البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

دراسات ما بعد الكولونياليّة الفرنسيّة؛ نقد المرجعيات البيبليوغرافيّة للثقافة الاستعماريّة

الباحث :  مكي سعد الله
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  30
السنة :  ربيع 2023م / 1444هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 22 / 2023
عدد زيارات البحث :  456
تحميل  ( 589.894 KB )
إذا كانت مفاهيم ومصطلحات «ما بعد الكولونياليّة» قد حجزت مكانتها واحتلّت فضاء مميّزًا في المشهدين النقديّ والإيبيستيمولوجيّ وحتّى الإنثربولوجيّ في العالم الأنجلو-ساكسونيّ، تحت صفة دراسات التابع Les Etudes Subalternes، فإنّها تأخّرت في الظهور في أوروبا عامّة وفرنسا خاصّة، ويتجلَّى تخلّفها حتّى قياسًا إلى دراسات آداب الأقليّات Littératures des Minorités التي ظهرت في آداب شمال – أميركا.
وبصرف النظر عن المفهوم الايبيستيمولوجيّ لمصطلح دراسات ما بعد الكولونياليّة Etudes postcoloniales Les المتداول في البحوث النظريّة، والذي يتمحور حول انقسام المفهوم إلى قسمين من الناحية الشكليّة، فإذا كان المصطلح منفصلًا (ما بعد-الكولونياليّة)، فهو يدلّ على الفترة التاريخيّة التي تلت وعقبت مرحلة الاستعمار الأوروبيّ، أمّا مُلتصقًا (دون فاصلة) فإنّه يعني الموضوعات والقضايا والاستراتيجيّات الأدبيّة والفكريّة والنقديّة التي تبنّاها الباحثون من رعايا المستعمرات القديمة، ومن المفكّرين المتعاطفين معهم والمقتنعين بقضيّتهم.
لا تهدف هذه الدراسة إلى تتبع ظهور المصطلح والتأريخ له وتبيان مفهومه بالحفر في مُنجزه عبر عرض كرونولوجيا مقاربات المنظومات الفكريّة والمعرفيّة المختلفة، باستعراض ظهور المصطلح ونشأته وخصائصه الفنّيّة ومعتقداته الفكريّة ومرجعيّاته الثقافيّة والسياسيّة التي ساهمت في بنائه ورواجه.

كلمات مفتاحيّة: ما بعد الكولونياليّة الفرنسيّة ـ المرجعيّات الثقافيّة ـ الهيمنة الاستعماريّة ـ الثقافة الإنكلوساكسونيّة ـ الأدب الفرانكوفونيّ.

تمهيد
على الرغم من أنّ خطاب نظريّة ما بعد الكولونياليّة ونقدها، ومقارباتها الفكريّة والمنهجيّة، ورهاناتها ومشاريعها في الطموح والرغبة في تفكيك الإرث الاستعماريّ، تمثّل خطابًا وصورة وتمثُّلات ونماذج نمطيّة وتحيُّزًا معرفيًّا، إلّا أنّ مجال تداولها وانتشارها وشيوعها عامّة يبدو ضعيفًا، ولم يرق مقارنة إلى ما وصلت إليه نظيراتها من النظريّات والتيّارات الفلسفيّة والأدبيّة والسياسيّة والاقتصاديّة كالليبراليّة والاشتراكيّة والعلمانيّة والبنيويّة وغيرها.
وإذا كانت دراسات التابع (LES Etudes subalterns) أو (Les Subaltern Studies) الثقافة الأنجلوساكسونيّة قد شقَّت طريقها إلى المجامع الأكاديميّة والمحافل العلميّة، وأصبحت حركة فكريّة لها خصوصيّاتها ومناهجها وميادينها، فإنّ التسويق للنظريّة في المنظومة الفكريّة الفرنسيّة مازال يراوح مكانه بعد موجات النقد والرفض والتشكيك والتسفيه الذي تعرضت له النظريّة، حتّى ليكاد الحجم الكمّيّ المُعارض المُنجز يتجاوز بأضعاف الدراسات التنظيريّة والتطبيقيّة. «على الرغم من الدراسات العالية توثيقًا وسياقًا لغويًّا، والتي لم تتجاهل التداخلات والتقاطعات المعرفيّة، إلّا أنّ كلّ هذا تمّ تجاوزه، وكأنّ الإشكاليّة المركزيّة تمثّلت في شرعيّة دراسات ما بعد الكولونياليّة وكيفيّة استيرادها إلى فرنسا»[2].

تختفي الرؤية الفرنسيّة الظاهريّة والسطحيّة للرفض تحت ستار وقناع الشريعة، فالحجّيّة المعتمدة تستند إلى أنّها نموذج بحثيّ دخيل على فرنسا، انفلت من المستعمرات البريطانيّة ومن الثقافة الأميركيّة، وتبنَّى الموقف نخبة من الأكاديميّين، ومنهم الباحث جون مارك موران 1962 Jean-Marc Moura، صاحب كتاب «الآداب الفرانكفونيّة ونظريّة ما بعد الاستعمار». «إنّها حركة نقديّة متطوِّرة جدًّا في الدول الأنجلوساكسونيّة، وتبقى مجهولة ومتجاهلة عندنا لأنّها ليست فرانكفونيّة»[3].
إنّ حجج الاستيراد والفرانكوفونيّة أسباب واهية، لا تستقيم علميًّا لدحض الحضور وتبرير الرفض الفرنسيّ لدراسات ما بعد الكولونياليّة بعد الانتشار الواسع والشيوع الكبير في الفضاءات العلميّة، فإعداد فرنسا لهيئات أكاديميّة متخصّصة تتحمّل مهمّة الردّ، وتتولّى وظيفة التسفيه والتمييع والتشكيك يوحي بمسكوت عنه، وبمسائل مُخيفة ومُرعبة للمركزيّة تتجاوز حدود النشأة والوسيلة اللغويّة «ما تزال نظريّة ما بعد الكولونياليّة تثير الجدل الكبير في الفضاء الأكاديمي الفرنسيّ، على الرغم من أنّها منهج حيويّ في حقل العلوم الاجتماعيّة في العالم كلّه، حيث البحوث في الديناميكيّة والتطوّر كثيرة في العديد من الدول، الولايات المتحدة وبريطانيا والبرازيل والهند ومن ألمانيا إلى دول الشمال وفي الجامعات الإفريقيّة وجامعات أميركا الجنوبيّة، إنّها حقيقة، فهي قضيّة في النقاش الفكريّ الفرنسيّ، رغم احتلالها لمكانة مميّزة فيه، ويأتي الموقف الفرنسيّ منفردًا ومخالفًا ومعاكسًا للوضعيّة العلميّة العالميّة، حيث بقيت الدراسات مهمّشة في الحقل الأكاديميّ وخاصّة في ميدان العلوم الاجتماعيّة»[4].

أعراض المركزيّة الثقافيّة للكولونياليّة الفرنسيّة
تُحاول المركزيّة الثقافيّة الفرنسيّة تحصين ذاتها بتكوين وعي فرنسيّ أوّلًا وفرانكفونيّ ثانيًا، يُناهض ويُعادي دراسات ما بعد الكولونياليّة، اعتقادًا منها بعدميًة مفعولها وضعف نتائجها وارتباطها بحركات خارجيّة تُهدد الوحدة الوطنيّة الفرنسيّة من خلال مراجعات الفعل الاستعماريّ الفرنسيّ في إفريقيا وآسيا، وما يصاحب تلك الأفكار من انعكاسات على الهويّة الفرنسيّة للشباب المُنحدر من حركات الهجرة، على الرغم من إقرار أكاديميّين فرنسيّين بحقيقة هذه الدراسات ومشروعيّتها وانتشارها الكبير في الحقول المعرفيّة والدوائر العلميّة الفرنسيّة «أصبح اليوم من الصعب تجاهل دراسات «ما بعد الاستعمار» رغم ما يحمله في طيّاته من توتّرات قويّة للغاية، خاصّة (في المجتمع الفرنسيّ)»[5].

