباب دخول «المعنى» إلى صلب حياة الإنسان. وعليه فإنّ ثمرة القول بهذه الاختلاف ـ على الرغم من جهود أمثال ماكس فيبر[44] وجورج سيمل[45] ـ ليست سوى السقوط في فخّ النسبيّة[46]، والبنائيّة الاجتماعيّة[47][48].

بيد أنّ فصل دائرة الفطرة عن دائرة الغريزة، والاهتمام باقتضاءاتها الخاصّة في التحليلات الناظرة إلى الإنسان، ناشئة عن إدراك لحقيقة العالم والإنسان لا يضع أمامنا مجرّد فهم أكثر عمقًا لوضعيّة الإنسان بالنظر إلى المباني الفلسفيّة للحكمة المتعالية والتي تحول دون السقوط في المعضلة أعلاه فحسب[49]، بل وإنّ التطوّر العلميّ الراهن قد صحّح ذلك الفهم للإنسان بشكل غير مباشر. في الفهم الأرسطيّ (حيث إن التيّار الوضعيّ ـ رغم اختلافاته الظاهريّة مع أرسطو ـ يقوم على هذا الفهم بشدّة)، في حقل التعرّف على الحقائق والواقعيّات العينيّة ذات الجسم، إنّما نواجه مجرّد حقل علميّ باسم «الطبيعيّات»[50]، حيث كانت تتحدّث على مدى قرون حول الأشياء الجسمانيّة البحتة، وعن الكائنات الحيّة وذات النفس أيضًا. ومع تطوّر العلم، انفصل «علم الأحياء» في الخطوة الأولى عن الفيزياء (Physics)، وفي الخطوة اللاحقة امتازت «العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة» من علم الأحياء وعلم الفيزياء». وفي الحقيقة فإنّه مع حدوث أنواع التقدّم والازدهار والتطوّرات العلميّة، أضحى تمايز الحقول في البُعد الجسمانيّ البحت (الأعم من الفيزياء والكيمياء والجيولوجيا والنجوم وما إلى ذلك)، من الحقول في بُعد الكائنات الحيّة (الأعمّ من علم الأحياء والطبّ والتحقيقات الزراعيّة والبيطرة وما إلى ذلك)، وامتياز هاتين الطائفتين من العلوم من الحقول الناظرة إلى الإنسان (العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة الأعمّ من علم الاجتماع وعلم النفس وعلم الاقتصاد والإدارة والحقوق وما إلى ذلك)، والاقتضاءات التحقيقيّة في هذه المجالات (على الرغم من وجود المشتركات بين هذه الأمور بأجمعها)، أمرًا واضحًا للجميع؛ رغم أنّ المبنى المعرفيّ لهذا التمايز، لم يتّضح بعد.

ندّعي في هذه المقالة أنّ الثمرة المهمّة في سلوك الأدبيّات الحديثة (الطبيعة / الغريزة / الفطرة)، تكمن في أنّنا لا نستطيع التوقّف في أفق المعرفة الفيزيائيّة أو المعرفة الداروينيّة والأحياء الحيوانيّة البحتة عن الإنسان؛ توضيح ذلك أنّه كما تبيّن اليوم أنّ القوانين الفيزيائيّة رغم سيادتها على الكائنات الحيّة أيضًا، لا يمكن الاكتفاء بمجرّد الأبحاث الفيزيائيّة في التعرّف العميق والدقيق على الحياة والكائن الحيّ؛ بل نحن بحاجة إلى حقل علميّ آخر باسم علم الأحياء (حيث يتعاطى هذا العلم مع الكائن الحيّ، حتى لو لم تكن ماهيّة الحياة واضحة بعد بالنسبة إليه)، حيث تنظر بطبيعة الحال حتّى إلى القوانين الفيزيائيّة الحاكمة على الكائنات الحيّة في هذه الدائرة من علم الأحياء أيضًا؛ بمعنى أنّه حتى بيان «الحركة» ـ التي قد تكون من أهمّ المسائل الفيزيائيّة ـ عندما يتمّ طرحها في خصوص الكائنات الحيّة، تترك مرّة واحدة لعلم الأحياء، وإنّ المختصّ في علم الأحياء في بيان وشرح حركات النباتات والحيوانات، في ذات الاهتمام والالتفات إلى القوانين الفيزيائيّة الحاكمة على الأجسام (من قبيل: قوّة الجاذبيّة)، إلّا أنّه لا يكتفي بها أبدًا، ويعتبرها مجرّد جزء صغير، بل وإنها في الغالب تابعة لتحليلاته الأحيائيّة عن «حركة النبات أو الحيوان».

وعلى هذه الشاكلة، كذلك لا يمكن التوقّف في الأبحاث الناظرة إلى حقيقة الإنسان عند أفق المعرفة الفيزيائيّة أو المعرفة الداروينيّة والأحياء الحيوانيّة البحتة عن الإنسان، وإنّ الفطرة الإنسانيّة من الغلبة على غرائزه بحيث يجب بحث ودراسة جميع أفعاله وسلوكاته، حتى تلك السلوكات والأفعال الغريزيّة ـ بحسب المصطلح ـ في ضوء هذه الدائرة. هذه مسألة تنبّه إليها أمثال فيلهم دلتاي لاشعوريًّا، وإن لم يمتلكوا لها تفسيرًا وجوديًّا وأنطولوجيًّا مناسبًا.

3 ـ الفطرة في قبال ثنائيّة الجبر والتفويض (الحتميّة[51] وحرّية الإرادة: بيان الاختيار في الإنسان
إنّ الفهم الذي كان سائدًا منذ عصر أرسطو حول ماهيّة «إرادة» الإنسان، ربما لم يكن يرى اختلافًا جوهريًّا بين الإرادة والرغبة؛ إذ إنّه كان يعمد في نهاية المطاف إلى بحث وتحليل الإرادة بلحاظ وجوديّ أنطولوجيّ في أفق الحيوان[52]؛ ومن هذه الناحية كانت المدارس الفلسفيّة على الدوام تواجه مسألة اختيار الإنسان، وترى نفسها واقعة في شراك ثنائيّة الجبر والتفويض[53].

للحصول على فهم واضح لمسألة الفطرة وماهيّة الدور الذي تلعبه في بيان موقع إرادة الإنسان، من المناسب أن نبدأ من الخطوة التي تسبق الفطرة، أي يجب علينا أن نبدأ في هذا الشأن من موقع الغريزة في نظام الخلق. إنّ أفضليّة الحيوان على النبات ـ في ضوء تفسير العلّامة الطباطبائيّ ـ تكمن في أنّ الحيوان قد أضيف إلى وجوده ـ علاوة على المنظومة الطبيعيّة ـ منظومة نفسيّة أيضًا؛ بحيث تعمل هذه النفس على تلبية غاية النظام الطبيعيّ لدى الحيوان بشكل لا شعوريّ[54]. إنّ النقطة المهمّة في هذا البحث هي أنّ هذه المنظومة النفسانيّة (سواء أكانت في الحيوان أو في الإنسان) إنّما تواصل عملها ونشاطها بطريقة «الاعتبار»؛ بمعنى أنّ الرغبة الغريزيّة وفي إثر اللذّة والاستمتاع الغريزيّ، يحصل هناك اعتبار[55] «الضرورة» في ذهن وضمير الحيوان أو الإنسان؛ وإنّ تلك «الضرورة الذهنيّة والنفسيّة، تحرّكه نحو القيام بالفعل؛ من ذلك على سبيل المثال: أنّ غريزة الجوع هي التي تؤكّد «ضرورة تناول الطعام» في ذهن ونفس الإنسان أو الحيوان؛ ومن هنا فإنّ غريزة الجوع ـ على سبيل المثال ـ لو عملت بشكل غير طبيعيّ، فإنّ الفرد سوف يواصل أكل الطعام حتى إذا لم تكن لديه حاجة إلى تناول الطعام؛ فيموت من التخمة، أو إذا لم تعمل من الأساس، فإنّه سوف يمتنع عن أكل الطعام حتى يموت من الجوع[56].

إنّ هذا النوع من البحث وإن لم يكن له وجود في آراء أرسطو، إلّا أّن المسألة لا تتنافى مع المباني الأرسطيّة (تحليل الإنسان في أفق الحيوان)، بل وكذلك فإنّها تنسجم حتى مع آراء ديفيد هيوم[57] في كيفيّة تبلور الاعتبارات أيضًا؛ إذ لا يزال «الاعتبار» يتمّ شرحه في دائرة قوّة الوهم والخيال فقط، حيث للحيوان نصيب من ذلك أيضًا. بيد أنّ النسبة التي يقيمها «الوهم» في الإنسان مع «الفطرة» (ولا سيّما دائرة «العقل»، بوصفه واحدًا من أبرز تجلّيات الفطرة)، ويتمّ توظيفها في أفق الفطرة، تؤدّي إلى امتياز مسألة الاختيار والإرادة في الإنسان من الرغبة والإرادة في الحيوان، وتسجّل ظرفيّات من الاعتبار في حياة الإنسان، حيث تؤدّي إلى غلبة النظام الاعتباريّ على مجمل حياة الإنسان.

