البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

من قتل الأسرة الأميركيّة؟ فيليس شلافلي تكشف جنايات العولمة على قيم الغرب

الباحث :  قراءة وتعليق: د. محمد باقر كجك
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  29
السنة :  شتاء 2023م / 1444هـ
تاريخ إضافة البحث :  April / 16 / 2023
عدد زيارات البحث :  465
تحميل  ( 357.288 KB )
يشكّل تقويض البنية الأسريّة أحد أبرز النتائج السلبيّة التي يعاني منها العالم المعاصر تحت وطأة العولمة التي خرقت جميع الحدود الجغرافيّة والثقافيّة التقليديّة، وأوقعت تحت تأثيرها كلّ البنى الاجتماعية في الحضارات والجماعات المتنوّعة. والأسرة هي إحدى البنى الاجتماعيّة الأكثر قدمًا في التاريخ، والأكثر ثراءً في تنوّع وظائفها البيولوجيّة والاجتماعيّة والنفسيّة والثقافيّة وغير ذلك، وهي البنية الأكثر مواجهةً مع تداعيات العولمة، وتغيّر جملة واسعة مِن وظائفها التقليديّة (كالتربية، والرفاه الاقتصادي، والدور السياسي التقليدي..إلخ).
ومِن ضمن الأسر التي تعرّضت للضرر بسبب نتائج العولمة (وهي في مهد العولمة الكلاسيكيّة: أي أميركا)، الأسر الأميركيّة التي تضرّرت بشكل كبير جدًا بسبب إصابتها بمدّعيات الحضارة الغربيّة والأميركيّة قبل غيرها، ومِن ضمنها الحريّات الفرديّة، الفردانيّة، دخول الحداثة على تعريفات الزواج والأسرة والبنوّة والطلاق والمساكنة، طغيان النزعة الماديّة في قوننة الحياة الأسريّة عبر شكل قضائي متحيّز ثقافيًّا، النسويّة والجندرة، الديمقراطيّة المتطرّفة، ونزع الدين عن المجتمع الأميركي.. وغير ذلك. إذ تظهر العديد مِن الدراسات والأبحاث أنَّ هناك العديد مِن الأسباب التي تسبّب في انهيار الأسر النوويّة التقليديّة في أميركا. فالنسويّات، والقضاة، والقادة السياسيّون، وأساتذة الجامعات، وما إلى ذلك، قد تبدو كلّ هذه الأشياء ثانويّة في سياقها الخاصّ، لكنَّها تضافرت على مرّ السنين، وخلقت معادلة تدمير للأسرة التقليديّة المألوفة، خصوصًّا مسألة النسويّة.

يُعتبر كتاب «من قتل الأسرة الأميركيّة؟ خاتمةَ كتب المناضلة الحقوقيّة الأميركيّة الجمهوريّة فيليس شلافلي[2]، التي بدأت مسيرتها النضاليّة ضدّ قانون (تعديل الحقوق المتساوية) سنة 1963 بعد انتشار كتابها الأوّل المنشور ذاتيًّا (خيار وليس صدى)، ووقفت طويلًا في وجه الحركات النسويّة، وناضلت مِن أجل القيم العائليّة التقليديّة وضدّ الزواج المثلي وتجنيد النساء في القوّات المسلحة وغير ذلك. ويمكن القول إنَّ هذا الكتاب، هو الصرخة الأخيرة لفيليس شلافلي (صدر الكتاب سنة 2014 قبيل وفاتها بأقلّ مِن عامين)، وفيه ترى أنَّ الأسرة الأميركيّة التقليديّة تمّ قتلها بعد تعديلات قانونيّة ودستوريّة متراكمة، كانت قد تنبّأت هي بها قبيل حوالي الخمسين عامًا، والبحث في هذا الكتاب يدور حول تحديد مسؤوليّة انهيار وقتل العائلة الأميركيّة.