بعد عجز فرنسا عن فتح ملفات ماضيها الاستعماريّ إراديًّا، تجنبًّا للمحاكمات، وحفاظًا على امتيازاتها الحاليّة في مستعمراتها القديمة، خاصّة الامتداد الثقافيّ واللغويّ بعد اكتساح اللغة الإنجليزيّة فضاءات العولمة الثقافيّة، وتعميم النموذج الثقافيّ الأنجلوساكسونيّ والأميركيّ، فقد شكّلت حالة استثنائيّة في عالم البحوث الأكاديميّة العالميّة برفضها لقراءات ومقاربات دراسات ما بعد الكولونياليّة، «تُدرس نظريّة ما بعد الكولونياليّة في الولايات المتحدة الأميركيّة بشكل أساسيّ منذ ثلاثة عقود في مختلف أقسام الجامعات (الأدب، التاريخ، العلوم السياسيّة) إلى جانب تيّارات فكريّة أخرى (الدراسات الإثنيّة، الدراسات العرقيّة ودراسات النوع)»[6].
وتكاد تشكّل فرنسا الاستثناء الأوروبيّ، بعد الاعتراف بجرائمها الاستعماريّة أو الاعتذار عنها سواء في إفريقيا أو آسيا، ولم يعثر المؤرّخون ودارسو الآثار ما بعد الكولونياليّة على أسباب علميّة وموضوعيّة لتفسير هذا الموقف سوى سببين، أوّلهما نفسيّ يرتبط بنرجسيّة ترى في واقعيّتها دونيّة، وفي الإقرار بأخطائها ضعفًا معنويًّا يُقلِّل من هيبتها ومن تاريخها الثوريّ والتنويريّ، والثاني براغماتيّ نفعيّ تحتفظ من خلاله باستثماراتها في مستعمراتها بعدما أعادت التموضع، بصياغة سياسيّة تبعيّة تصبح فيها دول الهامش استنساخًا ثانويًّا للإمبراطوريّة، ونموذجًا لها في السياسة والتربية والاجتماع بفضل استراتيجيّات وسياسات دقيقة تؤسّس للاستمراريّة الكولونياليّة تحت أقنعة التعاون والمساعدة، وذلك بالترويج والتسويق لبرامج ومشاريع تعود بالفائدة والمنفعة على الميتروبول قبل الأهالي. «إنّ وضعيّة فرنسا في مواجهة ماضيها الاستعماريّ حالة استثنائيّة وفريدة، وقد أُنجزت برامج (بحث، تعليم، فضاءات للذكرى..) في كلّ الإمبراطوريات الاستعماريّة الأوروبيّة بالفعل، وتأتي العلاقة بين التاريخ والإمبراطوريّات لتجاوز ازدواجيّة الرؤية بين فكر مناهضة الاستعمار ومنطق المقدّسات»[7].
تفرض المنهجيّة العلميّة والمقاربة الموضوعيّة البحث عن الجذور المؤسّسة لرفض مقولات ما بعد الكولونياليّة بعيدًا عن التفسيرات السطحيّة التي تقدّمها المركزيّة الثقافيّة والتي لم تتجاوز حدود (البُعد الجغرافيّ) الأصول الإنجلوساكسونيّة والأميركيّة (والبعد اللغويّ) كتابات إنجليزيّة (والبُعد الاجتماعيّ والاقتصاديّ) انتفاضة الضواحي الباريسيّة ضدّ التهميش.

تنفتح المكتبة الفرنسيّة عن نصوص تأسيسيّة لخطاب ثقافيّ مركزيّ يرفض «ثقافة الآخر» مع التأصيل لصورة فرنسيّة خاصّة في فهم الاختلاف والغيريّة، ونموذج للمركزيّة المنغلقة على ذاتها، فكرًا وعقيدة ولغة ومنهجًا، بحيث تتحوّل المقاربات المختلفة إلى وسيلة وأداة للمؤامرة ضدّ الثقافة/ الأمّ/ المركز، وبحكم مطلق الثقافة العقلانيّة والإنسانيّة المتكاملة. تتنوع النصوص الممجدة لثقافة المركز واعتبارها رسالة حضاريّة ودينيّة «شجّع الكتّاب الرومانسيّون الاستعمار، وقد وصف ألفريد دي فيني Alfred De Vigny الهنود بالمتوحّشين، وحمَّل الحضارة الغربيّة مسؤوليّة تعليمهم الحضارة... وكانت معظم كتابات هذه المرحلة تبرِّر الاستعمار، لتعوِّض فرنسا خسائر الحرب الفرنك-بروسيّة (1870-1871) وتدعو الكتاب الفرنسيّين إلى مدح الاستعمار والترويج له، خاصّة في إفريقيا والهند وجزر الأنتيل[8].
تحتوي مصنّفات أدبيّة وتاريخيّة وفكريّة فرنسيّة على نصوص تمييزيّة وعنصريّة، شكَّلت في الوعي الجمعيّ صورًا نمطيّة عنصريّة جعلت “الآخر” عامّة نموذجًا للوحشيّة والبربريّة والتخلّف والدونيّة، مع ما يُصاحب هذه النمطيّة من أصداء وآثار تُعيق المثاقفة؛ لأنّها ربطت الاختلاف باللاعقلانيّة واللاإنسانيّة[9].
يبني الفكر الفرنسيّ خطابه الوطنيّ بالنسبة للفرنسيّين والكولونياليّين بالنسبة لأبناء المستعمرات على مقاربات متنوّعة تستند في مرحلة أولى على تطوير الدراسات الأنثربولوجيّة وعلم السلالات بتبيان الاختلافات والفروق بين الأجناس والأعراق من خلال مشاهد وصور وظيفيّة منتقاة ومختارة بدقّة تثبّت صورًا وأفكارًا مسبقة تثبت دونيّة “الآخر” واختلافه، وتدعم هذه المنهجيّة في مرحلة ثانية بدراسات نخبويّة تنجزها انتيليجنسيا تؤسّس لخطاب استعماريّ توسُّعي تحت أقنعة الحضارة والتبشير.
فتطوُّر الفكر العرقيّ «حمله مجموعة من رجال العلم المؤمنين بفكرة الجمهوريّة مدعّمين من الجمهوريّة الثالثة، فأصبح علم الأعراق جزءًا من الأيديولوجيّة الجمهوريّة... إنّ الفكر العرقيّ الجمهوريّ يؤمن برؤية تراتبيّة/ هرميّة، غير عادلة للاختلاف، وعلى الرغم من تناقضها مع المبادئ الإنسانيّة للجمهوريّة، إلّا أنّ بعض العلماء ورجال السياسة ومسيّرو الإدارات الاستعماريّة آمنوا بهذه المبادئ والتمثُّلات العرقيّة في اللامساواة بين الجنس البشريّ»[10].
يأتي هذا البحث لاستجلاء غموض وإشكال منهجيّ مسكوت عنه في أدبيّات المنظومة الفكريّة الفرنسيّة، بعد تنصّلها من مسؤوليّاتها المعنويّة والمادّيّة، وإصرارها على الصمت الموصوف بالتحدّي على جرائمها والاعتراف بفعلها الكولونياليّ الذي أحدث شرخًا ثقافيًّا وسياسيًّا لم يندمل بعد.

أحدث عدم الاعتراف الفرنسيّ بدراسات ما بعد الكولونياليّة تصدّعًا في الحقل المعرفيّ الإنسانيّ والعالميّ، وأثبت بالتوثيق الأكاديميّ العنصريّة المعرفيّة والتحيُّز العرقيّ للمركزيّة الثقافيّة الفرنسيّة، بعد ضعف القرائن العلميّة وغياب الموضوعيّة المنهجيّة «من الصعب أن نتخيَّل في فرنسا الأهمّيّة التي يعرفها تيّار دراسات ما بعد الكولونياليّة، بتنوّعه وتوقّعاته واختلافه، فصداه في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينيّة وفي الولايات المتّحدة أيضًا، حيث يحتلُّ مكانًا بارزًا في العالم الأكاديميّ، وكذلك في بعض الدول الأوروبيّة. هو عبارة عن موجة مدِّ وجزر حقيقيّة رافقت وتلت مرحلة إنهاء الاستعمار، ويتمظهر في خطاب يعود إلى المرحلة الاستعماريّة، ودلالتها وعواقبها، وقد يتجلَّى أيضًا في أشكال أخرى منها (الاقتصاد) العولمة (والسياسة) استيراد نماذج مؤسّساتيّة وقوانين نافذة (والثقافة) تشويه الثقافات البدائيّة أو الموصوفة بالدونيّة (واللغات) التقاطع اللغويّ في إفريقيا بين الفرنسيّة والإنجليزيّة (والعلوم الاجتماعيّة) تطبيق المناهج الغربيّة على المجتمعات المستعمرة قديمًا»[11].

يُدرك القارئ والمتلقّي بعد استقرائه للنظريّات المعرفيّة المتنوعة أنّ أغلبها انتشر عبر الترجمة والتراكمات المعرفيّة والاحتكاك، ولم تكن القوميّة والتعصب اللسانيّ يومًا حاجزًا أمام الانتشار والتوسُّع، فثمّة أسباب ودواعٍ أخرى، يسعى هذا البحث إلى كشفها من خلال الغوص في حفريّات وخلفيّات الرفض الفرنسيّ لدراسات ما بعد الكولونياليّة.