وفي الحقيقة والواقع فإنّ أصل وجود قوّة الوهم والخيال في الحيوانات قد جعلت أصل الاعتبار عندها أمرًا ممكنًا؛ بيد أنّ هذه «الوهم» إنما يتسلّح بقوّة «الحسّ» فقط، بيد أنّ النسبة التي تقيمها هذه القوّة مع قوّة العقل والتي تقيمها في الواقع مع الفطرة، تضفي الكثير من التعقيدات والأمور الدقيقة على الحياة الإنسانيّة، بحيث تجعل سنخ هذه الحياة متميّزة من الحياة الحيوانيّة؛ بمعنى أنّها تعمل على بلورة «ثقافة» و«حضارة» مشتملة على أبنية بشريّة؛ سواء من النوع الفيزيقيّ والمادّيّ أو على أبنية ثقافيّة واجتماعيّة. وهكذا الأمر لو أضفنا ظاهرة اللغة ـ وهي نظام بالغ التعقيد في حقل العلاقات الإنسانيّة ـ حيث تشكّل مادّة جوهريّة للتمايز في العلاقات والروابط الحيوانيّة، ويمثّل خفضها إلى مستوى توظيف اللسان في العلاقات المباشرة خطأ استراتيجيًّا؛ لا سيّما وأنّ الله سبحانه وتعالى قد جعل من «تعليم الأسماء» للإنسان أهم شيء في تخويله مقام الخلافة الإلهيّة وتفوّقه حتى على الملائكة، بل تمّ التعريف بـ «تعليم البيان» بوصفه من أهمّ الخصائص في مجمل خلق الإنسان، كما في قوله تعالى: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)[58]، فإلى أيّ مدى يمكن لدائرة الاعتبارات أن تتّسع وتزدهر. عندها يجب تحليل حياة الإنسان في ضوء تعقيدات هذه الأبنية، بحيث لا يتمّ خفض كلّ شيء إلى دائرة الغرائز، والتعريف بالإنسان بوصفه مجرّد حيوان صانع للأدوات، ولا حتّى تجاهل البعد البنيويّ وظرفيّاته في الانحطاطات الإنسانيّة المعقّدة، تحت ذريعة حقيقة الإنسان المتعالية.

توضيح ذلك أنّ الحيوان على الرغم من امتلاكه لإمكانيّة الاعتبار بسبب امتلاكه لبُعد باسم الغريزة ومنظومة النفسانيّات بالإضافة إلى بُعد الطبيعة، إلّا أنّه حيث تقتصر ظرفيّته الوجوديّة على هذا الأفق من الغريزة، واستناد وأهمّيّته إلى الحسّ فقط، تكون اعتباراته محدودة للغاية. وبعبارة أخرى: إنّ الغريزة تعمل طبقًا لاقتضائها الأوّليّ في صلب الخلق وفي سياق ذات الاحتياجات الطبيعيّة؛ وعلى الرغم من ذلك المقدار من اللذّة التي تحرّكها، وما يكون لقوّة الواهمة من التدخّل، يمكن أن يكون لديها شيء قليل من الاعتبارات الأكثر تعقيدًا؛ ولكن حيث يقع وهم الإنسان تحت عقله، وهو بالإضافة إلى ذلك يحظى بظاهرة باسم اللغة، فإنّ الوهم لدى الإنسان يجد لنفسه متّسعًا وهامشًا كبيرًا للمناورة والكرّ والفر، وتصبح هذه الاعتبارات في غاية التعقيد[59]، حتى في أبسط احتياجات الإنسان التي يبدو فيها مشتركًا فيها بحسب الظاهر مع الحيوان، يمكن لنا أن ندرك الاختلافات الكبيرة لدى الإنسان والتي تميّزه من الحيوانات الأخرى في رفع هذه الاحتياجات، بحيث يمكن حتّى في هذه اللحظة ومن خلال مجرّد هذه الأبعاد الثلاثة التي يشترك فيها مع الحيوان ـ بحسب الظاهر ـ شرح هذا التنوّع الكبير في الثقافات الإنسانيّة بسبب تنوّع اعتباراتهم، وليس بسبب تنوّعهم البيولوجيّ[60]. وعلى هذه الشاكلة فإنّ هذه الاحتياجات المعقّدة تستتبع اعتبارات، وتصبح هذه الاعتبارات في بعض الأحيان شديدة البُعد عن الاحتياجات التي شكّلت أرضيّة لظهورها، بحيث قد تكون بعيدة المنال، وتستغرق معها حياة الإنسان في هذه الاعتبارات بحيث تغطي على الدوام حقائق الاحتياجات واللذّات الطبيعيّة؛ حتى أنّه قد يتحمّل الإنسان أقسى الظروف وأشدّها عذابًا وعنتًا بسبب أمور اعتباريّة محضة، من قبيل: حبّ الجاه والشهرة. ويمكن العثور على النموذج والمصداق البارز لهذه الظاهرة في إنتاج واختلاق الاحتياجات اليوميّة في «المجتمع الاستهلاكيّ الحديث»، بحيث لا يعود من الممكن ـ بعد فترة ـ تصوّر إمكانية الحياة من دونها، ويصبح توفيرها أوجب على الإنسان من خبزه اليوميّ، من قبيل حاجة الإنسان الحديث إلى الإنترنت!

وبعبارة أخرى: ثمّة حاجة لدى الحيوان [وكذلك لدى الإنسان أيضًا] حيث تعمل المنظومة النفسانيّة وبتحفيز من محرّك باسم اللذّة، على تلبية تلك الحاجة، وبطبيعة الحال حيث يمكن أن يكون الرافع لتلك الحاجة هي اللذّة، تذهب تلك اللذّة إلى جهة قد لا تكون لها بالضرورة أيّ صلة بحاجته؛ ونتيجة لذلك قد يمكن لهذه اللذّات والاعتبارات المتناسبة معها أن تؤدّي ـ من حيث الأداء الطبيعيّ ـ إلى الانحراف وتعمل على التأسيس لأبنية غير معقولة إلى حدّ ما. بيد أنّ دائرة هذا النوع من الانحرافات لدى الحيوانات، هي أوّلًا: في غاية الضيق والقلة، وثانيًا: إنّ قانون تشارلز دارون في القول بـ «بقاء الأصلح» يعمل بالتدريج على حذف وإلغاء هذه الانحرافات[61]؛ وأمّا بالنسبة إلى الإنسان فإنّه حيث يمتلك بُعدًا واسعًا باسم الفطرة، والتي تؤدّي في نهاية المطاف إلى تعقيد منظومة النفسانيّات بشكل أكبر، واتساع رقعة الاعتبارات، يكون إمكان الانحراف بدوره مختلفة جدًّا وأكثر تعقيدًا.

4 ـ الفطرة في قبال ثنائيّة الحقوق الطبيعيّة والاعتباريّة: حقّ الحريّة أو حقّ الازدهار؟

لقد اتضح أوّلًا: أنّ مسألة الفطرة قد ارتبطت في آن واحد بالعقل والفهم ما فوق الحيوانيّ للإنسان، كما ارتبطت بالإرادة ما فوق الغريزيّة التي يمتلكها؛ بمعنى أنّ الإنسان يمكنه تشخيص الحقّ المتعالي، كما يمكنه العمل على الرغم من رغبته ولذّته. وثانيًا: إنّ الاحتياجات الحقيقيّة للإنسان ـ خلافًا للحيوان ـ لا هي فعليّة بالكامل، ولا هي محدودة بدائرة الحياة المادّيّة والدنيويّة فقط.

ونضيف هنا أنّ وجود هذه الاحتياجات الواقعيّة التي تعمل على توجيهه حقيقة، يسمح لنا اعتبار بعض الاعتبارات مبرّرة وفي سياق السعادة الحقيقيّة للإنسان، وبعضها الآخر غير مبرر وفي إطار هلاكه النهائي؛ ومن هنا يجب أخذ مسألة «حقوق الإنسان» بنظر الاعتبار وتفسيرها ضمن تبريرنا وتوجيهنا لهذه الاعتبارات[62].

