البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الفكر الاجتماعي في علم الاستغراب عند العلامة الطباطبائي تقويض أركان الوثنيّة المعاصرة للحداثة

الباحث :  نصر الله آقاجاني
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  29
السنة :  شتاء 2023م / 1444هـ
تاريخ إضافة البحث :  April / 16 / 2023
عدد زيارات البحث :  636
تحميل  ( 547.724 KB )
عاصرَ العلّامة الطباطبائي القضايا والإشكاليّات التي مثّلت تحدّيات خلقها العالمُ الحديث للعالم الإسلامي واستحقاقاتها. لذا، فقد عمد إلى دراسات مقارِنة بين الإسلام والغرب في كثير مِن القضايا والموضوعات الدينيّة والفلسفيّة والاجتماعيّة والحضاريّة. وكان لإسهامه المُميَّز هذا في مضمار علم الاستغراب، كفيلسوف، أهمّيته البالغة. يُعالج هذا المقالُ قضايا مهمّة في ضوء مراجعة كتابات العلّامة الطباطبائي، منها البحوث المنهجيّة التي نهض بها العلّامة لأبعاد مختلفة في علم الاستغراب، وإعادة معرفة علاقتنا بالغرب، ودراسة بعض الأبعاد المهمّة لعلم الاستغراب في المنجز الفكري للعلّامة الطباطبائي. يحلِّل الطباطبائي ظاهرة التغريب (نزعة التغريب)، فيرى علمَ الاستغراب الصحيح في ضوء الفكر الاجتماعي عمليّةً ممكنةً، ويعتمد المنهج المقارن بمنحى اجتماعي وفي ضوء المرتكزات النظريّة الغربيّة ليكشف النقاب عن مكوِّنات الوجه الخارجي والداخلي للغرب. بالمستطاع رصد الاستحقاق المعرفي لـ «الوثنيّة العصريّة الحديثة» في تقييد العلم بالمنحى الحسّيّ، وملاحظة التبعات النزعاتيّة له في حصْر الملذّات والميول في الأمور الماديّة الهابطة. هذه الماديّة التاريخيّة الضاربة بجذورها في تعاليم الكنيسة وفكرة «الحلول»، انتهت تحت شعار مكافحة الخرافات إلى نشر الخرافات في الحضارة الغربيّة. وأخيرًا، قادَ عنصرُ الليبراليّة والنزعة الفرديّة الفكرَ الغربي مِن المسار «العقلي» إلى المسار «العاطفي»، وتسبَّب في ضربٍ مِن النزعة الشكليّة الصوريّة وزعزعة قواعد الأخلاق والقيم الإنسانيّة.

كلمات مفتاحيّة: الفكر الاجتماعي، الغرب، علم الاستغراب، العلّامة الطباطبائي، الوثنيّة العصريّة الحديثة.

تمهيد
العلّامة الطباطبائي مِن الشخصيّات النادرة التي عمدت إلى دراسات مقارنة في كثير مِن القضايا والموضوعات الدينيّة والفلسفيّة والاجتماعيّة والحضاريّة، حيث قارنها مع ما في العالم المتحضّر المعاصر، سواء الشرقي أو الغربي، مِن أفكار. منحى الاهتمام بالبحوث الإسلاميّة مِن زاوية الإجابة والردّ عن القضايا المعاصرة التي يواجهها العالم الإسلامي، ساقت نظرةَ العلّامة نحو الغرب وعلم الاستغراب، وقد توسَّعَ في هذه النظرة في بحوثه الفلسفيّة كما في كتابه «مبادئ الفلسفة والمنهج الواقعي» أو غيره، ولا سيّما في كثير مِن بحوث كتابه الرائع «الميزان في تفسير القرآن». ربّما كانت معاصَرة العلّامة الطباطبائي للقضايا التي مثّلت تحدّيات أثارها العالمُ الحديث واستحقاقاتها وتبعاتها أمامَ المجتمع الإيراني والعالم الإسلامي، وحواراته مع مفكّرين ذوي معرفة بالعالم المعاصر، ومِن منطلق الشعور بالمسؤوليّة الإلهيّة، قد كشفت له عن أهميّة المنهج المقارن بين الإسلام والغرب والعالم الحديث، فتركَ بصمات ملحوظة في حقل علم الاستغراب.
ومع أنَّ علم الاستغراب شهد بمناحيه المختلفة ابتداءً مِن نزعة التغريب إلى مناهضة الغرب آثارًا كثيرة طوال ماضيه الممتدّ إلى أكثر مِن مائة عام، إلّا أنّ إعادة معرفة الغرب اكتسبت مِن منظار فلاسفة كبار كالعلّامة الطباطبائي أهمّية مضاعفة. فإلى جانب كون الطباطبائي فيلسوفًا كبيرًا في الحكمة المتعالية الصدرائيّة (نسبة إلى صدر الدين الشيرازي)، وقد قضى ردحًا مِن عمره المبارك في هذا المجال المتسامي مِن المعرفة، وكذلك إلى جانب كونه مفسِّرًا كبيرًا في الساحة الملكوتيّة للقرآن الكريم، إلّا أنّ ملاحظة الظروف المعرفيّة والاجتماعيّة والثقافيّة لعصره، دفعته إلى حيّز الدراسات المقارنة، خصوصًا في كتاب «الميزان»، حيث درس الغرب مِن زوايا مختلفة.

إنَّ معرفة الأبعاد المنهجيّة للعلّامة الطباطبائي في علم الاستغراب، والموضوعات التي لفتت انتباهه في هذا العلم، يمكنها أنْ تكون ملهِمةً لنا في الوقت الحاضر، وأنْ توفّر لنا الأرضيّة في دراسات أخرى لعمليّةِ مقارنةٍ بين علم الاستغراب لدى الطباطبائي وبينه لدى مفكّرين آخرين.
أسئلتنا الأساسيّة في هذه الدراسة: ما هي الأبعاد المنهجيّة للعلّامة في علم الاستغراب؟ ومِن أيّ المكوِّنات والعناصر يتألّف علمُ الاستغراب عند العلّامة؟ هل عمد العلّامة في علم الاستغراب إلى نقد المدارس الفلسفيّة الغربيّة فقط أم توسّعَ بنظرته في دائرة أرحب؟ ما هي علاقتنا بالغرب مِن منظار العلّامة؟
بمراجعة آثار العلّامة، وخصوصًا تفسير الميزان، نلاحظ موضوعات مقارنة متنوّعة في إطار العلاقة بين الإسلام والغرب، تمّ تنظيمها في هذه الدراسة بمنهج تحليل محتوى النصوص والتأكيد على التمايزات ونقاط التحدّي بين الإسلام والغرب. ومِن البدهيّ أنَّ المكتسبات الإنسانيّة الإيجابيّة في الغرب، والتي يمكن للعالم الإسلامي أنْ ينتفع منها ويستخدمها، ليست في الوقت الحاضر موضوع نقاشنا، فما نتابعه في هذه الدراسة ينتمي أكثر ما ينتمي لإطار الفوارق والتمايزات بين الإسلام والغرب. ومع أنَّ هناك آثارًا وأعمالًا كثيرة حول علم الاستغراب مِن منظار مفكّرين مسلمين غير قليلين، بيد أنَّه لا يلاحظ وجود عمل مستقلّ يختصّ بعلم الاستغراب مِن منظار العلّامة الطباطبائي.

1– منهج الطباطبائي في علم الاستغراب
1– 1– المنهج المُقارِن بين الإسلام والحضارة الغربيّة
المنهج المقارن مِن أقدم مناهج الدراسة والبحث والتحقيق، وخصوصًا في الدراسات المختصّة بالأديان والمذاهب وعلم الإنسان والحضارات. وقد كان أبو ريحان البيروني في الحضارة الإسلاميّة مِن أهمّ المفكّرين الذين اعتمدوا هذا المنهج في بحثه حول علم الإنسان وعلم الثقافة والعادات في بلاد الهند. وتعدّ الدراسات المقارنة اليوم مِن المناهج الدارجة في العلوم الاجتماعيّة. يلجأ العلّامة الطباطبائي في كثير مِن الحالات في تفسيره «الميزان» وغيره مِن مؤلّفاته إلى التدليل على مكانة المسائل والقضايا الإسلاميّة وقيمتها باعتماد منهج الدراسة المُقارِنة بين الإسلام وسائر الأديان والملل والنحل، فيقول مثلًا: «من المعلوم أنَّ الاسلام -والذي شرّعه هو الله عزّ اسمه- لم يبن شرائعه على أصل التجارب كما بُنيت عليه سائر القوانين، لكنّا في قضاء العقل في شرائعه ربّما احتجنا إلى التأمّل في الأحكام والقوانين والرسوم الدائرة بين الأمم الحاضرة والقرون الخالية، ثمّ البحث عن السعادة الإنسانيّة، وتطبيق النتيجة على المحصّل مِن مذاهبهم ومسالكهم حتّى نزن به مكانته ومكانتها، ونميّز به روحه الحيّة الشاعرة مِن أرواحها، وهذا هو الموجب للرجوع إلى تواريخ الملل وسيرها، واستحضار ما عند الموجودين منهم مِن الخصائل والمذاهب في الحياة»[2]. وقد اعتمد هذا المنهج في علم الاستغراب أيضًا، ففي كثير مِن الموضوعات التي سنذكرها في هذه الدراسة عن العلّامة، يلاحظ بكلّ وضوح المنهج المقارن للعلّامة بين الإسلام والغرب عند مراجعة المصادر ذات الصلة بالموضوع.

1– 2– الاهتمام بالركائز النظريّة في الغرب
اهتمّ العلّامة الطباطبائي اهتمامًا بالغًا بالركائز النظريّة للحضارة الغربيّة؛ أي الركائز الفلسفيّة والدينيّة وأهدافها وغاياتها. وقد نقد الفكرَ الغربيّ في بعض آثاره نظير «مبادئ الفلسفة والمنهج الواقعي» و«الميزان» مِن زاوية فلسفيّة وأنطولوجيّة وإبستمولوجيّة (معرفيّة). يُخضِع العلّامة الغربَ للنقد مِن حيث رصيده الديني، على سبيل المثال «الإيمان بالله» الذي يعبِّر عنه العلّامة بأنَّه البنية التحتيّة للمجتمع المثالي الإسلامي، ويقف على رأس الحياة الفرديّة والاجتماعيّة، لا يتمتّع في المجتمع الحداثي العصري بمثل هذه المكانة (مع أنّه قد تكون هناك ثيولوجيا وعلم لاهوت في ذلك المجتمع). والحال أنَّ للإيمان والتوحيد (العلم بالله) تأثيرًا فذًا هائلًا في ترتيب أوضاع الحياة وتحقيق الملكات الفاضلة، وقد بقي المجتمع المتحضِّر اليوم محرومًا منه، فأصيبَ على الرغم مِن كلّ ما أحرزه مِن تطوّر وإعجاز علمي بتضعضعٍ في النظام، وتخلخلٍ في البِنْيَة، وهشاشةٍ في الأسس والمرتكزات، وتَعرَّضَ لخطر الانغماس في دوّامة الهلاك. يرى العلّامة أنَّ الدين قد حُرِّفَ بشدّة في العالم المعاصر الحديث، وجرى اختزاله إلى سلسلة أعراف وتقاليد محدودة، خاصّة في الحياة، فتمَّ تهميشه إلى درجة أنَّ الحضارة المعاصرة أضحت حضارة ماديّة مِن دون إلهٍ ولا روحٍ معنويّةٍ ولا أخلاقٍ[3].
كما حلّل العلّامة الغرب وقيّمه مِن زاوية أهدافه وغاياته، ومن بين تلك الأهداف ركَّز على حصْر الأهداف بالتمتّع بالمزايا الماديّة، وهو الهدف الذي لا يُبقي مكانًا للمعنويّات، وحتّى لو اهتمَّ بها في بعض الحالات، فذلك بشرط أنْ تأتي هذه المعنويّات تبعًا للمقاصد المادّية الدنيويّة، وتكون مُبرَّرةً بها لا أكثر: «فالفضائل والرذائل المعنويّة كالصدق والفتوّة والمروّة ونشر الرحمة والرأفة والإحسان وأمثال ذلك، لا اعتبار لها إلّا بمقدار ما درّت بها منافع المجتمع، ولم يتضرّروا بها لو لم تعتبر. وأمّا فيما ينافي منافع القوم، فلا موجِبَ للعمل بها، بل الموجب لخلافها»[4].