الكتابة الإفريقيّة كِّفعل مِّقاومة
اتخذ بعض الأدباء الأفارقة الكتابة كسلطة للمقاومة وإثبات الذات وتفكيك ثقافة التماهي وأسطورة الاستعمار الناعم المهموم بمهمّة تحضُّر «الآخر» وإخراجه من غياهب البربريّة وظلمات الجهل وبراثن التخلّف، فكانت الكلمة سلاحًا حاسمًا في فضح الصور الزائفة التي رسمها الاستعمار لنفسه عبر وسائله وقنواته الترويجيّة الخاصّة وأتباعه من أبناء مركزيّته أو من أبناء مستعمراته الذين خانوا رسالة أوطانهم وتنكَّروا لتضحيات آبائهم وأجدادهم، فجاءت كتاباتهم خطابات تفكيكيّة لمنظومة كولونياليّة رسمت في أدبيّاتها صورًا ملائكيّة، مثاليّة وطوباويّة للتغطية عن جرائمها الاقتصاديّة والإنسانيّة والثقافيّة، بمنهج نقديّ ثقافيّ كاشفًا عن حفريّات البُعد الكولونياليّ بمنأى عن السرديّة الكرونولوجيّة التي تُرهن البحث التفكيكيّ وتُقرنه بالتحليل التاريخيّ.

إن التابع والهامش وهو يكتب عن التاريخ الكولونياليّ لا يسعى إلى محاكمة التاريخ والمركز بقدر ما يهدف إلى إثبات الذات والتعبير عن الكينونة والوجود في مرآة الغيريّة الكولونياليّة، وخلخلة خطابها الثقافيّ الذي استطاع صناعة صورة تتّسم بالموضوعيّة والمصداقيّة بفضل سلطة المركزيّة والميديا الترويجيّة، بالإضافة إلى إعادة العلاقة بين الإفريقيّ/ المُستعمر بتاريخه الذي تعرّض للطمس والتشويه والتحريف.
ويستمدّ خطاب ما بعد الكولونياليّة قياسًا بالمستعمِّر، وهامشًا قياسًا بالمركزيّة، قوّته من سلطة التاريخ ومصداقيّة المرجعيّة أوّلًا التي تشهد على جرائم الإبادة والاستغلال والاضطهاد، وثانيًا من النخبة الأكاديميّة التي تُطالب بإجراء مراجعات تاريخيّة تدفع بالمركزيّة إلى الاعتراف بجرائمها والاعتذار عنها، خدمة للمثاقفة الندّيّة وتجسيدًا لثقافة الاختلاف والتسامح.
وضمن آفاق هذا الفضاء الثقافيّ المقترن بقيم التسامح والتعاون والتجاوز نحو المُشترك الإنسانيّ، ترتكز إستراتيجيّة الكتابة ما بعد الكولونياليّة على نقد أسس العقل المركزيّ المُنتج للفكر والثقافة التبريريّة والتسويغيّة للفعل الكولونياليّ باستغلال الوظيفة للنصّ باعتباره جهازًا عبر-لغويّ Translinguistique، بتعبير جوليا كريستيف (1941) [12]Julia Kristiva، فالنصّ الكولونياليّ خطاب مزدوج يجمع بين الخدعة والقناع، الخدعة من خلال التضليل الثقافيّ وصناعة التزييف والتلاعب بالمصطلحات والمفاهيم، والقناع بالتسويق للأفكار المدلَّسة، الكاذبة للتلاعب بعقول العامّة ومعتقداتهم.
يسعى كتَّاب الزنوجة خصوصًا، ومنهم إيمي سيزار (2008-1913) Aimé Césaire[13]، والشاعر ليون غونتران داماس (1912-1978)[14]، والرئيس الشاعر ليوبولد سيدار سنغور (1906-2001)[15] إلى الانتفاضة كتابة لخلخلة الصورة المركّبة التي صنعتها المركزيّة لنفسها وأحاطت بها مشروعها الكولونياليّ تحت قناع المهمّة الحضاريّة والمسؤوليّة الإنسانيّة وسفينة النجاة الغربيّة، المنقذة للبشريّة من وضعيّات الفقر والجهل والتوحّش.

تأسَّس خطاب روّاد حركة الزنوجة على تفنيد خطاب المركزيّة والردّ على مفكّريها الذين حاولوا تأييد مشاريعها الخارجيّة التوسّعيّة، باعتبارها تعود بالمنافع والامتيازات على الميتروبول، فقد جمع مثلًا فيكتور هوجو Victor Hugo (1802-1885) بين ثنائيّة الاستعمار والحضارة، واعتبر أن روسيا وبريطانيا قوّتان استعماريّتان ويجب إقصاؤهما من النظام السياسيّ الأوروبيّ، بينما تعدّ فرنسا قوّة حضاريّة لها رسالة تنوير وتثقيف نحو المجتمعات المتخلّفة «يجب أن لا تكون فرنسا قوّة استعماريّة، فلا بدّ أن تكون قوّة حضاريّة، إنّ انجلترا وروسيا يحتلَّان العالم المتوحّش، ولكن فرنسا عليها تحمُّل مسؤوليّة تمدين هذا العالم المستعمر»[16]. وقد كذّب الشاعر إيمي سزار هذه الرؤى واعتبرها من ضروب الخداع والمكر، فالحضارة تتناقض بمبادئها وقيمها مع ممارسات الاستعمار، فشتّان بين نشر القيم والحداثة والتقنية، وبين النهب والقتل والاضطهاد، فقد ندَّد في بحثه الموسوم (خطاب حول الاستعمار) سنة 1950، بمظاهر القهر والتعذيب والعنصريّة والاغتيالات والاستغلال والتجنيد الإجباريّ للأفارقة، بالإضافة إلى الوصاية السياسيّة والثقافيّة التي حرمت الأفارقة من لغتهم ودياناتهم وثقافاتهم وهويّتهم «لا أحد يستعمر ببراءة، لا أحد يستعمر بحصانة، أمّة تستعمر، وحضارة تبرّر الاستعمار، إنّها بالفعل حضارة مريضة»[17].

وعلى الرغم من الانتقادات التي تطال خطاب ما بعد الكولونياليّة، إلّا أنّه تمكّن من تشكيل حقل معرفيّ رائد وإرساء رؤية ومقاربة جديدة في تفكيك خطاب الإمبراطوريّات الكولونياليّة العظمى، فقد كشفت كتابات التابع/ الهامش عن زيف المشاريع الاستعماريّة وقناعاتها الوهميّة وإنهاء أسطورة المهمّة الحضاريّة «إنّ المسافة بين الاستعمار والحضارة غير محددة، ففي كلّ الحملات الاستعماريّة المتراكمة والمتتابعة، لم نعثر على قيمة إنسانيّة واحدة، سواء في القوانين المُشرَّعة أو في التعليمات الوزاريّة المُرسلة إلى المستعمرات، ولا في غيرها»[18].
اشتركت توجّهات أدب ما بعد الكولونياليّة بمختلف تيّاراته وأجنحته وجزئيّاته البحثيّة إلى كشف الأقنعة البيضاء للاستعمار بألوانه وأطيافه المختلفة والمتنوّعة، فكانت كتابات الهامش والمنبوذ، والزنوجة في ارتكازها على اللون والثقافة واليساريّين التنويريّين انطلاقًا لميلاد صوت ونمط جديد في المقاومة والتصدّي والرفض لسلطة المركزيّة الفرنسيّة، وهي تحارب الهويّات والثقافات، وتُكرِّس الاغتراب والاستلاب، وتقتل كينونة ووجود «الآخر» المختلف.
تمكّن خطاب ما بعد الكولونياليّة من تحقيق جملة من النتائج، لعلّ أبرزها القدرة على التعبير والكتابة، والتي صمدت أمام اتهامات المركزيّة الثقافيّة حول المنهجيّة والخلفيّة الثقافيّة والمرجعيّة السياسيّة والإبداعيّة والدافعيّة البحثيّة. وكانت المشاركة في صناعة الصورة والتمثُّلات الثقافيّة أهمّ مُنجز بعدما كان احتكارًا مقتصرًا على المنظومة المركزيّة الثقافيّة دون غيرها، فهي الآليّة والوعاء الحصريّ لتشكيل الصور في المخيال الجمعيّ والوعيّ الاجتماعيّ والثقافيّ، فكانت صورتها الاستعماريّة نموذجًا للعقلانيّة والحضارة والمدنيّة.
ومع بروز ثقافة ما بعد الكولونياليّة بدأت الصورة النمطيّة تنهار وتتفكّك بفضل المراجعات والقراءات التي تحمَّلت عبء إنهاء المنطلقات الأيديولوجيّة للمركزيّة وتفنيد ادعاءات تيّار الاستعمار الحضاريّ والمهمّة التنويريّة.

