البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الأنثروبولوجيا القهريّة

الباحث :  رامز أحمد
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  26
السنة :  شتاء 2022م / 1443هـ
تاريخ إضافة البحث :  June / 4 / 2022
عدد زيارات البحث :  216
تحميل  ( 471.627 KB )
في كلّ مرّة يتطرّق فيها الخطاب الأنثروبولوجيّ إلى بعض أفكار الفلسفة السياسيّة يكون الهدف ازدراء النهج الفلسفيّ واستبعاده من دائرة العمل الأنثروبولوجيّ؛ وذلك لأنّه يمنح الأفضليّة للمثل الأعلى على حساب الحقائق، كما يقول إدوارد إيفانز بريتشارد وماير فورتس؛ إذ لم تساعد نظريّات الفلسفة السياسيّة، وفق تصوّرهما، في فهم المجتمعات التي جرى دراستها. وهي لا تتمتّع بقيمة علميّة كذلك؛ لكون استنتاجات الفلاسفة نادرًا ما تُصاغ من حيث السلوك المرصود، وبالتالي لا يمكن التحقّق منها وفقًا لهذا المعيار». صحيح أنّ الفلاسفة حاولوا دعم نظريّاتهم باستخدام البيانات المتاحة عن المجتمعات والعادات البدائيّة، لكن ذلك تمّ في وقت كانت هذه البيانات لا تزال ضعيفة للغاية؛ وعليه ينبغي على علماء الأنثروبولوجيا «تجنّب الإشارة إلى كتابات الفلاسفة السياسيّين والابتعاد عنها.

لفهم علاقة الفيلسوف الفرنسيّ ميشال فوكو بـ«الأنثروبولوجيا»، قبولًا أو رفضًا، تأثّرًا أو تأثيرًا، ينبغي، أوّلًا، التطرّق إلى العلاقة المعقّدة والإشكاليّة التي نشأت بين هذه الأخيرة والفلسفة، وينبغي، ثانيًا، دفع التساؤل، حول هذه العلاقة، إلى ما هو أبعد من الرؤية المبسّطة التي تقيم تعارضًا بين ميدانين معرفيّين يقوم أحدهما على نوع من التساؤلات النظريّة والتأمّلات الفكريّة حول الطبيعة الإنسانيّة ومعنى الوجود الإنسانيّ وغايته، بينما يقوم الآخر على نوع من البحث الميدانيّ الهادف إلى فهم المجتمعات البشريّة «علميًّا» بعيدًا عن النظريّات الفلسفيّة التي شغلت المفكّرين زمنًا طويلًا. ولا بدّ من الإشارة في هذا السياق إلى أنّ الأنثروبولوجيا قد نهضت، تاريخيًّا، على نوع من القراءة النقديّة للفلسفة، وبصورة خاصّة فكرة الحقّ الطبيعيّ والعقد الاجتماعيّ.

كلمات مفتاحيّة: أنثروبولوجيا السلطة، التنظيم السياسيّ، سؤال الإنسان، الطبيعة اللاَّواعية، الثقافة اللاَّشعوريّة.

المقدّمة
يكرّس القانون القديم لهنري سومنر مين (Henry Sumner Maine (1822-1888)  )[2]، وهو واحد من النصوص التأسيسيّة الكبرى للأنثروبولوجيا السياسيّة، فصلًا كاملًا لمناقشة النظريّات الفلسفيّة لحالة الطبيعة والعقد الاجتماعيّ، وينخرط في نقد شديد لأطروحات روسو قبل أن يميز بين «التنظيم الاجتماعيّ»، حيث تهيمن القرابة، و «التنظيم السياسيّ» القائم على أساس الأرض. وهو تمييز سيظهر لاحقًا لدى، إدوارد إيفانز بريتشارد و ماير فورتس Edward E. Evans-Pritchard et Meyer Fortes في عملهما المهمّ حول النظم السياسيّة الإفريقيّة (1940)؛ إذ يقيم كلا المؤلِّفين، وهم من أساتذة الأنثروبولوجيا البريطانيّة، تعارضًا بين نوعين من المجتمعات: مجتمعات دون رأس «زعامة»، وهي مجتمعات تقوم على النسب، وأخرى أكثر تعقيدًا تتسم بوجود مؤسّسات سياسيّة مركزيّة لعبت دورًا كبيرًا في نشوء الممالك القديمة التي لا يتردّدان بنعتها بالدول أو أشباه الدولة[3]. وقد كان لهذا التصنيف الأثر البالغ في الأبحاث الأنثروبولوجيّة اللاحقة التي تبنّت منظورًا نقديًّا، وإن كان مضمرًا في كثير من الأحيان، حيال الفلسفة، من زاوية من اختار موضوعه وموقعه في آن؛ أعني بذلك موقعه كباحث يهتمّ بدراسة الشعوب التي تشكّل بالنسبة له مختبرًا حيًّا لعمله وميدانًا معرفيًّا عليه أن يحميه ويحرسه من سحر التأمّلات النظريّة البحتة وبصورة خاصة التأمّلات الفلسفيّة، التي لا يمكن أن تضيف سوى مزيدًا من الغموض والاضطراب في ميدان ينبغي أن تسود فيه الحقائق التي يقدّمها البحث الميدانيّ.  وليس من قبيل الصدفة أن يعرّف ألفريد ريتشارد براون، وهو من أساتذة المدرسة الأنجلوساكسونيّة، تخصّصه على أنّه «العلم الطبيعيّ للمجتمع البشريّ»، وهو تعريف لا يبتعد عن التعريف الذي يقدّمه كلود ليفي ستروس نفسه للأنثروبولوجيا بوصفها علمًا يختص بفهم الإنسان أو المجتمع البشريّ بكلّيّته، بعيدًا عن التأمّلات الفكريّة المحضة للفلاسفة. إذ لا ينبغي، وفق ستروس، أن نكتفي بالعودة إلى الأساطير القديمة لفهم الأصول البعيدة لحضارتنا الراهنة، بل علينا توسيع دائرة البحث لتشمل المجتمعات البدائيّة البعيدة، وذلك لتكون نظرة شاملة عن الحالة الإنسانيّة برمتها. ولهذا لا يمكن الركون إلى أفكار الفلاسفة وتحليلاتهم النظريّة، بل ينبغي الانخراط في عمل استقصائيّ وبحثيّ صبور والاقتراب من تلك المجتمعات على نحو يسمح لنا بفهم بنيتها العميقة.

 في كلّ مرّة يتطرّق فيها الخطاب الأنثروبولوجيّ إلى بعض أفكار الفلسفة السياسيّة يكون الهدف ازدراء النهج الفلسفيّ واستبعاده من دائرة العمل الأنثروبولوجيّ؛ وذلك لأنه يمنح الأفضليّة للمثل الأعلى على حساب الحقائق، كما يقول إدوارد إيفانز بريتشارد وماير فورتس؛ إذ لم تساعد نظريّات الفلسفة السياسيّة، وفق تصوّرهما، في فهم المجتمعات التي جرى دراستها. وهي لا تتمتّع بقيمة علميّة كذلك؛ لكون استنتاجات الفلاسفة نادرًا ما تُصاغ من حيث السلوك المرصود، وبالتالي لا يمكن التحقّق منها وفقًا لهذا المعيار». صحيح أنّ الفلاسفة حاولوا دعم نظريّاتهم باستخدام البيانات المتاحة عن المجتمعات والعادات البدائيّة، لكن ذلك تمّ في وقت كانت هذه البيانات لا تزال ضعيفة للغاية؛ وعليه ينبغي على علماء الأنثروبولوجيا «تجنّب الإشارة إلى كتابات الفلاسفة السياسيّين والابتعاد عنها.

غالبًا ما تم النظر إلى الفلسفة كعقبة معرفيّة ينبغي التخلص منها وفي أحسن الأحوال كرفاهية عديمة الفائدة أو كشبكة من الأحكام المسبقة غير الملائمة. وقد سادت وجهة النظر هذه إلى حدّ التأثير على تصوّرنا ذاته لتاريخ الأنثروبولوجيا. ومن غير المستغرب، في هذا الجوّ، أن لا نجد أيّ إشارة إلى أعمال ميشيل فوكو أو دريدا من قبل كلود ليفي ستروس نفسه[4]، كما في معظم الأعمال التي أنتجها جيل ما بعد ستروس الذي عاش فترة ازدهار البنيويّة وتمكّن من اتّباع تعاليم فوكو ودريدا من بعده (وذلك على عكس ما حصل في الأنثروبولوجيا الأميركيّة). على أيّ حال، ربما حدث ذلك بذريعة إضفاء مزيد من العلميّة على المشروع الأنثروبولوجيّ كعلم للنفس البشريّة وليس للثقافات والمجتمعات وحسب. ومن هنا كان من المُسوغ التضحية بأعمال فلسفيّة كبيرة كتلك التي أنتجها فوكو ومُعاصريه من الفلاسفة أو من سبقه منهم.

في المقابل، أبدى فوكو اهتمامًا كبيرًا بالكتابات الأنثرويولوجيّة،[5] وبصورة خاصّة تلك التي هيمن عليها هاجس التمييز بين الحضارة والبدائيّة، أو بعبارة أخرى بين نحن (المجتمعات الحديثة، مجتمعات الحضارة المؤهّلة لتطوير معرفة وضعيّة علميّة)، وهم (المجتمعات التي تشكل موضوعًا للمعرفة الغربيّة، وهي مجتمعات توصف بعبارات من قبيل: الغير، الآخرين، المجتمعات البدائيّة والغريبة عنّا). ولم يتردّد في تطبيق هذا التصنيف على ثقافته بالذات، وكان ثمرة ذلك أطروحته التي أنجزها عن تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكيّ الغربيّ؛ إذ أظهر كيف مارست الثقافة الغربيّة القسمة ذاتها حين أقامت تعارضًا بين العقل واللاعقل أو الجنون الذي نظرت إليه كشيء «خارج»[6] عنها وكظاهرة غريبة لا تنتمي إليها، وبالتالي استبعدته من دائرة الخطاب السائد. ومثلما أقامت تعارضًا بين الحضارة والبدائيّة، بين عالم العقل المنضبط وعالم الأسطورة (عالم المجتمعات البدائيّة)، فقد أقامت كذلك تعارضًا مماثلًا، في داخلها بالذات، بين العقل والجنون.

 عندما يُسأل فوكو في بداية الستينات عن الميدان المعرفيّ الذي تنتمي إليه أبحاثه يجب دون تردّد: تحليل الوقائع الثقافيّة والفكريّة التي تميّز الثقافة الغربيّة. وهو أشبه بتحليل اثنولوجيّ للثقافة التي ينتمي إليها[7]؛ فإذا كان البحث الإثنولوجيّ يسعى إلى دراسة الاختلافات والتمايزات بين الثقافات فإنّ فيلسوفنا يسعى إلى إبراز حضور هذا التمايز والتعارض داخل ثقافته بالذات، عبر التركيز على مختلف تقنيّات الإقصاء التي مارسها الفكر الغربيّ ضدّ من تمّ تصنيفهم خارج المعيار السائد[8].  ولهذا يتّخذ من المهمّشين والمستبعدين، من دائرة الخطاب العقلانيّ، موضوعًا مفضلًا لأبحاثه ومنهجه التفسيريّ، ويرى فيهم المقابل الداخليّ لأولئك البشر الذين ازدرتهم الحضارة الغربيّة ونعتتهم بالمتوحشّين أو البدائيّين أو البرابرة، بعد أن حكمت عليهم بالصمت أو الكلام بلسان ولغة من اضطهدهم وحسب. وكما لعبت هذه المجتمعات دور الآخر الذي احتاجه الغرب لإظهار تفوّقه، بوصفه صاحب الحضارة وثقافة الكتابة، كذلك فعل مع تلك الطائفة من البشر اللذين وصفهم بالمجانين؛ إذ لعب الجنون دور الآخر في قلب ثقافة سعت إلى تنقية دمها الخاصّ بأن تلغي وتقصي كلّ من لا ينتمي إليها بالذات أو إلى هويّتها التي سعت إلى تكريسها. وبهذا حكمت بالصمت على كلّ كلام نشأ خارج الخطاب المهيمن.

اختار فوكو أن يقارب مسألة الإقصاء أو الاستبعاد التي مارستها العقلانيّة الغربيّة، من منظور أركولوجيّ، وهو خيار يذكّرنا بما سعى ستروس إلى القيام به، ما فتح في حينه الطريق لاستكشاف مكانة البنى السلبيّة ووظيفتها في تطوّر ثقافة معيّنة. ويتساءل، في أكثر من مناسبة، عمّا إذا كان بمقدوره أن يطبّق «ما قام به علماء الأعراق البشريّة بخصوص المجتمعات البدائيّة، على تاريخ الأفكار وعلى ثقافته بالذات. ويؤكّد أنّ ما أراد فعله منذ البداية وما يودّ فعله دائمًا هو إجراء تحليل من النوع ذاته [...][9]. ولا ينسى الإشارة إلى أنّه استند في هذا الخيار إلى أعمال رايموند روسيل(1963) الذي شكّك في «النظام التعدّديّ» لكونه يُعرّف الثقافات غير المتجانسة بوصفها كيانات مضادّة لمجتمعاتنا؛ إذ غالبًا ما يتحوّل تصنيف الثقافات هذا إلى أداة حقيقيّة للإقصاء، لجهة أنّ المجتمعات المكتشفة حديثًا تجد نفسها أمام حشد من الدلالات والرموز والتحليلات التي فرضها الآخرون استنادًا إلى تفسيراتهم وتحليلاتهم الخاصّة. في معظم الدراسات الأنثروبولوجيّة يجري تقديم المظهر شديد الاختلاف لهذه المجتمعات (ثقافتها الشفاهيّة وبساطتها في مقابل المجتمعات الغربيّة) على أنّه جوهرها بالذات، وليس على أنّه نتيجة لتاريخ مغاير أو لتطوّر غير متكافئ، بل على أنّه نتيجة لطبيعتها الخاصّة التي لا يمكن إصلاحها. فهي متخلّفة بالطبيعة. وهكذا يتحوّل المظهر إلى جوهر[10]. والأمر ذاته ينطبق على التحليلات الخاصة بالجنون والانحراف وغيرها من الظواهر التي عرفتها الثقافة الغربيّة وأقصتها بعد أن ربطتها بالطبيعة الجوهريّة لأصحابها.

