البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

النظريّة القصديّة عند الأصوليّين شواهد ومبرّرات من تاريخ الفكر الإسلاميّ

الباحث :  حسين جهجاه
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  26
السنة :  شتاء 2022م / 1443هـ
تاريخ إضافة البحث :  June / 4 / 2022
عدد زيارات البحث :  43
تحميل  ( 374.123 KB )
تُدعى النظريّة التي تهتم بقصد المؤلّف أثناء عمليّة تفسير النص، بـ«النظريّة القصديّة»، ومفادها ارتباط مُراد المؤلّف بمعنى النصّ وتفسيره. وهي النظريّة التي تبنّاها علماء أصول الفقه الإسلاميّ. تعرض هذه المقالة أبرز المبرّرات العامّة والخاصّة التي دعت الأصوليّين إلى تقديم هذه النظريّة، ثمّ ملاحظتها وتحليلها. إضافة إلى رصد الشواهد والتصريحات التي أدلى بها كبار الأصوليّين حول تبنّي القصديّة، ويمكن لنا تقسيم المناهج المطروحة في مجال تفسير النصوص إلى نظريّتين أساسيّتين، هما نظريّتا: القصديّة واللاقصديّة (أو ضدّ القصديّة). والنظريّة الأساسيّة والمشهورة التي تبنّاها علماء أصول الفقه الإماميّة وكثيرٌ من الهرمنوطقيّين، هي النظريّة القصديّة. ويُقصد بها – باختصار- تلك النظريّة التي يهتمّ أصحابها بالوصول إلى مقصود المؤلّف، ويعتبرون أنّ المهمّة الأساسيّة في فهم النصّ وتفسيره هو الكشف عن مراده الذي كان يرمي إليه، وذلك على العكس تمامًا من أصحاب نظريّة اللاقصدية، الذين يدعون أنّه لا بد من عزل المؤلّف عن النصّ حين تفسيره، وتحريره منه؛ لينفتح النصّ على قراءات متعدّدة له.

وقد طَرح أصحاب هاتين النظريّتين العديد من المبرّرات على مدعاهما، كما ناقشا معًا أسباب الطرفين. وما يهمنا في هذه المقالة هو أن نرصد الأسباب التي دعت الأصوليّين لتبنّي «القصديّة». ولكن قبل ذلك لا بد أنّ نُعرّف القصديّة بشكل أدقّ، ونذكر الشواهد على تبنّي الأصوليّين لها؛ وذلك لأنّه ظهرت مؤخرًا بعض الآراء التي تدّعي خلاف ذلك، حيث ذهبت إلى أنّ الأصوليّ لا يهتمّ بـ«المراد»، بل المهمّ لديه هو «المدلول»، وهو الذي يقع موضوعًا للحجّيّة.

كلمات مفتاحيّة: القصديّة، قصد المؤلّف، النصّ الوحيانيّ، الارتكاز العقلائيّ، فلسفة الكتابة، دور المفسّر، فوضى الفهوم..

تمهيد
يمكن لنا تقسيم المناهج المطروحة في مجال تفسير النصوص إلى نظريّتين أساسيّتين، هما نظريّتا: القصديّة واللاقصديّة (أو ضدّ القصديّة). والنظريّة الأساسيّة والمشهورة التي تبنّاها علماء أصول الفقه من الإماميّة وكثيرٌ من الهرمنوطقيّين، هي النظريّة القصديّة، ويُقصد بها –باختصار- تلك النظريّة التي يهتمّ أصحابها بالوصول إلى مقصود المؤلّف، ويعتبرون أنّ المهمّة الأساسيّة في فهم النصّ وتفسيره هي الكشف عن مراده الذي كان يرمي إليه[2]. وذلك على العكس تمامًا من أصحاب نظريّة اللاقصديّة، الذين يدّعون أنّه لا بدّ من عزل المؤلّف عن النصّ حين تفسيره[3]، وتحريره منه؛ لينفتح النصّ على قراءات متعدّدة له.

وقد طَرح أصحاب هاتين النظريّتين العديد من المبرّرات على مدّعاهما، كما ناقشا معًا أسباب الطرفين. وما يهمّنا في هذه المقالة هو أن نرصد الأسباب التي دعت الأصوليّين لتبنّي «القصديّة». ولكن قبل ذلك لا بدّ أن نُعرّف القصديّة بشكل أدقّ، ونذكر الشواهد على تبنّي الأصوليّين لها؛ وذلك لأنّه ظهرت مؤخرًا بعض الآراء التي تدّعي خلاف ذلك، حيث ذهبت إلى أنّ الأصوليّ لا يهتمّ بـ«المراد»، بل المهمّ لديه هو «المدلول»، وهو الذي يقع موضوعًا للحجّيّة[4].

تعريف «القصديّة»
تُعرف نظريّة القصديّة بنظريّة «القطع بقصد المؤلّف»[5] أو «أيديلوجيّة المؤلّف»[6][7]، ويُصطلح عليها باللغة الفارسيّة بـ«مؤلف محورى»[8]. وقد تبنّى أكثر المفكّرين قبل القرن العشرين هذه النظريّة، وهي تُعدّ إحدى المبادئ الأساسيّة للهرمنوطيقا الكلاسيكيّة، كما أنّ لها أتباعًا ومؤيّدين في الهرمنوطيقا الحديثة[9].

ويعتبر أصحابها أنّ المؤلّف أو المتكلّم هو منبع المعنى في الأثر أو الخطاب، ولا أقلّ يشكّل المؤلّف عاملًا أساسيًّا في عمليّة فهم الأثر وتفسيره. ويرون أنّ فلسفة وجود الأثر هو نقل معنى محدّد للمخاطَبين، فالمؤلّف –وفق هذه النظريّة- يرمي دائمًا إلى إيصال مراده الشخصيّ عبر نصه إلى الآخرين، وهذا المراد لا بدّ أن يتجلّى –ولو نسبيًا- في النصّ.
ولا بدّ أن يوجد في النصّ آثار واضحة تدلّ على هذا المراد. وذلك لأنّ المتكلّم أو المؤلّف شخص عقلائيّ وحكيم لا يصدر منه كلام لَغْويّ لا فائدة منه، بل هو دائمًا يسير وفق النظام اللغويّ الثابت الذي يقوم بين أبناء العرف.