تفكيك ببليوغرافيّا مِّصنّفات «ما بعد الكولونياليّة» الفرنسيّة
تسعى هذه المقاربة إلى تقديم مسح لأهمّ المؤلَّفات الفرنسيّة في حقل دراسات ما بعد الكولونياليّة، بهدف الوصول إلى استصدار أحكام علميّة وموضوعيّة حول توجّهات الرؤية الفرنسيّة لهذا الضرب من الأبحاث، وتمكين الباحثين من تشكيل وتكوين موقف وتصوُّر واضح حول سمات وخصائص المنظومة الفكريّة والاطلاع على هويّتها ومنهجها في التعامل مع دراسات رعايا مستعمراتها القديمة.
وعلى الرغم من التضييق والحصار المضروب على دراسات ما بعد الكولونياليّة وتجريدها من العلميّة والموضوعيّة منهجيًّا، ومن التجديد والإبداع فكريًّا لارتباطها بالموروث السرديّ والوصفيّ الاستعماريّ، وبالتحيّز المعرفيّ لمقاضاتها المركزيّة الثقافيّة ومطالبتها بإعادة مراجعة تصوُّراتها وصورها النمطيّة حول «الآخر» وثقافته ودعوتها إلى التجرُّد والتحرّر من الأيديولوجيّة الاستعلائيّة ومن التمثُّلات الوهميّة التي أصبحت مرجعيّة ثابتة ومعيارًا لمحاكمة الغيريّة ومرآة عاكسة لرهانات المثاقفة.
لم تكن المكتبة الفرنسيّة ثريّة، ثراء المكتبة الانجليزيّة والأميركيّة في حقل دراسات ما بعد الكولونياليّة والتابع لاختلاف المنظومتين فكريًّا وأيديولوجيًّا في التعامل مع المستعمرات ومخلّفاتها الثقافيّة والسياسيّة، فقد ناصبت المركزيّة الثقافيّة الفرنسيّة العداء للدراسات التاريخيّة التي تنقِّب في موروثها الاستعماريّ وتستنطق منظومتها الأدبيّة والفكريّة، كاشفة زيف تصوّراتها، واصطناع مرجعيّتها، وتكلّف سلوكيّاتها.

لذلك سارعت إلى اتّهام دراسات ما بعد الكولونياليّة بجملة من الادعاءات والمغالطات، تقزيمًا لرسالتها واختزالًا لأهدافها، واستصغارًا لروّادها، واختراقًا لمناهجها؛ لتحقيق استهجان أكاديميّ من جهة، ورفض شعبيّ من جهة أخرى بالترويج لتقاطع نتائجها مع الوحدة الوطنيّة وتهديدها وإثارة الاضطرابات الاجتماعيّة داخل الميتروبول.
بدأت الكتابات الفرنسيّة تزدهر «انطلَّاقا من سنة 2006 حيث ازداد الإنتاج الفرنسيّ في موضوع ما بعد الكولونياليّة، مما أثار فرحة لأنصارها الذين يعتبرون أنّ المناقشات حول الظاهرة ضروريّة لمعرفة أسباب انتشارها»[19].

شكّلت جدليّة المحتوى والمقاربة صدمة للمتلقّي وهو يستقرئ ويستعرض المكتبة الفرنسيّة في أبحاثها الأكاديميّة في حقل دراسات ما بعد الكولونياليّة؛ ذلك أنّ أغلب الدراسات، وبنسب متفاوتة، حاولت التقليل من القيمة العلميّة وإثارة الشبهات حولها، سواء أكان من حيث المضمون المعرفيّ أم من ناحية الدوافع والحوافز المؤسّسة لشيوع هذا الضرب من المقاربات، وقد انقسمت المعارضات والمراجعات إلى اتجاهات تختلف في المنهج وتشترك في النتيجة، حيث لم يتمكن الدارسون من التجرّد والتحرّر من سلطة التحيز الذي أقرَّته المركزيّة الثقافيّة والتي دفعت بالباحث إلى التحوُّل من الوظيفة العلميّة الموضوعيّة إلى الوظيفة النضالية التي تتبنّى مواقف مبدئيّة أيديولوجيّة من المسائل والقضايا المرتبطة بالتاريخ الكولونياليّ.

ولم تكن المواقف تجاوزًا للماضي ودعوة للمثاقفة مع الآخر/ الهامش والاعتراف بالجرائم المقترفة والمرتكبة في حقّه، بقدر ما كانت إنكارًا كولونياليًّا جديدًا لسلطة خطاب الهامش ومصادرة لحقّه في التعبير، كما هو شأن نظرائه في المستعمرات الإنجلوساكسونيّة من أمثال كتابات هومي Homi Bhabha 1949 وراناجيت جحا Ranajit Guha 1922.
تساءلت أغلب الدراسات المنشورة في الأعداد الخاصّة من المجلّات (تُشكل أغلبيّة المنشورات قياسًا للمؤلَّفات الشخصيّة وأعمال الملتقّيات) صدمة للمتلقّي من أبناء المستعمرات أوّلًا والقارئ الفرانكفونيّ ثانيًا؛ ذلك أنّ العناوين اعتمدت الاستفزاز كمنهج للإثارة، فجاءت في معظمها صادمة من حيث التشكيك في الغايات والأهداف والتضليل الفكريّ بالخلط بين مفاهيم مقتربة من حقل التاريخ الاستعماريّ، كالميراث الكولونياليّ، أو التاريخ الاستعماريّ، الإمبراطوريّة ومستعمراتها، أو بالربط بين الاستعمار وازدواجيّة الجنسيّة وقضايا الهويّة والهجرة والتطرّف الدينيّ وما إليها من المسائل التي تتقاطع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة مع الاستعمار وتمظهراته السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.

فقد نشرت مجلّة هيرودوت Hérodote عددًا خاصًّا حول المسألة الاستعماريّة La question Coloniale ولم يحظَ موضوع ما بعد الكولونياليّة كمنهج نقديّ ثقافيّ يحلِّل ويُناقش ويُعيد بناء مفهوم الاستعمار إلّا بالقليل النادر، بعدما سيطرت القضايا الهامشيّة والثانويّة المتّصلة بالمنظومة الاستعماريّة كقضايا الخلط بين الاستعمار القديم والحديث وعلاقة ما بعد الكولونياليّة باللغات، وانفجارات لندن وما إليها من القضايا التي لا تُطوِّر الأدبيّات والمنطلقات الفكريّة والمرجعيّة لتيّار ما بعد الكولونياليّة. وربما يتمُّ فهم المنهج وأصوله بطريقة سطحية ساذجة للتأكيد على ضعفه وفشله في مقاربة الظواهر التاريخيّة «اليوم مثلًا في فرنسا وبسبب تزايد عدد السكان المنحدرين من البلاد ذات الثقافة الإسلاميّة، وبسبب تطوّر الأفكار فإن عدد المستمعين للرأي[20] والذين يأكلون الكسكسي[21]، ولهم علاقات صداقة مع العرب، هم أكبر عددًا مقارنة بـ«الجزائر الفرنسيّ» وهذا دليل على أهمّيّة العلاقات ما بعد الكولونياليّة»[22].
والحقيقة أنّ الانتشار العالميّ في حقول ميادين الموسيقى والأكل والرياضة يرجع إلى أسباب أخرى غير الاحتكاك المباشر بأبناء المستعمرات، فالهجرات المتتالية وتطوّر وسائل الاتصال وثقافة العولمة كلّها آليّات ساهمت في تقارب الشعوب وبداية تفكّك الخصوصيّات الثقافيّة وانقراضها بعد موجات التجديد والتحديث التي لامست مسائل الثقافة والفنّ والرياضة وغيرها.
انتظر القارئ وهو يتصفّح العدد الخاصّ لمجلّة المتاهة Labyrinthe الذي افردته لموضوع ما بعد الكولونياليّة الموسوم بـ«هل يجب أن نكون ما بعد كولونياليّين؟» أن يعثر على المقاربة الفرنسيّة لحقل دراسات ما بعد الكولونياليّة ويكشف عن رؤيتها وموقفها ليستنبط الخصائص والمميزات والضوابط ويستطلع المنهج والرؤية ليقارنها مع نظيراتها الأميركيّة والإنجلوساكسونيّة، ولكنّه يتفاجأ بمجموعة من الدراسات والأبحاث تتعلّق بالنوع والجنس الأدبيّين القادمين من أميركا بخصائص سرديّة ووصفيّة مميّزة، وبموضوعات استرجاعيّة تاريخيّة كخصائص نمط تعليم الأهالي في الجزائر ومدغشقر من خلال المشروع الكولونياليّ الفرنسيّ.