ما هو السياق التاريخي لانهيار الأسرة الأميركيّة؟
إنَّ انبثاق الحركة النسويّة في أميركا يرجع إلى عام 1920، حيث بدأ الانتصار الكبير للنساء في جميع أنحاء الولايات المتّحدة، ورغم ذلك لم يكنْ هذا الانتصار كافيًا بالنسبة للنسويّات، إذ بعد فترة وجيزة مِن التصديق على التعديل التاسع عشر على الدستور الأميركي ليشمل حقّ المرأة في أنْ تكون قادرة على التصويت، صاغت أليس بول الزعيمة المناصرة لحقوق المرأة في حقّ الاقتراع، (تعديل الحقوق المتساوية) المعروفة باسم (ERA) . (Equal Rights Amendment).

تعديل الحقوق المتساوية (ERA) هو تعديل مقترح لدستور الولايات المتّحدة مصمّم لضمان الحقوق القانونيّة المتساوية لجميع المواطنين الأميركيين بغضّ النظر عن الجنس. وهو أتى في سياق محاولة إنهاء التمييز القانوني بين الرجل والمرأة في مسائل الطلاق والملكيّة والعمل وغيرها مِن الأمور. وقد تمّت كتابة النسخة الأولى مِن ERA بواسطة أليس بول وكريستال إيستمان، وتمّ تقديمها إلى الكونجرس في ديسمبر 1923[3].

وخلال السبعينيّات مِن القرن الماضي، كانت فيليس شلافلي واحدة مِن أكثر المعارضين تأثيرًا لـ(ERA) والنسويّة بشكل عام، وقد دافعت بإصرار عن الأدوار التقليديّة للجنسين. بدأت ما عُرف باسم «حرب السنوات العشر» (1972-1982) خلال هذا الوقت قادت فيليس شلافلي الحركة المؤيّدة للأسرة للفوز على الهدف التشريعي الأساسي للنسويّات الراديكاليّات. في عام 1970 قالت فيليس شلافلي: «إذا تمّ التصديق على تعديل الحقوق المتساوية، فسيكون لدينا زواج مثليين، ونساء يخدمن في الجيش، وحمّامات مشتركة للجنسين». على الرغم مِن أنّه لم يتم التصديق على ERA مطلقًا (بالمناسبة، يستمرّ طرح ERA في الكونغرس حتّى يومنا هذا دون المصادقة على التعديل بغرض إضافته إلى الدستور الأميركي)، فقد رأينا أميركا تتبنّى العديد مِن هذه الأفكار، وهذا ما نشهده اليوم، إلّا أنّها تشريعات قانونيّة راجعة إلى المجلس التشريعي لكلّ ولاية دون أنْ تكون نابعة مِن الدستور الأميركي الفيدرالي.

عندما قامت شلافلي بالتنبؤات المذكورة أعلاه، تعرّضت للاحتقار والسخرية مِن قبل النسويّات في كلّ مكان، ومِن ثَّمَّ زرع النسويّون هذه البذرة مِن السلوكيّات والتصرّفات، سواء أرادوا ذلك أم لا، وهي الآن باتت تخرج عن نطاق السيطرة على مستوى بنية الأسر الأميركيّة، وكلّ ذلك المجتمع الأميريكي. قد تكون إعادة تعريف الزواج ليشمل الأزواج المثليين هي القضيّة الأكثر إثارةً للجدل في أميركا اليوم. تقول شلالي «أعتقد أنّه حتّى لو لم يتم إعادة تعريف الزواج، فإنَّ أميركا ستتبنّى هذه الأفكار، وستتغيّر البلاد بشكل جذري. لقد بدأت بالفعل». وبدأت كذلك عواقب التدخّل في الحياة الأسريّة، وتشمل بعض هذه العواقب إبعاد الزواج عن احتياجات الأطفال، وتقليل الضغط الاجتماعي على الأزواج للبقاء مع زوجاتهم وأطفالهم، وتهميش ذوي الآراء التقليديّة، وتآكل الحريّة الدينيّة.

ورغم أنَّ المساواة في الحقوق في أميركا بين الجنسين كان قد أصبح حقًّا دستوريًّا منذ 1964، إلّا أنَّ الحركة النسويّة استمرّت بالمطالبة بإجراء التعديل (ERA) على الدستور! لذلك كان إصرار شلافلي على عدم وجود حاجة إلى تعديل فيدرالي؛ لأنَّ «النساء يتمتّعن بالفعل بكلّ حقّ دستوري يتمتّع به الرجال، ويتمتّعن بفرص عمل متساوية منذ عام 1964.”