في نظام الخطاب، يلتزم فوكو بوصف أنظمة الإقصاء الرئيسة التي تتجلّى في اللغة، ويتحدّث عن القسمة الكبرى التي أقامها الفكر الغربيّ، منذ أفلاطون إلى يومنا، بين الحقيقة والخطأ، عالم الحسّ (الوهم) وعالم العقل (الحقيقة)، العقل والجنون، السواء والشذوذ...الخ[11]. ويتّفق في هذه الرؤية مع التصوّرات التي عرضها ستروس في العرق والتاريخ في كون ممارسات الإقصاء، التي مارسها الغرب، ترتقي إلى زمن بعيد في الثقافة الغربيّة، وقت كانت العصور القديمة تخلط كلّ ما لا يشترك مع الثقافة اليونانيّة (ومن بعد الثقافة اليونانيّة الرومانيّة) تحت اسم البربريّ، وفيما بعد استعملت الحضارة الغربيّة تعبير متوحّش في المعنى ذاته؛ وهي عبارات تخفي، كما أشار ستروس، الرفض الكامل للأشكال الثقافيّة والأخلاقيّة والدينيّة والاجتماعيّة والجماليّة، البعيدة كلّ البعد عن القيم التي يعتنقها الغرب. يقود هذا التصنيف، في جميع الحالات إلى رفض القبول بواقع تنوّع الثقافات، وينتهي أن نرمي خارج الثقافة، أعني حالة الطبيعة، كلّ ما لا يتوافق مع القواعد التي نعيش في ظلّها، يقول ستروس. ولا ينسى أن يوجّه نقدًا أخلاقيًّا صارمًا لهذا التوجّه الذي وسم الثقافة الغربيّة منذ زمن طويل. ويقول: «إنّ هذا الموقف الفكريّ الذي نرمي باسمه (المتوحّشين) أو كلّ من نعتبرهم كذلك خارج الإنسانيّة، هو تمامًا الموقف الأبرز والأكثر تمييزًا لهؤلاء المتوحّشين أنفسهم....، فبرفضنا صفة الإنسانيّة على الذين يبدون الأكثر وحشيّة أو بربريّة من ممثّليها لا نقوم إلّا باستعارة واحد من مواقفهم المميّزة، منهم. إنّ البربريّ هو قبل كلّ شيء، الإنسان الذي يعتقد بوجود البربريّة»[12]. ومن اليسير أن نلاحظ أنّ فوكو يتبنّى موقفا مماثلًا في نقده لثقافته وفي دفاعه عن أولئك الذين تمّ إقصاؤهم من داخلها بوصفهم ظواهر غريبة لا تنتمي إليها.

أراد فوكو أن يمنح حقّ الكلام لكلّ من حُكم عليهم بالصمت والتواري، طورًا باسم الحقيقة وتارة باسم الأخلاق ومرّة باسم العقل أو المعيار. ولهذا يتساءل في مناسبات عدّة: بما أنّه لا يمكن قول كلّ شيء داخل ثقافة معيّنة، فإنّ تركيز الباحث ينبغي أن ينصبّ «لا على معرفة ما يتمّ تأكيده وتثمينه في مجتمع أو في نظام فكريّ معيّن، بل على دراسة ما هو مرفوض ومستبعد ومهمّش»[13]. وهذا ما يفسّر الاهتمام الذي أبداه تجاه العديد من التصوّرات والمفاهيم القادمة من الأنثروبولوجيا من قبيل «الغربـ«  «هنا»  «هم» ، «نحن» «أوروبا» و«حضارة»[14] في مقابل «مجتمعات بدائيّة» أو مجتمعات «بلا تاريخ» أو مجتمعات بربريّة متوحّشة...الخ. هناك في تلك المجتمعات الموصوفة بانعدام الحضارة وثقافة الكتابة لا وجود لخطابات يثري بعضها الآخر أو يمحو بعضها بعضًا، ولا حقيقة تأتي لتلغي حقيقة أخرى. هناك، تغفو الكتابة في صمت رهيب تاركة للصوت حرّيّة الكلام، وهو كلام لا يظهر إلّا ليختفي، تاركًا لإنسانيّتنا المزعومة حرّيّة التحدّث باسمه.

يرغب فوكو بناء تشكيلات ثقافيّة كبرى لمقاربتها أو لتمييز بعضها عن الآخر جذريًّا. وهذا لا يتمّ إلّا من خلال التموقع خارج الثقافة التي ينتمي إليها وأن يفكّر، كمن يطلّ من شرفة، خارج الأطر النظريّة المفروضة، ليتمكّن من تحليل الشروط التي سمحت لها أن تتشكّل على هذا النحو الذي استقرّت عليه[15]. وفي تصوّره أنّه لا يمكن فهم ثقافة معيّنة بالنظر إليها من داخلها، بل من خارجها؛ إذ لا يمكن فهم العقلانيّة، تمثيلًا لا حصرًا، انطلاقًا مما تقوله عن ذاتها، بل انطلاقًا من النظر إلى ما يحدث خارج العقل، أعني الجنون، وكذلك لا يمكن فهم مسألة الحقّ إلّا بالنظر إلى ما يحصل داخل السجون أو في المستعمرات، حينها ندرك أنّ المجتمع الذي أنتج مفهوم الحقّ (حقوق الإنسان)، هو المجتمع ذاته الذي أنتج فكرة العقاب ومختلف صنوف التعذيب والاستغلال والاضطهاد، وهو المجتمع ذاته الذي ابتكر فكرة الآخر ليظهر تفوّقه بالتعارض مع نقيضه. عبر هذا النهج، يرغب فوكو تفخيخ ثقافته الخاصّة استنادًا إلى ثقافته الخاصّة وما تقوله عن نفسها ولا تكفّ عن تأكيده. وفي الكلمات والأشياء يعرض الأنظمة المعرفيّة الكبرى التي هيمنت على الفكر الغربيّ منذ عصر النهضة، ويحلّل خصوصية كلّ نظام وسماته المميزة والدور الخطر الذي لعبته العلوم الإنسانيّة في فضاء المعرفة ومدى ترابط هذه العلوم مع نشأة سلطة جديدة لم يعرفها الغرب قبل ذلك، ويسميها السلطة على الحياة  Biopouvoir، وهي سلطة لا تعمل وفق مبدأ القمع كما يشير في إرادة المعرفة، بل وفق مبدأ التكتيك، الاستراتيجيّة، التقنيّة، التأثير...، وعلى مستوى الخطاب فهي لا تقمع بقدر ما تحثّ على الكلام وقول الحقيقة؛ لأنّها تحتاج أن تعرف أكثر لتحكم وتسيطر، وهو ما يفسّر بالذات الانفجار الخطابيّ الذي عرفه الغرب بخصوص الجنس ودفع البشر للحديث عنه، كما يفسّر أيضًا نشأة جميع علوم الجنس الحديثة. وعليه يخطئ من يحاول فهم السلطة من منظور القمع أو التحريم. وعند هذه النقطة يبتعد فوكو عن الأنثروبولوجيا ويلتزم مسارًا نقديًّا ضدّها (وهي مسألة سأعود إليها لاحقًا).

1. في نقد الأنثروبولوجيا:
يميز فوكو، في الكلمات والأشياء، بين ثلاث أنظمة معرفيّة كبرى (épistémè) هيمنت على الفكر الغربيّ منذ عصر النهضة وصولًا إلى العصر الحديث، أولًا: «إبستيم» عصر النهضة، الموسوم بفكرة التوافق، والتماثل أو القياس، والتعاطف.. ( المقولة المهيمنة في ذلك العصر هي مقولة التشابه)، ثانيًا، «إبستيم» العصر الكلاسيكيّ الذي بدأ مع العقلانيّة الديكارتيّة، إذ تبنّى ديكارت منهجًا رياضيًّا للوصول إلى الحقائق ( المقولة المهيمنة هي العقل)، ثالثًا، «إبستيم» العصر الحديث، الذي نحن في طور الخروج منه؛ وهو نظام معرفي تزامن مع الثورة الصناعيّة، وبدأ الانتقال على المستوى السياسيّ من سلطة السيادة إلى السلطة على الحياة «biopouvoir »،  وفي هذا العصر نشأت «الأنثروبولوجيا المعاصرة» أو ما يُسمى العلوم الإنسانيّة؛ أي جملة الخطابات التي اتخذت من الإنسان موضوعًا لها، أعني الإنسان بما يملك من خصائص قابلة للتجريب، وزعمت إمكانيّة تكوين معارف علميّة بخصوصه وفهم حقيقته العميقة. وهي تختلف، تبعًا لذلك، عن جملة المعارف النظريّة التي تناولت الإنسان قبل ذلك، كتلك التي نعثر عليها في الفلسفة وغيرها من المباحث النظريّة (المقولة التي هيمنت على هذا العصر هي مقولة التطوّر). وعلى خلاف العصر الكلاسيكيّ، الذي لم يمنح مكانة مركزيّة للإنسان في عمليّة المعرفة، لم يكتفِ العصر الحديث برفع الإنسان ووضعه في مركز المعرفة بل اخترع الإنسان ذاته كمقياس لكلّ شيء وأحلّه مكان الله نفسه ( وهو ما يعرف بولادة الذات الحديثة). ويعدّ ديكارت المؤسّس الحقيقيّ لهذا الوضع؛ لكونه جعل «الأنا» المفكّرة الضامن الوحيد لجميع الحقائق؛ إذ من الممكن أن تكون جميع أرائي خاطئة، يقول ديكارت، لكن هناك على الأقلّ شيء يقينيّ تمامًا: أنّه يقتضي أن أوجد لكي يستطيع خداعي. فالمرء يمكن أن يشكّ في كلّ شيء خلا أنّه يوجد ويفكّر ويشكّ. وهكذا فإنّ نموذج كلّ حقيقة يتعيّن في اليقين المطلق لحضور الذات في العالم كذات مُفكرة. ومنذ ذلك الوقت أصبح موضوع المعرفة يرتبط بالذات العارفة نفسها؛ فالذات هي من يبتكر الموضع المعرفيّ وهي من يقرّر، تبعًا لذلك، الحقيقة ويفرضها على أنّها كذلك. لقد أبدل ديكارت مركزيّة الألوهة بمركزيّة الأنا التي توجب عليها، لاحقًا، أن تملأ الفراغ الناتج عن غياب الألوهة، التي كانت تضمن الحقيقة سابقًا، بأن تنتج حقائقها الخاصّة بها. وهي حقائق لا يمكن الحصول عليها دون تطبيق قواعد المنهج التي أقرّها. ينبّهنا فوكو إلى خطر الركون إلى الذات في عمليّة المعرفة؛ إذ كيف يمكن للذّات أن تكون أداة معرفة وموضوع معرفة في الوقت عينه؟ كما ينبهنا إلى حداثة سؤال الذات وحداثة سؤال الإنسان المرتبط به. ويدعونا في أكثر من مناسبة إلى الاستيقاظ والخروج من هذا الثبات الأنثروبولوجيّ الذي حكم معرفتنا حول الإنسان وبخصوصه، ويُبيّن لنا أنّ فكرة الإنسان ذاتها هي اختراع حديث يوشك على الاندثار والتلاشي (وهي فكرة سأعود إليها لاحقًا)[16].

 يرفض فوكو مزاعم العلميّة التي نهضت عليها العلوم الإنسانيّة، ويرى أنّ هذه العلوم ظهرت في الواقع على تخوم كلّ من علم الحياة ( البيولوجيا) واللغة والعمل(الاقتصاد)، وهي علوم تشكّلت يوم خضع الإنسان، لأوّل مرّة في تاريخه، لإمكانيّة معرفة وضعيّة[17]. في الواقع، تستعير العلوم الإنسانيّة موضوعاتها من نقاط تمفصلها مع علوم البيولوجيا والاقتصاد واللغة؛ فعند تماسها مع البيولوجيا يبدو الإنسان كائنًا قابلًا للوصف يتلقّى مثيرات (فيزيولوجيّة، واجتماعيّة وثقافيّة) ويستجيب لها ويتكيّف معها ويطوّرها، كما يبدو خاضعًا لمقتضيات بيئته متأقلمًا مع المتغيّرات التي تفرضها وساعيًا لإزالة الاختلافات والعقبات، عاملًا بموجب نظم، وخاضعًا لظروف معيشيّة، وقادرًا على استنباط قواعد تصحيحيّة.... وعند تمفصلها مع الاقتصاد يبدو الإنسان صاحب حاجات ورغبات ويميل إلى إشباعها، وذا مصالح، وصاحب حاجات ومنافع يسعى إلى تحقيقها بالتنافس مع أناس آخرين؛ فيبدو باختصار في حال تنازع وصراع دائم، وهو يحاول تلافي هذه النزعات فيضع مجموعة قواعد، هي في الوقت عينه تعدّ حدًّا وإثارة مجدّدة لها. وأخيرًا، عند تماسها مع اللغة تبدو تصرّفات الإنسان كلّها كأنّها تريد التعبير عن شيء ما؛ فأدنى حركاته تحمل معنى، وكلّ ما يقيمه حول نفسه من أشياء وطقوس وعادات وخطابات وكتابات، وكلّ الآثار التي يخلّفها وراءه تشكّل مجموعة منسجمة ونظام علامات. وهكذا فإنّ هذه الأزواج الثلاثة: الوظيفة أو المعيار، النزاع والقاعدة و الدلالة تغطي مجال معرفة الإنسان برمّته دون أن تهمل شيئًا[18]. وعليه، لا تدرس العلوم الإنسانيّة حياة الإنسان وعمله ولغاه بقدر ما تدرس التمثيلات أو التصوّرات التي يكوّنها الإنسان عن عمله ولغته وحياته والجمل الملفوظة أو المكتوبة التي أعطيت، مسبقًا لأولئك الذين يعملون ويتصرّفون ويقايضون وينطقون.[19] وهكذا، تتداخل العلوم الإنسانيّة جميعها، ويمكن لكلٍّ منها أن يفسّر الآخر، وتزول الحدود فيما بينها وتتكاثر إلى ما لا نهاية العلوم الوسيطة والمختلطة، لدرجة أنّ موضوعها الخاصّ ينتهي إلى التلاشي[20]. في رأيه، لا توجد علوم الإنسان في الحيّز الذي نطرح فيه سؤال الإنسان، أو حيث يكون هذا الأخير هو الموضوع، بل في الحيّز الذي يتمّ فيه تحليل المعايير والقواعد والدلالات اللاواعية التي تكشف للوعي مضامينها وشروطها.