 وبعبارة أخرى، يقرّر القصديّون – ومنهم الأصوليّون الإماميّة- أنّ اللغة أمرٌ واقعيّ قائم بنفسه ولا صلة له بذهنيّة المتكلّم أو السامع وخلفيّاتهما[10]. فالمعاني ثابتة في النظام اللغويّ العامّ نفسه الذي يقوم عليه مبدأ التحاور والتفاهمات؛ ولذلك يمكن للعقلاء أن يتحاوروا ويتبادلوا معلوماتهم؛ ولهذا، فإنّ وضع اللغة ونشوء التفاهمات هو نفسه يكشف عن وجود نظام مجرّد عن العوامل الشخصيّة، وهو ما يفهم كلُّ شخص الآخرَ على أساسه. وصاحب النصّ لا بدّ أن يسير وفق هذا النظام اللغويّ العرفيّ للتعبير عن مراداته ومقاصده، فظاهر حال كلّ متكلّم -بمقتضى الطبع العقلائيّ- أنّه يتكلّم وفق هذه الظهورات الناشئة من بُنية اللغة[11].

 ثمّ إنّ دور المفسّر هو الكشف عن مرادات صاحب النصّ، لذلك يتحدّثون عن «إمكانيّة الفهم» في عمليّة التفسير، ويعتبرون أنّ كلّ نصّ يمكن أن يُفهم –بمعنى الوصول إلى مراد المؤلّف الأصليّ- وهو قابل لذلك. نعم، يوجد بعض منهم ممن فصّل في ذلك، حيث ذهب الأخباريّون –وهم التيّار الثاني المقابل لتيّار الأصوليّين- إلى عدم إمكانيّة فهم مطلق نصّ[12]، فالنصوص جميعها تقبل ذلك إلّا القرآن الكريم. وكذلك تحدّث بعض الأصوليّين عن عدم إمكانيّة فهم النصوص الحديثيّة؛ لوجود موانع تمنع عن ذلك، وهي اختصاص الفهم بمن قُصد إفهامه وبالمعاصرين لزمن صدور النصّ[13]. إلّا أنّه يجب التنبّه إلى أنّ ذلك لا يخرجهم من دائرة القصديّين، فهم يعترفون بقصديّة المؤلّف وضرورة الوصول إلى قصده، إلّا أنّهم يعتبرون أنّ ثمّة مانعًا من الوصول إليه؛ ولذلك لا يمكن الاستفادة –عندهم- من النصّ الذي لا يمكن الوصول إلى مراد صاحبه، وهذا لا ربط له بما يقوله أصحاب رؤية اللاقصديّة.

والخلاصة، أنّ القصديّين يؤمنون بأنّ المفسّر لا دور له أبدًا في تشكّل المعنى، بل هو يكشف عنه فقط. كما يوجد مبدآن أساسيّان لديهم في عمليّة التفسير:

إنّ المؤلّف له مراد وقصد خلف نصّه، ويريد إيصاله للآخرين.
إنّه يمكن للمفسّر أن يصل إلى هذا المراد.
شواهد قصديّة الأصوليّين
ليس من المجازفة القول: إنّه يوجد اتفاق بين الأصوليّين على هذه النظريّة، وهم خلافًا لنظريّة الصوفيّة والباطنيّة الذين يرون أنّ المعنى الظاهريّ لألفاظ القرآن الكريم ليس مقصودًا أبدًا[14]، وبالتالي لا ضرورة للالتزام بدلالة النصّ، بل يجب الوصول إلى المعنى الكامن وراء الظواهر، يهتم الأصوليّون بمراد المؤلّف –أيًّا يكن- وينطلقون من الظواهر للوصول إلى المداليل. ويمكننا إثبات ذلك عبر أمرين، هما: تصريحات بعضهم على ذلك، وشواهد من طريقة منهجهم في فهم النصوص.

أوّلًا: تصريحات الأصوليّين
لقد صرّح بعضهم بأنّ المهمّ في عمليّة الفهم الوصولُ إلى مقصود المؤلّف، وهم يعبّرون عن ذلك بـ«المراد الجدّيّ للمتكلّم». فقد صرّح الشيخ الأنصاريّ بأنّ جميع الأمارات التي تستخدم لتحديد المعنى الحقيقيّ لظواهر الألفاظ والأصول التي تشخّص مقصود المتكلّم –كأصالة الإطلاق- هي من قبيل «الصغرى والكبرى لتشخيص المراد»[15]. وهو يقصد المراد الجدّيّ.

كما قرر الآخوند الخراسانيّ لزوم اتّباع ظواهر الكلام لأجل الكشف عن مراد الشارع. فالغاية عنده هي الوصول إلى مقصود الشارع بالخصوص[16].

وقال الشيخ الإيراوانيّ في نهاية النهاية:»حملُ اللفظ على ظاهره...قنطرة لتعيين المراد الجدّيّ»[17].
وكذلك يرى الشهيد الصدر أنّ الأصوليّين يعتقدون أنّ المراد من «الحجّيّة» واعتبارِ الظواهر الكشفُ عن المراد الجدّيّ للمتكلم[18].
هذه عيّنة من تصريحات مباشرة لكبار الأصوليّين بأنّ اكتشاف مقصود المؤلّف هو المهمّ في عمليّة التفسير.

ثانيًا: شواهد من طريقة الأصوليّين
يتّضح بسهولة من خلال مطالعة أبحاث الأصوليّين اهتمامهم بوجود معنى مقصود للمؤلّف. على سبيل المثال يهتم الأصوليّون –كما المفسّرون- بفهم مراد الله تعالى في القرآن الكريم، ويعتبرون أنّ فهم المراد يشكّل هويّة التفسير.