1– 3– الفكر الاجتماعي في علم الاستغراب
مِن الموضوعات المنهجيّة المهمّة والجديرة بالملاحظة في المنجز العلمي للعلّامة الطباطبائي، استخدامه منحى الفكر الاجتماعي أو على حدّ تعبيره «التفكّر الاجتماعي» في علم الاستغراب. فما هو المراد بالفكر الاجتماعي في علم الاستغراب؟ قبل الخوض في هذه الموضوعة، مِن اللازم الإشارة إلى نقطة عامّة، وهي أنّ المرحوم العلّامة يوضِّح منحيين فكريين، أحدهما فرديّ والثاني اجتماعيّ، على النحو الآتي: في الفكر الفردي يرى كلُّ شخص نفسه مستقلًا عن سائر الأفراد والموجودات والكائنات، ولا يفكّر إلّا بتحصيل المنفعة لنفسه ودفع الضرر عن نفسه. والإنسان هنا يعمِّم هذه النظرة على الآخرين أيضًا، فيرى الآخرين كنفسه لا ينظرون للأمور إلّا مِن زاوية مصالحهم الفرديّة ودفع الأضرار عن أنفسهم، والحال أنَّ الحقيقة بخلاف ذلك. أمّا في الفكر الاجتماعي، فيرى الإنسان نفسه في صلة مع المجتمع، ويعتبر مصالحه ومنافعه جزءًا مِن مصالح المجتمع، ويعتقد أنَّ خيرَ المجتمع وشرّه هو خيرُ نفسه وشرّها. والآن، يسعى الفكر الاجتماعي بمقياس فهم مجتمع ما إلى معرفة ذلك المجتمع في تعامله وسلوكه مع خارج ذلك المجتمع، أي مع سائر المجتمعات، وليس في كيفيّة اهتمام المجتمع بأجزائه وأفراده. في الفكر الاجتماعي، يُعدُّ المجتمعُ بمثابة شخصيّة واحدة، يرتبط صلاحها وفسادها وحُسْنها وسوؤها وسائر خصوصيّاتها بأفرادها وأجزائها، وينبغي أنْ يَعتبِرَ الأفرادُ تلكَ الخصوصيّات خصوصيّاتهم هم أيضًا. يستدلّ العلّامة في هذا الخصوص بشاهد قرآني، حيث يؤاخذ القرآنُ الأقوامَ والأمم اللاحقة بذنوب أسلافهم والماضين منهم، والوجه في ذلك أنَّ أممًا وأقوامًا مثل اليهود وبعض الأمم السالفة الأخرى، حضّتهم العصبياتُ الدينيّة والقوميّة على نمط معيّن مِن الفكر الاجتماعي، فجاءت أفكارهم وأعمالهم كأسلافهم تعصّبًا لأسلافهم. لذا، يرى القرآن في ضوء هذا المنحى الاجتماعي أنَّ المعاصرين يؤاخَذون بسبب ذنوب الماضين: «فهذا حالُ أجزاء الإنسان وهي تسير سيرًا واحدًا اجتماعيًّا، وفي حكمه حالُ أفرادِ مجتمعٍ إنسانيّ إذا تفكّروا تفكّرًا اجتماعيًّا، فصلاحهم وتقواهم أو فسادهم وإجرامهم وإحسانهم وإساءتهم، إنَّما هي ما لمجتمعهم مِن هذه الأوصاف إذا أُخِذَ ذا شخصيّةٍ واحدةٍ، وهكذا صنعَ القرآنُ في قضائه على الأمم والأقوام التي ألجأتهم التعصّبات المذهبيّة أو القوميّة [إلى] أنْ يتفكّروا تفكّرًا اجتماعيًّا كاليهود والأعراب وعدّة مِن الأمم السالفة، فتراه يُؤاخِذ اللاحقين بذنوب السابقين، ويعاتب الحاضرين ويوبّخهم بأعمال الغائبين والماضين، كلُّ ذلك لأنَّه القضاء الحقّ فيمن يتفكّر فكرًا اجتماعيًّا، وفي القرآن الكريم مِن هذا الباب آيات كثيرة لا حاجة إلى نقلها»[5]. بناءً على هذا التحليل، يعمد العلّامة إلى نقد المنبهرين بما يرونه أو يسمعونه مِن سلامٍ وسكينةٍ وجمالٍ لدى الأمم الغربيّة المتحضّرة ودراسة آرائهم. وحسب الفرز الذي يجترحه بين الفكر الفردي والفكر الاجتماعي، ينبِّه إلى خطر الابتعاد عن الفكر الاجتماعي، والاقتصار على مشاهدة نوع الحياة الداخليّة للغربيين ومعاملاتهم الفرديّة فيما بينهم، والغفلة عن شخصيّتهم الاجتماعيّة الواحدة وأسلوب تعاملهم مع المجتمعات الضعيفة في العالم: «ويتبيّن ممّا ذكرنا أنَّ القضاء بالصلاح والطلاح على أفراد المجتمعات المتمدّنة الراقية، على خلاف أفراد الأمم الأخرى، لا ينبغي أنْ يُبنى على ما يظهر مِن معاشرتهم ومخالطتهم فيما بينهم وعيشتهم الداخليّة، بل بالبناء على شخصيّتهم الاجتماعيّة البارزة في مماسّتها ومصاكتها سائر الأمم الضعيفة، ومخالطتها الحيويّة سائر الشخصيّات الاجتماعيّة في العالم»[6]. وعليه، فالمراد مِن الفكر الاجتماعي في علم الاستغراب، النظر للغرب كشخصيّة واحدة وعدم الاكتفاء في معرفته بنوع التعاملات الداخليّة فيه وبين أجزائه. وهكذا، لا ينكر العلّامة وجود أفراد صالحين جديرين داخل الحضارة الغربيّة، لكنّه يقيّمهم كأجزاء أجنبيّة غير متلائمة مع الهيكل العام لتلك الحضارة، ويشدِّد على أنَّ الحكم عن صلاح مجتمع ما أو فساده، وسعادته أو شقائه، يجب أنْ يختصَّ بشخصيّته الاجتماعيّة الواحدة، لا سيّما في تعامله مع سائر الأمم والشعوب والمجتمعات: «نعم، مقتضى الأخْذ بالنصفة أنْ لا يُضطهد حقُّ الصالحين مِن الأفراد بذلك إنْ وجدوا في مجتمع واحد، فإنّهم وإنْ عاشوا بينهم واختلطوا بهم، إلّا أنَّ قلوبهم غير متقذِّرة بالفكر الفاسد والمرض المتبطّن الفاشي في مثل هذا المجتمع، وأشخاصهم كالأجزاء الزائدة في هيكله وبنيته، وهكذا فعل القرآن في آيات العتاب العام، فاستثنى الصلحاء والأبرار»[7].

نحاول في هذه الدراسة رسم ملامح الغرب مِن وجهة نظر الفكر الاجتماعي في فكر العلّامة الطباطبائي.

2 – علاقتنا بالغرب
2– 1– الاستبداد وأسْرنا التاريخي
في ضوء أسْرنا التاريخي في الماضي وكيف أنّ الحكومات والدول المستبدة في الأحقاب الخالية هيمنت على الإرادات الفرديّة وكرّست في المجتمع الواجبَ القديمَ المتمثّل في عبارات: «سمعًا وطاعة» و«لبيك» و«سعديك»، ليطرح في تحليله لهذا الواقع نظريّته القائلة بأنّ أقوى الوسائل في الحياة هي قوّة إرادة الأفراد، وأنّ إرادة الأفراد مستسلمة بلا قيد أو شرط لعقلهم المفكِّر، فالسيطرة على عقلهم المفكِّر تتيح السيطرة على إرادتهم. لذا، فالحكومات المستبدّة تسعى دومًا للسيطرة على الرأي العام والأذهان والعقول. يجب أنْ تبقى أفكار الناس، وبالنتيجة إراداتهم، مقتصرةً على حيواتهم الفرديّة. إنَّهم لا يعارضون كثيرًا التديّن الذي يقتصر على المستوى الفردي، وليسوا عديمي الرغبة في مثل هذا الضرب مِن التديّن، لكنَّ تدخّل الدين في المستوى العام والصعيد الحكومي، هو خطهم الأحمر الممنوع. لذا، فقد أمسك الناسُ بأيديهم قواهم العاقلة وعقلهم المفكِّر على صعيد المجتمع ونظام الحكم[8].

2– 2– الأسْر المزدوج في اتّباع الغرب
تضاعفَ أسْرُنا هذا في التاريخ الماضي وصارَ مزدوجًا بعد مواجهته ظاهرة جديدة في التاريخ المعاصر، ألا وهي «التطفّل على الغرب». يرى الطباطبائي أنّ جزءًا مِن وجودنا وهويّتنا صارت تابعة للغرب، أو لنقل إنَّها غدت ذيليّة للغرب. ومن بين مئات بل آلاف الشواهد على هذا الادّعاء، والتي تناولها في أعماله وكتاباته، يشير إلى بعض أحداث عصره، فيقرِّر أنّنا نتّبع الغرب ونقلّده حتّى في تكريم مفكّرينا الذين عاشوا قبل مئات السنين نظير ابن سينا، والخواجة نصير الدين الطوسي، والملّا صدرا (صدر الدين الشيرازي)؛ بمعنى: لأنّ الغربيين كرّموا مفكّرينا وذكروهم واهتمّوا بهم، لذا نقيم المراسم لتكريم ذكراهم. وهذا مؤشّر على تطفّلنا في هويّتنا وشخصيّتنا الفكريّة. في هذه الغمرة، حاول عدد قليل مِن الأفراد الذين حاولوا إلى حدّ ما الحفاظ على استقلالهم الفكري، التوفيقَ بين أفكار الغرب والأفكار الشرقيّة الموروثة، لكنّهم ابتلوا بالجمْع بين الضدّين، فمفاهيم مِن قبيل «الديمقراطيّة الإسلاميّة» و«الشيوعيّة الإسلاميّة» التي يحاولون فيها مطابقة المنهج الإسلامي على المنهج الديمقراطي أو استخراج المنهج الشيوعي مِن الدين الإسلامي، نماذج لهذه الذيليّة أو التبعيّة للغرب[9].