التدمير التدريجي للأسرة الأميركيّة النوويّة التقليديّة
لقد كتب الكثير عن الانخفاض في نسبة الأمريكيين الذين يعيشون في أسرة نوويّة تقليديّة. قبل 21 عامًا أشار الباحث الشهير تشارلز موراي(Charles A. Murray)[4] إلى أنَّ المعدّل الصادم للمواليد غير الشرعيين هو أخطر مشكلة اجتماعيّة وماليّة تواجهها أميركا؛ لأنّها العامل الذي يقود كلّ شيء آخر. عندما لا يكون للأم زوج أو أب لأطفالهم لإعالتهم، فإنّهم يلجؤون إلى الحكومة الفيدراليّة لمنحهم ضروريّات الحياة. وقد أدّى هذا إلى تغيير ديموغرافي هائل في المجتمع الأميركي وزيادة هائلة في الإنفاق على ما يسمّى بدولة الرفاهية، في حين أنَّ الأسر النوويّة تقوم بإعالة نفسها، إذ لم يكونوا بحاجة إلى الهيئات الحكوميّة المنشأة مِن أجل توجيههم لكيفيّة تربية أطفالهم أو إنفاق أموالهم. تلك المرحلة، حيث كانت الضرائب منخفضة نسبيًّا، أنتجت طبقة وسطى مزدهرة، إلّا أنّه يبدو أنَّ تلك الأيام قد ولّت. [5] كما تشير الإحصاءات الأمركيّة كذلك إلى وجود انخفاض كبير في نسبة الأمريكيين الذين يعيشون في زيجات تقليديّة و 41٪ مِن الأولاد غير الشرعيين.

فمَن قتل الأسرة الأميركيّة؟
تقول فيليس شلافلي في مقابلة معها: «كتابي الجديد الذي نشرته World Net Daily يجيب عن هذا السؤال الأساسي. قد تتفاجأ مِن إجابة السؤال «مَن قتل الأسرة الأميركيّة؟». مرتكبو جريمة القتل هذه ليسوا مجرّد المثليين الذين حصلوا على الكثير مِن الدعاية. يتوازى قتلة العائلة الأميركيّة مع لغز القتل الشهير الذي كتبته أجاثا كريستي منذ فترة طويلة بعنوان القتل على قطار الشرق السريع. والسؤال المطروح في هذا الكتاب كان «مَنْ ارتكب جريمة القتل؟»، كان الجواب الأخير هو أنَّ كلّ شخص في القطار كان لديه دافع لقتل الضحيّة»[6].

لقد قامت المجموعات النسويّة منذ البدايات برفع شعار «الحريّة» في أدبيّاتهم وتحرّكاتهم الإعلاميّة والدعائيّة والحقوقيّة. «الحرية» يعني التحرّر مِن المنزل، والزوج، والأسرة، ورعاية الأطفال. حاولت النسويّات بإصرار إخراج جميع ربّات البيوت المتفرّغات مِن المنزل، وأخبرنهنّ أنَّ رعاية الأطفال الصغار هي مهنة مهينة للمرأة المتعلّمة، وقد تمّ تشجيع جميع ربّات البيوت على الخروج مِن المنزل والذهاب إلى سوق العمل؛ لأنّه مِن المفترض أنَّ هذا هو أسلوب الحياة الوحيد الذي يستحقّ العناء. كذلك، فإنَّ تشجيع النساء الجامعيّات على المشاركة فيما يسمّى بأسلوب حياة الاندماج في المجتمع حتّى يتمكّن مِن تجنّب الالتزام بالزواج كي ينتقلن في نهاية الأمر إلى مهنة مربحة. إنَّهم مستاؤون ويعارضون فكرة أنَّ الأزواج يجب أنْ يكون لهم دور الإدارة والرعاية، وأنَّ الزوجات يجب أنْ يكون لهنّ دور ربّة منزل.