 ولا بأس هنا بالإشارة إلى أنّ الشيخ المفيد، وهو يعتبر من الأصوليّين وله كتاب التذكرة بأصول الفقه، يصرّح في رسالته حول الإرادة بأنّ المهمّ في فهم الآيات القرآنيّة بالخصوص، هو معرفة مدلول الكلام، وإن لم يكن مقصودًا لله تعالى؛ لاستحالة ذلك. والسبب في ذلك، تفسيره الخاصّ للإرادة الإلهيّة التي طرحها في كتابه مسألة في الإرادة، حيث يرى أنّ إرادة الله هي فعله، وهي غير مسبوقة بإرادة وقصد ونيّة؛ لأنّ ذلك يستلزم وجود قلب وذهن له تعالى، وهو محال[19]. وعليه، حينما يقال: إنّ المقصود من كلامه المعنى الكذائيّ، أو المقصود هنا العموم لا الخصوص، فهذا يعني أنّه تعالى خلق كلامًا يُفهم منه هذا، لا أنّه قصد معنى ثمّ خلق كلامًا يدلّ عليه.

وعلى ذلك، فالشيخ المفيد واحدٌ من الأصوليّين الذين يفصّلون في نظريّة القصديّة.
كيف كان، يمكننا هنا أن نذكر شاهدين من أبحاث الأصوليّين في قسم «مباحث الألفاظ» في هذا الصدد. وهما: تقسيم الدلالة إلى تصوريّة وتصديقيّة، وحجّيّة الظواهر.

تقسيم الدلالة للوصول إلى المراد الجدّيّ
يقصد الأصوليّون من الدلالة التصوريّة انتقالُ الذهن بشكل عفويّ إلى معنى معيّن لدى العارف باللغة عند سماعه اللفظ. مثلًا إذا كان شخصٌ يعرف اللغة العربيّة وأساليبها، فإنّه بمجرد سماعه[20] جملة (يدُ الله فوق أيديهم)[21] سينتقل ذهنه تلقائيًّا إلى المعاني اللغويّة لكلمات هذه الجملة: يد- الله- فوق..، وسينتقش في ذهنه المعنى التركيبيّ لها أيضًا [22]، وذلك سواء أصدرت هذه الجملة من عاقل ملتفت أم من إنسان غافل. وهذا الكلام المفاد من الدلالة التصوريّة، يسمّى عند الأصوليّين بالمدلول التصوريّ[23].
ثمّ، إنّ هذه الجملة فيما لو صدرت من خصوص المتكلّم العاقل، ستفيد دلالة أخرى إضافة إلى الدلالة الأولى، فعند سماعها منه نفهم أنّه أراد استعمال هذه الكلمات وهيئاتها الإفراديّة والتركيبيّة في معانيها المخصوصة، وأراد أيضًا انتقال تلك المعاني إلى ذهن السامع. وتسمّى هذه الدلالة، تارة بالدلالة الاستعماليّة وأخرى بالدلالة التصديقيّة الأولى[24].
وهنا، يرى الأصوليّون –أيضًا- أنّ المتكلّم العاقل يريد الوصول إلى هدف من وراء استعماله هذه الجملة، وهو نفسه الغرض الأصليّ للتكلّم بها، ويطلق على هذا الغرض «المراد الجدّيّ»، ويسمّونها الدلالة التصديقيّة الثانية.
ثمّ، يفصّل الأصوليّون بين حالتين، فتارة تتطابق الإرادة الجدّيّة مع الإرادة الاستعماليّة، وأخرى لا تتطابق؛ بسبب وجود قرائن داخليّة أو خارجيّة تشير إلى أنّ المتكلّم يريد معنى آخر خلافًا للمعنى الذي تفيده الدلالة الاستعماليّة[25]؛ ولهذا يجب على السامع، ليفهم مراد المتكلّم الأصليّ أن يفحص هذه القرائن ويلاحظها.

من خلال هذا التقسيم، نفهم أنّ المقصد الأصليّ في فهم النصوص والخطابات لديهم هو إحراز المراد الجدّيّ للمتكلّم، وهو معنى القصديّة.

حجّيّة الظهور لكشف المراد
يعتقد الأصوليّون أنّ الظواهر باب للوصول إلى قصد المؤلّف، ويعتبرون أنّ المقصود من فهم الكلام هو إحراز مراد المتكلّم. ويريدون من حجّيّة الظهور الأخذُ بالظواهر لأجل الوصول إلى ذلك في صورة عدم وجود قرينة على خلاف هذا الظاهر.
لذلك، يصرّح الآخوند الخراسانيّ بأنّه لا شبهة في لزوم اتّباع ظاهر كلام الشارع في تعيين مراده، ويعتبر أنّ هذا مقتضى السيرة العقلائيّة غير المردوع عنها، حيث استقرّت طريقة العقلاء على اتّباع الظهورات في تعيين المرادات[26]. وقد تابع جميع الأصوليّين هذه الطريقة في فهم مطلق النصوص.

بناء على هذا، يوجد بين أيدينا تصريحات مباشرة من الأصوليّين بكون الغرض الأصليّ في الفهم هو الكشف عن المراد الحقيقيّ للمؤلّف، كما نستطيع أن نلاحظ هذا من خلال طريقة بحثهم.

مبرّرات نظريّة القصديّة
يمكن الاستنتاج من خلال تصفّح آثار الأصوليّين وتتبّع طريقة عملهم أنّهم يعتقدون بوجود ربط منطقيّ بين «معنى النصّ» و«قصد المؤلّف»، بمعنى أنّهم لا يتصوّرون إمكان التفكيك بينهما، بل يلزم أن يكون معنى النصّ هو قصد المؤلّف نفسه، ولا يُعقل –منطقيًّا- الاعتقاد بأيّ فرض آخر، وأيّ إهمال لقصده في عمليّة فهم النصّ هو أمر غير مبرّر في اعتقادهم.
عمومًا، يستند الأصوليّون إلى مبرّرات عدّة تدعو لتبنّي القصديّة، وربما يمكن تقسيمها إلى مبرّرات عامّة ومبرّرات خاصّة. ونريد من الأولى المبرّرات التي تصلح لتبنّي القصديّة في فهم أيّ نصّ –سواء أكان دينيًّا أو لا- ونريد من الثانية المبرّرات الخاصّة بفهم النصّ الدينيّ الإسلاميّ الشامل للكتاب والأحاديث. أمّا المبرّرات العامّة، فيمكن ترتيبها كالتالي:

المبرّرات العامّةّ
المبرّر الأوّل:
يرى الأصوليّون أن سلوك العقلاء وطريقة معالجتهم لفهم النصوص خير شاهد على صحة مسلك القصديّة. فالعقلاء منذ سالف العصور إلى يومنا هذا وجيلًا بعد جيل لا يترقّبون في عمليّة فهم النصّ سوى الوصول إلى مراد المؤلّف، بمعنى أنّهم يعتبرون إحراز المعنى الذي كان يرمي إليه المؤلّف هو المحقِّق لفهم النص، وكلما اقترب فهمنا لمرامه كان أقرب للصواب؛ ولهذا يتحدّثون عن مراتب الفهم ويميّزون بين الفهم الكامل والأكمل[27]. وإلّا لو لم يكن قصد المؤلّف دخيلًا في عمليّة الفهم؛ لما صحّ التمييز بين الفهوم، ولغدت جميعها صحيحة ومبرّرة، مع أنّ هذا غريب لدى العقلاء كافة. وبما أنّ العقلاء بأجمعهم يتفقون على هذه النقطة، بنحو صارت تشكّل ارتكازًا راسخًا لديهم فضلًا عن كونها سلوكًا عامًّا، فيمكن لنا الجزم بصحّتها[28]، بمعنى كونها مبرّرة منطقيًّا.

وبعبارة أخرى، يراد من هذا المبرر القول إنّ اتفاق عامّة العقلاء –وفيهم النوابغ والحكماء والكتّاب والمثقّفون- في كافّة العصور والأمكنة، على هذه النقطة، يكشف ذاتًا عن صحّتها بنفسها أو عن رجوعها إلى أمر مبرّر في نفسه. 

المبرّر الثاني:
وهو شبيه بالمبرّر الأوّل إلّا أنّه يحاول الإضاءة على أمر جزئيّ يقوم به العقلاء بشكل عفويّ أثناء عمليّة الفهم، فنحن أثناء تفسير أيّ كتاب قد تصادفنا أحيانًا بعض الأفكار الغامضة أو الفقرات غير الواضحة، فنحاول بشكل ارتكازيّ وتلقائيّ أن نرفع هذا الغموض من خلال الفقرات اللاحقة الموجودة في الكتاب نفسه أو ننتقل إلى كتب أخرى تناول  فيها الكاتب نفسه هذه الفكرة. وهنا نسأل، لماذا نقوم بهذا العمل؟ ولماذا لا نرجع لأجل رفع هذا الإبهام الحاصل إلى كُتب غيره من الكتّاب؟ ألا يشير سلوكنا هذا إلى أنّنا نعتقد بشكل طبيعيّ بدخالة المؤلّف في فهم النص، وأنّه هو الحلقة المشتركة بين كتبه جميعها؟[29] فوحدة المؤلّف هي التي برّرت لنا الانتقال من كتاب إلى كتاب آخر له بالخصوص لرفع هذا الإبهام، وإلّا فلماذا لم نحاول رفعه من كُتب الآخرين؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فما هو الفرق بين كُتبه الأخرى وكُتب غيره؟ لا يوجد مبرّر لذلك إلّا أنّنا نقرّ بشكل لا واعٍ بدور المؤلّف وقصده في فهم المتن، وأنّ له دخالة راسخة في ذلك؟

إذن، هذا السلوك الجزئيّ يكشف عن ارتكاز عقلائيّ، وهو مبرّر؛ لأنّه عامّ لدى الجميع. 

المبرّر الثالث:
يتمسّك الأصوليّون بالفكرة التي تقول إنّ فلسفة المحاورة والكتابة تتلخّص بإرادة نقل الخواطر الخاصّة والمعاني والأفكار الكامنة لدى المخاطِب إلى غيره فقط، فكلّ كاتب لا يكتب إلّا لسبب واحد، وهو أنّه يحمل رسالة وفكرة معيّنة يريد نقلها ومشاركتها مع غيره، وهذا ما يشكّل بالحقيقة فلسفة الكتابة والغرض منها[30].

 من هنا، تغدو نظريّة القصديّة -بما تحمله من عناصر محوريّة المؤلّف وقصده- أقرب إلى فلسفة الكتابة من غيرها من النظريّات. وبمعنى آخر، إنّ الكتابة والتكلّم يتحقّقان بعنوان كونهما فعلين إراديّين على أساس غايات وأهداف عقلائيّة، وغاية هذين الفعلين الإراديّين -والتي تشكّل فلسفتهما كما قلنا- تتلخّص في نقل الرسالة المرادة وإيجاد ارتباط معنائيّ مع المخاطَب. وعلى هذا، إذا كان المقصود من تفسير المتن الوصولَ إلى ما أراد الكاتب نقله لنا، يقع التناسب الكامل بين الكتابة والتفسير، وأمّا لو فرضنا غايات أخرى، مثل إثراء القدرة الدلاليّة ومضاعفة الاحتمالات الدلاليّة للنصّ أو فتح النصّ على قراءات لا محدودة –كما يذهب أصحاب نظريّة اللاقصديّة-، فإنّ العمل الذي يقوم به المخاطَب لن يكون له أي علاقة بهدف المؤلّف من كتابة النصّ.

إذن، هذا القرب من فلسفة الكتابة والتناسب الذي تؤمّنه نظريّة القصديّة، هو ما يدفعنا إلى ترجيحها بشكل قويّ على غيرها.

المبرّر الرابع:
يمكن القول إنّ حرص الكتّاب والمحاورين على إيصال مراداتهم بشكل واضح أثناء الكتابة أو المحاورة يشير بشكل واضح إلى أنّهم يعتبرون الأفكار التي يطرحونها هي المحور في فهم كلامهم، ولا أقلّ من أنّ لها دخالة في ذلك؛ ولذا لا يجيزون لأحد أنّ يفسّر كلامهم خطأ، بل يعترضون عليه وينبهونه إلى المعنى الصحيح؛ ولهذا نجد العقلاء يلومون من فسّر كلام الآخر خطأ، بأنّه فهم غير ما كان يقصده المتكلّم.
والملفت أنّ هذا الاهتمام بالفهم الصحيح للكلام، نجده بوضوح لدى أصحاب نظريّة اللاقصديّة أنفسهم، فهم يهتمّون جدًا بأنّ يفهم الآخرون نظريّتهم بدقّة[31].