2– 3– نماذج مِن نزعة التغريب
2– 3– 1– أسئلة عن الدين تبعًا لأسئلة الغرب
إنَّ نزعة التغريب لدى بعض المفكّرين بلغت درجةً لا نجد معها لديهم استقلالًا فكريًّا حتّى في نوع الأسئلة التي يطرحونها عن الدين، إنّما تراهم يتّبعون الأسئلة ذاتها التي يطرحها الغربيّون حول الدين. يقول الطباطبائي إنَّ نمط أسئلتنا وبحوثنا وتحقيقاتنا حول الدين والإسلام، يندرج في ذيل أسئلة الغربيين واستفهاماتهم عن الدين. على سبيل المثال، بعد الحرب العالميّة الثانية، نشر المفكّرون الغربيّون دراساتهم للأديان والمذاهب المختلفة ونتائجها باستمرار، فعمدنا نحن أيضًا بدافع مِن حسّ التقليد والتبعيّة لطرح الأسئلة ذاتها حول الدين الإسلامي المقدّس، التي يطرحها الغربيّون في دراساتهم: هل الأديان والمذاهب كلّها حقّ؟ هل الأديان السماويّة شيء سوى سلسلة مِن الإصلاحات الاجتماعيّة؟ هل للدين مِن هدف سوى طهارة النفس وإصلاح الأخلاق؟ هل التقاليد والمراسم الدينيّة تبقى حيّة إلى الأبد؟ هل للدين مقاصد أخرى غير المراسم والشعائر العمليّة؟ هل يلبّي الإسلام احتياجات الإنسان في كلّ عصر؟[10].

2– 3– 2– الفكر، والغايات، وأسلوب الحياة تبعًا للغرب
يعتقد العلّامة أنَّ مِن أبرز أبعاد نزعة التغريب في العالم الإسلامي ولدى المستنيرين والمثقفين، ما يلاحظ في أسلوب الحياة والأهداف والغايات الفكريّة. الغربيّون، وباستخدامهم لكلّ وسائل الاستعباد والاستعمار وأدوات الإعلام والتواصل والأسلحة المدمّرة والحريّة والإباحيّة المطلقة وإطلاق العنان للشهوات، كرّسوا وأشاعوا مبدأ أنّ «أفكارنا العلميّة [الإسلاميّة والشرقيّة] ومناهج حياتنا ليست لها أيّة قيمة في أسواق العالم، فالفكر فكر الأوروبيين، والمنهج منهجهم، والحياة العمليّة حياتهم، ومِن أجل التقدّم في مسار الإنسانيّة ما مِن واجب علينا سوى أنْ نتّبع الأوربيين في أفكارهم وممارساتهم مِن دون نقاش أو تردد». وكانت ثمرة هذا الإعلام والتلقين والإيحاء اضمحلالًا تامًّا للاستقلال الفكري عند أكثريّتنا الساحقة، التي سارت في طريق الانحطاط لمئات السنين. الإنسان الغربي، والعالم الغربي، وأسلوب الحياة الغربي، ومنهج عبادة المادّة، أضحت كلّها كعبة آمالنا. فمقرّراتنا وضوابطنا يجب أنْ تكون دنيويّة؛ أي غربيّة، وحتّى تاريخ الأحداث الدينيّة وتفسير حقائق الإسلام وقيمتها، يجب الاستفسار عنها مِن الغربيين[11].

2– 3– 3– أسْرٌ اسمه «الحريّة» قادمٌ مِن الغرب
«الحريّة» بمعناها الحديث المعاصر مِن مفاخر العالم الغربي ومِن هداياه للعالم الإسلامي، ولكنْ ما الذي فعلته هذه الظاهرة بنا؟ هذا هو السؤال الذي ينبري العلّامة الطباطبائي للإجابة عنه. الحريّة الغربيّة مِن وجهة نظره، وعلى الرغم مِن الهالة الإعلاميّة التي أحاطت بها، جاءتنا نحن الشرقيين بعد أنْ استولت على العالم الغربي. في البداية جاءتنا كـ «ضيف عزيز»، لكنّها تكرّست بعد ذلك في قارّتنا، وأضحت «صاحب البيت المتحكِّم المقتدر». ظاهرة الحريّة الغربيّة، مع أنّها قضت على القمع الفكري ورفعت شعار الحريّة، فكانت هذه أفضل وسيلة وأنسب فرصة لنا لاستدراك النعمة التي فاتتنا وخسرناها، لكنْ «للأسف هذه الحريّة الأوروبيّة نفسها التي حرّرتنا مِن أيدي الظالمين، تربّعت مكانهم وأمست عقلنا المفكّر! فلم نفهم ما الذي حصل، وعندما صحونا على أنفسنا وجدنا أنّه قد ولّى زمن «نحن تفضّلنا بالقول»، ولم يعد مِن الضروري الإصغاءُ لكلام الأرباب والرؤساء وإطاعة أوامر الأقوياء والأكابر، إنّما ينبغي فقط أنْ نفعل ما يفعله الغربيّون، والسير في الطريق الذي ساروا هم فيه!»[12].

3 – تحليل «الانبهار بالغرب»
يوضّح العلّامة الطباطبائي انبهارَ طائفة مِن الشرقيين وإعجابهم الغامر بالتقدّم المادّي للغرب، وتركيزهم على بعض آثاره الإيجابيّة في التعامل الاجتماعي بين الغربيين أنفسهم، ويعمد إلى تسليط الضوء على مغالطة هؤلاء، فيرى أنَّ القضيّة قد تشابهت عليهم، والسبب في هذا الخلط والاشتباه هو افتقارهم للفكر الاجتماعي. إنّه يعتقد أنّ النقص والثغرة في أفكار كثير مِن المفكّرين الشرقيين، تعود إلى ابتعادهم عن الفكر الاجتماعي: «وأمّا استعجابهم بما يرون مِن الصدق والصفاء والأمانة والبِشْر وغير ذلك فيما بين أفراد الملل المترقّية، فقد اختلط عليهم حقيقة الأمر فيه، وذلك أنّ جلَّ المتفكّرين مِن باحثينا معاشر الشرقيين لا يقدرون على التفكّر الاجتماعي، وإنّما يتفكّرون تفكّرًا فرديًّا»[13]. وفق هذا المنحى يحلّل الطباطبائي ظاهرة التغريب والانبهار بالغرب وينقدها[14].

4– علم الاستغراب القائم على الفكر الاجتماعي
4– 1– الوجه الخارجي للغرب
طبقًا لرأي العلّامة الطباطبائي، الفكر الاجتماعي منحى أساسي في علم الاستغراب (معرفة الغرب)، إذ يجب التعرّف على الغرب وتقييمه على أساس الفكر الاجتماعي. وتعدّ هذه الرؤية بحقّ تطوّرًا ونقلة نوعيّة في علم الاستغراب، فكثير مِن الذين تعرّفوا على الغرب عن كثب، لم ينظروا للغرب إلّا مِن زاوية أجزائه الداخليّة، وأطلقوا له تعريفًا محرَّفًا لا يمكنه بحال مِن الأحوال التعبير عن الماهيّة العامّة للغرب؛ وذلك بسبب أنّهم لم ينظروا له مِن زاوية أدائه مع شعوب العالم، أو أنّهم لم يبرِّزوا هذا الأداء في علم استغرابهم. والآن، يقول العلّامة مِن منطلق الفكر الاجتماعي في علم الاستغراب: «ولعمري لو طالعَ المطالع المتأمل تاريخ حياتهم الاجتماعيّة مِن لدن النهضة الحديثة الأوروبيّة، وتعمّق فيما عاملوا به غيرهم مِن الأمم والأجيال المسكينة الضعيفة، لم يلبث دون أنْ يرى أنَّ هذه المجتمعات التي يظهرون أنّهم امتلؤوا رأفةً ونصحًا للبشر يفدون بالدماء والأموال في سبيل الخدمة لهذا النوع وإعطاء الحريّة والأخذ بيد المظلوم المهضوم حقًّا وإلغاء سنّة الاسترقاق والأسْر، يرى أنّهم لا همَّ لهم إلّا استعباد الأمم الضعيفة مساكين الأرض ما وجدوا إليه سبيلًا بما وجدوا إليه مِن سبيل فيومًا بالقهر، ويومًا بالاستعمار، ويومًا بالاستملاك، ويومًا بالقيمومة، ويومًا باسم حفظ المنافع المشتركة، ويومًا باسم الإعانة على حفظ الاستقلال، ويومًا باسم حفظ الصلح ودفع ما يهدّده، ويومًا باسم الدفاع عن حقوق الطبقات المستأصلة المحرومة ويومًا... ويومًا... والمجتمعات التي هذا شأنها، لا ترتضي الفطرةُ الإنسانيّةُ السليمةُ أنْ تصفها بالصلاح أو تذعن لها بالسعادة، وإنْ أغمضت النظر عمّا يشخّصه قضاء الدين وحكم الوحي والنبوّة مِن معنى السعادة»[15].