وفي الحقيقة فإنّ وجود اللذّة والغربة لا يكفي وحده ليكون دليلًا على الإقرار والاعتراف بوجود «حقّ» للبشر. وعندما نروم بحث إباحة اعتبار إنسانيّ، يجب علينا الالتفات إلى أنّ هذه اللذّات حتّى إذا كانت ذات قيمة، لا ينبغي أن تتّجه إلى خلاف مسار رفع الحاجة الأصليّة. وفي الحقيقة فإنّ الاعتبارات في الحيوانات حيث تكون بسيطة؛ فإنّ ذات نظام الخلق قد جعل اللذة في مسار غاية الطبيعة، وإذا حصل انحراف فهو نادر وعابر، وعلى حدّ تعبير تشارلز دارون: إنّ قانون «بقاء الأصلح» سوف ينبذ ذلك الأمر الزائد والمنحرف؛ وأمّا في الإنسان، فإنّه يدرك حيث تعقيد الاعتبارات أنّه وإن أمكنه أن تكون له اعتبارات لمجرّد اللذّة الحسّيّة وحتى اللذّة الوهميّة، إذا جعل اللذّة وحدها هي المعيار في الاعتبار وامتلاك الحقّ، ربما استتبع ذلك اعتبارات قد تؤدّي في الأساس إلى هلاك ذات المعتبر (كما نشاهد ذلك في اللذّة التي يشعر بها المدمن على المخدّرات).

وهنا يتجلّى مفهوم «السعادة» بوصفه مفهومًا جوهريًّا ومفتاحيًّا في حياة الإنسان. يسعى كلّ شخص من خلال مجموع أفعاله وأعماله أن يصل إلى الحالة الأفضل التي يمكنه الوصول إليه؛ وعليه فإنّه بالنظر إلى التزاحم من أجل الوصول إلى الاحتياجات وإشباع الغرائز والملذّات الماثلة أمامه، يجب أن يأخذ نظامًا اعتباريًّا بنظر الاعتبار، بحيث يضمن له النفع الأكبر في المجموع. والمهمّ هو أنّه بسبب السعة الكبيرة في دائرة الاعتبارات التي يمكن للوهم أن يجعلها في مساحة العقل والفطرة (دون الوهم والخيال المحصور في دائرة الغريزة والطبيعة)، قد يصل الأمر إلى إيجاد محمل لتوصيف البنائيّة عن جميع حقائق الحياة الإنسانيّة، وتصبح حقوق الإنسان ـ التي يراد لها أن تكون ذات قيمة شموليّة ـ مجرّد تابعة للاعتبارات بين الأفراد؛ في حين أنّ حقوق الإنسان إذا كانت مجرّد اعتبار، كيف يمكن الحديث عن قيمتها وقداستها، بحيث يكون الجميع (ومنهم المخالفون) ملزمًا بالقبول بها على المستوى الأخلاقيّ والحقوقيّ؟!

إنّ الإنسان في الرؤية الإنسويّة لا يتمتّع بكرامة خاصّة، سوى الأفضليّة الداروينيّة؛ بمعنى أنّ الإنسان ما أن تفوّق على سائر الحيوانات الأخرى في قدرته على بناء الحياة الاجتماعيّة القائمة على الاعتبار، فإنّ حقّه سوف يكون تابعًا لمجرّد الاعتبارات والعقود لا أكثر؛ وعليه يصبح «حقّ الحرّيّة» من أهمّ الحقوق الاعتباريّة للإنسان، ويصل الوجوديّون والليبراليّون هنا إلى نقطة واحدة، وهي: أنّ الإنسان حرّ في أن يحقّق لذاته ذلك التعيّن والتشخّص الذي يريده لنفسه؛ في حين أنّهم لا يمتلكون تفسيرًا يبرّرون به السبب الذي يجعل من هذه الحرّيّة ـ بوصفها حقًّا من حقوق الإنسان ـ أمرًا مطلوبًا، ولا يقولون بذات هذه الحريّة بالنسبة إلى الإنسان أيضًا[63].

وعلى هذا الأساس فإنّه برؤية عميقة يتّضح أنّه من دون الإذعان بواقعيّة غيبيّة وميتافيزيقيّة في الإنسان باسم الفطرة، لا يمكن الحديث عن «حقوق الإنسان». إنّ الإنسان في منطق الإيمان بالله، حيث يمتلك فطرة وروحًا إلهيّة، فإنّه قبل الدخول إلى مسرح الدنيا عاهد الله، وأعطاه الله عهده وجعل له «الحقّ» في أن يكون «خليفته» في الأرض؛ وعليه يكون الإنسان في الدرجة الأولى مسؤولًا أمام الله، ومن هنا يكون مسؤولًا أمام نفسه وأمام الآخرين وتجاه عالم الطبيعة. وفي مثل هذا الفضاء، لا يمكن الحديث عن «حقوق الإنسان» بوصفها حقوق الآخرين فحسب، بل وسوف يصبح الدفاع حتى عن «حقوق البيئة» و«حقوق النفس» معقولًا أيضًا. إذا كان يوجد في الغرب شيء باسم الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان ـ والذي لا يحظى بدعامة وجيهة حتى في ضوء رؤيته ومبناه الإنسويّ[64]، لدينا في الإسلام نص باسم رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ×[65]، حيث تحظى بدعامة الإيمان والاعتقاد التوحيديّ والفطريّ للإنسان، ولا يقتصر فيه بيان حقوق الطبيعة بالإضافة إلى حقوق الإنسان مجرّد شعار فقط، بل هو منسجم تمام الانسجام مع مبانيه المعرفيّة.

وربما كانت الثمرة الأهمّ لنظريّة الفطرة في دائرة الأمور القيَميّة ومسائلها الحقوقيّة، خلافًا للرؤية الليبراليّة ـ التي ترى أنّ «حقّ الحريّة» من أهمّ حقوق الإنسان، ومن الناحية العمليّة تجعل من موقف غير معقول مبنى لحقوق الإنسان[66] ـ أنّها تعتبر أنّ «حقّ التكامل والارتقاء» من أهمّ حقوق الإنسان. إنّ هذا الكلام لا يعني إنكار «حقّ الحرّيّة» بوصفه واحدًا من حقوق الإنسان، وإنّما ثمرته أنّه يبيّن «حقّ الحرّيّة» في أفق إنسانيّة الإنسان، ليكون من الممكن الدفاع عنها. وإنّ لمثل هذا الطرح اقتضاءاته بطبيعة الحال: إنّ حقّ الحرّيّة إذا كان قائمًا على أساس كرامة الإنسان، فهو لا يعني أن له الحقّ في ارتكاب أيّ شيء، وإنّما يعني مجرّد أنّه «مسموح له» بارتكاب الخطأ؛ بمعنى أنه لو أخطأ في اختياره، لن يؤاخذ بسبب خطئه، لا أنّ تعدّ ثمرة خطئه مباحة له، ويعطيه هذا الخطأ حقًّا خاصًّا! ولا أنّه يؤذن للأغلبيّة بأن تعمل على  طبق هواه في تثبيت وتقنين كلّ «انحراف» و«معصية» وكلّ أمر غير مشروع يصدر عنه، كما لا يكون لها هذا الحقّ إذا كان لخطئه تبعات سيّئة من الناحية العمليّة، ولا تترتّب عليه مسؤوليّة في قبال ذلك!

وبهذا البيان فإنّ القول بالفطرة سوف يضفي لونًا آخر على مواجهتنا لمسألة حرّيّة الإنسان؛ وليس إباحة كلّ شيء له، وبيان حدود الحرّيّة بتعارضها مع حرّيّة الآخرين؛ ولا يمكن إجباره على سلوك طريق الخير؛ ومنعه من جميع أنواع الاختيار بحجّة الطريق الصحيح. وفي الوقت نفسه فإّن تقويم العقل واختيار الشخص رهن بأن نسمح له أن يعمل على «تشخيص» وتحديد الأمور، ويختار «الطريق الأفضل» بنفسه. وما أن نتكلّم عن «التشخيص»، حتى نكون قد دخلنا في دائرة «اتخاذ القرار العقلانيّ القائم على الإدراك»، دون «اتخاذ القرار النابع من العواطف والأحاسيس» أو مجرّد الأمزجة. وبعبارة أخرى: إذا كان الدليل الوجيه لمنح الأشخاص حرّيّة الاختيار واتخاذ القرارات، هو ارتقاؤهم العقليّ، وتعزيز قدرتهم على التشخيص «الأفضل»، وعليه ثمّة أمامنا في الأساس خيارات «أفضل» و«أسوأ»، والمراد من توسيع مساحة الاختيار، أن يرتقي الشخص على المستوى العقليّ بالتدريج، ويختار «الأفضل». وعلى هذا الأساس عندما نعطي الشخص حقّ الاختيار في مورد ما، نكون قد سمحنا له بهامش من الوقوع في «الخطأ» أيضًا، ولا نلوم الشخص بسبب الخطأ الذي يرتكبه عن جهل؛ بيد أنّ هذا لا يعني أن نعتبر «خطأه» أمرًا صائبًا، أو حتى أن لا نعمل على تنبيهه إلى خطئه[67]. فإذا سُمح للأشخاص بارتكاب الأخطاء، فإنّما يكون ذلك لكي ينتبهوا إلى خطأ قراراتهم، وبعد التنبّه لا يعودون إلى الخطأ مرّة أخرى في اختياراتهم اللاحقة، لا لجهة أنّه لا يوجد حقّ غير قابل للتشخيص.