 في الواقع، لا يتكوّن الإنسان كموضوع إلّا بتضافر جملة من العناصر المتعلّقة بتاريخ الكائنات وتاريخ الأشياء وتاريخ الكلمات التي تشكّل الأساس الذي يخضع له بوصفه كائنًا يعمل ويحيا ويتكلّم، ويملك، تبعًا لذلك، تاريخًا لعمله وحياته ولغته. وحالما ندرك أنّ تاريخ الإنسان بدأ ينزلق من بين أصابعه، يوم استقلّت معظم المعارف وسعت إلى تكوين تاريخها الخاصّ، بعد أن تحرّرت من التاريخ الذي كان يفرضها الإنسان عليها، ندرك صعوبة الادعاء بإمكانيّة معرفة وضعيّة للكائن. فمع انغلاق المعارف على ميادينها الخاصّة، وجد الإنسان الحديث نفسه مجرّدًا مما يشكّل أوضح مضامين تاريخه الذي كان يحيا داخله حتى وقت قريب: فالطبيعة لم تعد تتحدّث إليه عن خلق العالم وعن نهايته الآتية؛ فهي ما عادت تنطق بغير الزمن الطبيعيّ، وثرواتها ما عادت تدلّ على قدم العصر الذهبيّ أو على عودته المقبلة، وباتت لا تتكلّم سوى عن شرط الإنتاج التي تتبدّل في التاريخ، واللغة ما عادت تحمل آثار ما قبل بابل أو الصرخات البدائيّة التي دوّت في أرجاء الغابات، بل تحمل إشارات نسبها الخاصّ وتاريخها الخاصّ.. لقد تبعثر تاريخ الكائن الحيّ يوم وجد نفسه يتشابك مع تواريخ لا تخضع له ولا تتجانس معه؛ لأنّ الحيز الذي كانت تملأه المعرفة الكلاسيكيّة قد تفتّت؛ إذ تحرّر كلّ قطاع من جراء ذلك وتقوقع حول تاريخه ومصيره الخاصّ. وهكذا، فإنّ الإنسان الذي ظهر في أوائل القرن التاسع عشر بدأ على أنّه إنسان منوّع التاريخ أو إنسان لا تاريخ له أو إنسان مفرّغًا من التاريخ. ومن هنا يغدو الحديث عن علوم الإنسان مجرّد مغالاة كلاميّة. ويرى فوكو أنّ جميع النقاشات التي تتناول إمكان اعتبار مثل تلك المعارف علميّة، كالفيزياء والكيمياء والطب، أو تلك التي تتحدّث عن الشروط التي ينبغي أن تخضع لها لتنال درجة العلميّة، لا تعدو أن تكون نقاشات فارغة وباطلة ... وكل ّما بوسعنا قوله هو أنّ هذه العلوم شكّلت جزءًا من النظام المعرفيّ (الإبستيم) العامّ، أعني أنّ وضعيّتها قد ترسّخت داخله، وفيه عثرت على شروط وجودها بالذات، لكن القول إنّها ترتقي إلى صفة العلميّة لا يعدو أن يكون مجرّد وهم ومجرّد تخيّل علميّ خاطئ دافعه المصلحة وأساسه المعتقد. وهي ليست أيديولوجيا أيضًا، كما يحاول البعض أن يصفها[21]، فهي لا تعدو أن تكون انحرافًا عن أسس النقد التي وضعها كنط في نقدياته الثلاثة، إذ قال بعدم إمكانيّة معرفة يقينيّة خارج حدود التجربة. ومنذ ذلك الحين لم تكفّ الأنثروبولوجيا عن تناول الإنسان بوصفه كيانًا قابلًا للتجريب، كما تُظهر الأطروحة التكميليّة لتاريخ الجنون [22]، وإنّه تبعًا لتلك القابليّة، يمكن معرفة حقيقة الإنسان موضوعيًّا انطلاقًا من حياته وعمله ولغته. ومع أنّ علوم الإنسان تحاول أن تستعير من الرياضيّات دقّتها، بأن تصيغ نتائجها وفق قواعد رياضيّة، إلّا أنّ ذلك لا يضعها في مرتبة العلم؛ ولهذا فهي تلعب دورًا خطرًا في فضاء المعرفة.

يستثني فوكو علم التاريخ والتحليل النفسيّ والإثنولوجيا من نقده المناهض للأنسنة وعلوم الإنسان، لجهة أن العِلمين الأخيرين يتّخذان من اللاوعي موضوعًا مفضّلًا لأبحاثهما؛ وهما بذلك يُظهران أنّه يبقى دائمًا شيء للتفكير فيه فيما تمّ التفكير فيه على المستوى الظاهريّ. أمّا بخصوص التاريخ، فقد كشف هذا الأخير عن مبدأ الزمن كحدّ خارجيّ للعلوم الإنسانيّة حين بَيّن أنّ كلّ ما تمّ التفكير فيه سوف يُفكّر فيه مجدّدًا، في صيغة فكر لم يولد بعد[23]، وإنّ الإنسان، على عكس الأشياء التي تسبق وجوده والتي تعذّر عليه الإمساك بها لحظة ولادتها، هو الكائن الذي لا وطن ولا تاريخ له، والذي يتعذّر الوصول إلى ولادته؛ لأنّها لم تحصل أبدًا، ما يجعل فكرة البحث عن الأصل عديمة الجدوى، إذ يبقى الإنسان المفصول عن أصله سابق الحضور، وأنّ أصله ينفلت دائمًا من بين يديه ويتقهقر باستمرار كونه يرجع إلى زمن لا وجود للإنسان فيه. إنّ أصله في الواقع ليس سوى لحظة تمفصله مع العمل والحياة واللغة الموجودة قبله، حيث يصنع من اللغة عالمًا وتاريخًا ويركّب عبارات لم تكن مقولة من قبل أبدًا، كلمات أقدم من أيّ ذاكرة. يخلص فوكو إلى القول : «الإنسان خاضع للعمل والحياة واللغة، فهي التي تحدّد وجوده الواقعيّ، فلا يمكن الوصول إليه إلّا من خلال كلامه، جسده، والسلع التي يصنعها كما لو أنّها هي أوّلًا (أو هي فقط) التي تمسك بالحقيقة»[24].

في أعماله اللاحقة، وبصورة خاصّة المراقبة والعقاب، يُظهر فوكو كيف أنّ العلوم الإنسانيّة، التي يفاخر بها الغرب، ولدت في رحم مؤسّسات السلطة؛ في مراكز العزل، المستشفيات، السجون، الإدارات.. الخ، ولم تنجح إلى الآن في التحرّر من المؤسّسات السلطويّة التي هيّأت ولادتها. ويقول: «إنّ هذه العلوم التي تغتبط بها إنسانيّتنا منذ أكثر من قرن تستمدّ إطارها التقنيّ من الدقّة المتقنة والخبيثة للأنظمة التأديبيّة وتحقيقاتها، ولم تنجح العلوم الإنسانيّة إلى الآن في التحرّر من هذا الإطار وبقيت مرتبطة بإجراءات الفحص والتسجيل الخاصّة بالعلوم الاجتماعيّة المرتبطة أصلًا إن لم يكن كلّيًّا بالسلطة التأديبيّة التي شهدت ولادتها. ولا ننسى أنّ التحقيق، الذي لعب دور السلطة العليا التي تدّعي لنفسها حقّ إثبات الحقيقة.... كان اللحظة الأساسيّة والرحم القانونيّ والسياسيّ الذي سمح بنشوء العلوم التجريبيّة الاختباريّة.... فالمعرفة التجريبيّة الكبرى التي غطّت أشياء العالم ودوّنتها في خطابٍ منظَّم يثبت ويصف ويقرّر الوقائع، إنّ هذه المعرفة كان لها نموذجها العمليّ في محاكم التفتيش التي أخفاها الغرب خلف لطفه المزعوم. فالسلطة، وكذلك المعارف التي نشأت في فلكها، لم تطبّق معرفتها وتحقيقاتها وتقنياتها على العالم أبدًا، إنّما على الأفراد كموضوع تلاقت داخله وتشابكت علاقات السلطة والمعرفة[25]. الفرد المعاصر، من هذه الزاوية، حصيلة تطوّرات استراتيجيّة معقّدة في ميدان السلطة وتطوّرات عدّة في مجال علوم العلوم الإنسانيّة. فهذه الأخيرة التي تصف نفسها كنظم علميّة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأنظمة التأديبيّة، وهي لم تنفصل يومًا عن تكنولوجيا السلطة وتقنياتها الهادفة إلى إخضاع البشر. فالعلوم الاجتماعيّة (علم النفس، الديمغرافيا، الإحصاء، علم الإجرام، الصحّة الاجتماعيّة ..الخ) تكونت، جميعها، داخل مؤسّسات سلطويّة (المستشفيات، السجون...) كانت تحتاج إلى معارف وخطابات أكثر اتقانًا وعملانيّة، ولولا حاجة السلطة لها لما شهدنا تكاثرها وازدهارها بمثل هذا القدر[26].

في الواقع إنّ الفرد الحديث، الذي اتخذته العلوم الإنسانيّة موضوعًا مفضّلًا لتحليلاتها، هو ابتكار تاريخيّ حديث العهد، ينتمي إلى الثقافة الغربيّة وحسب. ومن السهل أن نلاحظ أنّ المعرفة لم تتركّز طويلًا حوله وحول أسراه، ولم تكن تلك المعارف، التي نشأت منذ قرن ونصف ومنحت للإنسان صورته، وعدًا بالعبور بالإنسان إلى وعي مختلف أو أسمى أو اقترابًا من الموضوعيّة، ولم تكن أيضًا إيذانًا بالتحرّر من الأفكار التي بقيت زمنًا طويلًا حبيسة المعتقدات والفلسفات، بل كانت نتيجة تبدّل في الجاهزيّات الأساسيّة لنظام المعرفة الغربيّة وحسب، وهذا التبدّل هو الذي سمح بظهورها وبظهور وجه الإنسان أيضًا. فثمّة أمر واحد مؤكّد، كما تعلن الصفحات الأخيرة من الكلمات والأشياء، هو أنّ الإنسان ليس أقدم ولا أثبت إشكاليّة طرحت ذاتها على المعرفة الإنسانيّة، وأنّ أركولوجيا المعرفة تظهِر بسهولة حداثة عهده وربما نهايته القريبة واندثاره مثل وجه من الرمل مرسوم على شاطئ البحر. إنّ موت الإنسان هو الحدث المدوّي الذي يعلنه الكلمات والأشياء كحدث لاحق على موت الله الذي أعلنه نيتشه قبل ذلك؛ فالإنسان الذي توجّب عليه أن يفكر، ويوجد، ويتكلّم في غياب الله، والذي أعلن أنّ وجوده اقتضى الإقدام على تلك الجريمة، عليه أن يتحمّل مسؤوليّة تناهيه، ولهذا فجريمته أيضًا محكوم عليها بالفناء، وبذلك تعجّ آلهة جدّيّة في هذا الأفق الذي غاب عنه الله (وهذا ما نجد ملمحه في عبادة التقنية وغيرها من العلامات التجاريّة التي تحوّلت إلى آلهة جدّيّة حلّت مكان الإله الميتافيزيقيّ القديم). إنّ ما يعلنه ويبشّر به نيتشه، وفق فوكو، هو أبعد وأكثر من موت الله، آو بالأحرى في أثر هذا الموت وبارتباط عميق معه: هو نهاية قاتله؛ إنّه تبعثر الإنسان وانفجار كينونته الناتج عن فقدان المعنى الذي كان يؤمنه وجود الله ... ما الذي يبقى للإنسان حين يفقد هذا البعد الذي يربطه بالتعالي؟ أيبقى له غير اللغة، التي تحوّلت إلى ملجأ أخير يأوي إليه، وهي لغة أصلًا في طور التلاشي مع مجيء عصر الصورة المرئيّة التي بدأت تشغل الحيّز الذي كانت تحتلّه الكتابة سابقًا، وهو حيّز يتلاشى فيه الواقع نفسه ليتحوّل إلى صورة وهميّة تزعم أنّها الواقع والحقيقة. لم تعد اللغة بيت الحقيقة، بل باتت الصورة هي من يقول الحقيقة ويفرضها على أنّها كذلك. وهو وضع ينذر بتلاشي الكائن واختفائه، فهو ما عاد يوجد بحقيقته بل بوصفه صورة؛ وهو ما عاد يستمدّ معرفته عن نفسه وعن العالم من حوله من الكتابة، التي شكّلت كيانه ومعرفته على مدى تاريخ طويل، بل من الصورة التي لا يكفّ عن ابتكارها. يقول فوكو: « إنّ الإنسان نهائيّ، وأنّه حين يبلغ  ذروة كلّ كلام ممكن، لا يصل إلى صميم ذاته، بل إلى حافّة ما يحدّه: في تلك المنطقة حيث يهيمن الموت وينطفئ الفكر، وحيث يتراجع الوعد بالأصل إلى ما لا نهاية «[27] . إنّ سعي الإنسان المحموم إلى المعرفة قاده إلى نهايته التي نشهد ملامحها اليوم، في صورة قلق عام يعتري الإنسانيّة جمعاء من المآلات التي يمكن أن تقود إليها فكرة التطوّر الذي لا حدّ له، وفكرة المعرفة المتحرّرة من سؤال الأخلاق كحدٍّ وشرط لازم لكلّ معرفة ممكنة.