هذه الحقيقة تكشف عن أنّ فهم النصّ على أساس المراد الجدّي للمؤلف، هي فرضيّة عقلائيّة ومبرّرة بشكل كامل، أمّا الإغفال عن قصد المؤلّف وتدخّل القارئ بصناعة المعنى بشكل عمديّ دون أي معايير محدّدة، فهو أمر غير مبرّر عقلائيًّا.

المبرّر الخامس:
يعتبر بعض الأصوليّين أنّه يوجد لدينا موانع تمنعنا من قبول نظريّة اللاقصديّة وتجعلنا نتمسّك بالقصديّة. ومن هذه الموانع، «فوضى الفهوم»[32].

يقول هؤلاء إنّ تبنّي اللاقصديّة في مجال فهم النصوص يسير بنا مباشرة نحو النسبيّة –أي النسبيّة في التفسير- لأنّ الأساليب التي تتبناها اللاقصدية لا تقدّم لنا مؤشرًا واضحًا للتمييز بين المعنى الصحيح عن غير الصحيح في مجال الفهم، وهذا بخلاف ما يطرحه القصديّون، من كون المعنى الذي قصده المؤلّف هو المعيار والشاخص الذي تُعرض عليه جميع الأفهام والتفاسير لتمييز الصحيح منها عن غيره؛ لذا تُقدّم النسبيّة في التفسير لنا تفاسيرَ مختلفة –وأحيانًا متناقضة- لنصّ واحد، وتلزمنا بقبولها جميعها، بحيث يتمّ الاعتراف بها مع استبعاد الفهم المعياريّ، وبهذا لا يمكن لنا أن نشخّص الفهم الصحيح عن غيره، بل تغدو جميعها مقبولة ومعترفًا بها؛ ويلزم من ذلك فوضى الفهوم، وهو ما لا يمكن قبوله.

على هذا الأساس، لا يتيسّر لنا تمييز الفهوم إلّا باعتماد النظريّة القصديّة؛ لأنّها هي التي توفّر لنا المعيار الذي يشخّص الأفهام الصحيحة.

المبرّر السادس:
يعدّ النقد والتقويم من الأمور الأساسية التي يقوم بها المفسّر أثناء التفسير. مثلًا، نحن نحكم على صحّة شِعرٍ ما أو عدم صحّته، من خلال النظر في أنّه هل استطاع أنّ ينقل لنا المعنى المقصود بدقّة أم لا؟ على سبيل المثال، لو تأمّلنا في شعرٍ يريد الشاعر أن يخبرنا فيه عن أحاسيس الحزن والوحدة التي يعيشها، فإنّه لا يخبرنا عنها بشكل مباشر، بل ينقل لنا صورًا تكشف لنا عن تلك الأحاسيس، فيصوّر لنا غرقه في البحر المائج أو سيره وحيدًا في الليل المظلم.

من الواضح في هذا المثال، أنّ المعنى الصحيح هو شعور الوحدة والحزن فقط. وهنا نقول، إنّنا لو صرفنا النظر عن قصد المؤلّف، فلن يستطيع القارئ أساسًا أن يحدّد فيما إذا نُظِم هذا الشعر بشكل صحيح أم لا؟ بمعنى أنّه لن يستطيع أن ينقده ويقوّمه.[33]

إذن، يتضح أنّ الحكم بصحّة أيِّ متن أو عدم صحّته، يتوقّف بشكل أساسيّ على تحديد المعنى الذي أراد المؤلّف أن ينقله من خلال ما كتبه. وفي غير هذه الصورة، لا يمكن أن نحظى بمعيار يتيح لنا تقويم المتن ونقده. وهذا ما تفتقده اللاقصديّة أيضًا.

المبرّرات الخاصّة
هذه كانت أبرز المبررات العامّة التي يمكن ذكرها في هذا الصدد. أمّا المبررات الخاصّة، فقد قلنا إنّ المقصود منها تلك المبرّرات التي تلزمنا بتبنّي القصديّة في فهم النصّ الديني الإسلاميّ، وتمنعنا عن غيرها من النظريّات. بمعنى أنّه حتى لو ناقش أحدهم المبرّرات العامّة المذكورة، ورفض القصديّة في فهم النصوص، غير أنّه ملزم بتبنّي القصديّة في خصوص النصّ الدينيّ الإسلاميّ؛ وذلك بسبب هذه المبرّرات الخاصّة. وهي:

المبرّر الأوّل:
تشكّل محوريّة قصد المؤلّف ضرورة واضحة لفهم النصّ الدينيّ والوحيانيّ؛ وسبب ذلك أنّ العلاقة التي تحكم الإنسان بخالقه –بحسب الفهم الإسلاميّ- هي علاقة الطاعة والانقياد، المتفرّعة عن قاعدة «حُسن التكليف وضرورته» التي تُعدّ من المباني المهمّة للمسائل الفقهيّة[34]. فالإنسان المؤمن لا يمكنه أن يظهر إيمانه إلّا بالتعبد والتسليم المطلق للتعاليم الدينيّة، وواحدة من المصادر الأساسيّة للاطلاع على هذه التعاليم، هي النصوص الدينية –أي القرآن الكريم والأحاديث الشريفة- وإذا كان الأمر كذلك، فعلى الإنسان المؤمن عندما يواجه هذه النصوص أن يسعى إلى إدراك المحتوى المعنائيّ لهذه النصوص؛ ليفهم من خلاله الأوامر والارشادات التي أصدرها الله تعالى عبر هذه النصوص؛ لتنظيم شؤونه.

وبهذا، يظهر أنّ اعتماد أيّ منهج غير منهج القصديّة يلزم منه الخروج عن مقتضى الإيمان الذي يتميّز بجوهره القائم على الانقياد والتعبّد.