النتيجة
إنّ القبول بخصوصيّة خاصّة بالكامل، والقول بوجود بُعد باسم الفطرة في وجود الإنسان، والالتزام بأنّ لهذه الفطرة ظرفيّة كبيرة للأفعال وردود الأفعال الإنسانيّة، كما أنّها ليست مجرّد ظرفيّة غير وجيهة، بل تشتمل على اتجاه واقعيّ أيضًا، يمكنه في ذات الوقت توفير إمكان بيان أشكال التنوّع الإنسانيّ الكبير (الذي كان يمثّل السؤال الأصليّ للتيّارات التاريخيّة والهرمنيوطيقيّة) أن يكون بمأمن من الوقوع في شراك النسبيّة وإنكار أيّ نوع من أنواع المقاصد المتعالية للإنسان أيضًا. ونتيجة لذلك فإنّه في عين القدرة على بيان سبب تنوّع أفعال الإنسان مع لحاظ الإرادة فيها، وتجنّب القول بانحصاريّة التفسيرات شبه الميكانيكيّة الوضعيّة، تصبح إمكانيّة البحث والخوض في الأبعاد الشموليّة في وجود الإنسان والوصول إلى العلم بوصفه أمرًا شاملًا، متاحًا وميسورًا. إنّ نظريّة الفطرة تخلّصنا من الكثير من الثنائيّات التي تبدو غير منسجمة في التيّارات الفكريّة الغربيّة (من قبيل: المادّة والمعنى، والماهيّة وعدم التعيّن المحض، والنفس والجسم، والعلّيّة والإرادة، والحقوق الطبيعيّة والحقوق الاعتباريّة والتعاقديّة، والحرّيّة والاختيار، وما إلى ذلك)، وتثبت كيف أنّها مترابطة ومتداخلة في بعضها، وكيف يمكن فهم الإنسان ـ المختلف جدًّا عن الحيوان ـ في أفقه الخاصّ بشكل صحيح؛ وكيف يمكن لما يوجد في الحيوان باسم الغريزة، أن يُتّخذ في الإنسان على هامش حقيقة باسم الفطرة صبغة ولونًا آخر.


لائحة المصادر والمراجع
المصادر العربية
القرآن الكريم.
ابن بابويه (الصدوق)، محمّد بن علي، الخصال، جامعة المدرّسين، قم، 1362 هـ ش.
ابن دريد، محمّد بن حسن، جمهرة اللغة، دار العلم للملايين، بيروت، 1988 م.
ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، مكتب الإعلام الإسلاميّ، قم، 1404 هـ.
ابن منظور، محمّد بن مكرم، لسان العرب، دار الفكر، بيروت، 1414 هـ.
أريكسون، توماس هيلند؛ و نيكسون، فين سيورت، تاريخ انسان شناسي: از آغاز تا امروز (تاريخ الأنثروبولوجيا: منذ البداية إلى المرحلة المعاصرة)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: علي بلوكباشي، دار نشر گل آذين، طهران، 1387 هـ.ش.
آشتياني، سيد جلال الدين، شرح بر زاد المسافر (شرح على زاد المسافر)، دفتر تبليغات اسلامي، قم، 1381 هـ ش.
الراغب الإصفهاني، حسين بن محمّد، غريب مفردات القرآن، دار القلم، بيروت، 1412 هـ
السبزواريّ، محمد باقر، أسرار الحكم، دار نشر مطبوعات ديني، قم، 1383 هـ ش.
العسكريّ، حسن بن عبد الله، الفروق في اللغة، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1400 هـ
العلّامة الطباطبائيّ، السيد محّمد حسين، اصول فلسفه و روش رئاليسم (أصول الفلسفة والمنهج الواقعيّ)، بالإضافة إلى تهميشات الشيخ مرتضى مطهّري، دار نشر صدرا، طهران، 1373 هـ ش.
العلّامة الطباطبائيّ، السيد محمّد حسين، الإنسان والعقيدة، مكتبة فدك، قم، 1428 هـ.
العلّامة الطباطبائيّ، السيد محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، دفتر انتشارات اسلامي، قم، 1417 هـ.
العلّامة المجلسيّ، محمّد باقر بن محمّد تقيّ، بحار الأنوار، دار إحياء التراث العربيّ، بيروت، 1403 هـ.
الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين، دار نشر هجرت، قم، 1409 هـ.
الكلينيّ، محمّد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، 1407 هـ.
مطهّري، مرتضى، اخلاق جنسي در اسلام و جهان غرب (الأخلاق الجنسيّة في الإسلام والعالم الغربيّ)، صدرا، طهران، 1368 هـ ش.
مطهّري، مرتضى، فطرت (الفطرة)، دار نشر صدرا، طهران، 1370 هـ ش.
مطهّري، مرتضى، فطرت در قرآن (الفطرة في القرآن)، دار نشر صدرا، 1398 هـ ش.
مطهّري، مرتضى، فطري بودن دين (فطرية الدين)، انتشارات صدرا، طهران، 1398 هـ ش.
مطهّري، مرتضى، مقدمه اي بر جهان بيني اسلامي (مقدمة على الرؤية الإسلاميّة)، ج 1، (إنسان وإيمان = الإنسان والإيمان)، انتشارات صدرا، طهران، 1371 هـ ش.
مطهّري، مرتضى، مقدمه اي بر جهان بيني اسلامي (مقدمة على الرؤية الإسلاميّة)، ج 5، (جامعه وتاريخ = المجتمع والتاريخ)، انتشارات صدرا، طهران، 1372 هـ ش.
النراقيّ، آرش، بارادوكس مدارا (تناقض المداراة)، مقتبس من موقع صدا نت «3danet.ir” 1395، 1395 هـ ش.
بومر، فرانكلين لوفان، جريان هاي بزرگ در تاريخ انديشه غربي؛ گزيده آثار بزرگ در تاريخ انديشه أروپاي غربي از سده هاي ميانه تا امروز (التيّارات الكبرى في تاريخ الفكر الغربيّ: مختصر الأعمال الكبيرة في تاريخ الفكر في أوروبا الغربيّة منذ العصور الوسطى إلى اليوم)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: حسين بشيريه، مركز بازشناسي اسلام و ايران، طهران، 1380 هـ ش.
جوادي آملي، عبد الله، زن در آينه جمال و جلال (المرأة في مرآة الجمال والجلال)، مركز نشر إسراء، قم، 1377 هـ ش.
سوزنجي، حسين، حقيقت ونحوه اعتبار (الحقيقة وطريقة الاعتبار)، مجلة علوم انساني اسلامي صدرا التخصّصيّة الفصليّة، العدد: 19، خريف عام: 1395 هـ ش.
سوزنچي، حسين، الگويي اسلامي براي تحليل مسائل زن و خانواده و كاربرد آن در سياست گذاري هاي مربوطه (نموذج إسلاميّ لتحليل مسائل المرأة والأسرة وتطبيقات ذلك في الساسات ذات الصلة)، مجلة دين و سياست فرهنگي الفصليّة، العدد: 1، صيف عام 1393 هـ ش.
سوزنچي، حسين، تأملي فلسفي در باب نسبت فقه و اخلاق (تأمّل فلسفيّ في باب النسبة بين الفقه والأخلاق)، مجلّة آيين حكمت، العدد: 39، ربيع عام، 1398 هـ ش.
سوزنچي، حسين، تلاشي نا موفق در دفاع از پارادوكس «حق نا حق بودن» (سعي غير موفّق في الدفاع عن تناقض «الحقّ في عدم الحقّ»)، مقتبس من موقع  souzanchi.ir، 1397 هـ ش.
سوزنچي، حسين، حل پارادوكس آزادي در انديشه شهيد مطهّري (حلّ تناقض الحريّة في فكر الشهيد مطهّري)، مجلّة قبسات، العدد: 30 ـ 31، شتاء عام 1382 هـ ش، وربيع عام 1383 هـ ش.
صدر المتألّهين، الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1981 م.
المتألّهين، محمد بن إبراهيم، تفسير القرآن الكريم، انتشارات بيدار، قم، 1366 هـ ش.
عبد الرحمن، طه، دين الحياء: من الفقه الائتماريّ إلى الفقه الائتمانيّ، المؤسّسة العربيّة للفكر والإبداع، بيروت، 2017 م.
عبد الرحمن، طه، شرود ما بعد الدهرانيّة: النقد الائتمانيّ للخروج من الأخلاق، المؤسّسة العربيّة للفكر والإبداع، بيروت، 2016 م.
عسكري خانقاه، أصغر؛ و كمالي، محمد شريف، انسان شناسي عمومي (الأنثروبولوجيا العامّة)، 1378 هـ ش.
فكوهي، ناصر، تاريخ انديشه و نظريّه هاي انسان شناسي (تاريخ الفكر والنظريّات الأنثروبولوجية)، دار نشر ني، طهران، 1382 هـ ش.
كتاك، كنراد فيليب، انسان شناسي: كشف تفاوت هاي انساني (الأنثروبولوجيا: كشف الاختلافات الإنسانيّة)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محسن ثلاثي، دار انتشارات علمي، طهران، 1386 هـ ش.
كنوبلاخ، هوبرت، مباني جامعه شناسي معرفت (مباني علم الاجتماع المعرفيّ)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: كرامت الله راسخ، دار نشر ني، طهران، 1391 هـ ش.
مرتضى مطهّري، نظام حقوق زن در اسلام (نظام حقوق المرأة في الإسلام)، دار نشر صدرا، طهران، 1369 هـ ش.
مرتضى مطهّري، يادداشت هاي ألفبايي استاد مطهري (مذكّرات أبجديّة للأستاذ الشهيد مطهّري)، ج 5، دار نشر صدرا، طهران، 1380 هـ ش.
نراقي، آرش، مسأله همجنس گرائي در انديشه شيعي ايران معاصر (مسألة المثليّة في الفكر الشيعيّ لإيران المعاصرة)، مجلة إيران نامك، السنة الثالثة، العدد: 1، ربيع عام 1397 هـ ش.
نيكولوسي، جوزف؛ نيكولوسي، ليندا ايمز، فهم همجنس گرايي و راهنمايي والدين براي پيشگيري از آن (فهم المثليّة وإرشادات الوالدين للحيلولة دونها)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محسن بدره، دار نشر آرما، طهران، 1396 هـ ش.
هايدغر، مارتين، هستي و زمان (الكينونة والزمان)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: سياوش جمادّيّ، دار نشر ققنوس، طهران، 1396 هـ ش.