4– 1– 1– الديمقراطيّة.. إعادة إنتاج الاستبداد
مِن الأبعاد المهمّة في معرفة الحضارة الغربيّة المعاصرة، التدبّر في صورة هذه الحضارة وشكلها الظاهري، والذي يعبِّر عن نفسه في قالب الديمقراطيّة. هذا الوجه يتعلّق مِن ناحية بداخل الحضارة الغربيّة، والذي سنبيّنه في البحث اللاحق، ويتعلّق مِن ناحية ثانية بنوع تعامل الغرب مع العالم الخارجي وغيره مِن البلدان. الديمقراطيّة الغربيّة هديّة العالم الغربي للمجتمعات والشعوب الأخرى، ولكنْ ما الذي فعلته هذه الديمقراطيّة بشعوب العالم وما الذي قدّمته لهم؟ يقول العلّامة الطباطبائي في توصيفه هذا الوجه مِن أوجه الغرب: أخرجت الديمقراطيّة الغربيّة «المنهجَ الظالم للاستبداد والتحلّل في عهد الأساطير» مِن «الحالة الفرديّة»، وأعادت إنتاجه على «شكل اجتماعي»؛ أي إنَّ ديمقراطيّة الغرب اليوم، ما هي إلّا إعادة إنتاج لاستبداد الأمس. إذا كان أمثال الإسكندر المقدوني وجنگيز خان يظلمون الناس بالأمس مِن منطلق منطق القوّة، فالعالم الغربي المستكبر اليوم يمارس ذات الظلم ومنطق القوّة بشكل جمْعي عام، وفي إطار مؤسسات وقوانين ومنظمات دوليّة، حيث كرَّسَ ومأسس هيمنة العالم المتحضر ضدّ الشعوب الضعيفة. ويشير العلّامة في الوقت ذاته إلى فارق مهمّ آخر بين الاستبداد الحديث والاستبداد القديم. الاستبداد القديم كان واضحًا جليًّا، لذلك سرعان ما يثير لدى الشعوب والأمم الضعيفة الشعور بالانتقام، بينما يتغلغل الاستبداد الحديث في جسد الشعوب بوجه ديمقراطي وبأقنعة الإنسانيّة والعدالة، وبتوظيف مبادئ ومهارات التواصل والإعلام وهم في حالة مِن السكرة واللاوعي. مِن تبعات التيّار الديمقراطي في العالم، تقسيم العالم إلى عالم متقدّم وآخر متخلّف. والعالم الغربي هو ذلك العالم المتقدّم المتطوّر الرائد للحضارة الإنسانيّة ومالك رقاب باقي الشعوب في العالم، أمّا العالم المتخلّف، فهو العالم الساعي وراء الديمقراطيّة الذي يجب أنْ يتقبّل أعتى طقوس الاستبداد في هيئةِ ديمقراطيةٍّ، وعلى شكلِ قوانين دنيويّةٍ تحرريّةٍ[16]. هذه مِن أفضل العبارات التي يستخدمها العلّامة في قراءته الجديدة للغرب. عدم علنيّة الاستبداد وإعادة إنتاجه على هيئة ديمقراطيّة مزوَّقة ومجمَّلة بجاذبيّات تبهر الرأي العام، ظاهرةٌ مشؤومة لا يسمع صوتها إلّا بعد تكسُّر عِظام ثقافات الشعوب الأخرى وحضاراتها.

4– 2– الوجه الداخلي للغرب (الركائز الأساسيّة للمدنيّة الماديّة في الغرب)
4– 2– 1– المدنيّة الماديّة في الغرب
لا شكّ أنّنا يجب أنْ ننظر للعناصر الأصليّة للحضارة الغربيّة المعاصرة في ركائزها النظريّة وأهدافها وغاياتها. يركِّز العلّامة الطباطبائي على عنصر «المدنيّة الماديّة» للحضارة الغربيّة ويكرِّرها مرارًا، فهو يعتقد أنَّ أساس العالم الحديث، هو المادّة والحياة الماديّة والتطوّر المادّي والعلوم والصناعة والبهارج الماديّة[17]. ويسجّل هذا العنصر الأساسي استحقاقين مهمّين، أحدهما معرفي والثاني نزعاتي: الاستحقاق المعرفي هو اختزال العلم والمعرفة بالاتجاه الحسّيّ والتجربي والتقوقع فيه. أمّا الاستحقاق النزعاتي فهو حصْر الملذّات والميول والنزعات في الأمور الماديّة.

يستلهم الطباطبائي الخصوصيّات التي يذكرها القرآن الكريم لبني إسرائيل، ومنها خصوصيّتا النزعة الحسيّة والنزعة الماديّة، اللتان أدّتا إلى أنْ يراوحوا مِن حيث الإدراكات في حدود الإدراك الحسّي، وينشغلوا مِن حيث النزعات بالأمور الماديّة والملذّات الدنيويّة فقط. يقول في هذا الباب: وقعت الحضارة الغربيّة اليوم أيضًا في هاتين البليّتين، بمعنى أنَّ الحضارة الغربيّة تشكّلت على ركيزتين أساسيّتين، إحداهما النزعة الحسيّة في مضمار علم المعرفة، والثانية النزوع للملذّات الماديّة الهابطة في مضمار الأخلاق وعلى الصعيد العملي. والتبعات الخطيرة لهاتين الخصوصيّتين على الإنسانية، مِن ناحيةٍ، تعطيلُ أحكام الغريزة الإنسانيّة، وبالنتيجة غروب المعارف الإنسانيّة السامية والأخلاق البشريّة الفاضلة عن المجتمع. ومِن ناحية ثانية تدمير المجتمع وإفشاء أسوأ ضروب الفساد، وليس بعيدًا اليوم الذي تتحقّق فيه مثل هذه النتائج المفجعة: «وقد ابتليت الحقيقةُ والحقُّ اليومَ بمثل هذه البليّة بالمدنيّة الماديّة التي أتحفها إليها عالم الغرب، فهي مبنيّة القاعدة على الحسّ والمادّة، فلا يقبل دليل فيما بعد عن الحسّ، ولا يسأل عن دليل فيما تضمّن لذّة ماديّة حسيّة، فأوجب ذلك إبطال الغريزة الانسانيّة في أحكامها وارتحال المعارف العالية والأخلاق الفاضلة مِن بيننا، فصار يهدّد الإنسانيّة بالانهدام، وجامعة البشر بأشدّ الفساد، وليعلمنّ نبأه بعد حين»[18]. النقطة الجديرة بالتأمل في كلام العلامة، هي أنَّ صنم النزعة الماديّة أو على حدّ تعبيره «الوثنيّة الماديّة» في الحضارة الغربيّة المعاصرة، لا تختلف عن الوثنيّة وعبادة الأصنام في الماضي إلّا مِن حيث البساطة والتعقيد: «ولو تأمّلت حقّ التأمّل وجدتَ هذه الحضارة الحاضرة ليست إلّا مؤلفة مِن سنن الوثنيّة الأولى، غير أنّها تحولت مِن حال الفرديّة إلى حال الاجتماع، ومِن مرحلة السذاجة إلى مرحلة الدقّة الفنيّة»[19].
يجيب العلّامة الطباطبائي عن سؤال مهمّ فحواه: لماذا انتشرت الوثنيّة الماديّة بهذا الشكل الواسع في العالم الغربي؟ وفي تحليله لأسباب النزعة الماديّة في المدنيّة الغربيّة، ولماذا انغمس الغرب هكذا في دوّامة الماديّة على الرغم مِن وجود المسيحيّة والدين الإلهي إلى درجة أطلق معها نيتشه شعار «موْت الله». يرى الطباطبائي أنَّ أصول ذلك تعود إلى مفهوم «الحلول» الذي طرحه أرباب الكنيسة، فعندما أمسكت الكنيسة بزمام السلطة وأرست تعاليمها على أساس «الحلول»، حصرت في الواقع «الألوهيّة» في الوجود المادّي المحدود للسيّد المسيح، فاكتسبت الألوهيّة هويّة إنسانيّة ماديّة. حلول الألوهيّة في الإنسان المادّي استتبع إنكار ما وراء العالم المادّي، وبذلك لم يكن مفرّ مِن انهيار جميع القضايا العقيديّة والعمليّة للدين، ولم تجد حتّى المعنويّة تسويغًا لها سوى التسويغ المادّي. طبعًا مِن وجهة نظر العلّامة، كان معتنقو الديانة المسيحيّة يؤمنون مسبقًا بالوثنيّة والتثليث والحلول، وقد كرّسوا هذه العقيدة في المسيحيّة، وبتأييد التوراة للتجسيم تمّ زرع بذور الماديّة في صميم العالم المسيحي، فباتت تعبِّر منذ البداية عن مشهد الماديّة التاريخيّة. ثمّ إنَّ الكنيسة عمّمت حلول الألوهيّة مِن المسيح على نفسها وطبّقته على نفسها، فأصبحت هي المصدر المطلق. بالإضافة إلى ذلك، عمّمت بواسطة عقائد مثل «العشاء الربّاني» حلولَ دم المسيح ولحمه (واقع الألوهيّة) على جميع الناس والأفراد. وبعد ذلك أدّت تصرّفات الكنيسة وويلاتها مِن قبيل محاكم التفتيش، وتفشّي الاستبداد، وتقتيل ملايين البشر، وتقديس السلاطين المستبدّين، والتوسّط في توبة الأشخاص، أدّت إلى إسقاط الكنيسة عن سلطاتها وشياع نظرة سلبيّة لدى الغربيين عن الدين، فلم يكن لهم مِن ذكرى عن الكنيسة سوى «نظام مادّي غامض يدافع عن حفنة مِن الأقوياء في ضرر المحرومين»، و«سلسلة مِن العقائد غير المفهومة لا يمكن تبريرها بأيّ مسوِّغ»، و«جملة مِن الأفكار التقليديّة لا يحقّ لأيّ إنسان مناقشتها وبحثها وتمحيصها»، و«ثقافة طبيعيّة حلّت في مقطع مِن تاريخ الإنسانيّة، وبعد أنْ انتهى زمانها تركت مكانها لثقافة طبيعيّة أكمل وأفضل». وكانت النتيجة أنْ ابتعد الغربيّون عن النزعة المعنويّة، وغرقوا في دوّامة النزعة الماديّة. طبعًا إلى جانب ذلك، كان لعكوف العلماء الغربيين على العلوم الماديّة، وتطوّر الصناعة وفتوح البلدان بدعايات لادينيّة، تأثيراتها المهمّة أيضًا في هذه العمليّة. وهكذا، فالمسؤول الأوّل عن كلّ هذا الانحطاط الأخلاقي ونبذ المعنويّات الإنسانيّة وتكريس النزعة الماديّة في المجتمع مِن وجهة نظر العلّامة، هو الكنيسة وتعاليمها[20].