المبرّر الثاني:
وهذا المبرّر وإن كان يختصّ بالمباحث الكلاميّة الإسلاميّة، إلّا أنّ هذه المباحث تشكّل أصولًا موضوعيّة لعلم الأصول، وتعبّر عن الرابطة الأكيدة بين هذه العلمين. وهذه المباحث –بطبيعتها- ترتبط بنظريّة القصديّة، بحيث يكون لهذا التوجّه دور أساسيّ فيها.

فإنّه وانطلاقًا من المباني الكلاميّة الإسلاميّة، تُعدّ النبوّة والإمامة والوحي أمورًا أساسيّة لوصول الإنسان إلى كماله وسعادته؛ فبالنظر إلى قصور الحسّ والعقل على التشخيص الدقيق للطريق الذي يضمن للإنسان سعادته الحقيقيّة، تقتضي الحكمة الإلهيّة وجود طريق غيبيّ يسهّل علينا معرفة هذا الطريق، وليس هو إلّا طريق «الوحي». والنبيّ والإمام هما الهاديان له أيضًا.

بناءً على هذا، لا يمكننا قبول نظريّة اللاقصديّة في فهم النصوص الدينيّة التي بلّغها وبيّنها النبيّ والإمام؛ إذ يلزم منها القول بنسبيّة المعرفة وبأنّها مرتبطة بشخص المخاطَب[35]. وهذا يتنافى مع فلسفة وجود هذه النصوص الوحيانيّة، حيث إنّ هذه النصوص إنّما أنزلها الله تعالى ليستطيع الإنسان من خلالها اكتشاف مراده تعالى، ليصل من خلاله إلى سعادته. فإذا رفضنا التمسّك بقصده ومراده منها، سيلغو موضوع إنزالها، ولن يكون لها فائدة، ولن تعود هذه النصوص طريقًا لسعادة الإنسان، وبالتالي لا يمكننا في مقام تحليل عمليّة التفسير، أن نُلغي محوريّة المؤلّف.

وباختصار، سيصبح إنزال الكتب والرسالات وتنصيب الأنبياء والأوصياء أمرًا لغويًّا، فيما لو نفينا محوريّة المؤلّف وتخلّينا عن قصده في عمليّة فهم النصّ الدينيّ.
وبعد استعراض المبرّرات، نحاول الخروج ببعض التحليلات لها:

تحليل المبرّرات
يُلاحظ أنّ هذه المبرّرات، هي بأغلبها مبرّرات عقلائيّة، أي أنّ المستند لها –إجمالًا- هو طريقة العقلاء في تعاملهم مع النصوص، فهي إمّا ترجع إلى سلوك العقلاء أو إلى مرتكزاتهم المتجذّرة في عقولهم والتي يجْرون على طبقها دون وعي.

 وكأنّ الأصوليّين وضعوا أمامهم الاحتمالات المفترضة في عمليّة التفسير، وقالوا إمّا أن يكون للمؤلّف وقصده دخلٌ في هذه العمليّة أو لا؟ ثمّ فتّشوا عن المعيار الذي يحدّد لنا الصحيح من هذين الاحتمالين، فلم يجدوا سوى العقلاء وطريقتهم؛ إذ لم يدّع أحدٌ من الطرفين – أعني القصديّة واللاقصديّة- استحالة النظريّة المقابلة منطقيًّا؛ لذا ذهب الأصوليّون خلف طريقة العقلاء، فوجدوا أنّهم لا يتنازلون بتاتًا عن قصد المؤلّف أثناء تفسيراتهم، بل تجربتهم دائمًا تتعامل مع قصد المؤلّف مراده. ولذلك تبنّوها.
ولا شكّ أنّ الأصوليّين لم يشْرعوا بالبحث هكذا واقعًا، بل لم يلتفتوا إليه أصلًا إلّا بعد أن طُرحت النظريّات المقابلة، وانسحبت إلى بعض الفئات في أوساطنا؛ ولذلك فإنّنا لا نجد أثرًا لهذه الأبحاث فيما سبق. فهم ساروا بشكل طبيعيّ وعفويّ مع الطريقة العقلائيّة المفترضة في التفسير، وبعد أن طُرحت النظريّات الأخرى، سعوا إلى إقامة المبرّرات التي تبرّر لنا القصديّة؛ ولذا استعملنا لفظة: «كأنّ» في بداية المقطع.

يمكن لنا فرز المبرّرات العامّة إلى فئتين. الفئة الأولى هي المؤيّدات التي تساهم في رفع رصيد القصديّة من الصحّة، والفئة الثانية هي الموانع التي تمنع من تبنّي اللاقصديّة.

فلو لاحظنا المبرّر الأوّل والثاني والرابع، نجد أنّها ترجع ثلاثتها إلى كونها مؤيّدات عقلائيّة على القصديّة، بخلاف الثالث والخامس والسادس، فهي لم تكن تشير إلى طريقة العقلاء في التفسير، بل أشارت إلى ثلاثة موانع مهمّة تمنع من اللاقصديّة، وهي: مانع فوضى الفهوم، وعدم الضابط في التقويم والنقد، وعدم التناسب مع فلسفة الكتابة وغرض المؤلّف.

فهذه الموانع –وإن أمكن ربما إرجاعها بنحوٍ ما إلى العقلائيّة والمرتكزات- فرضت علينا تبنّي القصديّة وتجنّب ما يقابلها.
يتضح بسهولة أنّ بعض هذه المبرّرات أقربُ إلى التنبيهات منها إلى الأدلّة، فبعض المبرّرات العامّة تُنبّه فقط وتشير إلى تجربة العقلاء مع النصوص، ولا تُقيم دليلًا منطقيًّا على لزوم القصديّة، فإذا اختار بعضٌ رفضَ طريقة العقلاء، يمكنه أن لا يلتزم بهذه النظريّة. وهذا وإن كان مرجّحًا قويًّا على صحّة هذه النظريّة، بيد أنّه لا يسمّى دليلًا، بينما المبرّرات الأخرى –كالثالث والخامس من المبرّرات العامّة، والمبرّرَين الخاصَّين- هي أدلّة منطقيّة على القصديّة، فهي قد أقامت الدليل عليها من حيث إنّها افترضت لوازم باطلة على الفرضيّة المقابلة، كلزوم لَغويّة الكتب الوحيانيّة، والخروج عن مقتضى الإيمان.