المصادر الأجنبيّة
Bem, S. L. (1981), Gender schema theory: A cognitive account of sex typing source, Psychological Review, 88 (4), pp. 354- 364.
Darwin, Charles (1878), On the Origin of Species by Means of Natural Selection, New York: D. Appleton & Co.
Freud, Sigmund (1956), Collected Papers, Tr. Joan Riviere, Hogarth Press.
Gurian, Michael & Stevens, Kathy & Henley, Patricia & Trueman, Terry (2011), Boys and girls learn differently! A guide for teachers and parents, San Francisco: Jossey-Bass.
Leonard Sax, M. D. (2006), Why Gender Matters? What Parents and Teachers Need to Know about the Emerging Science of Sex Differences? New York: Broadway Books.
Leonard Sax, M.D. (2002), Maybe Men and Women Are Different, American Psychologist, July 2002, pp. 444- 445.
Lukas, Carrie L. (2006), The Politically Incorrect Guide to Women, Sex and Feminism, Washington DC. Rengery Publishing Inc.
Pearcey, Nancy R. (2018), Love Thy Body: Answering Hard Questions about Life and Sexuality, Baker Books.
Rhoads, Steven E. (2004), Taking Sex Differences Seriously, New York: Encounter Books.


------------------------------------------
[1]*- أستاذ مساعد وعضو الهيئة العلميّة في جامعة باقر العلوم- قم –إيران.
- تعريب: حسن علي مطر.
[2]- انظر على سبيل المثال: كتاك، كنراد فيليب، انسان شناسي: كشف تفاوت هاي انساني (الأنثروبولوجيا: كشف الاختلافات الإنسانية)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: محسن ثلاثي، ص 129 ـ 270، انتشارات علمي، طهران، 1386 هـ ش؛ عسكري خانقاه، أصغر؛ وكمالي، محمد شريف، انسان شناسي عمومي (الأنثروبولوجيا العامّة)، ص 50 ـ 184، دار نشر سمت، طهران، 1378 هـ ش.
[3]- لقد تحدّث فرويد عن ثلاث ضربات قاضية تلقّاها الإنسان في حلبة هذا العالم. والضربة الثانية التي ذكرها في هذا المجال هي ما ادعيناه في الفقرة أعلاه، إنّه يرى أنّ الضربة القاضية الأولى التي تلقّاها الإنسان جاءته من قبل كوبرنيق؛ حيث أسقطه فيها وأخرجه من مركزيّة الكون. والضربة القاضية الثانية قد سدّدها له تشارلز دارون في نظريّته الأحيائيّة؛ إذ شكّك فيها بوجود اختلاف بين طبيعة الإنسان وسائر الكائنات الأخرى، وجعل الإنسان على مستوى واحد مع سائر الحيوانات. والضربة القاضية الثالثة هي التي تلقّاها من سيغمون فرويد في حقل علم النفس؛ إذ شكّك في سيادة العقل على الإنسان، واعتبر الإنسان أسيرًا لغرائزه الجنسيّة المنفلتة والمسارات الذهنيّة والفكريّة اللاواعية وغير الموثوقة، وأثبت بذلك أنّ الإنسان لا يمتلك السيادة والرئاسة حتّى على بيته. (انظر:
 Freud, Sigmund (1956), Collected Papers, Tr. Joan Riviere, Hogarth Press. P. 350 – 355؛ نقلًا عن بومر، فرانكلين لوفان، جريان هاي بزرگ در تاريخ انديشه غربي؛ گزيده آثار بزرگ در تاريخ انديشه أروپاي غربي از سده هاي ميانه تا امروز (التيّارات الكبرى في تاريخ الفكر الغربيّ: مختصر الأعمال الكبيرة في تاريخ الفكر في أوروبا الغربيّة منذ العصور الوسطى إلى اليوم)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: حسين بشيريه، ص 876 ـ 878، مركز بازشناسي اسلام وايران، طهران، 1380 هـ ش).
[4]- انظر: المؤمنون (23): 12 ـ 14.
[5]- انظر: السجدة (32): 7 ـ 9.
[6]- انظر: الحجر (15): 29، وص 72.
[7]- يتّضح هذا الأمر من حوار إبليس مع الله. فإنّ الله بعد أن أقرّ بالسابقة المادّيّة لخلق الإنسان من طين (الحجر: 26 ـ 28)، أكّد قائلًا للملائكة: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ). (الحجر: 29)؛ ولكن إبليس لكي يبرّر عدم سجوده، عمد إلى إنكار أصل نفخ الروح في الإنسان، وقال: (لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ). الحجر (33).
[8]- انظر: آل عمران (3): 59؛ الكهف (18): 37؛ الحج (22): 5؛ فاطر (35): 11؛ غافر (40): 67.
[9]- الطين والصلصال. انظر: آل عمران (3): 59؛ الكهف (18): 37؛ الحج (22): 5؛ فاطر (35): 11؛ غافر (40): 67.
[10]- لقد صرّح أمثال سيغموند فرويد بأنّ جوهر نظريّة تشارلز دارون تعود إلى أنّ «الإنسان ليس كائنًا مختلفًا عن سائر الحيوانات، ولا هو أفضل منها، بل إنّه يمتدّ بجذوره إلى شجرة أسرة الحيوانات، وإنّ له صلة قرابة أقرب إلى بعضها، وأبعد من بعضها الآخر»؛ وقد وضعت هذه الفرضيّة حدًّا لـ «الاعتقاد القائل باختلاف طبيعة الإنسان عن سائر الكائنات الحيّة، والتي تثبت للإنسان روحًا خالدة، واعتبرته من نسل الآلهة». (انظر: فرويد، ج 4، ص 351، 1956 م؛ نقلًا عن بومر، ص 877، 1380 هـ ش).
[11]- لقد صرّح دارون نفسه بأنّ كلّ من يؤمن بأصل التطوّر، سوف يكون بمقدوره إدراك الاختلاف الكبير بين القوّة الفكريّة والاتجاه الأخلاقيّ للإنسان عن سائر الحيوانات بشكل أفضل، إذ توجد هذه المسافة والشرخ بين القوى الفكريّة لأحد أنواع القرود المتطوّرة وبين الأسماك، أو بين القوى الفكريّة للنمل والحشرات ذات الفلس، كبيرة أيضًا. (Darwin, Charles (1878), On the Origin of Species by Means of Natural Selection, New York: D. Appleton & Co؛ نقلًا عن: بومر، فرانكلين لوفان، جريان هاي بزرگ در تاريخ انديشه غربي؛ گزيده آثار بزرگ در تاريخ انديشه أروپاي غربي از سده هاي ميانه تا امروز (التيّارات الكبرى في تاريخ الفكر الغربي: مختصر الأعمال الكبيرة في تاريخ الفكر في أوروبا الغربية منذ العصور الوسطى إلى اليوم)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: حسين بشيريه، ص 714، 1380 هـ ش).
[12]- لماذا نتحدّث عن «حقوق الإنسان» بشكل خاصّ ونعترف رسميًّا بـ «حقوق الإنسان»، في حين لا نعترف بحقوق ماثلة بالنسبة إلى الحيوانات أيضًا، ونسمح لأنفسنا بذبحها وأكل لحمها وإصلاحها وتعديلها وراثيًّا؟! لو كان المعيار في تفضيل الإنسان على الحيوان هو مجرّد التكامل والتطوّر الداروينيّ، عندها سوف يكون الأشخاص الذين يتمتّعون بأفضليّة على الآخرين من الناحية الجينيّة، يجب على هذا الأساس أن يحصلوا على حقوق أكثر من غيرهم! وهذا هو المنطق الذي كان يبرّر للمستعمرين الأوروبيّين أفعالهم في نهب خيرات البلدان الأخرى وقتل شعوبها. (انظر: أريكسون، توماس هيلند؛ و نيكسون، فين سيورت، تاريخ انسان شناسي: از آغاز تا امروز (تاريخ الأنثروبولوجيا: منذ البداية إلى المرحلة المعاصرة)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: علي بلوكباشي، ص 58، دار نشر گل آذين، طهران، 1387 هـ ش؛ فكوهي، ناصر، تاريخ انديشه و نظريّه هاي انسان شناسي (تاريخ الفكر والنظريّات الأنثروبولوجية)، ص 116، دار نشر ني، طهران، 1382 هـ ش).