تقول فيليس شلافلي في سرد لمجموعة مِن التساؤلات: «مَن الذي يقرّر «مصلحة الطفل الفضلى»؟ مَن الذي يقرّر ما هو في مصلحة الطفل؟ كان هذا التعبير جزءًا مِن نظامنا القانوني لعدّة قرون. عندما قدّم المحامي البريطاني العظيم ويليام بلاكستون القانون الإنجليزي في القرن الثامن عشر، كان القانون يعني بوضوح أنَّ الوالدين البيولوجيين للطفل كان متوقعًا ومصرحًا لهما باتخاذ قرارات تصبّ في مصلحة أطفالهما. لم يقدّم أحد على الإطلاق أيّ حجّة علميّة أو مقنعة ضدّ هذه السياسة. لكنْ في السبعينيّات، وبدون أيّ موافقة تشريعيّة، أصبح مِن الشائع القول إنَّ «المزرعة» (أي شكل الرعاية الحكوميّة) يجب أنْ تربّي الطفل. حدّدت المؤسّسة الليبراليّة «المزرعة» لتشمل جميع أنواع الهيئات الحكوميّة المشغولة، مثل مسؤولي المدارس العامّة، والمستشارين المعيّنين، وعلماء النفس، وخاصّة القضاة في محاكم الأسرة». في العادة قضاة محاكم الأسرة هم الأدنى في ترتيب اختيار السلطة القضائيّة، لكنّهم أصبحوا الأقوى؛ لأنَّ قراراتهم نادرًا ما يتمّ استئنافها أو إبطالها أو نشرها. وقد أصبحت سياسة نظام جعل القضاة يتّخذون قرارات بشأن رعاية الأطفال وتربيتهم، ظاهرة عالميّة لدرجة أنّه، وفقًا لمكتب الإحصاء الأميركي، يتحكّم قضاة محكمة الأسرة الآن في ترتيبات المعيشة الخاصّة لـ 46 مليون أمريكي، ولديهم القدرة على التحكّم بتحويلات ماليّة بمقدار 40 مليار دولار بين الأسر، معظم هؤلاء الآباء لم يرتكبوا أبدًا أيّ عمل ينتهك قوانيننا[7]».
وفي المقلب الآخر، فإنَّ حقيقة أنَّ الأسرة النوويّة كانت الطريقة المعياريّة للحياة الأميركيّة وأساس نظامها الاقتصادي، كان لها جميع أنواع الآثار الجيّدة على الاقتصاد الأميركي العام. يقول الباحث دبليو برادفورد ويلكوكس إنّه «من المرجّح أنْ يتصرّف البالغون بمسؤوليّة مِن منظور مالي عندما يتزوّجون ويظلّون متزوّجين». الرجال المتزوّجون يعملون بجدّ لفترة أطول، وهم أكثر ذكاءً. ومِن المرجّح كذلك أنْ يكمل أطفال العائلات السليمة تعليمهم والعثور على عمل.

إذا كانت الأسر القويّة مفيدة للاقتصاد، فماذا يحدث عندما تغيب العائلات؟
يبلغ معدّل الفقر لدى الأزواج المتزوّجين الذين لديهم أطفال 6.4٪ فقط، فيما يصل هذا المعدّل إلى 36.5٪ للآباء والأمهات العازبات الذين لديهم أطفال. ومِن السهل هنا أنْ ترى الرابط بين الأم العازبة والفقر. إنّ انتشار الأم العازبة يعني أنَّ الولايات المتّحدة تعاني مِن فقر متزايد، وبالتالي، يندفع الليبراليّون في الحكومة الكبيرة نحو برامج الرعاية الاجتماعيّة. ومع ذلك، وعوض أنْ يقوموا بمعالجة المشكلة مِن أساسها؛ أي بإعادة النبض إلى الحياة الأسريّة التقليديّة والأسرة النواتيّة، فهم يقدّمون المعونات للأمهات العازبات، وبالتالي، لا يتخلّصون مِن الفقر، بل إنّهم يجعلون المشكلات أسوأ.