إلّا أنّ العدد احتوى على مقاربة قدّمها الباحث غريغوار لومبانجي Grégoire Leménager الموسوم: «الدراسات ما بعد الكولونياليّة على الطريقة الفرنسيّة»، وعلى الرغم من الدافعيّة التي يثيرها العنوان، إلّا أنّ الباحث استعرض تعامل المنظومة الفكريّة الفرنسيّة مع هذا الحقل الجديد، من خلال كتاب (الشرخ الكولونياليّ) La Fracture Coloniale والذي أشار فيه الكاتب إلى أنّه «أصبح اليوم من الصعوبة تجاهل دراسات ما بعد الكولونياليّة، رغم أنّها تحمل توتّرات قويّة وغير عاديّة في المجتمع الفرنسيّ»[23].
ولعلّ ما يميِّز هذا العدد هو الإقرار الفرنسيّ بتأخر حقل دراسات ما بعد الكولونياليّة في فرنسا والإشارة إلى التناقض والفجوة الكبيرة بين عالمين وفضاءين؛ الأوّل عالم يشهد مراجعات نقديّة لفترات الكولونياليّة وانعكاسات تواجدها على المستعمرات وأبنائها، نفسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا وسياسيًّا، وبين عالم مركزيّ متعنّت ومُتصلِّب وعنصريّ رافض لكلّ حوار مع «الآخر» وثقافته ووجوده الإنسانيّ والحضاريّ. والكتاب «الشرخ الاستعماريّ» دعوة لتجاوز التأخُّر المقصود في البحث، مقارنة بالبحوث الأنجلوساكسونيّة، وهو يكرّر فكرة نيكولا بانسل Bancel Nicolas[24] حين أعلن تقويم الرؤية الدوليّة للبحث الفرنسيّ بالضعف في هذا الحقل المعرفيّ»[25].

وتنتاب المركزيّة عمليّات فزع وهستيريا فكريّة ومعرفيّة من دراسات ما بعد الكولونياليّة ودعاتها، حتى وإن كانت انتماءاتهم فرنسيّة، فالولاء والانتماء الإداريّ لا يُعبّر بالضرورة عن الوطنيّة المطلقة والخالصة؛ لذلك تحجب نصوص دعاة ورواد ما بعد الكولونياليّة الفرنسيّين من الكتب والمراجع المدرسية الفرنسيّة، خوفًا من اطلاع الأجيال الصاعدة على التاريخ الاستعماريّ لبلادهم، وبالتالي الدعوة إلى مراجعات علميّة موضوعيّة تُنصف الثقافات والحضارات من هيمنة المركزيّة وسلطة الإمبراطوريّة الكولونياليّة «تحتوي الكتب المدرسيّة على 23 ٪ من النصوص المتعلّقة بإشكالات آداب ما بعد الكولونياليّة، وقضايا الغيريّة والعلاقة بين تاريخ الاستعمار وما بعده، علاوة على ذلك أنّه لم يتمّ مطلقًا توظيف مصطلح ما بعد الكولونياليّة للتعبير عن الظواهر السابقة»[26].

عقدة كتابات الكولونياليّة الفرنسيّة
تُمثّل كتابات ما بعد الكولونياليّة فوبيا للمتلقّي المركزيّ لأنّها نصوص مارقة متمرّدة على أصول الإمبراطوريّات في تصوّراتها وتمثُّلاتها للآخر/ المُختلف/ المُضطهد، المُجسّد للدونيّة العقلانيّة والانحدار غير الراقي، والعجز الفكريّ على مواكبة النهضة والتنوير.
إنّ هيمنة الأيديولوجيّة المركزيّة على قراءة وتأويل كتابات ما بعد الكولونياليّة أنتجت أنساقًا ثقافيّة إقصائيّة وأنظمة فكريّة عنصريّة متعالية، ترى في المراجعة والإقرار بالذنب والخطأ نقصًا ودونيّة وضعفّا، مما دفع ببعضٍ إلى التساؤل عن «ماذا نصنع بدراسات ما بعد الكولونياليّة»؛ لأنّها تحدث تمزّقًا اجتماعيًّا وخللًا منهجيًّا لتقاطعها مع مناهج العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، متجاهلة الفائدة المعرفيّة لمنهج العلوم البينيّة L’Interdisciplinarité بانفتاحها على مختلف العلوم، وبالتالي قراءة النصّ برؤى ومقاربات متعدّدة ومتنوّعة تجاوزًا للأحاديّة التأويليّة والتفسيريّة، وهو من المناهج الوظيفيّة في تناول القضايا والمسائل الهادفة إلى إحداث قطيعة إبستيمولوجيّة مع الموروث المرجعيّ «تجدر الإشارة إلى أنّ الهجمات العامّة ضدّ دراسات ما بعد الكولونياليّة والتابع غريبة ومُريبة، فهذا التيّار يوصف عادة بأنّه منفتح، متعدّد المناهج، مُتناقض ومُثير للجدل»[27].
من القضايا التي تُثيرها المركزيّة حول دراسات ما بعد الكولونياليّة هي أنّ هذا النمط من الدراسات آنيّ، أي وقتيّ مرتبط بفترة تاريخيّة محدّدة، وبفضاء جغرافيّ مضبوط بتواجد الاستعمار، وموته متّصل بنهاية المراجعات التاريخيّة، فهو منهج زمنيّ ومرحليّ صلاحيّته الأكاديميّة محدودة، والحقيقة أنّ دراسات ما بعد الكولونياليّة ليست تيّارا مؤقّتًا مرتبطًا زمنيًّا، بل هو تيّار نقديّ تفكيكيّ، يرتكز على نظريّات النقد الثقافيّ في تحليله لرؤى التمركز المتعالي في البنية والهيكلة والتكوين والمعياريّة لكلّ منظومة مركزيّة تعتقد الكمال والنقاء والشموليّة، وتنطلق أعماله من أرضيّة نشأة النواة الأولى لمفهوم الغرب وميلاد مصطلح السيطرة والهيمنة سنة 1492، فالخوف من البرابرة ينهض بالدراسات الأكاديميّة إلى الاستمراريّة في المقاومة بالكتابة لإلغاء التصوّرات المزعومة والمزيّفة للإمبراطوريّات التوسّعيّة في العالم.
والواقع الذي تهابه المركزيّة الثقافيّة وتخشاه هو إعادة قراءة التاريخ وظواهره ونتائجه وفق مؤشّرات ومعطيات جدليّة الأنا والآخر وحوار الحضارات والمثاقفة الندّيّة وثقافة التسامح، حيث يتمكّن الهامش من تقويم المركز «تنظر دراسات ما بعد الاستعمار إلى مسألة نشأت عن قراءة كتاب “إدوارد سعيد” هي الآثار المترتّبة عن حقب الفترة الاستعماريّة، وهل يستطيع الاستعمار، من هذا المنظور، أن يخبرنا عن تاريخ الميتروبول نفسها؟ وهل يمكننا أيضًا تصوُّر تفكيك أوروبا كمركز لإنتاج العقلانيّة” المهيمنة” التي تشجّع الاستعمار من زاوية الغزو وتعلّمه الأشكال الملموسة لممارسة السلطة، وكيفيّات تطبيق العنف الرمزيّ وتهميش الثقافات وتخفيض قيمتها»[28].