إذن، بعض هذه المبرّرات هي تنبيهات وبعضها أدلّة، ولذلك عنونتُ المسألة بـ«مبرّرات القصديّة» لا «أدلّة القصديّة».
يظهر ـ بحسب هذه المبرّرات ـ أنّ الأصوليّين يتمسّكون بالفهم المعياريّ للنصّ، أي أنّ لكلّ نصٍّ فهمًا صحيحًا واحدًا يخصّه، وأمّا باقي الفهوم الأخرى فهي تدور حوله، وتتّصف بالصحّة بالمقدار الذي تقترب به من الفهم الصحيح. وهذا الفهم هو مُراد المؤلّف نفسه، أي نفس الرسالة التي أراد المؤلّف أن ينقلها إلينا.
وبالتالي، المعلومات التي لم يُرد المؤلّف نقلها إلينا، والتي يستطيع المفسّر استخراجها من النصّ، فهي وإن كانت صحيحة، غير أنّها خارجة عن محلّ النزاع بين القصديّة واللاقصديّة.

وبعبارة أخرى، يُفترض أن يقبل الطرفان أنّ المعلومات المؤكّدة التي يُطلعنا عليها النصّ، والتي لم يُرد المؤلّف نقلها إلينا –لا بمعنى أنّه تَقَصّد إخفاءها، بل المقصود أنّها لا تدخل ضمن الرسالة المرادة، أي لم يلتفت المؤلّف إليها حين كتابته النصّ- تدخل بالضرورة ضمن دائرة المعلومات التي يمكن أخذها من النصّ. فهي وإن كانت خارجة عن قصد المؤلّف والقصديّة، لكنّها رغم ذلك، تدخل ضمن الفهم الصحيح.
ولنضرب مثالًا لذلك، لو فرضنا أنّ الكاتب يريد أن يخبرنا فقط أنّ الإمام عليّ بن أبي طالب هو من قتل عمرو بن ودّ العامريّ، فمقصود المؤلّف هنا ينحصر بقضيّة القتل. لكن المفسّر يستطيع استخراج معنى آخر من هذه القضية أيضًا، وهو أنّ الإمام اتصف بالشجاعة حينها.

فهذا المعنى الإضافيّ صحيح، رغم أنّه لا يتفرّع عن قصد المؤلّف. وهذه المعاني هي ما يبحثه الأصوليّون في مباحث الدلالة الالتزاميّة[36]. 

خلاصةٌ واستنتاج
ظهر لنا من خلال جميع ما تقدّم، أنّ الأصوليّين يؤمنون بشكل قويّ بمبدأ القصديّة، ويرون أنّ ثمّة تلازمًا واضحًا بين قصد المؤلّف وفهم المتن. وليس المقصود من ذلك –كما ألمحنا- استحالة اتباع طريقة أخرى في فهم النصّ يمكن للمفسر اعتمادها، بحيث يضع قصديّة المؤلّف جانبًا ويتعامل فقط مع النصّ وما يفهمه منه، فإنّ هذا الأمر ممكن ولا يلزم منه استحالة منطقيّة. بل ما يريده الأصوليّون من التلازم هو أنّه من الضروريّ واللازم على المفسّر أن يراعي قصد المؤلّف ويهتمّ به، فلا يتجاهل ما أراد المؤلّف نقله إلينا؛ وإلّا لزم من ذلك محاذير عديدة، لا يمكن الالتزام بها.

من هنا، لا بدّ أن يقع قصد المؤلّف هدفًا لعمليّة التفسير. وهذا التلازم كما يجري في غير الكتب الوحيانيّة من الشعر والأدب والتاريخ وغيرها، يجري بشكل آكد في الكتب الوحيانيّة، بل يمكن سَوق مبرّرات إضافية فيما يخصّها، كما رأينا.

لائحة المصادر والمراجع
المصادر العربية
الشهيد الصدر، محمّد باقر، دروس في علم الأصول –الحلقات الثلاث-، ط2، دار الكتب اللبنانيّ-مكتبة المدرسة، بيروت، لبنان، ، 1406ه.
العلّامة الحلّيّ، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، تحقيق إبراهيم الموسويّ الزنجانيّ، ط4، منشورات شكورى، قمّ المقدسة، 1373 ش.
الحائريّ، كاظم، مباحث الأصول -تقريرات بحوث الشهيد الصدر محمّد باقر الأصوليّة-، ، ط1،  دار البشير، قمّ، إيران، 1428 ه.
القمّيّ، محمّد حسن، القوانين المحكمة في الأصول، ، لا ط، ، دار إحياء الكتب الإسلاميّة، 1430 ه.
الزرقاني، محمّد عبد العظيم، مناهل العرفان، لا ط، دار الكتب العربيّ، بيروت، لبنان، 1423ه.
الأنصاريّ، مرتضى، فرائد الأصول، تحقيق لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم، ط1، نشر مجمع الفكر الإسلاميّ، مطبعة باقري، قمّ المقدسة، إيران، 1419ه.
الغرويّ الأصفهانيّ، محمد حسين، نهاية الدراية في شرح الكفاية، تحقيق وتعليق: مهدي أحدي أمير كلائي، ط1، دار نشر سيّد الشهداء، قمّ المقدسة، إيران، 1374 ش.
الشيخ المفيد، رسالة في الإرادة، ط1، المؤتمر العالميّ لألفيّة الشيخ المفيد، مطبعة مهر، قمّ المقدسة، إيران، 1413ه.
الخراسانيّ، محمّد كاظم، كفاية الأصول، تحقيق مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، ط2، مؤسّسة آل البيت عليهم السلام، بيروت، لبنان، 1429ه.
الفائق في الأصول، لجنة الفقه المعاصر، ط7، مركز إدارة الحوزات العلميّة، قمّ المقدسة، إيران، 1442 ه.
صفدر إلهي، راد، الهرمنوطيقا-منشأ المصطلح ومعناه واستعمالاته في الحضارات الإنسانيّة المختلفة-، ترجمة: حسنين الجمّال، ط1، المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجيّة، بيروت، لبنان، 2019 م.