4– 2– 2– النزعة الخرافيّة في الغرب
انتقصت المدنيّةُ الماديّة الغربيّة مِن القدرات البشريّة الهائلة واختزلتها في بعدين فقط، هما المعرفة الحسيّة واللذّة الماديّة، محاوِلةً إنقاذَ نفسها مِن السقوط في هاوية الطرق التاريخيّة المسدودة، لكنّها سقطت مِن الجانب الآخر في هاويات أعمق وأسحق وأكثر ظلمة. فعلى الرغم مِن شعار العقلانيّة والعينيّة العلميّة والتوصّل إلى قدرات تكنولوجيّة محيِّرة، عانى الغربُ مِن خرافات متصلّبة تدلّ على وجود تابوات مقدّسة جديدة. الحضارة التي سعت إلى نشر المنحى العلمي والعقلانيّة الحديثة في جميع الميادين الإنسانيّة وتكريس نفوذ العقل الأرضي والعلماني وتفوّقه على مجال «الأمور المقدّسة»، انقلبت إلى ضدّها، فخلقت تابوات مقدّسة لا تقبل التغيير. الخرافات الحديثة ظاهرة شائعة ملأتْ في ميادين عديدة مكانَ الخرافات السابقة. على الرغم مِن تبجّحات الغربيين فيما يتعلّق بمكافحة الخرافات والتركيز على العقلانيّة، يشير العلّامة الطباطبائي إلى بعض خرافات العالم الحديث وكيف أنَّ الغرب المعاصر يعاني مِن داء الخرافات أكثر مِن الشرق كما يتصوّرونه: «ولم يزل الانسان منذ أقدم أعصار حياته مبتلىً بآراء خرافيّة حتّى اليوم، وليس كما يظن مِن أنّها مِن خصائص الشرقيين، فهي موجودة بين الغربيين مثلهم لو لم يكونوا أحرص عليها منهم»[21]. وبالمقدور الإشارة إلى نزعة الخرافات لدى العالم الغربي الحديث في إطار النقاط الآتية:

4– 2– 2– 1– خرافة النزعة العلميّة التجريبيّة
تشترك شتّى ضروب النزعات التجريبيّة في الغرب، مِن الوضعيّة العينيّة إلى التفهُّميّة إلى التفسيريّة وحتّى الاتجاهات النقديّة، في نقطة مشتركة هي إصرارها جميعًا على العلم والعقل التجربيين ورفض المعارف غير الحسيّة. العلوم والمعارف البشريّة التي ينبغي أنْ تهبَّ لمساعدة نبذ الخرافات، عندما تتجاوز حدودها وتصدر الأحكام عمّا هو خارج نطاق قدراتها، تكون قد نشرت شكلًا حديثًا مِن الخرافات. يعتبر العلّامة الطباطبائي مثل هذا المنحى مِن أوضح مصاديق النزعة الخرافيّة، فالعلوم الطبيعيّة والمنحى الحسيّ لا يمكنهما سوى دراسة الآثار والخصوصيّات الطبيعيّة للموضوعات، أمّا ما بعد ذلك، فلا يتاح لهما إطلاقًا إصدار أحكام إثباتيّة أو نافية بشأنها. وعليه، فنفي الحقائق التي لا يمكن إثباتها بالحسّ والتجربة مِن أوضح الخرافات التي يعاني منها العالم الغربي: «وأعجبُ مِن الجميع ما يراه في ذلك أهلُ الحضارة وعلماء الطبيعة اليوم! فقد ذكروا أنَّ العلم اليوم يبني أساسه على الحسّ والتجربة ويدفع ما دون ذلك، والمدنيّة والحضارة تبني أساسه على استكمال الاجتماع في كلّ كمال ميسور ما استيسر، وبنوا التربية على ذلك. مع أنّ ذلك - وهو عجيب - نفسه مِن اتّباع الخرافة، فإنَّ علوم الطبيعة إنّما تبحث عن خواص الطبيعة وتثبتها لموضوعاتها، وبعبارة أخرى هذه العلوم الماديّة إنّما تكشف دائمًا عن خبايا خواص المادّة، وأمّا ما وراء ذلك، فلا سبيل لها إلى نفيه وإبطاله، فالاعتقاد بانتفاء ما لا يناله الحسّ والتجربة مِن غير دليل مِن أظهر الخرافات»[22].

4– 2– 2– 2– أحكام العلوم الطبيعيّة والاجتماعيّة الغربيّة حول الحقائق الماورائيّة
تعاني خرافة النزعة العلميّة مِن الجمود والتحجّر إلى درجة أنّها في بعض الأحيان تفوق الجهلَ في نفيها وتحريفها لحقائق يُعدُّ إثباتها ونفيها خارج نطاق العلوم التجريبيّة، فالتصلّب الخاطئ للنزعة العلميّة، يسدُّ أحيانًا طريق التحقيق والمعرفة أسوأ ممّا يسدُّهُ الجهل. العلوم والمعارف الحديثة مِن وجوه الحضارة الغربيّة، وإعادة معرفة مكانة العلوم الطبيعيّة والاجتماعيّة وعلاقتها بالحقائق الماورائيّة، التي هي مِن أبرز أوجه التراث الإنساني القديم بنحو عام، وتراث الأنبياء الإلهيين بنحو خاصّ، موضوعٌ تطرّقَ له المرحوم العلّامة الطباطبائي، فهل بوسع العلوم الطبيعيّة، وكذلك العلوم الاجتماعيّة الدارجة والمعروفة في العالم، أنْ تصدر أحكامًا حول الحقائق الماورائيّة (الميتافيزيقيّة)؟ يقول العلّامة إنَّ مثل هذا المنحى مشهود اليوم في العالم الغربي بأنّ كلّ ظاهرة مِن الظواهر الطبيعيّة، وكذلك كلّ آصرة تقيمها هذه الظواهر مع الأمور المعنويّة وغير الماديّة، يجب أنْ تفسَّر تفسيرًا ماديًّا، وهذا المبدأ سائد لا فقط في العلوم الطبيعيّة، بل في العلوم الاجتماعيّة أيضًا. يقول العلّامة ناقدًا هذا المنحى: ينبغي معرفة مكانة وشأن العلوم الطبيعيّة والاجتماعيّة الموجودة. شأنُ العلوم الطبيعيّة ووظيفتها هي دراسة خواص المادّة وتركيباتها وارتباط آثارها بالموضوعات الطبيعيّة. كما أنَّ شأن العلوم الاجتماعيّة هو البحث في العلاقات الاجتماعيّة الموجودة بين الظواهر الاجتماعيّة لا أكثر. أمّا دراسة الحقائق الواقعة خارج النطاق المادّي وإيضاح ارتباطها المعنوي مع العالم المحسوس وظواهره، فهو عمليّة خارجة عن نطاق قدرات العلوم الطبيعيّة والاجتماعيّة، وليس بوسع هذه العلوم إثباتها أو نفيها، فالعلوم الطبيعيّة لا تستطيع سوى دراسة العناصر الماديّة والطبيعيّة للظاهرة وتمحيص عواملها وظروفها وشروطها الماديّة. كما أنّ العلوم الاجتماعيّة (الشائعة) تستطيع دراسة العوامل الاجتماعيّة المؤثّرة في بروز ظاهرة اجتماعيّة معيّنة. ففي موضوع الكعبة مثلًا، ليس باستطاعة العلوم الاجتماعيّة سوى أنْ تدرس الظواهر الاجتماعيّة التي أدّت إلى بناء الكعبة على يد النبيّ إبراهيم (ع) مِن قبيل تاريخ حياة ذلك النبيّ (ع) وحياة زوجته هاجر وابنه إسماعيل، وتاريخ أرض تهامة واستقرار قبيلة «جُرْهُم» وسكنهم، أمّا الكلام عن أنَّ الحجر الأسود نزل مِن الجنّة، فلا يندرج إثباتًا ولا نفيًا ضمن رسالة العلوم الاجتماعيّة. المثال الآخر هو تحليل الأعمال والأفعال الإنسانيّة، مع أنّ أعمال الإنسان لها حركات وأوضاع طبيعيّة وتركيب اعتباري وغير حقيقي، فالقرآن الكريم يعتبر الأعمالَ صاعدةً نحو الله: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)[23]، و(وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ)[24]. التقوى هي فعل الإنسان أو الصفة الحاصلة عن فعله. بالتدبّر في مثل هذه الآيات يتّضح أنّ المعارفَ الدينيّة لا صلة لها بالعلوم الطبيعيّة والاجتماعيّة ذات الطابع الحسّيّ، ويدَ هذه العلوم قصيرة عن الوصول إلى تلك المعارف. وإذًا، فنفي هذه المعارف والحقائق الإلهيّة مِن قبل هذه العلوم، ما هو إلّا خرافة عصريّة: «وأمّا الحقائق الخارجة عن حومة المادّة وميدان عملها، المحيطة بالطبيعة وخواصها وارتباطاتها المعنويّة غير الماديّة مع الحوادث الكونيّة وما اشتمل عليه عالمنا المحسوس، فهي أمور خارجة عن بحث العلوم الطبيعيّة والاجتماعيّة، ولا يسعها أنْ تتكلّم فيها أو تتعرّض لإثباتها، أو تقضي بنفيها العلوم الطبيعيّة، إنّما يمكنها أنْ تقضي أنّ البيت يحتاج في الطبيعة إلى أجزاء مِن الطين والحجر، وإلى بانٍ يبنيه ويعطيه بحركاته وأعماله هيئة البيت، أو كيف تتكوّن الحجرة مِن الأحجار السود. وكذا الأبحاث الاجتماعيّة، تعيّن الحوادث الاجتماعيّة التي أنتجت بناء إبراهيم للبيت، وهي جمل مِن تاريخ حياته، وحياة هاجر، وإسماعيل، وتاريخ تهامة، ونزول جُرْهُم، إلى غير ذلك. وأمّا أنّه ما نسبة هذا الحجر مثلًا إلى الجنّة أو النار الموعودتين، فليس مِن وظيفة هذه العلوم أنْ تبحث عنه، أو تنفي ما قيل، أو يقال فيه، وقد عرفتَ: أنّ القرآن الشريف هو الناطق بكون هذه الموجودات الطبيعيّة الماديّة نازلة إلى مقرّها ومستقرّها مِن عند الله سبحانه ثمّ راجعة إليه متوجِّهة نحوه (أيّما إلى جنة أيّما إلى نار)، وهو الناطق بكون الأعمال صاعدة إلى الله، مرفوعة نحوه، نائلة إيّاه، مع أنّها حركات وأوضاع طبيعيّة، تألّفت تألفًا اعتباريًّا اجتماعيًّا مِن غير حقيقة تكوينيّة، قال تعالى:(وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ)[25]، والتقوى فعل، أو صفة حاصلة مِن فعل، وقال تعالى:(إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)[26]، فمن الواجب على الباحث الديني أنْ يتدبّر في هذه الآيات، فيعقل أنَّ المعارف الدينيّة لا مساس لها مع الطبيعيّات والاجتماعيّات مِن جهة النظر الطبيعي والاجتماعي على الاستقامة، وإنّما اتكاؤها وركونها إلى حقائق ومعان وراء ذلك»[27].