تعالج فيلس شلافلي قضيّة المساعدات النقديّة الحكوميّة التي تتلقّاها النساء إضافة إلى مزايا أخرى مِن 78 صندوقًا مختلفًا، يدفعها دافع الضرائب، والتي تؤدّي إلى نتائج كارثيّة مِن قبيل تخلّي تلك النسوة عن البحث عن وظيفة لائقة أيضًا. لقد أقرّ الجمهوريّون قانون إصلاح الرعاية الاجتماعيّة لعام 1996 و«الذي فرض متطلّبات العمل على الأشخاص الذين يتلقّون الرعاية، لكنَّ الرئيس أوباما حظر بشكل أحادي شرط العمل. أعلن الرئيس ليندون جونسون الحرب على الفقر في الستينيّات، لكنّنا نخسر الحرب منذ ذلك الحين. لقد أنفقنا الآن أموال دافعي الضرائب في خوض الحرب على الفقر أكثر ممّا أنفقناه في كلّ حروب أميركا العديدة»[8].

تدخّل القضاة إلى جانب الحركات النسويّة
تقوم شلافلي بالهجوم الحادّ على سلطة القضاة في استخدامهم مبدأ «المصلحة الفضلى للطفل» بأسوأ طريقة ممكنة. تقول شلافلي: «بالنسبة لمعظم تاريخنا، كانت «مصلحة الطفل الفضلى» مسألة يقرّرها الآباء. الآن يستخدم القضاة والسياسيّون الليبراليّون المتعصّبون هذه العبارة لسنّ سياساتهم المفضّلة. إنَّ الطفرة الأخيرة للشباب غير الشرعيين مِن أميركا الوسطى عبر حدودنا تقدّم مثالًا ممتازًا. مِن الواضح أنَّ الأطفال الأجانب غير المصحوبين بذويهم يخرقون قوانين الهجرة لدينا، حتّى إنّهم يسلّمون أنفسهم إلى حرس الحدود. إذا كان لدينا نظام هجرة قائم على سيادة القانون، فسيتمّ إرسال هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين على الفور إلى بلدانهم الأصليّة. بدلًا مِن ذلك، يسمح القانون للقضاة والبيروقراطيين بتحديد «مصلحة الطفل الفضلى». في الممارسة العمليّة، هذا يعني أنَّ العديد مِن الأطفال الأجانب يوضعون مع أقارب بعيدين في الولايات المتّحدة، وكثير منهم غير قانوني أيضًا».
إنَّ مبدأ تحديد «مصلحة الطفل الفضلى» هو على النقيض مِن المبادئ الإنسانيّة التي كان ينبغي على الدستور الأميركي احترامها، لم؟ لأنَّه تعبير فضفاض لا يحدّده قانون. وهو في الواقع انتهاك لسيادة الأسرة، كما أنّه أدّت «المصلحة الفضلى» إلى تشريع زواج المثليين. وتقدّم شلافلي هناك حجّة قانونيّة حديثة في محكمة الدائرة السابعة بالولايات المتّحدة توضح مدى سهولة استخدام القضاة لعبارة «مصلحة الطفل الفضلى» لتفعيل تفضيلاتهم الشخصيّة. في قضيّة قانونيّة حول تعريف الزواج في محكمة إنديانا وويسكونسن، حيث: «هاجم القاضي ريتشارد بوسنر المحامين الذين يدافعون عن تلك القوانين بالإشارة إلى الأطفال الذين يعيشون مع أزواج مثليين». وقال القاضي: «هؤلاء الأطفال سيكونون أفضل حالًا إذا تزوّج آباؤهم (المثليّون)، أليس كذلك؟ هذا أمر واضح». يُظهر مثل هذا السؤال كيف يمكن أنْ يكون القضاة متعجرفين[9].

إلّا أنَّ الخبرة والبيانات العلميّة التي امتدّت على مدى قرون، تظهر أنَّ الأطفال يبذلون قصارى جهدهم عندما يعيشون مع أمهم وأبيهم. فبعبارة «مصلحة الطفل الفضلى»، لا حدود لسلطة القاضي، إذ يمكنه إعادة صياغة القوانين، وسجن الأشخاص، وفرض عقوبات مرهقة بناءً على تفضيلاته الشخصيّة وأحكامه المسبقة.