الفارسية
فضيلت، محمود، معنا شناسى ومعانى در زبان وادبيات، كرمانشاه: انتشارات دانشگاه رازى، چاپ ونشر انتشارات طاق بستان، ايران، 1385 ش.
أحمدي، بابك، ساختار وتأويل متن، نشر مركز، تهران،  1388 ش.
مصباح، مجتبى، ومحمدي، عبد الله، معرفت شناسى، چاپ 1، انتشارات مؤسسه آموزشى وپژوهشى امام خمينى، قم، ايران، 1397 ش.
واعظى، أحمد، نظريّه تفسير متن، چاپ 4، پژوهشگاه حوزه ودانشگاه، جعفرى، قم، 1400 ش.
عميد الزنجاني، عباس علي، مبانى وروشهاى تفسير قرآن، مؤسسه وزارت فرهنگ وارشاد اسلامى براى چاپ وانتشارات، تهران، 1385 ش.

المصادر الأجنبية
Allen, Graham, Intertextuality, New Critical Idiom, Taylor and Francis Rutledge, London and New York, 2000.
Kekkonen Jukka, Intentions and Interpretations: philosophical Fiction as Conversation, Published January 27,2009,http://www.contempaesthetics.org/newvolume/pages/article.php?articleID=526.
Spoerhase, Carlos, Hypothetischer Intentionalismus. Rekonstruktion and Kritik, Citation Information. Journal of Literary Theory. Volume 1, Issue 1, Pages 81-110, August, 2007.
Stecker, Robert, Interpretation and Construction, Art, Speech, and the Law, Blackwell, The United Kingdom, 2003.

المقالات
صدر الدين، طاهرى، بررسى انتقادى رابطه اصول فقه اسلامى وهرمنوتيك، مقالات وبررسيها، دفتر 68 زمستان 79، ص:122 -126.
عابدى سرآسيا، عليرضا، بررسى امكان دسترسى به نيات مؤلف نقدى بر هرمنوتيك قصدى ستيز ونظريّه ى مرگ مؤلف، جورنال جستارهاى در فسلفه وكلام، پاييز وزمستان 1389-شماره85، ص 169-194.
واعظى، أحمد، دفاع از قصد گرايى تفسيرى، جورنال قرآن شناخت، بهار وتابسان 1389، شماره، ص:31-52.

------------------------------
[1]- باحث في أصول الفقه الإسلاميّ، جامعة المصطفى (ص) العالميّة ـ لبنان.
[2]. انظر: مقالة بررسى امكان دسترسى به نيات مؤلف، ص 170-171. ولمزيد من التفصيل يمكن مراجعة مقالة هرمنوتيك واصول فقه: نگاهى به انواع قصدى کرايى غربى در غرب ومقايسه آن با ديدگاه تفسيرى اصوليان شيعه، لعليرضا عابدى سرآسيا.
[3]- Interpretation and Construction, p:208, and Intentions and Interpretations: Philosophical Fiction as Conversation, p: 12, and Hypothetischer Intentionalismus, p: 81.
[4]- انظر: مقالة بررسى انتقادى رابطه اصول فقه اسلامى وهرمنوتيك، ص:122 و126.
[5]- انظر: معنا شناسى ومعانى در زبان وادبيات، ص165.
[6]- The ideology of the author.
[7]- Intertextuality, New Critical Idiom, p: 72.
[8]- محوريّة المؤلّف.
[9]- انظر: ساختار وتأويل متن، ص: 487.
[10]- انظر: مباحث الأصول، القسم 2، ج2، ص: 247.
[11]- انظر: دروس في علم الأصول –الحلقات الثلاث-، الحلقة الثالثة، ص: 165.
[12]- انظر: مباحث الأصول، القسم الثاني، ج2، ص: 245-248.
[13]- انظر: القوانين المحكمة في الأصول، ج1، ص: 398-403.
[14]- انظر: مباني وروشهاى تفسير قرآن، ص: 322؛ ومناهل العرفان، ج2، ص: 67.
[15]- انظر: فرائد الأصول، ج1، ص: 135-136. 
[16]- انظر: كفاية الأصول، ص: 281.
[17]- انظر: نهاية النهاية، ج1، ص: 279.
[18]- انظر: دروس في علم الأصول –الحلقات الثلاث-، مصدر سابق، الحلقة الثانية، ص:88.
[19]- انظر: مسألة في الإرادة، ص:13.
[20]- نلفت هنا، إلى أنّ الأصوليّين لا يميّزون في أبحاثهم بين المتكلّم والمؤلّف، ولا بين السامع والقارئ.
[21]- هذه الجملة آية قرآنيّة كريمة أيضًا.
[22]- المراد من الهيئة التركيبيّة الحاصلة من تركيب مفردات الجملة، كهيئة المبتدأ والخبر الحاصلة من تكيب كلمتي «محمّد» «رسول».
[23]- انظر: دروس في علم الأصول-الحلقات الثلاث-، مصدر سابق، الحلقة الثانية، ص: 183.
[24]- انظر: دروس في علم الأصول-الحلقات الثلاث-، مصدر سابق، الحلقة الثانية، ص:183.
[25]- انظر: المصدر نفسه، الحلقة الثانية، ص:184.
[26]- انظر: كفاية الأصول، مصدر سابق، ص: 281.
[27]- انظر: معرفت شناسى، الدرس 9.
[28]- انظر: الفائق في الأصول، ص: 28-31.
[29]- انظر: مقالة دفاع از قصدگرايى تفسيرى، ص: 46-47.
[30]- انظر: المصدر نفسه، ص:47.
[31]- انظر: نظريّه تفسير متن، ص: 249.
[32]- انظر: المصدر نفسه، ص: 250.
[33]- انظر: مقالة دفاع از قصدگرايى تفسيرى، مصدر سابق، ص: 48.
[34]- انظر: كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، ص:344.
[35]- الهيرمينوطيقا –منشأ المصطلح ومعناه واستعمالاته في الحضارات الإنسانية المختلفة-، ص: 259-261.
[36]- انظر: دروس في علم الأصول –الحلقات الثلاث-، مصدر سابق، الحلقة الثالثة، ص: 52-53.