4– 2– 2– 3– خرافة المراحل الأربع للحضارة البشريّة
إحدى خرافات الجهاز الفكري المادّي البشري مِن وجهة نظر العلّامة، هي خرافة المراحل الأربع في الحضارة الإنسانيّة. يقدِّم الغرب في جهازه المادّي تصنيفًا خاصًّا للمراحل الحضاريّة البشريّة، لكنَّ هشاشة هذا النظام النظري ينال أيضًا مِن مثل هذا التصنيف. يرسم الاتجاه المادّي للغرب أربعَ مراحل للنوع الإنساني والحضارة البشريّة هي: عهد الأساطير، وعهد الدين، وعهد الفلسفة، وعهد العلم، فيعتبر الدين مِن خرافات العهد الثاني، ويتحدث عن العصر الراهن بوصفه عصر العلم ونبذ الخرافات. يشير العلّامة إلى هذه الخرافة ليقرّر في معرض الردّ عليها ودحضها، أنَّ تاريخ الأديان والفلسفة لا يؤيّد هذا الادّعاء، فهو يعبِّر عن حقيقة أنَّ ظهور دين إبراهيم كان بعد عصر الفلسفة في الهند ومصر وكلدان، ودين عيسى(عليه السلام) جاءَ بعد الفلسفة اليونانيّة، ودين رسول الإسلام كان بعدَ فلسفة اليونان والإسكندريّة. والواقع، إذا قلنا إنّ ذروة الفلسفة كانت قبل وصول الدين إلى مرحلة بلوغه، لكان ذلك أوجه وأنضج. ومِن بين الأديان يتقدّم الدين التوحيدي على جميع الأديان، وللقرآن الكريم منحى آخر بخلاف التصنيف الغربي. يستلهم العلّامة الآية المباركة: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ)[28] ليعلن اعتقاده أنّ القرآن يُقسِّم تاريخ الحياة البشريّة إلى طورين: الطور الأوّل هو العصر البدائي وعهد وحدة الأمم، والطور الثاني هو عصر الحسّ والماديّة: «والذي يقوله أصحاب الحس: أنَّ اتّباع الدين تقليدٌ يمنعُ عنه العلم، وأنّه مِن خرافات العهد الثاني مِن العهود الأربعة المارّة على نوع الإنسان (وهي عهد الأساطير، وعهد المذهب [الدين]، وعهد الفلسفة، وعهد العلم، وهو الذي عليه البشر اليوم مِن اتّباع العلم ورفض الخرافات) فهو قولٌ بغير علم ورأي خرافي. وأمّا تقسيمهم سَيْرَ الحياة الإنسانيّة إلى أربعة عهود، فما بأيدينا مِن تاريخ الدين والفلسفة يكذِّبه، فإنّ طلوع دين إبراهيم، إنّما كان بعد عهد الفلسفة بالهند ومصر وكلدان، ودين عيسى بعد فلسفة يونان، وكذا دين محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) - وهو الإسلام - كان بعد فلسفة يونان وإسكندريّة. وبالجملة، غاية أوج الفلسفة كانت قبل بلوغ الدين أوجه، وقد مرّ فيما مرّ أنَّ دين التوحيد يتقدّم في عهده على جميع الأديان الأخرى[29]. والذي يرتضيه القرآن مِن تقسيم تاريخ الإنسان، هو تقسيمه إلى عهد السذاجة ووحدة الأمم وعهد الحسّ والمادّة، وسيجيء بيانه في الكلام على قوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ)[30].

4– 2– 2– 4– خرافة نبذ الدين واعتباره ظاهرةً اجتماعيّةً
مِن جملة الآراء الخرافيّة غير العلميّة في المنحى الحسّيّ عند الغربيين، خرافة رفض الدين وإقصائه. مرّ بنا أنَّ الغربيين يعتبرون الدين مِن خرافات العصر الثاني أو المرحلة الثانية في تقسيمهم الرباعي، ويرون العهدَ المعاصر للغرب عصرَ العلم ودحض الخرافات. ويؤكّد العلّامة أنّ هذا كلامٌ غير علمي، ويمثّل رؤية خرافيّة؛ لأنَّ الدين مجموعة مِن المعارف تتعلّق بالتوحيد (المبدأ/ المصدر)، والمعاد، والقوانين الخاصّة بالحياة الاجتماعيّة مِن عبادات ومعاملات مستخلصة كلّها مِن الوحي، وصدْق النبوّة يستحصل عن طريق البرهان.
إذًا، ستكون مجموعة الأخبار الفرديّة التي ثبُتَ صدقها بالبرهان صادقةً، وسيكون الإيمان بها واتّباعها إيمانًا بالعلم واتباعًا له: «أمّا أنّ اتباع الدين تقليد فيبطله: أنّ الدين مجموعٌ مركّبٌ مِن معارف المبدأ والمعاد، ومِن قوانين اجتماعيّة مِن العبادات والمعاملات، مأخوذة مِن طريق الوحي والنبوّة الثابت صدقه بالبرهان والمجموعة مِن الأخبار التي أخبر بها الصادقُ صادقةٌ، واتّباعها اتّباع للعلم؛ لأنّ المفروض العلمُ بصدْقِ مُخبرها بالبرهان»[31].

القولُ بخرافيّة الدين ورفض واقعيّته في العالم الغربي، اختزلَ الدينَ في نظر العلماء الغربيين إلى مجرّد ظاهرة اجتماعيّة، فيجري تحليل منبته وماهيته مثل سائر الظواهر الاجتماعيّة في ضوء الظروف الاجتماعيّة والتاريخيّة. في هذا المنحى يُنظر للدين بوصفه ظاهرة اجتماعيّة، له ظهوره الطبيعي مثل المجتمع ذاته، فهو معلول ومشروط لجملة مِن العوامل الطبيعيّة. تحليلات مِن هذا القبيل ترى الدينَ ثمرة نبوغ أفرادٍ معيّنين في التاريخ، سنّوا بفضل نقاءِ نفوسهم وحِدّة ذكائهم وإرادتهم الفولاذيّة الصلبة ضوابطَ ومقرّراتٍ لإصلاح الأخلاق والسلوك في مجتمعاتهم. طبقًا لهذا المنحى، يتغيّر الدين عبر التاريخ نتيجة الحركة والتكامل التدريجي للمجتمعات الإنسانيّة، فالمجتمع لا يبقى ثابتًا على حال واحدة، إنّما تقطع الإنسانيّة في كلّ يوم خطوة جديدة على طريق المدنيّة والتحضّر، وسوف يستمرّ طريق التغيير هذا، فكلُّ مقرّرات المجتمعات ولوازمها محكومٌ عليها بالتغيير بما يتناسب وتحوّلات عالم الإنسانيّة، ولا مفرّ مِن أنْ يكون لكلّ عصر مقرّراته العمليّة والأخلاقيّة المتناسبة مع طبيعة ذلك العصر[32]. ويمكن لهذا المنحى أنْ تكون له حتّى نظرته الإيجابيّة المتفائلة للإسلام، فالإسلام هنا يُؤمِّن سعادةَ المجتمع البشري واحتياجاته بمناهج ومقرّرات، لها في كلّ عصر مظاهر وتجليّات متميّزة، وقد كان منهجُ الرسول في عصره مجرّد واحد مِن هذه المظاهر والتجليّات، التي سيكون لها مناهج أخرى في عصور أخرى. هذا في حين لا يعترف القرآن الكريم الذي هو أفضل ترجمان لمقاصد الإسلام بمثل هذا التفسير المبتني على ركائز اجتماعيّة ونفسانيّة وفلسفيّة ماديّة. يعرِضُ القرآنُ الكريمُ قضيّة الدين السماوي ومنشئهِ مِن عالم الغيب وارتباطه بنظام الخلقة وهذا العالم المتغيّر، بحيث يدلِّل على ثبات الدين والأخلاق الإنسانيّة الفاضلة وسعادة الأفراد والمجتمع وشقائهم بمعايير ثابتة لا تشبه أبدًا ما في النظرة الاجتماعيّة للغربيين عن الدين[33].

4– 2– 2– 5– خرافة أصالة المجتمع (تقديم مصالح المجتمع على مصالح الفرد)
ثمّة في ميدان الثقافة والقيم دومًا معيارٌ وأساسٌ للشرعيّة يخضَعُ بموجبه الأفرادُ للقيم واللوازم الثقافيّة، خصوصًا عند التعارض بين المصالح الفرديّة والمصالح الاجتماعيّة، كي يستطيعوا مراعاة المصالح الاجتماعيّة. تعرِضُ الأديانُ الإلهيّة، والإسلام خصوصًا، ثقافةَ التوحيد بجعلها القيمَ مبتنيةً على حقائق ثابتة ومطلقة بمحوريّة التوحيد ونفي الشرك. يلتئمُ التزامُ الأفراد بالأخلاق والضوابط الاجتماعيّة على أساس معيار الإيمان بالله والأمل بثوابه والخوف مِن عواقب أعمالهم في الدنيا والآخرة. أمّا في المجتمعات العصريّة الحديثة، وفي أيّ مجتمع آخر لا تتوفّر فيه مثل هذه الركيزة، فتبرز أنواع الخرافات لتبرير التزام الأفراد بالقوانين والقيم الاجتماعيّة. ويرى العلّامة الطباطبائي أنّ مِن الخرافات العصريّة الحديثة خرافة «تقديم مصالح المجتمع على مصالح الذات» في مجتمعٍ يرى الدين الإلهي خرافةً، وبالتالي يقع في شراك الخرافات الحديثة العصريّة. في هذه المجتمعات، يعتقد الذين يُنظِّرون لمضمار الحضارة والعلوم الطبيعيّة أنّ التمدّن يحصل عندما تتحقّق الكمالات الممكنة المتيسّرة في المجتمع، فكلّما ارتقى المجتمع ككلٍّ إلى كمالاتٍ أكثر، ازدهرت المدنيّة والتمدّن أكثر. مِن جهة ثانية، يرتهن تحقّقُ الأهداف الكماليّة للمجتمع بسعي الأفراد مِن أجل المجتمع ومن أجل تحقيق تلك الأهداف، ولا بدّ لهم مِن غضّ الطرف عن مصالحهم الفرديّة لأجل مصالح المجتمع. فهل هذا الشيء ممكن؟ مِن زاوية نظر هذا المنحى يأتي حرمانُ الأفراد مِن مصالحهم الشخصيّة لصالح المصالح المجتمعيّة العامّة، بل ويصل بهم الأمر أحيانًا إلى التضحية بأنفسهم مِن أجل الدفاع عن حدود الوطن، يأتي بهدف كمالِ المجتمع. لكنَّ العلّامة يعتقد أنّ مثل هذا المنحى ليس أكثر مِن خرافة، إذ كيف يمكن للفرد الذي ضحّى بنفسه مِن أجل المجتمع أو حرم نفسه مِن مصالحه لصالح المجتمع أنْ يبلغ بعضَ الكمالات؟ إنّه هنا أمام كتلة مِن الحرمان والفقدان ليس إلّا، وسيبتعد باستمرار عن هدفه في الحياة الاجتماعيّة، وهو أنْ يضحّي المجتمعُ مِن أجله لا أنْ يضحّي هو مِن أجل المجتمع. حسب المنحى المادّي الغربي، يكمنُ كمالُ الفرد في اكتساب أكبر قدر مِن المنافع والملذّات الماديّة حتّى لو كان ذلك عن طريق ممارسة الظلم ضدّ الآخرين، ومثال ذلك ما تمارسه القوى الكبرى في تعاملها مع الشعوب المستضعفة: «ومثلها القولُ: إنّ الانسان يجب له تحمّل مُرِّ القانون والصبر على الحرمان في بعض ما يشتهيه نفسه ليتحفّظ به الاجتماع، فينال كماله في الباقي، فيعتقد أنَّ كمال الاجتماع كماله. وهذه خرافة، فإنَّ كمال الاجتماع إنّما هو كماله فيما يتطابق الكمالان، وأمّا غير ذلك فلا، فأيّ موجب على فرد بالنسبة إلى كماله، أو اجتماع قوم بالنسبة إلى اجتماع الدنيا، إذا قدر على نيل ما يبتغيه مِن آماله ولو بالجور، وفاق في القوّة والاستطاعة مِن غير مقاوم يقاومه، أنْ يعتقد أنَّ كمال الاجتماع كماله، والذكر الجميل فخاره؟ كما أنَّ أقوياء الأمم ما يزالون على الانتفاع مِن حياة الأمم الضعيفة، فلا يجدون منهم موطئًا إلّا وطئوه، ولا منالًا إلّا نالوه، ولا نسمة إلّا استرقوه واستعبدوه»[34].
يُستشف أنَّ الغرب انزلقَ إلى نوع مِن الخرافات مِن ناحيتين، فمن ناحية إذا التزم بالليبراليّة والحريّة الفرديّة المفرطة، ستكون عاقبةُ ذلك العبثيّة والخرافة، وإذا قيِّد حريّةَ الأفراد لصالح المجتمع، يكون قد وقع أيضًا في شِراك خرافة أخرى. هذا في الوقت الذي يمتلك الإسلامُ منطقًا واضحًا إزاء «الخرافات»، فمن أجل صيانة المجتمع والأفراد مِن الانزلاق في فخّ الخرافات، يضع القرآنُ الكريم معيارًا متطابقًا مع الفطرة الإنسانيّة في مضمارين، أحدهما نظري والآخر عملي. في المضمار النظري، طرح القرآن الكريم معيارَ اتّباع «مَا أنْزَلَ اللهُ» وتجنُّب «القولَ بغَيْرِ الحَقّ»، وعلى الصعيد العملي أطلق معيار «ابْتِغَاءِ مَا عِنْدَ اللهِ»؛ بمعنى أنّ الفرد يقيس ميوله ونزعاته بمقياس رضا الله تعالى ويقيّمها على أساس هذا المعيار: «وأمّا ما سلكه القرآنُ في ذلك، فهو أمره باتّباع ما أنزل الله والنهي عن القول بغير علم، هذا في النظر، وأمّا في العمل فأمره بابتغاء ما عند الله فيه، فإنْ كان مطابقًا لما يشتهيه النفس، كان فيه سعادة الدنيا والآخرة، وإنْ كان فيه حرمانها، فعند الله عظيم الأجر، وما عند الله خير وأبقى»[35].