2. عود على بدء: في التحليل النفسيّ والإثنولوجيا:
التحليل النفسيّ هو أقرب ما يكون إلى وظيفة نقديّة متأصّلة داخل العلوم الإنسانيّة؛ فعندما يضع هدفًا له في جعل خطاب اللاوعي يتكلّم من خلال الوعي، فإنّه يتّجه صوب تلك المنطقة المظلمة حيث تقيم علاقات التمثيل، ويرصدها وهي تطفو على سطح الوعي؛ فبينما لا تتّجه العلوم الإنسانيّة صوب الوعي إلا لتدير ظهرها له، يتجه التحليل النفسيّ صوبه مباشرة وبكلّ تصميم، لا صوب ما سوف يتوضّح تدريجيًّا على ضوء ما هو ضمنيّ إّنما نحو ما هو حاضر لكنّه يتهرّب، ونحو ما هو موجود كما يوجد شيء بكلّ صلابته الصمّاء أو نصّ مغلق على ذاته أو ثغرة في نصّ مقروء وممتنع. صحيح أنّ التحليل النفسيّ يسير على خطى العلوم الإنسانيّة لكن نظره يبقى شاخصًا في الاتجاه المعاكس؛ أعني صوب تلك اللحظة أو المنطقة المعتمة الممتنعة على كلّ معرفة نظريّة في الإنسان، وعلى كلّ إدراك متواصل في صورة معنى أو صراع أو وظيفة[28]. أمّا بخصوص الإثنولوجيا، فإنّ أهمّيّتها تنبع من كونها، كمثل التحليل النفسيّ، تحاول فهم الثوابت البنيويّة في الثقافة. صحيح أنّها، تقليديًّا، تختصّ بدراسة الشعوب التي لا تاريخ لها، لكنّها تختلف، في الواقع، عن البحث التاريخيّ، لجهة أنّها لا تهتمّ بتعاقب الأحداث داخل الزمن؛ فهي تعلّق الخطاب التعاقبيّ الطويل الذي نحاول من خلاله وفي داخله أن نفكّر في ثقافتنا الخاصّة لنبرز علاقات تزامنيّة مع أنواع أخرى من الثقافات، فهي لا تكتسب كيانها إلّا من داخل الثقافة الغربيّة أو من خلال وضع معيّن أو حدث فريد تتداخل فيه تاريخ الغرب وتاريخ البشر الآخرين الذين شكّلوا موضع الإثنولوجيا المفضّل. وهي، تبعًا لذلك، علم غربيّ بامتياز، لا لكونها تتأصّل داخل سؤال الإنسان وحسب، إنّما أيضًا لكونها تستمدّ نسغها من تفوّق الثقافة الغربيّة بالعلاقة مع الثقافات الأخرى؛ فهي تنتمي حصرًا  إلى هذه الثقافة (مع أنّها لا تطبّق مناهجها وأبحاثها على الثقافة الغربيّة)، وربما أكثر إلى كلّ تاريخ يخولها الارتباط بسائر الثقافات على مستوى نظريّ بحت[29].

وبوسع المرء أن يتساءل: أيمكن فصل نشوء الإثنولوجيا عن الوضع الكولونياليّ؟ أيمكن للإثنولوجيا أن توجد أصلًا وأن تأخذ أبعادها خارج السيادة التاريخيّة، المتخفّية دومًا إنّما الحاضرة باستمرار، للفكر الغربيّ في علاقته الاستعلائيّة والتصادميّة مع سائر الثقافات؟ أيمكن النظر إليها بوصفها اختصاص معرفيّ أو علم الرجل الأبيض المتمركز على ذاته وحسب، أم ينبغي النظر إليها أيضًا على أنّها أداة سياسيّة مباشرة تهدف إلى جمع المعلومات والاستعلام ( بالمعنى الاستخباريّ)[30]؟ أيمكن فصل ميدانها التجريبيّ وتقنياتها وأهدافها عن توسّع الغرب الاستعماريّ خلال تطوّره التاريخيّ؟ أليست علاقات القوى هي من حدّد الشروط السياسيّة لمعرفة الآخر؟[31] أليست هي من أسّس القسمة الكبرى بين نحن وهم، حين قامت بربط كلّ إثنيّة أو ثقافة بنمط تفكير أو ذهنيّة أو طبيعة معيّنة تتّسم بها ليتمّ بذلك تصنيف الأفراد عرقيًّا وحبسهم داخل هذه المجموعة أو تلك؟ هذه الأسئلة لا لأجيب عنها، بل لأشير دائمًا إلى الوضع المعقّد لنشأة العلوم الإنسانيّة ومدى ترابط هذه النشأة مع أوضاع تاريخيّة معيّنة أفرزها تطوّر المجتمع الغربيّ الرأسماليّ الصناعيّ وتوسّعه، بالإضافة إلى تطوّر أنظمة الحكم فيه وحاجتها الدائمة إلى المعرفة: معرفة الذات ومعرفة الآخر في آن؛ ذلك أنّ الحكم لا يتمّ دون معرفة. ومن هنا يقع تشابك المعرفة والسلطة وتداخلهما الدائم، فلا وجود لمعرفة مستقلّة عن علاقات السلطة.

3. في نقد الأنثروبولوجيا وسؤال السلطة:
وجد فوكو في الإثنولوجيا والتحليل النفسيّ ما يدعم توجّهه النقديّ الهادف إلى فرض واقع مناهض للعلوم الإنسانيّة. فهو يرى أن لا إمكانيّة لوجود علوم إنسانيّة إلّا في الحيّز الذي نحلّل فيه أبعاد اللاوعي والمعايير والقواعد والدلالات التي تكشف للوعي محتواه وشكله. وعليه فإنّ التحليل النفسيّ والإثنولوجيا يجسّدان، على السواء، جوهر العلوم الإنسانيّة؛ لأنّهما يشتركان في كونهما من علوم اللاوعي[32]. ولا يمكن النظر إليهما، تبعًا لذلك، على أنّهما علمان إنسانيّان إلى جانب سواهما من العلوم، بل أهمّها جميعًا، لكونهما يَعبُران كلّ قطاعات علوم الإنسان وينتشران في كلّ مكان من مفاهيمها، ويمكنهما، بناء على ذلك، أن يقترحا، في أيّ وقت، أساليب قراءتهما وتفسيراتهما. ولا يمكن لأيّ من علوم الإنسان أن يضمن أنّه متحرّر منهما أو أنّه مستقلّ عن اكتشافاتهما أو أنّه غير مرتبط بهما بصورة أو بأخرى.

إنّ القوّة الخاصّة بالإثنولوجيا والتحليل النفسيّ تأتي من قدرتهما على «تفكيك» الإنسان كما قال ستروس، فهما لا يفكّكانه ليعيدا تركيبه على نحو أكثر صفاء وتحرّرًا، بل لأنّهما لا يكفّان عن تحليل الرغبة العصيّة على الفكر وعن تحليل هذه اللغة (بما هي نظام كلام وقانون) عبر دفع الذات الناطقة إلى الإفصاح والكشف عن المخبوء الذي يقبع خلف المنطوق. وهذا لا يعني أنّهما أقلّ عقلانيّة وموضوعيّة من غيرهما بقدر ما يعني أنّهما يسيران في اتجاه معاكس لاتجاه العلوم الإنسانيّة الأخرى؛ وهما يمثّلان من هذه الزاوية «علوم مضادّة»؛ إذ لا يكفّان عن تفكيك هذا الإنسان الذي لا تتوقّف العلوم الإنسانيّة عن تحليله تركيبه. فمنذ الطوطم والتابو أصبح بالإمكان إنشاء حقل مشترك بينهما يمكن من خلاله العبور من إحداهما إلى الآخر؛ أي من تاريخ الأفراد إلى لاوعي الثقافات ومن تاريخ هذه الثقافات إلى لاوعي الأفراد. لا تأتي أهمّيّة علم الأعراق البشريّة، في الواقع، من حقيقة أنّه يتعامل مع مجتمعات بدون تاريخ، بل من كونه يهتمّ قبل كلّ شيء بـ «العمليّات اللاواعية التي تميّز نظام ثقافة معيّنة»[33]؛ ما يتيح إمكانيّة الوصول إلى «نظام اللاوعي الثقافيّ، أي الهياكل الرسميّة التي تجعل الخطابات الأسطوريّة ذات مغزى.

لا شكّ أنّ حماس فوكو المبكر لهذين العلمين يجد مصدره في قراءة ليفي ستروس وفرويد التي أعاد لاكان النظر فيها، ولا شكّ أيضا أنّ هذا الحماس هو ما دفع بعض المفكّرين لوصف فوكو بالبنيويّ إلى جانب أقرانه من البنيويّين الآخرين على الرغم من الاختلاف الكبير بينهم، وعلى الرغم من أنّ هذه التسمية لم تفسح مجالًا لأيّ تقارب بين ستروس وفوكو. ولم يحصل أيّ لقاء أو نقاش بين الفيلسوفين؛ إذا بقي ستروس يرى في فوكو فيلسوفًا منغلقًا على ثقافته الخاصّة منكبًّا على تحليلها، وبقي فوكو ينظر إلى ستروس من موقع من يكتب انطلاقًا من مركزيّة ثقافته مع أنّه لا يكفّ عن توجيه النقد ضدّها. ومن النادر أن نجد أيّ إشارة إلى ليفي ستروس أو إلى الأنثروبولوجيا بعامّة، في الأعمال الأخيرة لفوكو، خلا المحاضرة التي ألقاها في قسم الفلسفة في جامعة باهية «Bahia» سنة 1976 بعنوان شبكات السلطة «Les mailles du pouvoir».، وهو نصّ يتمتّع بأهمّيّة بالغة؛ لأنّه يسمح لنا بفهم المسافة التي تفصل فوكو عن الأنثروبولوجيا بعامّة وعن أعمال ليفي ستروس بصورة خاصّة.

 تبدأ المحاضرة بنقد شامل للتحليل النفسيّ مستهدفًا مفهوم «التحريم» الذي ركّز عليه المحلّلون النفسيّون بوصفه القانون الذي يطبق على الرغبة أو الغريزة. ويرى فوكو أنّ هذا التصوّر، الذي يعارض الطبيعة بالثقافة، ينتهي إلى تغيير تصوّرنا ليس لمسألة الرغبة أو الغريزة وحسب، بل إلى تغيير تصوّرنا لمفهوم السلطة كذلك، لجهة أنّه يقرن السلطة بالتحريم أو المنع؛ فالسلطة هي من يقول دائمًا لا، أو، بعبارة أخرى، هي من يقول : «لا يجب أن» أو «يجب أن»[34]. وهم بذلك يشتركون، مع علماء النفس وعلماء الاجتماع، في تبنّي مفهوم سلبيّ وقانونيّ (juridique) للسلطة. فهذه الأخيرة توجد وتمارس، وفق هذا التصوّر، بوصفها قانونًا فارضًا يطبّق على الطبيعة (الرغبات/ الغرائز /الدوافع). وعليه يقيمون تعارضًا بين الجسد، من جانب، والقانون من جانب آخر، أو، بعبارة أخرى، بين الجسد ـ الطبيعة (الغرائز)، من جهة، والثقافة _ القانون (السلطة) من جهة ثانية. ويرى فوكو أنّ هذا التصوّر للسلطة تمّت صياغته بصورة نهائيّة في نهاية القرن التاسع عشر، وجرى تبنيّه وتطويره بشكل كبير من قبل علم الأعراق البشريّة» l’ethnologie[35] الذي لم يكفّ، وفق تصوّره، عن المطابقة بين نظام السلطة (القانون) ونظام القاعدة (التحريم). وتمثّل أعمال ليفي ستروس، وبصورة خاصّة تصوّراته المتعلّقة بمسألة سفاح القربى، تجسيدًا لهذا النهج، لكونها تضع مسألة التحريم في صميم البحث في مسألة المنع. ومن المفيد الإشارة إلى أنّ أنثروبولوجيا ستروس، التي تمثّل امتدادًا لتحليلات دوركهايم، وفق فوكو، هي أنثروبولوجيا سياسيّة جملة وتفصيلًا، وذلك لكونها تطرح نظريّة في السلطة (مع أنّ هدف ستروس المعلن هو تحليل نظم القرابة والتحالف الزواجيّ، ولا يسعى فوكو إلى تقويم علاقتهما في هذا المجال ويدع جانبًا الصياغات الليفي ستروسيّة عن مفاهيم المبادلة والمعاملة بالمثل). يتركّز النقد الفوكويّ، بصورة خاصّة، على الحضور الطاغي لمفهوم القاعدة ومقابله التحريم، ويرى فيه تصوّرًا اختزاليًّا لمفهوم السلطة لا يفضى سوى إلى إطالة أمد الخطاب القانونيّ الذي هيمن على نظريّات الدولة في الغرب منذ العصور الوسطى؛ إذ يتم تمثيل السلطة بالقانون (السلطة تساوي القانون). وتبعًا لهذا التصوّر تم صياغة مفهوم السيادة الذي مازال سائدًا إلى يومنا هذا بوصفه مفهومًا مركزيًّا في النظريّة السياسيّة.

يعارض فوكو هذا التصوّر القانونيّ للسلطة، باللجوء إلى تحليل الميكانيزمات الإيجابيّة للسلطة التي لا تضع هذه الأخيرة في موقع السلب (القمع، المنع، التحريم ..) ، بل في موقع الإيجاب؛ فالسلطة لا توجد بوصفها قمعًا بل بوصفها تقنية، وحثًّا وحضًّا وتحريضًّا وإنتاجًّا؛ فهي تشكّل الذوات قبل أن تقمعها، وتنتج الواقع قبل أن تفرض القانون، كما أنّها تنتج الحقيقة وتفرضها قبل أن تضفي عليها رداءً إيديولوجيًّا، وقبل أن تجرّد وتموّه[36]...