[13]- الحبليّات (Chordata): شعبة لحيوانات توصف في مرحلة التكوّن الجنينيّ بأنّها تملك حبلًا ظهريًّا، وحبلًا عصبيًّا ظهريًّا مجوّفًا، وشقوقًا بلعومية، وشكلًا داخليًا، وذيلًا بعد فتحة الشرج على الأقل لفترة من دورات حياتها. ومن ناحية التصنيف تشمل هذه الشعبة شعبة الفقاريّات، ومنها الثدييّات، والأسماك، والبرمائيّات، والزواحف، والطيور. (المعرّب).
[14]- الفقاريّات (vertebrata): شعيبة من الحيوانات لها عمود فقريّ وجمجمة، وتشمل الأغلبيّة العظمى من شعبة الحبليّات. (المعرّب).
[15]- انظر: عسكري خانقاه، أصغر؛ و كمالي، محمد شريف، انسان شناسي عمومي (الأنثروبولوجيا العامّة)، ص 52، 1378 هـ ش.
[16]- إنّ مادّة «فطر» تدلّ في الأصل على فتح وفلق شيء مقرونًا بإبرازه وإظهاره. (انظر: ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، ج 4، ص 510، مكتب الإعلام الإسلاميّ، قم، 1404 هـ). أي الخلق الابتدائيّ لشيء دون سابقة تجذّر فيه من قبل أمر خاصّ. (انظر: الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين، ج 7، ص 418، دار نشر هجرت، قم، 1409 هـ). كما حدث نزاع بين رجلين أعرابيّين على بئر ماء؛ حيث قال أحدهما في معرض إثبات أنها له: «أنا فطرتها»، أي أنّه لم يسبق لها أن وجدت قبل حفره لها. (انظر: ابن دريد، محمد بن حسن، جمهرة اللغة، ج 2، ص 127، دار العلم للملايين، بيروت، 1988 م). وكأنّه فلق لشيء لم يكن موجودًا أصلًا؛ وأنّه يوجد من العدم (انظر: العسكري، حسن بن عبد الله، الفروق في اللغة، ص 127، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1400 هـ). وعلى هذا الأساس تكون كلمة «الفطرة» في قوله تعالى: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) (الروم: 30)، بمعنى: ذلك الشيء الذي أوجده الله في صقع الإنسان بشكل خاص. (انظر: الراغب الأصفهانيّ، حسين بن محمد، غريب مفردات القرآن، ص 640، دار القلم، بيروت، 1412 هـ). وبطبيعة الحال فإنّ مادّة «فطر» لا تنحصر بخلق الإنسان، بل تطلق على كلّ خلق غير مسبوق، كما في قوله تعالى، على سبيل المثال: (فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) (الأنعام: 79). بيد أنّ استعمالها في النصوص الدينيّة على صيغة الـ «فطرة» ـ حيث يدل هذا الوزن على نوع خاص من «فطر» ـ لم نجده وارده في غير الإنسان.
[17]- انظر: مطهّري، مرتضى، مقدمه اي بر جهان بيني اسلامي (مقدمة على الرؤية الإسلامية)، ج 5 (جامعه و تاريخ = المجتمع والتاريخ)، ص 209، انتشارات صدرا، طهران، 1372 هـ ش. (مصدر فارسيّ).
[18]- تطلق كلمة «الطبيعة» في المصطلح الفلسفيّ على تلك القوّة الذاتيّة والداخليّة للشيء، والتي تؤدّي إلى صدور فعل ومتغيّرات غير إراديّة واحدة عن الشيء الجسمانيّ. (انظر: صدرا، ج 5، ص 249 ـ 250، 1398 هـ ش).
[19]- «غالبًا ما يتمّ استعمال مفردة «الغريزة» في مورد الحيوانات، وقلّما تستعمل في مورد الإنسان، ولا يرد استعمالها في مورد الجماد والنبات أبدًا. ولا تزال ماهيّة الغريزة غير واضحة؛ ولكنّنا نعلم هذا الشيء فقط، وهو أنّ الحيوانات تتمتّع بخصائص داخليّة محدّدة تشكّل مادّة هدايتها في حياتها؛ وهي موجودة لدى الحيوانات عن نحو شبه إراديّ، ويمكن لها بموجب هذه الحالة أنّ حدّد مسارها، وهي حالة غير مكتسبة وفطريّة». (مطهّري، مرتضى، فطرت (الفطرة)، ص 32، دار نشر صدرا، طهران، 1370 هـ ش). (مصدر فارسي).
[20]- انظر: مطهّري، مرتضى، فطرت (الفطرة)، ص 30 ـ 35، 1370 هـ ش. (مصدر فارسيّ).
[21]- انظر: صدر المتألّهين، محمد بن إبراهيم، تفسير القرآن الكريم، ص 60، انتشارات بيدار، قم، 1366 هـ ش.
[22]- انظر: المصدر أعلاه، ص 62.
[23]- انظر: صدر المتألّهين، الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة، ج 9، ص 96، دار إحياء التراث العربيّ، بيروت، 1981 م.
[24]- الروم (30): 30.
[25]- يُستعمل مفهوم «القوّة» في معنيين، وهما أوّلًا: في معنى القابليّة غير الموجّهة (من قبيل: أنّ الورقة لها قابليّة أن يُكتب عليها بالقلم، في حين أنّ الإبريق لا يحتوي على مثل هذه القابليّة). وثانيًا: القابليّة الموجّهة (من قبيل: أن نواة التمرة لها قابليّة أن تتحوّل إلى نخلة، وإن كان من الممكن لها أيضًا أن تحترق وتتحوّل إلى رماد). (انظر: مطهّري، مرتضى، فطرت در قرآن (الفطرة في القرآن)، ص 39 ـ 41، دار نشر صدرا، 1398 هـ ش). ولكن حتى في هذه القوّة الأرسطيّة الموجّهة، المهم هو أنّ الشيء ـ الذي يحتوي على هذه القوّة ـ إذا لم يصل إلى فعليّته المناسبة، فإنّ السبب الوحيد في ذلك هو المانع الخارجيّ، وإذا توفّرت الشروط المناسبة له ولم يكن هناك أيّ مانع خارجيّ، سوف تصل هذه القوّة إلى الفعليّة بالضرورة؛ في حين أنّه لا تزال هناك في الإنسان حقيقة باسم «الإرادة» باقية؛ بمعنى أنّه إذا توفّرت الشرائط المناسبة بالكامل، لن يكون الأمر بحيث يكون الإنسان مجبرًا على الوصول إلى غاية قوّته بالضرورة؛ ومن هنا قلنا: إنّ هذا قريب من «القوّة» الأرسطيّة، وليس هو ذاتها.
[26]- انظر: صدر المتألّهين، محمد بن إبراهيم، تفسير القرآن الكريم، ج 3، ص 62 ـ 64، 1366 هـ ش.
[27]- البيّنة (98): 6.
[28]- البيّنة (98): 7.
[29]- الأعراف (7): 179. وانظر أيضًا: الفرقان (25): 44.
[30]- البقرة (2): 74.
[31]- على الرغم من أنّ صدر المتألهين قد فتح هذه الظرفيّة المناسبة جدًّا لتحليل ماهيّة الإنسان وطبيعته، وقد تحدّث مرارًا في آثاره ـ إلى جانب السبُعيّة والبهيميّة (في إشارة إلى الحيوانات المفترسة والحيوانات الداجنة) ـ إلى الحالة الشيطانيّة للإنسان أيضًا (انظر: صدر المتألهين، محمد بن إبراهيم، تفسير القرآن الكريم، ص 60، 1366 هـ ش؛ صدر المتألّهين، الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة، ج 9، ص 93، 1981 م). ولكنه مع ذلك وفي مقام تحليل سيّئات الإنسان، ذهب تبعًا للتحليل الأرسطيّ في نهاية المطاف إلى جعل غلبة الغرائز الحيوانيّة (الشهوة والغضب والوهم) على الأبعاد الملكوتيّة (العقل) مبنى لتحليله، حيث يحيل جميع مساوئ الإنسان إلى هذه الأبعاد الحيوانيّة، ويجعل من نظريّة الاعتدال في القوى الأرسطيّة محورًا للأخلاق (انظر: صدر المتألهين، الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة، ج 9، ص 87 ـ 91، 1981 م). إنّ إشكال هذا التحليل يكمن في أنّه يعتبر القول بأنّ بعض الناس أسوأ وأضلّ من الحيوانات نوعًا من المجاز في التعبير؛ في حين أنّ الأشرار من الناس يرتكبون بعض الأعمال القبيحة التي لا يمكن أن تصدر حتى من البهائم.