4– 2– 3– الليبراليّة والنزعة الفرديّة الغربيّة
النزعة الفرديّة مِن العناصر الأساسيّة في الثقافة الغربيّة، وتمثّل ركيزة الليبراليّة والديمقراطيّة المنحازة لأكثريّة الأفراد. أثرنا في السابق بحثًا تحت عنوان «ديمقراطيّة إعادة إنتاج الاستبداد»، وأشرنا إلى ثمار هذه الظاهرة للعالم غير الغربي، ولكنْ ما هي ثمرة الديمقراطيّة للغربيين أنفسهم وفي داخل المجتمعات الديمقراطيّة؟ هل كرّست الاستبداد ذاته في داخلها بشكل عصري حديث أم كان لها نتائج وثمار أخرى؟ يمكن تسليط الأضواء على الليبراليّة والنزعة الفرديّة في الغرب مِن زوايا متعدّدة ونقدها، ومن ذلك: رأي الأكثريّة وأصواتهم، والافتقار إلى القاعدة الأخلاقيّة، وفقدان المسؤوليّة لدى الأفراد بعضهم تجاه بعض.

4– 2– 3– 1– «الأكثريّة» بدل «الحقّ» وتبعاتها على الهويّة
من تجليّات الليبراليّة شعار «الأكثريّة» بوصفه شعارًا أساسيًّا ورمزًا للديمقراطيّة. يبادر العلّامة الطباطبائي في معرض المقارنة بين مدنيّة الإسلام والمدنيّة الغربيّة المعاصرة في منطقها وشعارها الأصلي إلى إعادة قراءة هذه المدنيّة في ضوء ثنائيّة «طلب الحقّ» في المدنيّة الإسلاميّة و«أصوات الأكثريّة» في المدنيّة الغربيّة، ويوضّح أنَّ الشعار الوحيد في المجتمع الإسلامي هو «طلب الحقّ نظريًّا وعمليًّا»، بينما شعار المدنيّة المعاصرة الغربيّة «الأكثريّة في الرأي والميل». وهذان الشعاران المختلفان يستتبعان هدفين متمايزين وعمليّات متفاوتة؛ لأنَّ «طلب الحقّ» أو «النزوع إلى الحقّ» في المجتمع الإسلامي يثير غاية اسمها «السعادة الحقيقيّة العقليّة»، ويستتبع ثقافةً ومعتقداتٍ وقناعات مثاليّة سامية، وينشد في الواقع حسب تعبير العلّامة «الراحة الكبرى» للإنسان. هذا الهدف الذي تحوّل إلى شعار رمزي للمجتمع الإسلامي، له دور فذّ منقطع النظير في عمليّة بناء الذات والمجتمع، فتبعًا له يكتسب تعديلُ القوى النفسيّة بغية الوصول إلى «معرفة الله» و«العبوديّة» معناه الصحيح، وهو بمثابة عمليّة لتحقيق السعادة المذكورة.

وتبعًا لهذه الغاية أيضًا، يصبح تشريعُ القوانين الإسلاميّة عمليّةً أصيلةً ذات معنى تبتني على مراعاة الجانب العقلاني ونبذ كلّ ما يتسبّب في فساد العقل السليم. حسب هذه النظرة، تغدو مجموعة الأعمال الدينيّة والأخلاق والمعارف الأساسيّة الدينيّة منظومةً متلاحمة منسجمة لتحقيق هذه السعادة السامية. مِن جهة أخرى، جعل الإسلامُ ضمانة تنفيذها على عاتق المجتمع كلّه بنحو عام، والحكومة والولاية الإسلاميّة بنحو خاصّ. وهذا هو النموذج المحبّذ المنشود في الإسلام حسب الذات والماهيّة الأصليّة في الإسلام، مع أنّ طبيعة الغارقين في الملذّات والشهوات النفسيّة لا تسمح، مع الأسف، بعقد الأمل على تحوّلهم الإيجابي إلّا بفضل المساعي والمجاهدات البليغة لنشر الدعوة الإسلاميّة وإفشاء التربية الدينيّة، كي يسيروا بعزائم وهمم راسخة في طريق التربية الإسلاميّة على نحو مستديم: «وهنا جهة أخرى أغفلها هؤلاء في بحثهم، وهي أنَّ الاجتماع الإسلامي شعاره الوحيد هو اتّباع الحقّ في النظر والعمل، والاجتماع المدني الحاضر شعاره اتّباع ما يراه ويريده الأكثر، وهذان الشعاران يوجبان اختلاف الغاية في المجتمع المتكوِّن، فغاية الاجتماع الإسلامي السعادة الحقيقيّة العقليّة؛ بمعنى أنْ يأخذ الإنسان بالاعتدال في مقتضيات قواه، فيعطي للجسم مشتهياته مقدار ما لا يعوقه عن معرفة الله مِن طريق العبوديّة، بل يكون مقدّمة تُوصِل إليها وفيه سعادة الإنسان بسعادة جميع قواه، وهي الراحة الكبرى (وإنْ كنّا لا ندركها اليوم حقّ الإدراك لاختلال التربية الإسلاميّة فينا)، ولذلك وضع الإسلام قوانينه على أساس مراعاة جانب العقل المجبول على اتّباع الحقّ، وشدّدَ في المنع عمّا يفسد العقل السليم، وألقى ضمان إجراء الجميع مِن الأعمال والأخلاق والمعارف الأصليّة إلى عهدة المجتمع مضافًا إلى ما تحتفظ عليه الحكومة والولاية الإسلاميّة مِن إجراء السياسات والحدود وغيرها، وهذا على أيّ حال لا يوافق طباع العامّة مِن الناس، ويدفعه هذا الانغمار العجيب في الأهواء والأماني الذي نشاهده مِن المترفين والمعدمين كافّة، ويسلب حرّيتهم في الاستلذاذ والتلّهي والافتراس إلّا بعد مجاهدة شديدة في نشر الدعوة وبسط التربية على حدّ سائر الأمور الراقية، التي يحتاج الإنسان في التلبّس بها إلى همّة قاطعة وتدرّب كافٍ وتحفّظ على ذلك مستدام»[36].

أمّا في خصوص الحضارة الغربيّة، فالغاية النهائيّة للمدنيّة المعاصرة هي «التمتّع بالماديّات». ولهذه الغاية تبعتها أو استحقاقها المهمّ، وهو إفشاء «حياة حسيّة» تبعًا لـ«ميول الطباع» عند أفراد المجتمع. فالعقل والحق لا دور لهما هنا، بل ولا أهمّية للحقّ، ولن يُتّبَعَ إلّا إذا انسجمَ مع هذه الغاية. والنتيجة هي أنَّ قوانين مجتمعٍ بمثل هذه الأسس الماديّة، يجب أنْ تتناسب معه وتعمل على حفظه وبقائه. وهكذا فـ«ميول الطباع» لدى الأكثريّة مِن الناس وإراداتهم، ستكون هي المعيار في تشريع القوانين وتطبيقها. في مثل هذا المجتمع لن يكون للأخلاق والمعارف الإلهيّة الأصيلة أيّة ضمانة تنفيذيّة، ولنْ يكون ثمّة أيّ فارق بين الأفراد إذا ما التزموا بهذه الأخلاق أو لم يلتزموا، إنّما المعيار الوحيد الذي يتوجّب الالتزام به، هو عدم مخالفة القانون. مثل هذه الغاية تستدعي مأسسة وتكريس الميول الشهوانيّة والغضبيّة في المجتمع والتلاعب بالفضائل الأخلاقيّة والمعارف الدينيّة السامية بذريعة الحريّة القانونيّة: «وأمّا غاية الاجتماع المدني الحاضر فهي التمتّع مِن المادّة، ومِن الواضح أنَّ هذه تستتبع حياة إحساسيّة تتبع ما يميل إليه الطبع، سواء وافق ما هو الحقّ عند العقل أو لم يوافق، بل إنّما يتبع العقل فيما لا يخالف غايته وغرضه. ولذلك كانت القوانين تتبع في وضعها وإجرائها ما يستدعيه هوى أكثريّة المجتمع وميول طباعهم، وينحصر ضمان الإجراء في مواد القانون المتعلقّة بالأعمال، وأمّا الأخلاق والمعارف الأصليّة، فلا ضامن لإجرائها، بل الناس في التلبّس بها وتبعيّتها وعدمه، إلّا إنْ تزاحِمَ القانونَ في مسيره، فتُمنع حينئذ. ولازم ذلك أنْ يعتاد المجتمعُ، الذي شأنه ذلك، بما يوافق هواه مِن رذائل الشهوة والغضب، فيَستحسِن كثيرًا ممّا كان يَستقبِحُهُ الدينُ، وأنْ يسترسل باللعب بفضائل الأخلاق والمعارف العالية مُستظهَرًا بالحريّة القانونيّة»[37].
الليبراليّة التي ترفع شعار «أصوات الأكثريّة وانتخابهم» والعارية مِن «الحقّ»، لا تنشر سوى الحريّات الفرديّة الخاضعة للميول النفسيّة، ومغبّتها الخطيرة هي تحوّل أسلوب التفكير مِن «المجرى العقلي» إلى «المجرى الحسّيّ والعاطفي»، وبذلك ستتغيّر معاييرُ إيجابيّةِ وعدمِ إيجابيّةِ الأفعال الإنسانيّة أيضًا: «ولازمُ هذا اللازم أنْ يتحوّل نوعُ الفكرة عن المجرى العقلي إلى المجرى الإحساسي العاطفي، فربّما كان الفجور والفسق في مجرى العقل تقوىً في مجرى الميول والإحساسات، وسمّي فتوّةً وبِشْرًا وحسْنَ خلق»[38].