تكمن رسالة الهامش عبر تموقعه الجديد في السيرورة الحضاريّة من دفع المركز إلى إدراك حجم المعاناة السيكولوجيّة والسوسيو- ثقافيّة التي مارستها المركزيّة الإمبراطوريّة، فكرًا وثقافة وسياسة عبر قرون الاضطهاد والقهر، كما يسعى إلى إلغاء ثقافة التبعيّة والنفي والإقصاء وهي الأدوات التي توظّفها المركزيّة لإنتاج النموذج الأعلى والبديل الذي يتحوّل إلى معيار لتحديد مراكز الآخرين في هرم البناء الحضاريّ وتقويم ثقافاتهم وحضاراتهم، يسعى فكر ما بعد الاستعمار إلى تفكيك الهيكل العظميّ للوحش، لإخراج أماكن سكنه المتميّزة، بشكل جذريّ، ويسأل نفسه عن معرفة ظروف العيش في ظلّ نظام هذا الوحش، وعن نمط الحياة والموت في محرابه، إنّه يكشف عن النزعة الإنسانيّة للاستعمار الأوروبيّ، خاصّة ذلك الشيء الذي يجب أن نسمّيه الحقد المكبوت في لاشعور «الأنا»، فالعنصريّة عمومًا والعنصريّة الاستعماريّة خصوصًا هي انعكاس لما في نفس «الأنا» على «الآخر»[29].
شكَّلت الكتابات الفرنسيّة في حقل دراسات ما بعد الكولونياليّة نموذجًا للرفض والإقصاء، وأسقطت على الكتابات التي لا تتناسب وتتوافق مع أدبيّاتها وأيديولوجيّتها كلّ أنواع التُّهم والمغالطات الأكاديميّة من الامتداد الماركسيّ/ الشيوعيّ الذي استرجعت المركزيّة الكولونياليّة مواقفه من حركات التحرّر ودعوته لاستقلال البلدان المستعمرة في إفريقيا وآسيا، فقد نادي الحزب الشيوعيّ الفرنسيّ بضرورة استقلال الجزائر وبقيّة الدول المحتلّة، كما دعم حركات التحرّر مادّيًّا ومعنويًّا بإنشائه لتيّارات ولجان للتضامن، منها رابطة مناهضة الإمبرياليّة والقمع الاستعماريّ[30]، وتسعى المركزيّة الثقافيّة الفرنسيّة إلى تحقيق الصلة بين دراسات ما بعد الكولونياليّة وبين الأحزاب والتيّارات اليساريّة واعتبارها حاضنة للفكر الجديد، ولم يخف بعض الباحثين مقارباتهم في جعل كتابات الهامش مجرّد مطالب هوياتيّة وثقافيّة ما انفكّ اليسار السياسيّ يتبنَّاها ويدافع عنها، فهي رؤى إمبرياليّة قائمة على قراءات جديدة الموروث الماركسيّ ولكتابات أنطونيو غرامشي (1891 -1937) Antonio Gramsci حول المثقّف العضويّ ومناهضته لليبراليّة الجديدة والقطيعة مع اليسار التقليديّ، وهذا ما دفع ببعض النخب الفرنسيّة إلى اعتبار دراسات ما بعد الكولونياليّة خدعة إمبرياليّة «إنّه من السهولة تصنيف دراسات ما بعد الكولونياليّة وقراءتها بأنّها «حيلة إمبرياليّة» بسبب لغتها الإنجليزيّة وقدومها من الولايات المتّحدة الأميركيّة»[31].

وبناء على التراكمات التاريخيّة والمعرفيّة لم تتمكن المركزيّة الثقافيّة الفرنسيّة من التكيُّف والتفاعل مع تيّار النقد ما بعد الكولونياليّ الذي شرع في تفكيك المقولات الاستعماريّة وإعادة بناء صورة معرفيّة جديدة تستجيب لحقوق الإنسان في وجوب استمتاع الإنسانيّة جمعاء بالحرّيّة والعدالة دون عنصريّة أو تمييز عرقيّ وثقافيّ، فلجأت إلى الدعوة إلى ضرورة التخلّص من هذا الضرب من الدراسات وحرقها؛ لأنها تهدِّد الوحدة الوطنيّة وتفكّك النسيج الاجتماعيّ وتدعو إلى التفرقة والتطرّف. «يشكّل هذا النمط من الدراسات انحدارًا علميًّا؛ لأنّه ير كّز على الخطابات والتمثُّلات، بالإضافة إلى الاستخدام الكارثيّ لمفهوم الهويّة، مما أدّى إلى معالجة المسألة الاجتماعيّة والسياسيّة للضواحي بطريقة إثنيّة طائفيّة»[32].
الانحراف الجديد الذي تبنّته المركزيّة الثقافيّة تمثّل في تحويل قصديّة دراسات ما بعد الكولونياليّة من مقاربة نقديّة حداثيّة في قراءة وتأويل الموروث الثقافيّ الاستعماريّ تهدف إلى تفنيد الرؤى والرهانات الوهميّة للتبعيّة الثقافيّة إلى الإدانة والمساءلة عن المسؤوليّة في فشل السياسات الداخليّة للمتروبول، فقد ظهرت دراسات بعد انتفاضات الضواحي في باريس سنة 2005، مُحمّلة دراسات ما بعد الكولونياليّة الدوافع والنتائج والآثار، ومتجاهلة الأسباب المباشرة للتمرّد بعد رفض شباب فرنسيّ لسياسة الاندماج وتنديدهم بالتهميش والعنصريّة في سوق العمل والتعليم.
قرأت المركزيّة انتفاضة الضواحي بأنّها ثورات «هويّة» بعد إثارة الدراسات الأكاديميّة للموروث الاستعماريّ، والتذكير بجرائمه واستغلاله الوحشيّ للثروات الطبيعيّة والبشريّة؛ لأنّ الاستعمار يستمرّ ويستحضر عبر الفضاء والزمن، ويُشكل مُكوّنًا مركزيًّا وأساسيًّا من ركائز الهويّة لأبناء المستعمرات وأحفادهم، وفي ظلّ غياب المكاشفة المباشرة والاعتراف بالجرائم والانتهاكات الاستعماريّة يبقى تأويل المتن والشاهد التاريخيّ خاضعًا للبراغماتيّة والمصالح الذاتيّة «يُشكّل الاستعمار جزءًا من التراث التاريخيّ الفرنسيّ، ولكنّه يختفي خطابيًّا...وفي ضموره واختفائه دفع إراديّ لصناعة علاقات خياليّة مع «الآخر» والعكس صحيح»[33].
وتصل ذروة التطرّف قمّتها حين تنطلق المنظومة النقديّة المركزيّة في تهميش دراسات ما بعد الكولونياليّة والتشكيك في منهجها القائم على استنطاق التاريخ، وعدم التمييز بين الفعل الكولونياليّ وخطابه، بالإضافة إلى الاستعانة بمناهج مختلفة في تحليل الظاهرة الاستعماريّة، بتوظيف لغة موازية تفرز أنظمة فكريّة وخياليّة وللغة العنف المعرفيّ التي كان يستخدمها الإستعمار، دفعت هذه التهم والادعاءات الباحثة الفرنسيّة لوتيسيا زيكيني Zecchini Laetitia في المركز الوطنيّ للبحث العلميّ CNRS إلى الاستفهام «هل دراسات ما بعد الكولونياليّة تستعمر العلوم الاجتماعيّة»[34].

تعتقد المركزيّة الفرنسيّة أنّ منهج دراسات ما بعد الكولونياليّة تحتلُّ وتغزو الدراسات الإنسانيّة وتأسرها وتأخذها رهينة بسبب اقترانها المطلق بالتاريخ والماضي، وتمنعها من التطوّر والانفتاح والاستفادة من فتوحات العولمة ومناهجها النقديّة الحداثيّة.
وتنتاب المركزيّة عمليّات فزع وهستيريا فكريّة ومعرفيّة من دراسات ما بعد الكولونياليّة ودعاتها، حتى وإن كانت انتماءاتهم فرنسيّة، فالولاء والانتماء الإداريّ لا يُعبِّر بالضرورة عن الوطنيّة المطلقة والخالصة؛ لذلك تحجب نصوص دعاة ورواد ما بعد الكولونياليّة الفرنسيّين من الكتب والمراجع المدرسية الفرنسيّة، خوفًا من اطلاع الأجيال الصاعدة على التاريخ الاستعماريّ لبلادهم، وبالتالي الدعوة إلى مراجعات علميّة موضوعيّة تُنصف الثقافات والحضارات من هيمنة المركزيّة وسلطة الإمبراطوريّة الكولونياليّة «تحتوي الكتب المدرسية على 23 ٪ من النصوص المتعلّقة بإشكالات آداب ما بعد الكولونياليّة، وقضايا الغيريّة والعلاقة بين تاريخ الاستعمار وما بعده، علاوة على ذلك أنّه لم يتمّ مطلقًا توظيف مصطلح ما بعد الكولونياليّة للتعبير عن الظواهر السابقة»[35].

أنتجت الباحثة كريستين شيفالون 1961 Christine Chivallon في الحقل الجغرافيّ والأنثربولوجيّ بالمركز الوطنيّ للبحث العلميّ CNRS بحثًا مثيرًا بعنوانه ومضمونه «السعي المثير للشفقة لدراسات ما بعد الكولونياليّة أو الثورة المُغيّبة» استعرضت فيه المنطلقات والأصول الأوّليّة لنشأة دراسات ما بعد الكولونياليّة، مدعّمة بشواهد نظريّة حول مفهوم وخصائص هذا النمط المعرفيّ وظروف ولوجه الفضاء الفرنسيّ ومنظومته الفكريّة والمعرفيّة، «لا شكّ أنّ دراسات ما بعد الكولونياليّة ببعدها الإيبيستيمولوجيّ النقديّ قد دخلت الفضاء الفرنسيّ وأثّرت بسياقها الفكريّ في أعمال الشغب لنوفمبر 2005»[36].