أهمّية الأسرة النواتيّة
في هذا الكتاب «مَن قتل العائلة الأميركيّة؟» تحاول شلافلي أنْ تبيّن حقيقة أنَّ الأسرة النوويّة ساعدت في جعل أميركا دولة كبيرة وقويّة، وتقول: «إذا أراد الليبراليّون تغيير بلدنا، فعليهم تقويض مصدر قوّتها. عائلة مكوّنة مِن أم وأبّ وأطفالهم حافظوا على هذه القوّة لأجيال. علّم الآباء أولادهم الصواب والخطأ وكيفيّة التعامل مع الآخرين، وكيف يصبحون مواطنين صالحين. تمّ تناقل الفضائل مِن جيل إلى جيل. تعلّم الأطفال أنْ يشقّوا طريقهم في الحياة. عندما يصبحون مستقلّين، سيؤسّسون أسرة خاصّة بهم، وتستمرّ الدورة»[10].
ففي رأي شلافلي أنَّه مِن غير المرجّح أنْ تعتمد الأسرة التي تعيل نفسها على الحكومة للحصول على الصدقات، والطفل الذي لديه والدان يشاركان بنشاط في تعليمه، مِن غير المرجّح أنْ يخضع لسيطرة المناهج التي تفرضها الحكومة. الهدف طويل المدى المتمثّل في تآكل الحريّة الشخصيّة والحكومة المحدودة، يتطلّب تقويض الأسرة النوويّة وجعل الناس أكثر اعتمادًا على الحكومة.

الرابط بين التجارة الحرّة والسوق الليبراليّة والزواج
لقد ألحقت السياسة المسمّاة التجارة الحرّة أضرارًا جسيمة بالزواج، كما أوضحت شلافلي في كتابها، أنَّه « في معظم تاريخنا، كانت الأسرة النوويّة (أي الأم المتزوّجة والأب يعيشان في منزل واحد مع أطفالهما) منتشرة على نطاق واسع وتحظى باحترام كبير. حتّى لو بدؤوا مِن خلفيّات متواضعة، يمكن أنْ يتوقّع الرجال العثور على وظائف ذات رواتب جيّدة في التصنيع، والتي دفعتهم إلى الطبقة الوسطى. توقّع الحصول على وظيفة بأجر كافٍ لدعم ربّة منزل بدوام كامل، كان أسلوب حياة في متناول معظم الأميركيين، «وأمّا حينما بدأ عصر العولمة، فقد ساعدت العولمة في «قتل الحلم الأميركي، ومعها الأسرة الأميركيّة». فبرأي شلافلي أنّه مِن خلال دفع الولايات المتّحدة إلى اتفاقيّات التجارة الحرّة مع البلدان الفقيرة في البلدان البعيدة مِن العالم، جعل أنصار العولمة العمال الأميركيين يتنافسون مع العمال الأجانب ذوي الأجور المنخفضة للغاية، كما شجّع معدّل الضريبة المرتفع على الشركات الأميركيّة الشركات على البحث في الخارج عن العمالة، واختفت وظائف التصنيع في أميركا.

تقدّر شلافلي، بناءً على الإحصاءات الأميركيّة الرسميّة، أنّه «من عام 2001 إلى عام 2011، فقدنا ما معدّله 50000 وظيفة تصنيعيّة كلّ شهر، وانخفضت أرباح الطبقة العاملة مِن أعلى مستوى كنّا نعرفه في السبعينيّات. مع صعوبة الحصول على وظائف جيّدة، أصبح تحقيق الحلم الأميركي أكثر صعوبة. لم يعد الرجال يكسبون ما يكفي للسماح لزوجاتهم بالبقاء في المنزل، وانتقل عدد أكبر مِن النساء إلى وظيفة ذات الحدّ الأدنى للأجور بدلًا مِن البقاء في المهد. أخفقت التجارة الحرّة العائلات الأميركيّة وفشلت أيضًا في الوفاء بوعد فتح الأسواق أمام الصادرات الأميركيّة. في المرّة القادمة التي تسمع فيها سياسيًّا يتحدّث عن التجارة الحرّة، تذكّر ما تخلّينا عنه»[11].