[32]- والشاهد على ذلك أنّه يجب فهم شرور الإنسان في أفق الفطرة أيضًا، ومن هنا نجد الأشخاص الذين تمّ التعريف بهم في سورة الأعراف بوصفهم محلًّا لسجود الملائكة (انظر: الأعراف (7): 10)، يتمّ الحديث عنهم لاحقًا بأنهم سيكونون حطبًا لجهنّم وأنّ الله سيملؤها منهم أجمعين (انظر: الأعراف (7): 18). ومن هنا يجب تعريف الإنسان في ضوء دائرة واسعة الأبعاد بحيث تشمل طيفًا واسعًا من الذين تسجد لهم الملائكة إلى الذين تحتويهم جهنّم.
[33]- رينيه ديكارت (1596 ـ 1650 م): فيلسوف ورياضيّ وفيزيائيّ فرنسيّ. يُلقّب بـ (أبي الفلسفة الحديثة). كان له تأثير واضح في علم الرياضيّات، وقد اخترع نظامًا رياضيًّا سُمّي باسمه، وهو (نظام الإحداثيّات الديكارتيّة) الذي شكّل النواة الأولى لـ (الهندسة التحليليّة)، فكان بذلك من الشخصيّات الرئيسة في تاريخ الثورة العلميّة. كما يُعدّ ديكارت الشخصيّة الرئيسة لمذهب العقلانيّة في القرن السابع عشر للميلاد. وهو صاحب المقولة الشهيرة: (أنا أفكّر؛ إذن أنا موجود). (المعرّب).
[34]- إيمانوئيل كانط (1724 ـ 1804 م): فيلسوف ألمانيّ. يعتبر آخر الفلاسفة المؤثّرين في الثقافة الأوروبيّة الحديثة، وأحد أهمّ الفلاسفة الذين كتبوا في نظريّة المعرفة الكلاسيكيّة، وهو آخر فلاسفة عصر التنوير في أوروبا والذي بدأ بجون لوك وجورج بيركلي وديفد هيوم. من أشهر أعماله: (نقد العقل المجرّد)، و(نقد العقل العمليّ). (المعرّب).
[35]- إنّ المفردتين المفتاحيّتين (الواقعيّة والمثاليّة)، إنّما تكتسبان معناهما في الفضاء الموضوعيّ الديكارتي (انظر: هايدغر، مارتين، هستي و زمان (الكينونة والزمان)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: سياوش جمادّيّ، دار نشر ققنوس، طهران، ص 467 ـ 477، 1396 هـ ش)، وإن تطبيقهما على «الواقعيّة» و«السفسطائيّة» ليس تطبيقًا دقيقًا. وفي هذه المقالة يتمّ الاهتمام بهاتين المفردتين بمعناهما الغربيّ الدقيق.
[36]- أوجست كونت (1798 ـ 1857): عالم اجتماع وفيلسوف اجتماعيّ فرنسيّ. يعدّ الأب الشرعيّ والمؤسّس للفلسفة الوضعيّة. وكان يعتبر نفسه الأب الشرعيّ والمؤسّس للفلسفة الوضعيّة. أكّد على ضرورة بناء النظريّات العلميّة المبنيّة على الملاحظة. (المعرّب).
[37]- إميل دوركهايم (1858 ـ 1917 م): فيلسوف وعالم اجتماع فرنسيّ. أحد مؤسّسي علم الاجتماع الحديث، وقد وضع لهذا العلم منهجيّة مستقلّة تقوم على النظريّة والتجريب في آن معًا. من أعماله: (في تقسيم العلم الاجتماعيّ)، و(قواعد المنهج السوسيولوجيّ)، و(الأشكال الأوّليّة للحياة الدينيّة)، و(الانتحار). (المعرّب).ّ
[38]- فيلهم دلتاي (1833 ـ 1911 م): فيلسوف وطبيب نفسانيّ وعالم اجتماع ألمانيّ، يعتبر من الفلاسفة الأكثر نفوذًا في فلسفة الحياة. إحدى ثوابت فكر دلتاي هي الوعي بتاريخيّة الموجود البشريّ؛ لأنّه يعيش في الزمان، ويتحدّد وجوده بالميلاد والموت، ويتألّف من سلسلة حلقاتها (الماضي والحاضر والمستقبل). كما أنّ العلاقة بين الناس تاريخيّة أيضًا، ومن هنا فإنّ عالم الإنسان هو عالم التاريخ. (المعرّب).
[39]- إنّ التيّار التاريخيّ الألمانيّ كان يرى نفسه في قبال تيارين، وهما أوّلًا: التيّار الهيجليّ الذي كان يعتقد أنّه على الرغم من أنّه كان يروم الاهتمام بالتاريخ، ولكنّه غرق في غمرة أفقه الانتزاعيّ وتجاهل التاريخ العينيّ والملموس للبشر. وثانيًا: التيّارات الوضعيّة التي عمدت إلى التضحية بتاريخيّة الإنسان وفرديّته فداء للقوانين العلّيّة؛ حيث يراه هؤلاء بدورهم من نوع الانتزاعات الذهنيّة أيضًا. (انظر: كنوبلاخ، هوبرت، مباني جامعه شناسي معرفت (مباني علم الاجتماع المعرفيّ)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: كرامت الله راسخ، ص 111 ـ 112، دار نشر ني، طهران، 1391 هـ ش).
[40]- Naturwissenschaften.
[41]- Geisteswissenschaften.
[42]- Social Science.
[43]- Humanities Human Sciences.
[44]- ماكس كارل إميل فيبر (1864 ـ 1920 م): عالم اقتصاد وسياسة ألمانيّ، وأحد مؤسّسي علم الاجتماع الحديث ودراسة الإدارة العامّة في مؤسّسات الدولة، وهو من أتى بتعريف البيروقراطيّة. وعمله الأكثر شهرة هو كتاب (الأخلاق البروتستانتيّة وروح الرأسماليّة)، و(السياسة كمهنة). (المعرّب).
[45]- جورج سيمل (1858 ـ 1918 م): فيلسوف وعالم اجتماع وأستاذ جامعيّ ألمانيّ. وضع منهجه الأسس للكانطيّة الجديدة من أجل مناهضة الانقسام الاجتماعيّ. وكان رائدًا لأساليب التفكير البنيويّة في العلوم الاجتماعّية. من أهمّ أعماله: (السوسيولوجيا). (المعرّب).
[46]- relativitism.
[47]- البنائيّة الاجتماعيّة (Social constructivism): هي النظريّات السوسيولوجيّة من المعرفة التي تنظر في كيفيّة تطوّر الظواهر الاجتماعيّة أو أشياء من الوعي في سياقات اجتماعيّة. تؤكّد البنائيّة الاجتماعيّة على أنّ المعارف عبارة عن تراكمات لجزئيّات معرفيّة تتراكم عبر الأحقاب؛ فهي من نتاج خيارات الإنسان التي لا تُعدّ ولا تُحصى. (المعرّب).
[48]- انظر: كنوبلاخ، هوبرت، مباني جامعه شناسي معرفت (مباني علم الاجتماع المعرفيّ)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: كرامت الله راسخ، ص 112 ـ 116، وص 236 ـ 244، 1391 هـ ش.
[49]- في ضوء المباني التي تمّ إثباتها في الحكمة المتعالية، إنّما يتحقق قبول الصورة النوعيّة لكائن ما بعد الصورة النوعيّة القبليّة، بواسطة التركيب الاتحاديّ الذي يكون على شكل «لبس بعد لبس» (وليس «خلعًا ولبس») (انظر: السبزواريّ، محمد باقر، أسرار الحكم، ص 485، دار نشر مطبوعات ديني، قم، 1383 هـ ش؛ آشتياني، سيد جلال الدين، شرح بر زاد المسافر (شرح على زاد المسافر)، ص 207، دفتر تبليغات اسلامي، قم، 1381 هـ ش). وثمرة هذا المبنى سوف تتضح لاحقًا.
[50]- Physics.