إقصاء الآخر كثقافة ما بعد كولونياليّة
على الرغم من ابتعاد دراسات ما بعد الكولونياليّة عن المحاكمات التاريخيّة والدعوة إلى المحاسبة الجزائيّة عن الجرائم والإبادة الجماعيّة المُرتكبة ضدّ الأهالي في المستعمرات والتي ترقى إلى مستويات الجرائم ضدّ الإنسانيّة والاعتماد على انتقاد الخطاب الكولونياليّ وتصوُّراته المتحيّزة ضدّ «الآخر/ المُختلف»، إلّا أنّ هذا لم يشفع لها أمام تصوّرات المركزيّة الثقافيّة ومعتقداتها، فهي ترى أنّها تيّار متجرّد من القيم والأخلاق، وليس لها هيكلة مرجعيّة تتحكّم في أطروحاتها «لا تمتلك دراسات ما بعد الكولونياليّة إطارًا إثنيًّا أو ثقافيًّا»[37]. وتستدعي الباحثة رأي أشيل مبامبي Achille Mbembe في أنّ دراسات ما بعد الكولونياليّة «فكر حالم، حُلم شكل جديد من الإنسانيّة، إنسانيّة ناقدة، تهدف إلى تأسيس مشترك جامع لكلّ اختلاف»[38].
إنّ فلسفة اليوتوبيا وجماليّاتها لا تتناقض مع المِّخيال الإنسانيّ في تحقيق مجتمعات تسودها قيم الأنوار ومبادئ الديانات السماويّة في مناداتها بالحقّ والخير والجمال والأخوّة والعدالة ومحاربة الاضطهاد، بينما يصطدم الفكر الإنسانيّ بالفكر الوحشيّ المتعصّب والمتطرّف الذي ينفي عن «الآخر» حقّ الوجود والكينونة، ويجتهد في تبرير العبوديّة والاستعمار، ويرفض اعتبار تجارة الرقّ واستغلال الزنوج جريمة ضدّ الإنسانيّة[39].

ولعلّ تحميل دراسات ما بعد الكولونياليّة مسؤوليّة انتفاضة الضواحي الفرنسيّة 2005 les émeutes des banlieues هو الإفصاح المباشر عن معاداة هذا التيّار ورفض تأصيله أكاديميًّا وإعلاميًّا، خوفًا من القراءات الاجتماعيّة لظاهرة أعمال الشغب التي أشعلها شباب مُنحدر من أصول مهاجرة تعبيرًا عن التهميش والعنصريّة، ولكن اليمين بجناحية المعتدل والمتطرّف استطاع الاستثمار في الأصول بإسناد الانتفاضات الاجتماعيّة والتطرّف الدينيّ إلى الأصول العامّة، واعتبار المطالب ردود أفعال وانتفاضات للمستعمرات القديمة.
ودليل من ناحية أخرى على نجاح هذا التيّار واكتساحه مختلف طبقات المجتمع واحتلاله مكانة أكاديميّة في الفضاء الفرنسيّ ومنظومته الثقافيّة مع بداية ظهور آثاره وتأثيراته، واستجابة النخبة الفرنسيّة لنداءاتها وخطاباتها خاصّة عند رواد ما بعد الحداثة ومناضلي اليسار السياسيّ، مع بداية الحراك الاجتماعيّ/ الثقافيّ الفرنسيّ الذي حمل مطالب اجتماعيّة واقتصاديّة مقترنة بالهويّات والخصوصيّات الثقافيّة، مما أدّى إلى اعتبار دراسات ما بعد الكولونياليّة ثورة مُجهضة وفاشلة لتحريضها ضدّ المركزيّة الثقافيّة، واحترازًا ووقاية ترى الباحثة ضرورة إعادة دراسات ما بعد الكولونياليّة إلى مناخها الأصليّ وحاضنتها الجوهريّة «إذا أردت الإجابة عن سؤال حول المكان المناسب لدراسات ما بعد الكولونياليّة، فأقول: لا بدّ أن تنتقل إلى الفضاءات الأكاديميّة، والتساؤل حول فائدة هذه النظريّات في بناء معرفتنا؟ إنّ الرغبة في إشعال ثورة مُغيَّبة أمر مثير للشفقة؛ لذلك لا بدّ من صياغة مشروع معرفيّ بأخلاقيّات وطنيّة تضمن الممارسات التطبيقيّة»[40].

تُثبت الدراسات الميدانيّة في حقل تحليل النتائج المدرسيّة ارتفاع نسبة الرسوب والفشل الدراسيّ عند التلاميذ والطلبة المنحدرين من الهجرة، لأسباب موضوعيّة تعود في عمومها إلى اللاتوازن في المناهج التعليميّة وبيداغوجيا التدريس ومراعاة الفروق الفرديّة، مما انعكس سلبًا على المردود الدراسيّ والتعليميّ «يحقّق التلاميذ المنحدرون من الجيل الأوّل للهجرة نتائج منخفضة بـ49 نقطة مقارنة بتلاميذ السكّان الأصليّين، ويحقّق أبناء الجيل الثاني نتائج أضعف بـ32 نقطة قياسًا بتلاميذ السكّان الأصليّين»[41].
وبناء على مؤشّرات منظّمة التعاون والتنمية الاقتصاديّة OCDE حول النتائج المدرسيّة لأبناء المهاجرين يتّضح التأثير الجزئيّ والنسبيّ لدراسات ما بعد الكولونياليّة على انتفاضة الضواحي الباريسيّة، مما يؤكّد أنّ رفض هذا الصنف من الدراسات يعود لأسباب أخرى، يأتي على هرمها ثقافة العنصريّة المتفشّية في المنظومة الفكريّة الفرنسيّة والتي كشفتها الباحثة والكاتبة الفرنسيّة أوديل توبنر Odile Tobner في كتابها الصادر سنة 2007 الموسوم بـ«من العنصريّة الفرنسيّة، أربعة قرون من فوبيا الزنوجة»، وتثبت أنّ العنصريّة ثقافة متأصّلة في المنظومة الفكريّة والسياسيّة والثقافيّة الفرنسيّة تاريخيًّا، وأنّه ابتداء من سنة 1685 تاريخ صدور قانون السود Code des Noirs أطلقت النخبة والانتلجنسيا أفكارًا ومواقف مرعبة حول السود الأفارقة وسود جزر الأنتيل، تكشف عن عنصريّة كبيرة وعميقة حيث كتبت مصنّفات مؤسفة وشنيعة من سان سيمون Saint-Simon (1760-1825) ومونتسكيو Montesquieu (1689-1755) وبوسيه Bossuet (1627-1704) ووصولًا إلى رينان Renan (1823-1892) وجيل فيري Jules Ferry (1832-1893) وانتهاء بالرئيسين شيراك Chirac (1932) وساركوزي Sarkozy (1955)، لكن بلاد الأنوار وحقوق الإنسان لا تريد أن ترى نفسها في هذه المرآة[42].

تساؤلات أخرى أثارتها المكتبة الفرنسيّة تتعلّق بمكانة دراسات ما بعد الكولونياليّة، فبعد الخوف من مواقفها على الوحدة الوطنيّة وتأثير مبادئها على الهويّة والخصوصيّة الثقافيّة عند الشباب المنحدر من الهجرة تحولت الأنساق الثقافيّة إلى التنبيه من صدى هذه الدراسات على العلاقات الدوليّة عامّة، ومع دول المستعمرات خاصّة، فأغلب دول المستعمرات الفرنسيّة ما زالت تعاني من قضايا التنمية والديمقراطيّة، مما دفع بالمختصّين في حقل الدراسات الجيو-سياسيّة إلى تحميل الاستعمار مسؤوليّات التخلّف والقهر والاستبداد، بمخلَّفاته الثقافيّة والسياسيّة التي جعلتها في تبعيّة للمركز، وتُضيف دراسات المستقبليّات والاستشراف تشجيع المركز للفساد في المستعمرات وحمايته لكلّ سلطة وسياسة فاسدة بالدعم حفاظًا على استمراريّة مصالحها.
يمكن أن تسهم دراسات ما بعد الكولونياليّة في التنمية باستثمارها في الماضي من حيث إنّها تجربة مريرة تكشف عن المعاناة النفسيّة والجسديّة في ظلّ سيطرة الاستبداد والاستغلال والاستلاب، فتتحوّل الفترة الاستعماريّة إلى حافز إيجابيّ دافع نحو تطوير الذات وتخليصها من قيود الماضي كسجن راهن للمستقبل. وتكمن أهمّيّة المساهمة في حركيّة التنمية والنهضة من خلال التميُّز والتفرُّد والاستقلاليّة عن الحقول والمناهج البحثيّة المتنوّعة في حقل الاستعمار، فهي منهج حديث له هويّته الخاصّة في تقديم المقاربات ورفع الرهانات برؤية نقديّة موضوعيّة للإرث الاستعماريّ «تُشكّل دراسات ما بعد الكولونياليّة حقلًا جديدًا ومتميّزًا عن دراسات الفعل الكولونياليّ، ودراسات العالم الثالث، والدراسات المناهضة للإمبرياليّة، والاستعمار الجديد، برؤيتها الفكريّة ومرجعيّة أدبها ومعجمها وبنظرتها المؤسّساتيّة»[43].
ترى دراسات ما بعد الكولونياليّة أنّ الفترة المعاصرة تستوجب رؤية جديدة وحديثة تتماشى مع بناء مجتمعات عصريّة بقيم الحداثة وحقوق الإنسان، فالمراجعات الكرونولوجيّة للتاريخ تختلف عن القراءة الجديدة لمفهوم الغيريّة والمثاقفة في ظل تاريخ استعماريّ قديم وطويل ودمويّ، فتموضع المغلوب بعد انعتاقه واستقلاله يتطلّب بناء استراتيجيّات جديدة ومتنوّعة تؤهّله للتغيُّر والتطوُّر لإثبات الذات والوجود ونفي ثقافة التبعيّة والوصاية.