 لا يدعي فوكو السبق في اكتشاف هذا التصوّر الإيجابيّ لمفهوم السلطة، فقد سبقه إلى ذلك كلاسترز (Pierre Clastres) الذي طوّر، حسب قوله، «مفهومًا جديدًا تمام الجِدة للسلطة باعتبارها «تقنية». ويذهب أبعد من ذلك حين يشير إلى أنّه هو نفسه استوحى أفكاره بخصوص آليّات ( ميكانيزمات) السلطة والتقنيات التأديبيّة وتصوّره عن السياسة الحيويّة من ماركس، وبصورة خاصّة الكتاب الثاني من رأس المال الذي وجد فيه العديد من الأفكار الأساسيّة التي بنى عليها تصوّره الخاصّ: أوّلًا، لا يوجد سلطة واحدة بل سلطات متعدّدة. ثانيًا، لا تنبثق هذه السلطات عن سلطة مركزيّة. ثالثًا، ليس لهذه السلطات وظيفة المنع أو التحريم بل الإنتاج؛ فهي سلطات منتجة للفاعليّات والكفاءات (الانضباط في ورشات العمل، والانضباط في الجيش، يوضحان هذه الإيجابيّة للسلطة)[37]. بيد أنّ المنظّرين السياسيّين، فضلوا التركيز، في تحليلاتهم عن السلطة، على موضوع واحد: الدولة وأجهزتها، وقد فعل ماركس الأمر نفسه حين نظر إلى الدولة بوصفها تكثيفًا نهائيًّا لفكرة القمع ما يجعل من مناهضتها شرطًا للحرّيّة. وللخروج من مأزق النزعة القانونيّة هذه، ينبغي إعادة قراءة ماركس بوصفها محلّلًا للعالم الصناعيّ وأن لا نكتفي بتصوّراته عن الدولة بوصفها أداة قمع وحسب؛ فالدولة ليست المصدر الوحيد للسلطة؛ لأنّه يوجد داخلها ما لا يمكن حصره من التقنيات والممارسات والإجراءات التي لا يمكن اختزالها إلى مفهوم جامع وموحّد، بل ينبغي أن تحلّل بمفردات السلطات المتناهية الصغر والتي تفعل فعلها في الجسد الاجتماعيّ برمّته بمعزل عن الدولة وأجهزتها[38]. ومن هذا المنظور ينبغي تجاوز الأنثروبولوجيا البنيويّة نحو تصوّرات جديدة كتلك التي ينادي بها فوكو أيضًا. وبوسعنا أن نخمّن أنّ ما أثار اهتمام فوكو في عمل Clastres هو تصوّرات هذا الأخير عن وجود لمجتمعات بشريّة مختلفة عن مجتمعاتنا، لا يتمّ فيها اختزال أو ترتيب السلطة وفق نموذج القمع أو القسر والإكراه.

عندما يرى فوكو في عمل كلاستر انبثاق مفهوم جديد للسلطة بوصفها تكنولوجيا، يمكن للمرء أن يتساءل عمّا إذا كان بوسع الباحث الانثربولوجيّ، الذي لا يفتأ التأكيد على سلبيّة كلّ قوة قسر وإكراه، أن يرى، كالفيلسوف، الأبعاد الإيجابيّة للسلطة. لم تنشر محاضرة باهية «Bahia» في حياة فوكو ولم يجر أيّ نقاش بينه وبين الأنثروبولوجيّين حول القضايا التي أثارها. هل أراد ذلك؟  ليس بوسعنا التأكيد أو الإجابة عن مثل هذا التساؤل.

4. رؤى نقديّة جديدة بخصوص السلطة وتحوّلات البحث الأنثروبولوجيّ:
تأتي أهمّيّة التصوّر الفوكويّ السابق من كونه تزامن مع مرحلة دخول الأنثروبولوجيا الأميركيّة في أزمة فكريّة وسياسيّة، وبصورة خاصّة مع بدء تآكل المفاهيم التي نهض عليها البحث الأنثروبولوجيّ؛ من قبيل مفهوم الحقل المعرفيّ الخالص، وموقع الباحث المختصّ ودوره ومكانته كمراقب ومؤلّف، وكذلك طبيعة الوصف الإثنولوجيّ والدور الوظيفيّ الذي لعبه البحث الإثنولوجيّ في خدمة الامبرياليّة وأغراضها العسكريّة؛ إذ أثيرت تساؤلات عديدة حول علاقة المعرفة بالسلطة (وهي فكرة مركزيّة عند فوكو)، ومدى احترام البحث الإثنولوجيّ للمعايير العلميّة التي يقتضي التقيُّد بها. وهي أسئلة تتفق في عمومها مع نقد الاستشراق الذي كتبه إدوارد سعيد بوحي من قراءته لفوكو، كما تتفق أيضًا مع الأسئلة التي طرحتها الجمعيّة الأنثروبولوجيّة الأميركيّة في حينه؛ إذ ألحّت على وجوب استعادة الوظيفة النقديّة للأنثروبولوجيا، والخروج من التصوّرات المتعلّقة بالتعارض بين الأنا والآخر، أو بين الكائنات الغريبة، موضوع البحث الإثنوجرافيّ، وبين الغرب صاحب «العلم» و«المعرفة». وطُرحت في هذا السياق تحليلات تخصّ مفهوم البنية والثقافيّة، إذا برزت ضرورة التخلّي عن فكرة إضفاء طابع جوهريّ ملازم للشعوب البدائيّة والقديمة، وكأنّ التخلّف أو البربريّة هي سمات متعلّقة بطبيعتها بالذات وليس نتيجة ظروفها آو نتيجة الوضع الاستعماريّ ذاته. وكان لهذه الأسئلة، في عمومها، الأثر الكبير في نشوء حركة فكريّة عميقة في الأنثروبولوجيا الأميركيّة تميّزت بتحدّي المسلّمات السائدة التي قام عليها الاختصاص، وبدء البحث عن وجهات نظر مختلفة وميادين بحث جديدة. في الفترة ذاتها دخل فوكو المشهد الثقافيّ الأميركيّ وقد ضمنت له الترجمات والمؤتمرات والمحاضرات المختارة مكانة كبيرة. ولا بدّ من الإشارة في هذا السياق إلى واحد من أهمّ الأعمال التي قدمتها للقارئ الأميركيّ (أعني عمل بول رابينوف ودريفوس: فوكو مسيرة فلسفيّة)، وهو واحد من أهمّ النصوص وأكثرها انتشارًا في الجامعات الأميركيّة؛ إذ طوّر دريفوس، انطلاقًا من قراءة فوكو، جملة من الأفكار النقديّة التي تخصّ الممارسة الإثنوجرافيّة، ومفهوم العمل الميدانيّ، كإطار منفصل عن سياق موسوم بقوّة حضور البعد الكولنياليّ، والعلاقات الغامضة التي تنشأ بين الإثنوجرافيّ ومشغّليه. وقد أسهم هذا النقد، الذي هيمن على الأنثروبولوجيا في الولايات المّتحدة منذ الثمانينات، في زعزعة سلطة عالم الإثنولوجيا التي قامت على ادّعاء الحياد والموضوعيّة ومراعاة شروط البحث الميدانيّ. وقد كتب رابينوف بهذا الخصوص: إنّ «ثقافات الكتابة لم تقدّم نظرة للعالم بقدر ما أبرزت الترابط الوثيق بين الخطاب والسلطة وما ينتج عن ذلك من مختلف عمليّات الإقصاء. ومن السهل أن نلاحظ تأثير فوكو في تصوّر من هذا القبيل، وهو تأثير يتجاوز رابينوف ليطال معظم الأبحاث التي كتبت في تلك الفترة؛ إذ من النادر أن نعثر على نصّ لا يشير إلى ميشيل فوكو وبصورة خاصّة تصوّراته المتعلّقة بعلاقة المعرفة (الحقيقة) بالسلطة أو الاستراتيجيّات الخطابيّة ونظام السلطة. وبالطريقة ذاتها سيلعب اكتشاف دريدا و بول ريكور (بصورة خاصّة فكرة التأويل) دورًا مهمًّا في هذه المحاولة لزعزعة استقرار العقيدة التي لا تكف عن معاملة الثقافات كنصّ ينبغي قراءته، وهذا يعني، ضمنًا، أنّ المسألة، هي أوّلًا وقبل أيّ شيء، قضيّة تفسير. وما إن تطرح مسألة التفسير حتى يطرح معها وضع من يمارس التفسير وانطلاقًا من أيّ مرجعيّة معرفيّة أو إيديولوجيّة، أو بعبارة أخرى وضع الباحث بعلاقته مع موضوع بحثه. وهو ما دفع دريدا إلى تحطيم فكرة التفسير التي تندرج، حسب رأيه، ضمن التقليد الميتافيزيقيّ الغربيّ المحض.

وكان من اللافت في تلك الحقبة أنّ الانفتاح على السؤال الفلسفيّ، الذي مارسته الأنثروبولوجيا الأميركيّة، لم يجد صدى له في فرنسا، بل على العكس قوبل بنوع من السخرية وتُهم الازدراء التي أُلصقت بتيّار ما بعد الحداثة. ومع أنّ العديد من الأنثروبولوجيّين الفرنسيّين أظهروا حماسًا كبيرًا تجاه نصوص فوكو، إلّا أنّنا من النادر أن نعثر على أيّ حوار أو مناظرة مع كاتبها، وبقيت الأنثروبولوجيا الفرنسيّة تتغذّى من تربتها الخاصّة وتتمسّك بالدفاع عن ميدانها وموضوعاتها التقليديّة (القرابة، المحرم، الرمزيّة، الطقوس...). وعلى النقيض من هذا الوضع، الذي ساد في الأبحاث الفرنسيّة، لا نكاد نعثر على أيّ إشارة لأعمال ستروس في الأبحاث الأميركيّة. بيد أنّه انطلاقًا من نهاية القرن المنصرم بدأت الأنثروبولوجيا الفرنسيّة تنفتح على النقد القادم من الجانب الآخر من الأطلسيّ، وتتفق معه في ضرورة التشكيك في وضع الباحث الأنثروبولوجيّ الذي لم يشكّك أحد قبل ذلك في مقاصده الموجّهة بمثل الحقيقة وادعاء الموضوعيّة. لم يكن بوسع الأنثروبولوجيا الفرنسيّة، في الواقع، أن تقف غير مبالية تجاه النقد الذي أفرزه تلقي فوكو الولايات المتّحدة وذلك لسببين:

أوّلًا: لأنّ فوكو أشار بوضوح إلى أنّ تحليل مفهوم السياسة لا ينبغي أن يفترض، كمعطى أوّليّ، الإحالة إلى سيادة الدولة، أو شكل القانون أو الوحدة الكلّيّة لنظام الهيمنة؛ وذلك لأنّ هذه المفاهيم لا تمثّل، في النهاية، سوى الشكل النهائيّ للسلطة. ومن هذه الزاوية فقد أسهمت الأنثروبولوجيا السياسيّة في تشويه تصورنا للسياسة عندما اختزلت مختلف أشكال الممارسة السياسيّة في جهاز الدولة بوصفها الشكل النهائيّ للسلطة. وهو تصوّر أسهم، إلى حدّ كبير، في إخفاء التنوّعات الحقيقة لمختلف أشكال السلطة وممارساتها (فثمّة مجتمعات لا وجود فيها لمفهوم الدولة ولا وجود فيها لمؤسّسات مهيمنة)، كما أنّ ثمّة أشكالًا لا حصر لها من التدخّلات بشؤون الدول والمجتمعات تحت ستار لا يتّخذ شكل السلطة بقدر ما يتّخذ شكل العمل الإنسانيّ أو صيغ أخرى ذات طابع غير حكوميّ.

ثانيًا: لأنّ فوكو ألحّ على ضرورة طرح سؤال الكيفيّة بخصوص السلطة عوض طرح سؤال الماهيّة: أعني كيف تعمل السلطة وكيف تمارس وانطلاقًا من أيّ تقنيات واستراتيجيّات، عوض الانشغال في تحديد ماهيّة السلطة وإرجاعها إلى فكرة القانون أو الدولة. إنّ التفكير في السلطة وهي تمارس، أعني بوصفها فاعليّة أو طريقة في التأثير على أفعال الآخرين المتوقّعة أو المحتملة، (أو بوصفها فعلًا يمارس على أفعال الآخرين كما يقول فوكو)، يعني بوضوح رفض الأدوات التقليديّة للنظريّات السياسيّة التي «تستند، في تحليلها لمفهوم السلطة، إمّا على نماذج قانونيّة (ما الذي يضفي الشرعيّة على السلطة؟)، أو على نماذج المؤسّسيّة (ما الدولة؟). وهذا يعني، أيضًا، نزع الطابع (القانونيّ) والمؤسّساتيّ عن مقاربتنا لمفهوم السياسيّة. فالسلطة تفعل فعلها في الجسد الاجتماعيّ خارج الأطر المؤسّساتيّة أيضًا.

في محاضراته المُعنونة: في حكم الأحياء(Du gouvernement des vivants) يتحدّث فوكو عن السلطة بوصفها فنًّا من فنون حكم البشر؛ ويعني بذلك جملة الممارسات والإجراءات التي يمكن من خلالها إعداد وهيكلة مجال أفعال الآخرين المحتملة وتهيأته والتدخّل فيه، بغية توجيهه والتحكّم فيه. وقد أراد، من خلال هذا التصوّر، الخروج من المعضلة التي تواجهها كلّ أنثروبولوجيا للسلطة تحاول أن تخلط بين «فنّ الحكم» و«خطاب السيادة» الذي، بادعائه شرعنة هذه الإجراءات، ينتهي إلى افتراض أفق متعالٍ ما ورائيٍّ للسلطة (ظاهرة الملكيّة الإلهيّة في المجتمعات الأفريقيّة تقدّم مثالًا جيّدًا على ترسيخ السلطة في ميتافيزيقا السيادة). وللخروج من انغلاق الفكر السياسيّ والبحث الأنثروبولوجيّ على نظرية السيادة يقدّم فوكو رؤية معمّقة لكيفيّة نشوء السلطة المعاصرة وتشكّلها:

في القرنين السابع عشر والثامن عشر، تمّ ابتكار آليّات جديدة للسلطة تمارس على الأجساد وليس على الأرض وحسب. والحال، فإنّ النظريّة الكلاسيكيّة للسيادة ترتبط بتصوّر معيّن للسلطة تمارس على الأرض وعلى منتجاتها ومن عليها قبل أيّ شيء آخر؛ وهو تصوّر يقارب مسألة نشوء السلطة انطلاقًا من الوجود المادّيّ للعاهل (السيّد) وليس انطلاقًا من أنظمة المراقبة المستمرّة والدائمة. ومن المفارقات أنّ مبدأ السيادة سوف يستمر، في الوقت الذي نمت وتطوّرت ما أسماه فوكو «آليّة الانضباط متعدّدة الأشكال؛ لذلك سيكون لدينا هيئة قانونيّة، متمحورة حول مبدأ السيادة تتعايش مع آليّة تأديبيّة وانضباطيّة تتركّز بصورة خاصّة على الجسد. لا يوافق فوكو على تحليل إجراءات السلطة الانضباطيّة من منظور القمع؛ لأن في ذلك اختزالًا لممارسات السلطة إلى إشكاليّة قانونيّة تجد أصلها في نظريّة السيادة التي يسعى للخروج منها؛ لجهة كونها تكرّس تصوّرًا سلبيًّا للسلطة بوصفها صانعة للتحريم (السلطة هي دائمًا من يقول لا)، وهو تصوّر لا يسمح لنا أن نرى علاقات السلطة في مرونتها وانتشارها في مختلف أنماط العلاقات التي تعبر الجسد الاجتماعيّ (السلطات المتناهية الصغر التي تستهدف الأفراد).