[51]- الحتميّة (determinism) مذهب يقول بأنّ أفعال المرء والتغيّرات الاجتماعيّة وما إلى ذلك هي ثمرة عوامل لا سلطة للإنسان عليها. كما أنّها تعني الجبريّة، بمعنى الإيمان بالقضاء والقدر.
[52]- قد يُشكل علينا بأنّ الإرادة في التفكير الأرسطيّ ـ ولا سيّما في أبحاث علم الأخلاق ـ هي ذات العقل العمليّ، وتقع عندهم في قبال الشهوة والغضب، ويرونها أسمى من الرغبة. ولكنّنا نجيب عن ذلك بأنّ مقام بحثنا يكمن في البيان الأنطولوجيّ والوجوديّ للإرادة، دون دائرة الحكم القيَميّ.
[53]- الجبريّة وفي المقابل قبول العلّيّة وإمكان التفسيرات العامّة والشاملة عن أفعال الإنسان، ومن ناحية أخرى التفويض والدفاع عن «الإرادة الحرّة»، وفي المقابل إنكار العلّيّة والقانونيّة في دائرة الوجود الإنسانيّ.
[54]- انظر: العلّامة الطباطبائيّ، السيد محمّد حسين، اصول فلسفه و روش رئاليسم (أصول الفلسفة والمنهج الواقعيّ)، بالإضافة إلى تهميشات الشيخ مرتضى مطهّري، ج 2، ص 171 ـ 178، دار نشر صدرا، طهران، 1373 هـ ش.
[55]- إنّ مسألة الاعتباريّات من المسائل التي وإن ورد ذكرها على نحو ضمنيّ في بعض كتب الفقه والأصول، قد تمّ طرحها ـ بوصفها من المباني والأسس في فهم مساحة من العالم وفي مقام  معرفة الإنسان ـ للمرّة الأولى على ما يبدو من قبل العلّامة الطباطبائّي. (انظر: سوزنجي، حسين، حقيقت و نحوه اعتبار (الحقيقة وطريقة الاعتبار)، مجلة علوم انساني اسلامي صدرا التخصّصيّة الفصليّة، العدد: 19، خريف عام: 1395 هـ ش).
[56]- انظر: العلّامة الطباطبائيّ، السيد محمّد حسين، الإنسان والعقيدة، ص 48 ـ 51، مكتبة فدك، قم، 1428 هـ.
[57]- ديفد هيوم (1711 ـ 1779 م): فيلسوف واقتصاديّ ومؤرّخ اسكتلنديّ. يعتبر شخصيّة مهمّة في الفلسفة الغربيّة وتاريخ التنوير الإسكتلنديّ. (المعرّب).
[58]- الرحمن (55): 3 ـ 4.
[59]- من ذلك أنّ الإنسان ـ على سبيل المثال ـ بسبب خوضه غمار الحياة الاجتماعيّة، عمد إلى اعتبار مفهوم «الملكيّة»، لكي يعمل إلى حدّ ما على تحديد حدود مصالح الأشخاص وتشخيص منافعهم عن منافع بعضهم الآخر. وقد أدّى مفهوم الملكيّة بدوره إلى اعتبارات أخرى، من قبيل: البيع والشراء والتعاطي و«المعاملات»، ثمّ ساد بالتدريج اعتبار أمر باسم «النقود». وقد كان هذا أمرًا اعتباريًّا بشكل كامل، وكان الغرض منه رفع الاحتياجات الضروريّة، ولكنّه استتبع ظهور خصلة باسم البخل، وقد خيّمت هذه الظاهرة بكلكلها على حياة بعض الناس، حتّى أخذوا يضحّون بكلّ ما لديهم من أجل «النقود» التي لم يكونوا يستخدمونها أبدًا حتى ولو على مستوى ما كان يراد منها من رفع الاحتياجات الأوّليّة.
[60]- ربما أمكن اعتبار بيان اختلافات الإنسان من أهمّ المسائل الأنثروبولوجيّة، إلى الحدّ الذي كان معه العنوان الفرعيّ لأحد أهمّ النصوص الدراسيّة (text book) لهذا الحقل، بعد العنوان الأصليّ «الأنثروبولوجيا»، هو عنوان «اكتشاف الاختلافات الإنسانيّة» (انظر: كتاك، كنراد فيليب، انسان شناسي: كشف تفاوت هاي انساني (الأنثروبولوجيا: كشف الاختلافات الإنسانيّة)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: محسن ثلاثي، 1386 هـ ش).  وقد عمدوا في بداية الأمر وفي ظلّ المناخ الداروينيّ، إلى إعادة هذه الاختلافات إلى التطوّر التكامليّ أو الاختلافات العرقيّة، ولكن يتمّ التصريح حاليًّا  بأنّ هذه الطرق لم تكن موفّقة، ويجب البحث عن هذه الاختلافات في أبعاد غير بيولوجيّة. (كتاك، كنراد فيليب، انسان شناسي: كشف تفاوت هاي انساني (الأنثروبولوجيا: كشف الاختلافات الإنسانيّة)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: محسن ثلاثي، ص 271 ـ 274، 1386 هـ ش).
[61]- من ذلك أنّهم يدّعون اليوم ـ على سبيل المثال ـ أنهم قد شاهدوا شذوذًا جنسيًّا لدى بعض الحيوانات؛ ولكن جميعنا يعلم أنّ هذا السلوك من الحيوانات لا يمكن له أبدًا أن يؤسّس محورًا أصليًّا لإشباع الغريزة الجنسيّة لدى الحيوانات؛ خلافًا للإنسان الذي يمكن لاعتباريّاته ـ بسبب امتلاكه للفطرة ـ أن تستوعب جميع أبعاد حياته، وأن تتدخّل في تغيير أجواء حياته بشكل صناعيّ، وعندها لا يكون بمقدور القانون الطبيعيّ المتمثّل ببقاء الأصلح أن يعمل على حذف هذا الانحراف أبدًا.
[62]- انظر: سوزنچي، حسين، تأملي فلسفي در باب نسبت فقه واخلاق (تأمّل فلسفيّ في باب النسبة بين الفقه والأخلاق)، مجلة آيين حكمت، العدد: 39، ربيع عام، 1398 هـ ش. (مصدر فارسيّ).
[63]- ذهب بعض أنصار الليبراليّة إلى التصريح بأنّ جوهر الليبراليّة يكمن في الاعتراف بـ «الحقّ بعدم الحقّ» (انظر: نراقي، آرش، مسأله همجنس گرائي در انديشه شيعي ايران معاصر (مسألة المثليّة في الفكر الشيعيّ لإيران المعاصرة)، مجلّة إيران نامك، السنة الثالثة، العدد: 1، ص 97، ربيع عام 1397 هـ ش)، وضمن إذعانهم باشتمال هذا التعبير على ما يُشبه التناقض، سعوا إلى العمل على حلّه (انظر: النراقي، آرش، بارادوكس مدارا (تناقض المداراة)، مقتبس من موقع صدا نت «3danet.ir» 1395 هـ ش)، وقد أوضحت في موضع آخر أنّ تقريرهم لهذا التناقض وإن كان صحيحًا تمامًا، ولكنّهم كانوا عاجزين عن حلّه بالكامل، وفي الحقيقة فإنّ الدفاع الليبراليّ عن حقوق الإنسان دفاع متناقض وغير وجيه أبدًا. (انظر: سوزنچي، حسين، تلاشي نا موفق در دفاع از پارادوكس «حق نا حق بودن» (سعي غير موفّق في الدفاع عن تناقض «الحقّ في عدم الحقّ»)، مقتبس من موقع  souzanchi.ir، 1397 هـ ش).
[64]- انظر: مرتضى مطهّري، نظام حقوق زن در اسلام (نظام حقوق المرأة في الإسلام)، ص 170، دار نشر صدرا، طهران، 1369 هـ ش. (مصدر فارسيّ).
[65]- انظر: ابن بابويه (الصدوق)، محمّد بن علي، الخصال، ج 2، ص 564 ـ 570، جامعة المدرّسين، قم، 1362 هـ ش.ّ
[66]- انظر: سوزنچي، حسين، حل پارادوكس آزادي در انديشه شهيد مطهري (حلّ تناقض الحرّيّة في فكر الشهيد مطهّري)، مجلة قبسات، العدد: 30 ـ 31، شتاء عام 1382 هـ ش، وربيع عام 1383 هـ ش. (مصدر فارسي).ّ
[67]- إنّ السماح بهامش الخطأ من وجهة النظر الليبراليّة ينشأ من أنّه ليس هناك في الأساس حقيقة يمكن التعرّف عليها من قبل الجميع، لكي يكون هناك ترجيح لرأي على رأي آخر، واعتبار الرأي الآخر خطأ؛ في حين لو كان هذا المبنى صحيحًا، فإنّه سوف يشمل حتى «حقّ الحرّيّة» و«السماح بهامش الخطأ» أيضًا، ولن يكون لهذا الرأي ترجيح على الرأي المخالف له.