ماذا بالنسبة إلى زواج المثليين؟
لقد مرّت حوالي 20 عامًا فقط منذ أنْ أصبحت ماساتشوستس أوّل ولاية تقنّن زواج المثليين. لقد كان زواج المثليين عبر جميع مراحل التاريخ الأميركيّة والحضارة الغربيّة أمرًا ممنوعًا، وكان الزواج محصورًا في الزواج بين الرجل والمرأة، بينما تحوّل الأمر حاليًّا إلى أنَّ معارضة زواج المثليين تجعل الإنسان المعارض –حتّى في أميركا كشلافلي نفسها- على المقلب الآخر مِن التاريخ!.

ترى شلافلي أنَّ زواج المثليين لم يأتِ مِن تغيير في الرأي العام، ولكنْ مِن أحكام قضائيّة جرّاء استغلال القضاة الليبراليين والديمقراطيين المتعصّبين لسلطتهم. فقد اعتمدت ولاية ماساتشوستس زواج المثليين فقط؛ لأنَّ أغلبيّة ما في المحكمة العليا للولاية أمرت به. تشرح شلافلي ذلك فتقول: «لقد استلهم هؤلاء المتعصّبون للقضاء مِن القاضي أنتوني كينيدي مِن المحكمة العليا الأميركيّة، الذي استند في قضيّة سابقة إلى القانون الأوروبي بدلًا مِن القانون الأميركي، وقلب سابقة لإلغاء قانون مكافحة اللواط في تكساس. ضرب كينيدي مرّة أخرى بقراره بإلغاء قانون الدفاع عن الزواج الفيدرالي (DOMA). كينيدي وقضاة ماساتشوستس المتعصّبون أكّدوا بشكل سخيف أنّه لا يوجد أساس منطقي للزواج ليقتصر على رجل وامرأة. لقد تجاهلوا قرونًا مِن الممارسة ونتائج العديد مِن الدراسات التي تظهر مدى أهمّية الزواج التقليدي لرفاهية الأطفال»[12].

خلاصة ونقد
هذا الكتاب المهمّ الذي تطرّق إلى السياق التاريخي للأسرة الأميركيّة التقليديّة، نواتيّة الشكل والبنية والوظائف، والتي يتحدّد دور الأب فيها على أنّه هو الذي يقدّم الموارد، ولديه نوع مِن الصلابة في الدفاع عن الأسرة، والتي تقوم المرأة فيها بدور الرعاية والتربية والاهتمام بالأسرة والمنزل. ثمّ انتقل إلى البذور الأولى للمرض الذي أصاب الأسرة عبر تيّار النسويّة وتنكّرها لدور الأسرة التقليدي، بل ولشكلها التاريخي والعالمي المكوّن مِن رجل وامرأة، إلى أسرة سائلة غير معروفة المعالم، مع تقليل مِن قيمة الأب والدفاع المرير حول حقّ المرأة بالعمل واختيار الشريك المناسب لها، ولو لم يكن مِن جنس مخالف لها، في ظلّ تقديم قيمة العمل والتقدّم في المسار الوظيفي والمهني الخاصّ بالمرأة على قيمة الحفاظ على الأسرة.

لقد أظهر هذا الكتاب في فصوله الخمسة الأخيرة مجموعة مِن المؤثّرات الخطيرة على الأسرة التقليديّة، مِن قبيل: النسويّة، المحاكم والقضاة والمحامون، المثليّون، نظام الرعاية الاجتماعيّة، الرأسماليّة وتسليع الأسرة، وقانون تعديل الحقوق المتساوية.
فيما يطالب بإعادة الاعتبار إلى التعريف التقليدي للزواج، وتحويل برامج الرعاية الحكوميّة إلى برامج داعمة للأسر النواتيّة، ومنع الماحكم والقضاة والخبراء بالتدخّل في حريم الأسر النواتيّة، فضلًا عن الكفّ عن الاستغلال المادّي للمرأة في سوق العمل، وتقوية الوازع الديني.