في بحثه عن تقنيات السلطة، لا يكتفي فوكو بإلقاء الضوء على ولادة تقنيات التأديب التي تستهدف الفرد كجسده (المراقبة والعقاب)، بل يظهر أيضًا كيف تمّ تطبيق تقنية جديدة في نهاية القرن الثامن عشر تستهدف جميع البشر (السكّان)، أطلق عليها فوكو تسمية السياسة الحيويّة biopolitique، التي تتعامل مع السكّان كمشكلة علميّة وسياسيّة؛ إذ يتمّ التركيز على قضايا الديموغرافيا، وتطوير الصحّة العامّة، ومؤسّسات المساعدة والتأمين، مع مراعاة العلاقة بين الإنسان والبيئة...، وهنا يتلاشى البعد التأديبيّ (المُمارس على الجسد) مُفسحًا المجال لظهور تقنيات جديدة تستهدف الحياة (حياة البشر). فمع الصعود القويّ للرأسماليّة سوف تتعزّز تقنيات العمل الانضباطيّة بإجراءات أقلّ مباشرة تسمح بهيمنة السلطة على البشر بوصفهم مجموعة من الكائنات الحيّة (السكّان)؛ إذ لم يعد يتمّ إخضاع الفرد بوصفه إنسانًا متفرّدًا وحسب، إنّما بوصفها ذرّة تنتمي لإطار سكانيّ من الكائنات الحيّة الأخرى أيضًا. السكّان ككيان وكتلة غير قابلة للتجزئة إلى كائنات حيّة فرديّة هو الموضوع الجديد (للسيادة) في السياسيّة الحيويّة، كما يرى فوكو.

وفي حين كانت تقنيات التأديب تمارس على الإنسان في فرديّته الجسديّة، أي الإنسان ـــ الجسد، فإنّ التقنيات السياسيّة الحيويّة تمارس على البشر جميعًا بوصفهم كتلة سكّانيّة من خلال التركيز على الإنسان ـــ النوع البشريّ[39]. وهكذا، حدّدت السياسة الحيويّة هدفها بالقدرة على التحكّم بمجمل العمليّات التي تؤثّر على الحياة، منذ الولادة حتى الموت (المرض، الشيخوخة، الإعاقة، البيئة،...إلخ.) وهي مشكلات لم يعد يُنظر إليها عشوائيًّا على المستوى الفرديّ، بل كظاهرة جماعيّة لها تأثيرات اقتصاديّة وسياسيّة حاسمة، فالجنس والصحة والمرض والتكاثر هي قضية دولة قبل أيّ شيء آخر. لقد أدى نشوء علم الشرطة وأسس «سياسات» الصحّة العامّة إلى وضع الحياة البيولوجيّة أو الطبيعيّة بشكل تدريجيّ ضمن الاهتمامات التقنية للإدارة والحسابات والتنبّؤات الخاصّة بالدولة؛ فهذه الأخيرة لا تهتمّ بمدى توافق نمط حياة البشر (الرعايا) وأخلاقهم بقدر ما يشغلها مسألة ولادتهم، وتسجيلهم في السجلات السياسيّة وديموغرافيا حياتهم البيولوجيّة ومسألة تحرّكاتهم الداخليّة والخارجيّة. وعلى عكس نظريّة السيادة التقليدية، التي تمارس على الأفراد حقّ الحياة والموت ( وبصورة خاصّة عندما يكون الملك مهدّدًا في وجوده بالذات) ، يتمّ تحديد السلطة من الآن وصاعدًا من خلال قدرتها على إطالة الحياة أو وضع حدّ لها أو السماح للفرد باختيار طريقة موته[40]. وبعيدًا عن التناقض في إعادة تعريف السلطة المنتجة للحياة والموت، يكفي النظر إلى ملايين الوفيات والخشية التي اعترت العالم الحديث بعد ظهور فايروس كورونا لنتحقّق من قوة حضور قضيّة الحياة والموت في قلب سياسة الدولة (الدولة كقوّة بيولوجيّة). ونحن هنا بعيدون كلّ البعد عن منطق السيادة أو القانون، فالدولة تجد شرعيّة ممارساتها وإجراءاتها في الحفاظ على الحياة التي يهدّدها الموت. وانطلاقًا من هذا الأمر تمّ تسويغ جميع إجراءات الحجر التي رافقت أزمة ظهور كورونا الذي أظهر بوضوح كيف تمارس السلطة على الحياة آو باسم الحفاظ عليها.

 بقي أن نشير إلى أنّ مفهوم السياسة الحيويّة، الذي ابتكره فوكو، ألهم العديد من الأبحاث الأنثروبولوجيّة الحديثة وبصورة خاصّة ما يتعلّق بموضوع العولمة ومدى الترابط الوثيق بين المحلّيّ والعالميّ أو تلاشي الحدود بينهما. فنموذج الدولة القوميّة التي سادت في القرن العشرين بدأ يترنح مع ظهور أنماط جديدة من الحكم العابر للقوميّات، مهدّدًا بذلك مفهوم السيادة الإقليميّة للدول على أراضيها. ولا يمكن للمرء أن لا يتّفق مع تحليلات فوكو وتأكيده على أنّ السلطة لم يعد لها أيّ علاقة بالأرض ( بمعنى الإقليم الواحد المحدّد) لكونها تمارس على الكثرة والتعدّديّة قبل أيّ شي آخر، كما أنّها تمارس خارج حدود سيادتها الإقليميّة عبر التأثير على الفضاء الإقليميّ والثقافيّ والسكّانيّ للدول الأخرى، وبصورة خاصّة مع ظهور ما سمّي الأمن الوقائيّ؛ إذ تجد الدول أنّ أمنها مرتبط بالتدخل الاستباقيّ في شؤون الدول الأخرى بهدف زعزعتها وإضعافها وتدمير بنيتها الاجتماعيّة والثقافيّة (ما أطلق عليه الربيع العربيّ يمثّل نموذجًا للتدخّل العابر للحدود، كما تمثّل الأزمة الأوكرانيّة الراهنة نموذجًا آخر). والحال أنّه، في الفضاء (العابر للقوميّات) الذي شكّلته العولمة، فإنّ مسألة حركة الأفراد وانتقالهم، وقضايا الهجرة واللجوء..، أو ما أطلق عليه أرجون أبادوراي (1996) (التدفّق  الموجيّ) ، تلعب دورًا أساسيًّا في إعادة تعريف السلطة ومجال عملها وحدوده.

يوجد مسار بحثيّ آخر فتحه التفكير في السياسة الحيويّة فيما يخصّ حالة السكّان الذين لا وجود لهم في السجلّات الرسميّة للدولة ومؤسّساتها، أتحدّث هنا عن تلك الكتل الكبيرة من جماهير اللاجئين غير المعترف بهم كمواطنين، والمقيمين بشكل دائم أو مؤقّت في (كيتوهات) على أراضي الدول الصناعيّة، في أحياء المدن أو على أطرافها أو في مخيّمات اللجوء. وهم يعيشون ما أسماه غامبن حالة «الحياة في عريّها» وينذرون، وفق رأيه، بولادة شكل من أشكال المجتمع بلا أرض وبلا حدود. فعلى مدى تاريخ طويل تمّ تعريف الفرد بانتمائه إلى دولة تعترف به كمواطن من رعاياها، لكن هؤلاء البشر يقعون خارج هذا التصنيف؛ إذ يجري النظر إليهم بوصفهم كائنات لا وجود لها في القوانين والدساتير إلّا بصفة مهاجر غير شرعيّ (مع أنّ أغلبهم يعمل ويسهم في اقتصاد الدولة دون أن يكتسب صفة قانونيّة تضمن حقوقه). إنّ موضوع الغموض القانونيّ فيما يتعلّق بهويّته أو جنسيّته، وضع اللاجئ، الذي تعاني منه أعداد متزايدة من السكّان، يُعطّل ثلاثيّة الدولة - الأمّة - الإقليم الذي نهضت عليه نظريّة السيادة الموروثة من العصر الكلاسيكيّ ويؤدّي إلى تعريف آخر للعلاقة بين الرعايا / السيادة ( الدولة)؛ ذلك أنّ فضاء الحياة العارية الموجود أصلًا على هامش التنظيم السياسيّ ينتهي تدريجيًا إلى التماهي معه. إنّ التهميش الذي يتعرّض له أولئك الذين تمّ التخلّي عنهم على هامش المدينة (دون وثائق رسميّة، مستبعدون، مهمّشون، ملاحقون.. إلخ) كان له انعكاسه على الخطاب والممارسة التي من خلالها تتعامل الحكومة المعاصرة مع الحياة؛ إذ بدأت تبرز في الآونة الأخيرة الكثير من الأبحاث الأنثروبولوجيّة التي تتناول مختلف أشكال الهيمنة في مرحلة ما بعد الكولنياليّة، والظواهر التي أفرزتها على هوامش الدولة الحديثة ومن بينها تلك المساحات السياسيّة حيث يتمّ تحدّي سيطرتها باستمرار، وحيث تصبح الحدود بين القانون والقوّة غير واضحة.

عبر التركيز على هذه القضايا تحاول الأنثروبولوجيا استعادة حقلها المعرفيّ والمساحة المخصّصة لها تقليديًّا بأن تركز تحقيقاتها على مختلف أشكال الآخريّة ومختلف صيغ الإقصاء والاستبعاد التي تمارسها الحكومات ضمن مخطّط أوسع يستوعب فنون الحكم في إطار شموليّ أوسع يستهدف الأشخاص الذين تمّ اختزالهم إلى حالة الأجساد في عريّها..

 لم يعد الأمر يتعلّق بحالة هم ونحن، كما كان الحال في الأبحاث الأنثروبولوجيّة السابقة، لجهة أنّ حركة الأفراد وتنقّلاتهم وهجراتهم واستقرارهم في بيئات غير بيئاتهم حاملين معهم ثقافاتهم وهوياتهم، آو بعد أن جردوا منها، تشير إلى وضع تحتاج السلطات معه إلى تقنيات جديدة في إعداد برامج لإدارة السكّان والتعامل مع الوضع الجديد... وقد قدّم هؤلاء مادّة بحث تحاول أن تستند عليها الأبحاث الأثنربولوجيّة لتصليب عودها وتمتين مناهجها؛ ولهذا مازالت أعمال فوكو تحظى باهتمام بالغ لجهة أنّها تعيد تركيز سؤال السلطة حول مسألة فنون الحكم الممارسة على حياة البشر أفرادًا وجماعات.

5. ملاحظات ختاميّة مفتوحة:
لا شكّ أنّ البحث الأنثروبولوجيّ يسقط في نزعة انتقائيّة واختزاليّة لفكر فوكو عندما يُخضعه لضرورات البحث الخاصّة بالعمل الميدانيّ، مهملًا بذلك الإسهام الفكريّ المهمّ للفيلسوف والمتعلّق بقضايا «فنون الحكم» التي توسّع فوكو في شرحها في محاضراته الأخيرة في الكوليج دو فرانس؛ إذ بدأ يبتعد عن الدلالة السياسيّة لهذا المفهوم ليمنحه بعدًا أخلاقيًّا. تجد فنون الحكم صيغتها الأولى في «فنّ حكم الذات» الذي ابتكره الفكر الفلسفيّ الإغريقيّ القديم، وجعله شرطًا لممارسة النشاط السياسيّ في الحياة العامّة، كما للوصول إلى الحقيقة؛ إذ لا يمكن للمرء أن يمارس السلطة على الآخرين في الحياة العامّة وهو عاجز عن ممارسة سلطة على ذاته في الحياة الخاصّة، كما لا يمكنه الوصول إلى الحقيقة دون الانخراط في جملة من الممارسات الروحيّة والفكريّة والأخلاقيّة تجعله قابلًا لتلقّي الحقيقة. وهي ممارسات روحيّة زهديّه، تقوم في جوهرها، على ضبط النفس والتحكّم في اللّذّات والرغبات التي تنزع دائمًا لإسقاط الفرد في العبوديّة لها. وعليه فإنّ فنّ حكم الذات يهدف إلى إعداد الفرد أخلاقيًّا وروحيًّا لممارسة النشاط الاجتماعيّ والسياسيّ في المدينة، كما تهدف إلى تهيئة النفس وإعدادها لتلقّي الحقائق، وهي حقائق ذات طابع أنطولوجيّ غير تفكّريّ أو استبطانيّ، كما هو الحال في العلوم الإنسانيّة المعاصرة؛ ولهذا لم يهتمّوا بتكوين معرفة عن طبيعة الذات بقدر ما سعوا إلى تكوينها أخلاقيًّا ونادوا بضرورة الاهتمام بها.