4– 2– 3– 2– غياب القاعدة الأخلاقيّة وزعزعة العلاقات الاجتماعيّة
الأخلاق ظاهرة داخليّة تنبع مِن عمق الشخصيّة الإنسانيّة، وكلّ ظاهرة إنسانيّة داخليّة لها آثارها واستحقاقاتها الخارجيّة والاجتماعيّة التي تتجلّى في الواقع الخارجي. إذا فَقَدَت الأخلاقُ (الأخلاق الإنسانيّة) وقيمها الأساسيّة بوصفها ظاهرةً داخليّةً (الملكات الأخلاقيّة والإنسانيّة) أصالتَها في المجتمع، فستنتقل الأهمّيةُ للظواهر والصور الخارجيّة. يوجِّه العلّامة الطباطبائي نقده للغرب مِن هذا المنظار، فيرى أنّه في العالم المتمدّن وبسبب غياب القاعدة الأصيلة والأساسيّة للأخلاق والقيم الأخلاقيّة في عمق أرواح الأفراد، يكتسبُ الاهتمامُ بالصورة والأشكال أهمّية كبيرة في المجتمع، ويغيب الاعتقاد والإيمان بالقوانين، ولنْ يكون ثمّة مناص في هذه الحالة مِن تلاشي الضمانة التنفيذيّة الذاتيّة والعقيديّة للقوانين، إنّما سيحترمُ الأفرادُ القوانينَ مِن باب الأدب والأعراف والمواضعات الاجتماعيّة، وأحيانًا مِن باب «التشريفات» ليس إلّا، وتترك هذه القضية تأثيراتها وبصماتها على العلاقات الاجتماعيّة أيضًا فتزلزلها بشدّة. وهكذا تنحسر قيم مثل النقاء، والإخلاص، والوفاء، والمحبّة، والتضحية، والصفح، في المجتمع المتحضّر العصري، بل ويرى كلُّ فرد نفسَهُ مِن منطلق «أصالة الفرد» أفضلَ وأكثرَ أصالةً وأهمّيةً مِن المجتمع، وحالاتُ الاستثناء لهذه القاعدة العامّة نادرة جدًا. المدنيّة الغربيّة تسعى فقط إلى النظام الاجتماعي واحترام القانون في المجتمع (وليس النظام الأخلاقي)، لذا فهي لا تعمل أبدًا على تربية أفراد يتحلّون بالوفاء، والنقاء، والإخلاص، والعطف، والشجاعة، والتضحية، وعلوّ الهمم، والتخلّق بالأخلاق السامية، والاتصاف بالفضائل الأخلاقيّة، كما أنّها لا تأبه إطلاقًا لانتشار الرذائل الأخلاقيّة بين الأفراد والمجتمع. وأخيرًا يُشدِّد العلّامة على نقطة فلسفيّة مهمّة جدًا، فحواها أنّ مثل هذه المدنيّة لا تتلاءم ولا تتطابق مع حقيقة العالم، ولا مع المنظومة الروحيّة للإنسان[39].

4– 2– 3– 3– غياب مسؤوليّة الأفراد بعضهم تجاه بعض
ظاهرة المسؤوليّة الإنسانيّة مِن أهم عناصر تكوُّن الحياة الاجتماعيّة والمجتمع وبقائهما. مِن دون وجود المسؤوليّة وتقبُّل المسؤوليّة في المجتمع تنفصم العُرى والأواصر الاجتماعيّة، وحينئذ لنْ يمكن إقامة النظام الاجتماعي إلّا بالضغوط والأدوات الخارجيّة وبتكاليف إنسانيّة باهظة وبحدود ضئيلة فحسب. وقد درس العلّامة الطباطبائي الغربَ مِن زاوية وجود أو غياب المسؤوليّة الاجتماعيّة أيضًا، فمن وجهة نظره، لا تنبع المسؤوليّة مِن صميم الأفراد وإيمانهم إلّا إذا أشرقت مِن آفاق الإيمان والاعتقاد بالله وانعتقت مِن خلفيةِّ الفرديّة الليبراليّة. أهمُّ مبدأ يعبِّر عن المسؤوليّة الاجتماعيّة في الإسلام، هو مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمجتمع العصري الحديث لا تربطه أيّة صلة بفريضة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، فلا تجد في قاموسه أيّ أثر لهذا المبدأ. وهكذا، فالأفراد ليسوا مسؤولين عن أعمال بعضهم، بينما الإسلام ببثّه روحَ التوحيد والعبوديّة لله في الأفراد، يجعلهم منظّمين ومسؤولين تجاه بعضهم في المجالات الفرديّة والاجتماعيّة كافّة[40].

الخاتمة
لعلّ الاستنتاج الأبرز ممّا ذهبنا إليه في هذا البحث، هو أنَّ العلّامة الطباطبائي بأعماله ومطالعاته النقديّة للغرب، فتح الباب على التأسيس لنظريّة معرفة استغرابيّة في فضاء الفكر الديني الإسلامي. واستنادًا إلى هذه النتيجة، أمكن القول إنَّ ما قدّمه العلّامة الطباطبائي في هذا الصدد، يشكّل حقلًا خصبًا للدرس والتنظير لجهة بلورة منظومة إسلاميّة متكاملة البناء في علم الاستغراب. على أنَّ ما يضاعف مِن أهمّية البحوث التنظيريّة، هو المجال الذي تناول فيه العلّامة بنية الاجتماع الغربي والمعاثر البنيويّة التي تعتريه.
إذ مِن الواضح، أنَّ الفكر الاجتماعي منحىً يدرسُ الغربَ بكلّ خصائصه وآثاره الداخليّة والخارجيّة، والغفلة عن هذا المنحى أو المنهج، يستدعي كثيرًا مِن الآفات في علم الاستغراب، مِن أبسطها «الانبهار بالغرب». الديمقراطيّة هي إعادة إنتاج الاستبداد في الوجه الخارجي للغرب مِن الحالة الفرديّة إلى الحالة الاجتماعيّة في مواجهة الشعوب، والوثنيّة الماديّة والنزعة الخرافيّة الحديثة والقيم الليبراليّة مِن العناصر المهمّة للوجه الداخلي للغرب، الذي سيسوق هذه الحضارة أخيرًا نحو الانحطاط والفساد. التبِعَةُ المعرفيّة للوثنيّة الحديثة تتمثّل في حصْر العلم بالمنهج الحسّي والتجربي، وتبعتها النزعاتيّة حصر الملذات والميول بالأمور الماديّة الهابطة. هذه الماديّة التاريخيّة التي تضرب بجذورها في الأداء الكنسي وعقيدة «الحلول»، رفعتْ شعارَ مكافحة الخرافات لتنشر خرافات أخرى في الحضارة الغربيّة. وأخيرًا، فإنَّ عنصر الليبراليّة والفرديّة ساقَ الفكرَ الغربيَّ مِن «المجرى العقلي» إلى «المجرى الحسّي والعاطفي»، وتسبّب في النزعة الصوريّة وزعزعة قواعد الأخلاق والقيم الإنسانيّة.

لائحة المصادر والمراجع
1 – القرآن الكريم.
2 - الطباطبائي، محمّد حسين. (1387 أ [2008 أ]). العلاقات الاجتماعيّة في الإسلام (الطبعة الأولى). قم: مؤسّسة بوستان كتاب.
3 – الطباطبائي، محمّد حسين. (1387 ب [2008 ب]). رسالة التشيّع في العالم المعاصر (الطبعة الثانية). قم: مؤسّسة بوستان كتاب.
4 – الطباطبائي، محمّد حسين. (1388 [2009]). دراسات إسلاميّة (الطبعة الثانية). قم: مؤسّسة بوستان كتاب.
5 – الطباطبائي، محمّد حسين. (1390هـ.ق). الميزان في تفسير القرآن (الطبعة الثانية). بيروت: مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات.

---------------------------------------------
[1]*- أستاذ مساعد في قسم العلوم الاجتماعيّة بجامعة الإمام الباقر (ع) في مدينة قم، إيران.
* تعريب: حيدر نجف.
[2]- راجع: الطباطبائي، محمّد حسين، 1390هـ.ق، ج 2، ص260-261.
[3]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1387 أ [2008 أ]، ص38-39 و 43.
[4]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1390هـ.ق، ج 9، ص190.
[5]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1390 هـ ق، ج 4، ص105-106.
[6]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1390هـ.ق، ج 4، ص106.
[7]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1390هـ.ق، ج 4، ص106.
[8]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1388 [2009]، ج1، ص65.
[9]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1388 [2009]، ج1، ص66-68.
[10]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1388 [2009]، ج 1، ص67-68.
[11]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1388 [2009]، ج 1، ص122.
[12]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1388 [2009]، ج1، ص66.
[13]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1390هـ.ق، ج4، ص105.
[14]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1390هـ.ق، ج4، ص106.
[15]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1390هـ.ق، ج 4، ص106-107.
[16]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1388 [2009]، ج 1، ص170-171.
[17]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1387 أ [2008 أ]، ص39.
[18]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1390هـ.ق، ج 1، ص210-211.
[19]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1390هـ.ق، ج 4، ص102.
[20]- الطباطبائي، 1387 ب [2008 ب]، ص57-61.
[21]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1390هـ.ق، ج 1، ص422.
[22]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1390هـ.ق، ج 1، ص422.
[23]- سورة فاطر، الآية 10.
[24]- سورة الحج، الآية 37.
[25]- سورة الحج، الآية 37.
[26]- سورة الفاطر، الآية 10.
[27]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1390هـ.ق، ج 1، ص294-295
[28]- سورة البقرة، الآية 213.
[29]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1390هـ.ق، ج 1، ص423-424.
[30]- سورة البقرة، الآية 213.
[31]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1390هـ.ق، ج 1، ص424.
[32]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1388 [2009]، ج 1، ص69.
[33]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1388 [2009]، ج 1، ص70-71.
[34]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1390هـ.ق، ج 1، ص423.
[35]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1390هـ.ق، ج 1، ص423.
[36]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1390 هـ.ق، ج 4، ص101.
[37]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1390هـ.ق، ج 4، ص101.
[38]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1390هـ.ق، ج 4، ص102.
[39]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1387 أ [2008 أ]، ص40-43.
[40]- الطباطبائي، محمّد حسين، 1387 أ [2008 أ]، ص42-43.