ولكنْ ربّما يحسن الإشارة في عجالة إلى هذه الملاحظات أيضًا:
مع أهمّية موضوع الكتاب واستعانته بعدد وافر مِن المعلومات والإحصاءات، إلّا أنّه يقوم على منهج جدلي (Dialectical Approach) في مقاربته لقضايا تحتاج إلى معالجات فلسفيّة ونفسانيّة واجتماعيّة وأنثروبولوجيّة، كتعريف الأسرة، وحقوق المرأة والشذوذ الجنسي، وتدخّل الرأسماليّة في الحياة الأسريّة، بل وإنّ معالجة القوانين والتشريعات القانونيّة والتعديلات الدستوريّة لم تتم وفق منهج علمي قانوني مناسب أكثر مِن كونها معالجات تاريخيّة جدليّة إسكاتيّةٍ للطرف الآخر.
يقوم جزء مِن الجدل والتفاوض داخل الكتاب على مبادئ مسيحيّة قبليّة تعتنقها الكاتبة، وتفترض أنَّ جزءًا مِن النقد الذي تقدّمه، هو قائمٌ على هذه المبادئ ولا يمكن تجاوزها. وهو أمر مبرّر كون الكاتبة تكتب عن مجتمع يؤمن بالمسيحيّة، وإنْ كان مجرّد كون الانتماء للمسيحيّة أمرًا قد لا يوفّر كلّ الحلول الممكنة لقضايا الأسرة وحقوق المرأة.
تظهر في بعض كتابات شلافلي نزعة سياسيّة قويّة ضدّ الحزب الديمقراطي الأميركي، في مقابل وقوفها بقوّة إلى جانب الحزب الجمهوري، وقيامها بالدعاية نوعًا ما لهذا الحزب ولمرشّحه لرئاسة الجمهوريّة في حينها.
يحتاج الكتاب إلى تحليل أكبر للظواهر التي ولّدتها العولمة والحداثة على مستوى العالمِ، وتقديم رؤية أكثر إنسانيّة وغير مختصّة فقط بالمجتمع الأميركي، إذ إنَّ سياقات تدمير الأسرة الأميركيّة -تحت ظلّ العولمة- سيشبه كثيرًا سياقات أخرى موجودة في دول أخرى، خاصّة في أوروبا. وبالتالي، كان يمكن لها أنْ تدقّ ناقوس الخطر بشكل أعلى حول انهيار الأسرة في الغرب أعمّ مِن كونها الأسرة الأميركيّة فقط.
والكتاب مهمّ جدًا في موضوعه، أتى في مقدّمة وثمانية فصول، وبأسلوب سلس وواضح، مع مجموعة مِن الإحصاءات والبيانات مِن مصادر موثوقة في المجتمع والمؤسّسات الأميركيّة، صادر باللغة الإنكليزيّة سنة 2014 عن دار(WND Books) في 288 صفحة مِن القطع المتوسّط.

------------------------------
[1][*]- أستاذ جامعي وباحث في مركز الأبحاث والدراسات التربويّة-بيروت.
[2]- لمزيد حول حياة الكاتبة:
- Phyllis, S.(2016) ‘Don’t call me Ms. ... it means misery’, Los Angeles Times. September 6, 2016. Retrieved September 8, 2022.
[3]- Phyllis, S. (2014) Eagle Report, VOL. 48, NO. 3 P.O. BOX 618, ALTON, ILLINOIS 62002 OCTOBER 2014 ,Who Killed the American Family? , p.1.
[4]- تشارلز موراي ‏ هو صحفي وعالم سياسة ومؤلّف وكاتب أمريكي، ولد في 8 يناير 1943 في نيوتن في الولايات المتّحدة. قُرئ ونُوقش كتابه «فقدان الأساس: السياسة الاجتماعيّة الأميركية 1950-1980»، والذي ناقش نظام الرعاية الأميركية بين عامي 1950 و1980، وأثره على سياسة الحكومة، على نطاق واسع.
[5]- Phyllis, S. (2014) Eagle Report, VOL. 48, NO. 3 P.O. BOX 618, ALTON, ILLINOIS 62002 OCTOBER 2014 ,Who Killed the American Family? , p.1.
[6]-Schlafy, p. (2014) Eagle report, p.2.
[7]- Schlafly, P. (2014) Who killed the American Family, p.10.
[8]- Schlafly, P. (2014) Who killed the American Family.
[9]- Schlafly, P. (2014) Who killed the American Family, p.75.
[10]- Schlaphly, P. (2014) Eagle report, p2.
[11]- Schlafly, P. (2014) Who killed the American Family, p.120.
[12]- Schlafly,S. (2014) Eagle Report, p.3.