في المقابل، أهمل الفكر السياسيّ الغربيّ الحديث الأخلاق كشرط لممارسة النشاط السياسيّ، يوم أصبحت الغاية تبرّر الوسيلة (ميكافيليّ)، كما أهمل، على مستوى المعرفة، الأخلاق كشرط للوصول إلى الحقيقة، وبصورة خاصّة مع ديكارت الذي قال بتساوي الذوات العارفة في قدرتها على الوصول إلى الحقيقة؛ إذ لم يعد الوصول إلى الحقيقة مشروطًا بالانهمام بالذات، وما يرتبط به من ممارسات روحيّة أخرى، بقدر ما يرتبط بحسن تطبيق قواعد المنهج؛ ولهذا ينخرط فوكو في نقد شديد للفكر الديكارتيّ، الذي وضع حدًّا لثقافة الذات القديمة، كما يدحض ادعاء العلوم الإنسانيّة قدرتها على معرفة حقيقة الإنسان وتحريره. وهو ادّعاء انتهى إلى إخضاعنا جميعًا إلى علاقات السلطة ــــ المعرفة مع كلّ ما يرابط بهما من إجراءات التحكّم والسيطرة على البشر.

لم يهدف فوكو من طرح مسألة «فن الحكم» في بعدها الأخلاقيّ أن يقول لنا أنّ جميع صيغ الحكم تجد رحمها في الممارسات الأخلاقيّة القديمة، بل أراد في الواقع أن يحرّر الفرد من وهم الحرّيّة الذي انتجته المعرفة الحديثة التي قرنت الوعد بالحرّيّة بالكشف المزعوم لحقيقة الأنا. ولم يبتغِ من عودته إلى ثقافة الذات القديمة أن يبحث عن أساس غير مسيحيّ لثقافته بقدر ما أراد، استنادًا إلى الإغريق، أن يقول لنا إنّ الحرّيّة، هي قبل كلّ شيء، ثمرة عمل الذات على الذات، وليس ثمرة الاكتشاف المزعوم لحقيقة الأنا. وهو ما عبّر عنه سقراط بالمبدأ الشهير «اعرف نفسك»؛ وهو نوع من المعرفة يختلف، عمقًا وسطحًا، عن المعرفة الحديثة؛ لأنه يشير إلى ضرورة الانهمام بالذات وليس إلى إمكانيّة معرفتها، كما حصل في علم النفس وغيره من العلوم الإنسانيّة الأخرى. فمنذ ممارسات الاعتراف المسيحيّة لم يكفّ الفرد عن الخضوع إلى سلطات لا حصر لها (سلطة الأطباء، المحلّلون النفسيّون، علماء النفس، المحقّقون...)، وهي سلطات لا تكفّ عن إخضاعه، وهي تزعم مساعدته على الخلاص (من الخطيئة كما في المسيحيّة) أو التحرّر من عقده وأمراضه أو انحرافاته (علم النفس).

 لقد شكّل «الاعتراف» أحد تقنيات الإخضاع الكبرى التي لجأ إليها الغرب، وهي تقنيات لم تكفّ عن عبور جميع العلوم الإنسانيّة محوّلة الإنسان الغربيّ إلى حيوان اعتراف كما يقول فوكو. «لقد أصبح الاعتراف، في الثقافة الغربيّة، أحد التقنيات الكبرى في إنتاج الحقيقة، وقد نشر الاعتراف تأثيره على نطاق واسع: في العدالة، في الطبّ، في علم التربية في العلاقات الأسريّة، في علاقات الحبّ، في أدقّ أشكال الحياة اليوميّة، وفي أقدس الطقوس؛ يعترف الفرد بجرائمه، كما يعترف بأخطائه، وبرغباته وماضيه وأحلامه، ويدفع للحديث بأكثر دقّة ممكنة لقول ما يصعب قوله، يعترف سرًّا وجهارًا، لعائلته لمربّيه لطبيبه لأحبّائه؛ نعترف أو نجبر على الاعتراف... لقد تحوّل الإنسان، في الغرب ، إلى حيوان اعتراف[41]». وجدت الذات نفسها ملزمة بقول الحقيقة فيما يخصّ جنسها بالذات[42]، وبصورة خاصّة في الجنسانيّة المعاصرة حيث تحوّل الجنس إلى نصّ يقتضي فكّ رموزه وتفسيره واكتناه حقيقته العميقة، التي ما أن نكتشفها حتى يفتح لنا باب الحرّيّة أو الشفاء، كما يظهر في كتاب إرادة المعرفة[43].

 في دروسه الأخيرة بعنوان « حكم الذات والآخرين وشجاعة الحقيقة» يعود فوكو إلى كانط، وبصورة خاصّة مقاله الشهير: ما عصر الأنوار؟، ليقدّمه لنا كمن يقترح مخرجًا لأزمة الفكر الغربيّ، فبعد أن خصّه بنقد شديد في أعماله السابقة (في كونه أسس لنشوء الأنثروبولوجيا المعاصرة يوم طرح سؤال ما الإنسان؟ يعود إليه ثانية من مدخل الأخلاق ليعرضه كمن يقدّم حلًّا ومخرجًا أخلاقيًّا لأزمتنا الراهنة. تنبع أهمّيّة هذا المقال، أوّلًا، من كون كانط يقترح، كمهمّة فلسفيّة، أن يُحلّل ليس نظام المعرفة العلميّة أو أسسها الميتافيزيقيّة فقط، إنّما حدثًا تاريخيًّا جديدًا وراهنًا أيضًا، هو التنوير. فعندما يسأل ما الأنوار؟ فهو يعني: ما الذي يحدث حاليًّا في هذا الوقت الذي نحيا فيه؟ أو من نحن في هذه اللحظة من التاريخ كشهداء على عصر الأنوار؟[44] وهو تساؤل يشبه إلى حدّ كبير سؤال ديكارت من أنا؟ كذات واحدة وشاملة في آن (ذلك لأنّ ديكارت هو كلّ الناس في كلّ مكان وزمان). يضع فوكو نفسه في قلب هذا التساؤل الكانطيّ، معتبرًا أنّ المهمّة الفلسفيّة الراهنة هي القيام بنوع من التحليل النقديّ للعالم الذي نحيا فيه ( هو ما أسماه الانطولوجيا النقديّة لذواتنا)، ويرى أنّ أكثر مشكلة فلسفيّة ثابتة هي مشكلة عصرنا الحاضر، مشكلة من نحن في هذه اللحظة من التاريخ، ولا شكّ أنّ الهدف الرئيسيّ اليوم هو ليس أن نكتشف من نحن (كما حاولت أن تفعل علوم الإنسان)، بل أن نرفض من نحن، وأن نتخلّص من الإكراه السياسيّ الذي مارسته السلطة الحديثة؛ ولهذا فإّن المسألة الأخلاقيّة السياسيّة والاجتماعيّة المطروحة علينا اليوم ليست تحرير الفرد من الدولة ومؤسّساتها بل تحرير أنفسنا من هذا الشكل من السلطة الذي فرض علينا زمنًا طويلًا، وهي سلطة تحكمنا أفرادًا وجماعات وتدّعي تحريرنا[45]. ومن هنا يقتضي تنمية أشكال من الممارسات الذاتيّة التي ألمح إليها كانط وتحدّثت عنها ثقافة الذات القديمة في صيغة «اعرف نفسك»، وهي صيغة تختلف عمقيًا عن المعرفة الحديثة، كما أشرنا؛ لكونها تضع سؤال الحقيقة في إطار الجهد الأخلاقيّ الهادف إلى تكوين ذوات أخلاقيّة حرّة[46]. ولهذا يتحدّث فوكو عن الحقيقة الأخلاقيّة في مقابل الحقيقة الموضوعيّة، التجريبيّة، الاستبطانيّة، التي نادت بها العلوم الإنسانيّة، وانتهت إلى إخضاعنا جميعًا لعلاقات المعرفة-  السلطة.

على الفرد أن يجد ضمان حرّيّته في ذاته وليس في نظام المؤسّسات التي تكفلها وحسب؛ لأنّ ذلك يجعل من قضيّة الحرّيّة مسألة قانونيّة وسياسيّة فقط. والحرّيّة، في تصوّر فوكو، هي ثمرة عمل الذات على الذات وثمرة جهد طويل ينبع من الداخل ولا يأتي من الخارج في صورة قانون ضامن أو في صورة كشف لحقيقة عميقة داخل الذات.

عبر هذا التصوّر سعى إلى الحفاظ على انسجام فكره الداخليّ بأن ابتعد عن تعريف السلطة بمعنى القانون، القاعدة، المنع... وابتكر تصوّرات أخرى تصاغ بعبارات استراتيجيّة، تكتيك، تقنيات... الخ، وهي مفاهيم تغطّي حقلًا أوسع مما تناولته الأنثروبولوجيا الحديثة لجهة أنّها لا تصف مختلف إجراءات السلطة في العلاقة مع الأفراد وحسب، إنّما تصف مختلف الطرائق التي يلجأ إليها الأفراد بالعلاقة مع ذواتهم بهدف تكوينها كذوات أخلاقية حرّة أيضًا. عند هذا المستوى يتمفصل سؤال الأخلاق والسياسة أو فنّ حكم الذات وفنّ حكم الآخرين؛ ذلك أن طرائق الحكم لا تخصّ شكل ممارسة السلطة على الآخرين، إنّما شكل السلطة التي يمارسها الفرد على نفسه أيضًا، أو ما أطلق عليه الإغريق تقنيات أو فنون الوجود، وقد سمح له التفكير في تقنيات الوجود العبور من السياسة إلى الأخلاق (éthique) وأن يضع، لاحقًا، تقنيات الذات في مواجهة تقنيات السلطة وإجراءات الإخضاع التي تمارسها. فعندما تلجأ السلطة إلى تقنيات متعدّدة لحكم الأفراد لا يبقى أمام الفرد من خيار سوى تطوير تقنياته الخاصّة لمواجهة تقنيات السلطة. وعند هذه النقطة تطرح الأخلاق كسبيل للخروج من علاقات السلطة - المعرفة التي حكمت الثقافة الغربيّة الحديثة، وتكتسب، كذلك، العودة إلى الفكر الإغريقيّ راهنيّتها ومبرّرها، لكون الإغريق أوّل من فكّر في الأخلاق كممارسة للحرّيّة وللعمل السياسيّ في آن.

لائحة المصادر والمراجع
المصادر العربية
ـ ليفي ستروس كلود، العرق والتاريخ، ترجمة سليم حداد، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر.
ـ دريفوس أوبير ورابينوف بول، ميشيل فوكو مسيرة فلسفيّة، ترجمة جورج أبي صالح، بيروت، مركز الانماء القوميّ.

المصادر الأجنبية
1.1 Ouvrage de Michel Foucault
- Histoire de la folie a l’âge classique, Paris, Gallimard (coll. « Tel »), 1972 ; première édition abrégée : Folie et déraison : histoire de la folie a l’âge classique, Paris, Plon, 1961
- Les mots et les choses, Paris, Gallimard, 1966.
- L’archéologie du savoir, Paris, Gallimard (coll. Bibliothèque des sciences humaines), 1969
- Surveiller et punir : naissance de la prison, Paris, Gallimard (coll. « Tel »), 1975
- Histoire de la sexualité I : La volonté de savoir, Paris, Gallimard (coll. « Tel »), 1976
- L’ordre du discours, Gallimard, Paris 1971
- Introduction à l’Anthropologie de Kant présenté par Daniel Defert, François Ewald et Frédéric Gros, suivi d’Anthropologie du point de vue pragmatique d’Emmanuel Kant, traduit et annoté par Michel Foucault (Paris : Vrin « Bibliothèque des Textes Philosophiques », 2008
1.2 Cours au Collège de France : 1.3        
- De la gouvernementalité, Leçon d’introduction au cours des années 1978-1979 (cassette audio) Paris, Le seuil, 1989
-  Sécurité, territoire, population. Cours au Collège de France. 1977-1978, éd. Par M. Senellart, Paris Gallimard-Le Seuil (coll. « Hautes ةtudes »), 2004
- Du gouvernement des vivants, Cours au Collège de France. 1979-1980, éd. M. Senellart Paris, Gallimard-Le Seuil (Coll. « Hautes Etudes »), 2012
-  L’herméneutique du sujet. Cours au Collège de France. 1981-1982 éd. F. Gros, Paris, Gallimard- Le Seuil (coll. « Hautes Etudes »), 2001
-  Le Gouvernement de soi et des autres. Cours au Collège de France. 1982-1983, éd. F. Gros, Paris, Gallimard-Le Seuil (coll. « Hautes ةtudes »), 2008
- Il faut défendre la société, Cours 1975-1976, Paris, Gallimard-Le Seuil, Hautes, Etudes, 1997
-  Le courage de la vérité, Le gouvernement de soi et des autres, II, Cours au Collège de France. 1983-1984, éd.F.Gros, Paris, Gallimard-Le Seuil (Coll. « Hautes Etudes »), 2009
1.3. Articles dans « Dits et Ecrits »
- Dits et écrits, IV (1980-1988), « Qu’est ce que les Lumières ? » N° 339, Paris, Gallimard, 1994, p. 680.
-Dits et écrits, V11, (1976-1988) Les Mailles du pouvoir, Paris, Galimard, 1994, p. 1002
-  Dits et écrits, Volume, IV, « Du gouvernement des vivants », texte N° 289, p. 125.
1.4 Ouvrage sur Michel Foucault :
-  REVEL, Judith, Le vocabulaire de Foucault, Paris, Ellipses (coll. « Vocabulaire de Michel Foucault »), 2002.
- RIAHI Naima, Michel Foucault, Subjectivité, Pouvoir, Ethique, Paris, L’Harmattan, 2011
1.5 Divers ouvrages
-   Abélès, Marc, Anthropologie de l’ةtat.  Paris, Armand Colin, 1990, 1984,
-  Maine Henri Sumner, L’ancien droit et la coutume primitive, Etude sur l’histoire des institutions primitives, par Sir, traduit de l’anglais, avec une préface, par M. Jos. Durieu de Leyritz, avocat, et précédé d’une introduction par M. H. d’Arbois de Jubainville, professeur au collège de France. 1880.
-  Luc de Heusch, Anthropologie et science(s) politique(s), Presses de Sciences Po | « Raisons politiques », 2006/2 no 22
-  Copans Jean, Critiques et politiques de l’Anthropologie, François Maspero, Paris 1974
-  Alban Bensa, La fin de l’exotisme, Essais d’anthropologie critique, ouvrage publié avec le soutien du conseil régional Midid- Pyrénées, Toulouse, ed Anacharsis, 2006 (dans l’avant propos)
- LANDRY Jean-Michel, « Généalogie politique de la psychologie. Une lecture du cours de Michel Foucault Du gouvernement des vivants » (Collège de France, 1980) », Raisons politiques, 2007/1 N° 25, p. 31-45.

--------------------------------------
[1]*- باحث وأكاديميّ سوريّ مقيم في فرنسا.
[2]- يعد سومنر مين، بالإضافة الى داروين و سبنسر، واحدًا من أهمّ أعلام الفكر البريطانيّ الذين أثْرَوا الحركة الفكريّة المعاصرة؛ وبصورة خاصّة تصوّراته عن حكم البشر والتحوّلات التي عرفها مفهوم الحكم، بالإضافة إلى أفكاره عن تاريخ نشوء مؤسّسات إنسان الحضارة وأصولها، وقوانين التحوّل الاجتماعيّ، و تصوّراته عن المجتمعات البدائيّة وأصل سلطة الملك والمجتمع البطرياركيّ وعلاقته بظهور العائلات المنفصلة، علاوة على تصوّراته الأخرى بخصوص نظريّات حالة الطبيعة والردود عليها. وكذلك إشاراته إلى بعض الأفكار البدائيّة للجنس البشريّ التي يعكسها القانون القديم وحديثه عن العلاقة بين تلك الأفكار البدائيّة والفكر الحديث  تشير الى ذلك المقدمة الافتتاحيّة للترجمة الفرنسيّة ( ص 255 ,,300).
Maine Henri Sumner, L’ancien droit et la coutume primitive, Etude sur l’histoire des institutions primitives, par Sir, traduit de l’anglais, avec une préface, par M. Jos. Durieu de Leyritz, avocat, et précédé d’une introduction par M.H. d’Arbois de Jubainville, professeur au collège de France. 1880.1 vol.in-80, pp.255- 300
[3]- وقد بقي هذا التصنيف رائجًا حتى وقت قريب رغم عيوبه الكبيرة التي تهمل الإشارة إلى وجود العديد من المجتمعات التي تملك «زعامة» لكن حجمها ومؤسّساتها لا يسمحان أن يطلق عليها صفة الممالك، إضافة الى أنّ هذا التصنيف لا يأخذ بيعن الاعتبار وجود مجتمعات أخرى تتسم بوجود تنظيمات وهيئات ومجالس تلعب دورًا سياسيًّا مهيمنًا. دون أن ننسى الإشارة الى أن القوى الاستعماريّة أساءت استخدام مصطلح «الزعامة» القبليّة؛ إذ جرى إدخال  هذه التسمية أو هذا المصطلح في المفردات او المصطلحات الإداريّة الخاصّة بها مضيفة مزيدًا من الغموض على المفهوم. على أيّ حال، كان لهذا التمييز دور بارز في ظهور سلسلة من الأبحاث المثمرة حول نظم القرابة وجعل بالإمكان تسليط الضوء على وجود تماسك وحضور للسياسة في المجتمعات التي لم تعرف مفهوم الدولة أو السلطة المركزية.
Luc de Heusch, Anthropologie et science(s) politique(s), Presses de Sciences Po | « Raisons politiques », 2006/2 no 22 | pages 23 à 48.
[4]- من المفيد أن نشير إلى مدى انعدام الثقة التي عبـّـر عنها ستروس، الذي بدأ حياته المهنيّة كأستاذ للفلسفة، تجاه أعمال معاصريه من الفلاسفة؛ إذ حرص دائمًا على تأكيد خصوصيّة نهجه بتجنّب الإشارة إلى عمل فوكو أو دريدا. ومع أنه  وافق على مناقشة أفكار بول ريكور، إلّا أنّه رفض التعليق على النصّ الذي خصّصه دريدا لأحد فصول أحزان مدارية Tristes Tropiques بعنوان «درس الكتابة» (Derrida 1967: 145-202). بقي مأخذ ستروس على الفلاسفة يتغذّى من الاعتراض القديم الموجّه ضدّهم في كون خطابهم ينبع من أراء فكريّة هي أبعد ما تكون عن حقائق البحث الميدانيّ... وقد بقيت الإثنولوجيا الفرنسية وفيّة لتقاليدها، عصيّة على الاختراق حتى  نهاية القرن العشرين عندما بدأت تنفتح بفعل النقد الانثروبولوجيّ القادم من الجانب الآخر من الأطلسيّ... الذي أفرزته كتابات كانت ثمرة الترجمات التي قام بها فلاسفة واثنولوجيّون كبار عندما قاموا بنقل أعمال فوكو إلى موطنهم، إذ وجدوا فيه أجوبة على مأزق وقع فيه البحث الأنثروبولوجيّ في حينه كما سنوضح لاحقًا.
[5]- يستعمل فوكو مصطلح الأنثروبولوجيا ليشير من خلاله إلى مختلف العلوم الإنسانيّة التي نشأت في العصر الحديث وليس بالمعنى الدارج الذي غالبًا ما يقرن الأنثروبولوجيا بالإثنولوجيّا بوصفها علم دراسة الإنسان غير الغربيّ أو إنسان المجتمعات البدائيّة. فالأنثروبولوجيا، وفق تصوّر فوكو، تغطّي حقلًا مفاهيميًّا أوسع؛ لكونها تطرح سؤال الإنسان بما يملك من خصائص قابلة للتجريب، أي بوصفه موضوعًا يمكن فهمه وتكوين معارف علميّة عنه وبخصوصه كتلك التي تقدمها بقية العلوم اليقينيّة الأخرى كالرياضيات والفيزياء وغيرها. وفق هذا التصوّر تكون الإثنولوجيا جزءًا من الأنثروبولوجيا لكونها تطرح، كما غيرها من العلوم، سؤال الإنسان، لكن ليس بوصفه قابليّة تجريبية بل بوصفه ظاهرة تحكمها بنىً أبعد مما تقدمه معطيات الوعي المباشر. وهي تقارب سؤال الإنسان من موقع من يحاول فهم الطبيعة اللاواعية للظاهرات الجماعيّة ودور البنى الثقافيّة اللاشعوريّة في تشكيل وعي الأفراد وتصوّراتهم عن أنفسهم وعن الآخرين والعالم الذي يعيشون به.
[6]- Foucault Michel, Histoire de la folie à l’âge classique, Paris, Gallimard, 1972 p. 1450
[7]- Foucault Michel, Dits et écrits ( أقوال وكتابات) , Paris Galimard,1994, V I, p. 605
[8]- ولا ننسى أيضًا عمله ضمن إطار GIP (فريق الاستعلام عن السجون) وهو أشبه بعمل استقصائيّ من الداخل حاول من خلاله أن يطوّر نظريّة معرفيّة تقوم على «الرؤية» المباشرة، فهو يفكّر في قوّة حضور «الأنا» استنادًا إلى حالة إيديث روز، رئيسة الأطبّاء في Maison de la Santé. إذ كانت تقول «لقد رأيت للتو، لقد سمعت للتو»، مزعزعة بذلك أسس مؤسّستها، متخطّية أعظم «المحرّمات» ، أعني السكوت عن شروط احتجاز كلّ أولئك الذين تمّ تصنيفهم كمجانين أو منحرفين وشاذّين، وبالتالي كظواهر غريبة عن العقل والمعيار الذي فرضه الخطاب السائد.
 Foucault Michel, Dits et écrits ( أقوال وكتابات) , Paris Galimard,1994,V II, p. 238
[9]- Foucault Michel, Dits et écrits ( أقوال وكتابات) , Paris Galimard,1994, V III, p. 479.
[10]- Copans Jean, Critiques et politiques de l’Anthropologie, François Maspero, Paris 1974.
[11]- Foucault Michel l’Ordre du discours, Leçon inaugurale au Collège de France prononcé le 2 decembre 1970, Paris, Gallimard,1971, p. 12.
[12]- ليفي ستروس كلود، العرق والتاريخ ، ترجمة سليم حداد، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر، ص 15
[13]- Foucault Michel, Dits et écrits, V  II, op.cit., p. 158.
[14]- Foucault Michel, Dits et écrits, V III, p. 370 et Dits et écris, V II, p. 415. Mais aussi la préface de l’Histoire de la folie, in Œuvres I, Paris, Gallimard, Pléiade, 2015, p. 664
[15]- Dits et écrits, op.cit., V I, p. 605.
[16]- REVEL, Judith, Le vocabulaire de Foucault, Paris, Ellipses (coll. «Vocabulaire de Michel Foucault»), 2002
[17]- وهذا لا يعني أن فوكو يعدّ البيولوجيا والاقتصاد وفقه اللغة كأولى علوم الإنسان أو أساسها الأصليّ؛ إذ يمكن أن نعدّ البيولوجيا من علوم الإنسان لجهة أنّ موضوع العلوم الإنسانيّة لا يتركّز على ميكانيّة الوظيفة البيولوجيّة، بل على التمثيلات التي يكوّنها الإنسان داخل الحياة ويعيش بفضلها. والأمر عينه ينطبق على الاقتصاد الذي لا يمكن عدّه من علوم الإنسان، حتى لو كان الإنسان هو الكائن الوحيد في الخليقة الذي يعمل وينتج ويستلهم ويتبادل....لكنه بهذه العمليّة يستخدم التمثيلات أيضًا؛ أي تمثيل شركائه في عمليّتي الإنتاج والتبادل. ويمكن أن نقول الأمر ذاته بخصوص اللغة؛ فليس من علم الإنسان أن نعرف التحوّلات الصوتيّة وقرابة اللغات وقواعد التحوّلات الدلاليّة. وبالمقابل، يمكن أن نتحدّث عن علم الإنسان بمجرّد أن نحاول تفريق الطريقة التي بها يتمثّل الأفراد أو الجماعات الكلمات التي ينطقون بها وطريقة استعمالهم لصيغها ومعانيها أو تركيبهم لخطابات حقيقيّة وطريقة إظهارهم أو إخفائهم، من خلالها، ما يفكّرون ويقولون، دون شعور منهم بما يقصدون. إذ يتركون خلفهم، في جميع الحالات آثارًا كلاميّة عن أفكارهم ينبغي حلّ رموزها وإعادة حيويّتها التمثيليّة إليها، وبالتالي ليس موضوع العلوم الإنسانيّة هو اللغة،بل هو ذلك الكائن الذي، من داخل اللغة التي تلفّه، يتمثّل حين ينطق معاني الكلمات والعبارات التي يتلفّظ بها وينتهي في آخر المطاف إلى تشكيل تمثيل للغة ذاتها. فوكو ميشيل، الكلمات والأشياء، باريس، غاليمار، 1966، ص 264ـ266
[18]- Foucault Michel, Les mots et les choses, Une archéologie des sciences humaines, Paris, Gallimard, 1966, p. 369.
[19]- Ibid., p. 365.
[20]- Ibid., p. 369.
[21]- Ibid., p. 376
[22]- Foucault Michel, Introduction à l’Anthropologie de Kant présenté par Daniel Defert, François Ewald et Frédéric Gros, suivi d’Anthropologie du point de vue pragmatique d’Emmanuel Kant, traduit et annoté par Michel Foucault (Paris : Vrin « Bibliothèque des Textes Philosophiques », 2008
[23]- Les mots et les choses, op.cit., p. 383
[24]- Ibid., p. 324
[25]- Foucault Michel, Surveiller et punir, naissance de la prison, Paris, Gallimard , 1975, p.277
[26]- أوبير دريفوس و بول رابينوف، ميشيل فوكو مسيرة فلسفيّة، ترجمة جورج أبي صالح، بيروت ، مركز الإنماء القوميّ، ص 144.
[27]- Lest mots et les choses, op.cit, p. 394- 395 .
[28]- Ibid., p. 305.
[29]- Ibid., p. 388.
[30]- Copans Jean Critiques et politiques de l’Anthropologie, Paris, François Maspero,  1974.
[31]- Alban Bensa, La fin de l’exotisme, Essais d’anthropologie critique, ouvrage publié avec le soutien du conseil régional Midid- Pyrénées, Toulouse, ed Anacharsis, 2006 (dans l’avant propos).
[32]- Les mots et les choses, op.cit., 390.
[33]- Les mots et les choses, op.cit., 391.
[34]- Foucault Michel, Dits et écrits, V11, (1976-1988) Les Mailles du pouvoir , Paris, Galimard,1994, p. 1002.
[35]- Ibid., p. 103.
[36]- Surveiller et punir, op.cit., p. 196.
[37]- Les mailles du pouvoir, op.cit., p.1005- 1006.
[38]- Foucault Michel, Il faut défendre la société, Cours 1975-1976, Paris, Gallimard-Le Seuil, Hautes, Etudes, 1997, p. 30.
[39]- Du gouvernement des vivants, op.cit., p. 12.
[40]- راجع بهذا الخصوص الفصل الاخير من إرادة المعرفة:
[41]- La volonté de savoir, op.cit., p. 79.
[42]- Dits et écrits, Volume, IV, « Du gouvernement des vivants », texte N° 289, p. 125.
[43]- LANDRY Jean-Michel, « Généalogie politique de la psychologie. Une lecture du cours de Michel Foucault Du gouvernement des vivants » (Collège de France, 1980) », Raisons politiques, 2007/1 N° 25, p. 31- 45.
[44]- FOUCAULT Michel, Dits et écrits, IV (1980-1988), « Qu’est ce que les Lumières ? » N° 339, Paris, Gallimard, 1994, p. 680.
[45]- Sécurité, territoire et population, p.92
[46]- GROS Frédéric, « Situation du cours », in FOUCAULT Michel, L’Herméneutique du sujet, Cours au collège de France (1981-1982) éd.F.Gros, Paris, Gallimard-Le Seuil (« Coll.Hautes etudes »), 2001, p 492