ففي تفكيك النمط الكولونياليّ وأدبيّاته ومنظومته اللوجيستيّة تمكين للأنا المتحرّرة من التخلّص من جميع أشكال السيطرة واستعادة الثقة بالذات ورفض النموذج الكولونياليّ «دراسات ما بعد الكولونياليّة ليست مدرسة ولا نموذجًا، كما أنّها ليست مذهبًا، هي مجموعة متنوّعة من الأعمال البحثيّة والكتابات النظريّة والأعمال الأدبيّة والفنّيّة التي ظهرت مع نهاية سنوات 1970. وتهدف إلى نقد التأثيرات الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة والاقتصاديّة»[44].
وفي محور العلاقة بين التنمية والتخلُّف في المستعمرات القديمة ودور الكولونياليّة المركزيّ في استمرار الوضعيّة الاقتصاديّة المزرية بحمايتها للأنظمة الاستبداديّة، حفاظًا على امتيازاتها في فراديسها المفقودة، نشر الباحث ديمتري ديلا فاي Dimitri della Faille دراسة معمّقة موسومة بـ«دراسات ما بعد الكولونياليّة والتخلّف» قدَّم فيها جملة من المقترحات للتنمية في المستعمرات بالاعتماد على أدبيّات ونتائج دراسات ما بعد الكولونياليّة، وأهمُّ التدابير المقترحة لتسهيل عمليّات التعاون والتنمية بين المستعمَر والمستعمِّر في اعتقاده هي:

- المساهمة المزدوجة في فهم معنى التخلّف والتنمية لإيجاد استراتيجيّات للقضاء عليه.
- تجاوز نقد دراسات التنمية والتخلّف، لدراسات ما بعد الكولونياليّة، باتهامها بالاعتماد على المراجعات التاريخيّة وتجاهل المستقبل والاستشراف وغياب الرؤية النهضويّة.
- تجاوز انتقادات دراسات ما بعد الكولونياليّة لدراسات التنمية باعتمادها خاصّة على تغليب الرؤى النظريّة على تبنّي المشاريع التطبيقيّة والميدانيّة واستنساخ التجارب الفاشلة، بالإضافة إلى غياب سياسات وطنيّة لمحاربة الفساد»[45].
واستنتج الباحث بعد استعراض الخصائص النظريّة العامّة لمبادئ تيّار ما بعد الكولونياليّة، محطّات جوهريّة تنتقل منها الدراسات من الحقل التنظيريّ إلى الفضاء الميدانيّ التطبيقيّ، وهي:

أ- النقد السياسيّ الجذريّ للدولة/ الأمّة Etat/ Nation ويُقصد بها تفكيك مفهوم الإمبراطوريّات الاستعماريّة الكبرى ومركزيّاتها الفكريّة التي تعتقد أنّ التوسّعات العدوانيّة حقّ مشروع.
ب- نقد التاريخ باعتباره خطابًا نخبويًّا.
ج- نقد شرعيّة المعرفة، بارتباطها بالعقل الغربيّ المركزيّ، ونفيها عن «الغيريّة» واعتبار «الآخر» نموذجًا للتخلُّف والدونيّة.
د- تفكيك المعجم اللغويّ لدراسات ما بعد الكولونياليّة.
هـ- رفض التراتبيّة (التسلسل الهرميّ) للمجتمعات والحضارات عالم أوّل، وثان، وثالث وهكذا...
و- الانفتاح على الفضاءات والمناطق المتخيّلة.
ز- الدعوة المتجدّدة لدراسة الفعل الاستعماريّ، دراسة تحليليّة موضوعيّة عميقة..[46]

تحمل المقترحات من الناحية النظريّة أبعادًا إنسانيّة لتنمية المستعمرات وتخليصها من التخلّف باعتبار المسؤوليّة الاستعماريّة المباشرة في وجوده وتغلغل مظاهره في الإدارة والتعليم والصناعة والزراعة. ولكنّ الإشكاليّة المركزيّة تكمن في أنّ الأفكار المعروضة تدخل في الطوباويّات، فالتجارب التاريخيّة أثبتت تمسّك المركزيّة بمكانتها، وعبّرت بأفعالها الإراديّة عن عدم رغبتها في التحرّر والتخلّص من عقدتي التعالي والوصاية؟ ويصاحب هذه الثقافة وبالتوازي عجز الهامش عن إيجاد آليّات علميّة تحقّق التنمية المستدامة وتبني إستراتيجيّات نهضويّة طويلة وقصيرة المدى لتجاوز التبعيّة والغزو الثقافيّ والاستلاب الهوياتيّ.
إنّ دراسات ما بعد الكولونياليّة ليست متحفًا للذاكرة ولا تاريخًا استعراضيًّا للأحداث في جغرافيّات متعدّدة، إنه شكلٌ نضاليّ أكاديميّ يبتعد عن الفكر الطلائعيّ اليساريّ واليوتوبيا الأكاديميّة الداعية للتجاوز والنسيان، فهي خطاب تفكيكيّ مؤسّس للمثاقفة الندّيّة في حاضنة حيويّة وفعّالة هي محور تمظهر التاريخ في خطاب مركزيّ مُتحيّز.

تستوقف المتلقّي في هذه الأطروحة مقاربة تجديد المعجم اللغويّ لدراسات ما بعد الكولونياليّة، فبعض المفردات والألفاظ المتداولة أكاديميًّا وبحثيًّا تُثير العنف وتستفزُّ المشاعر وتدفع نحو القطيعة بين المستعمر والمستعمِّر في اعتقاد الكاتب. والحقيقة العلميّة واللغويّة واللسانيّة تُثبت أنّ لكلّ حقل معرفيّ معجمه الخاصّ والمُميّز، بشموليّته للألفاظ والتراكيب، ويبقى السياق هو الآليّة الوحيدة لتحديد الدلالة، فالتعاون والاعتراف بالذنب والاعتذار عن الجرائم لا يستوجب مُعجمًا غزليًّا.
بعد سلسلة الانتقادات الأيديولوجيّة التي رصدتها المنظومة المركزيّة الفرنسيّة ابتداء من التشكيك في قيمتها وأهدافها، ووصولًا إلى فائدتها، انعطف النقد المؤدلج نحو التأسيس لنظريّة منهجيّة معاكسة تسوق لعدم علميّة دراسات ما بعد الكولونياليّة باعتبارها موجة عاطفيّة مؤقّتة، بارتكازها على الشعور الوجدانيّ التاريخيّ لإثارة الوجدان الوطنيّ لأبناء المستعمرات واعتبار كتاباتهم نضالًا واعترافًا بكفاح الآباء والأجداد.

تعتبر المركزيّة موضوعات دراسات ما بعد الكولونياليّة ضربًا من الإثارة وإعادة التمركز في فضاء النخبة الجديدة المؤهّلة لبعث حركيّة النهضة، فقضايا الهويّة الثقافيّة والاستلاب، ومسألة التخلّف وتشجيع المركزيّة للفساد والتستُّر عليه في المستعمرات مع مواصلة الاستغلال باستقطاب النخب وتشجيع هجرة الأدمغة وما إليها من الاهتمامات، انشغالات داخليّة ومحليّة نتجت عن تراكمات الفساد الإداريّ والسياسيّ.

تسفيه المنهج والخطاب
تأتي دعوة تسفيه منهج دراسات ما بعد الكولونياليّة كإستراتيجيّة هجوميّة من المركز لتوجيه الرؤية والخطاب نحو ثقافة جديدة تعتمدها النخبة وتتبنّاها لمواجهة نظيرتها ضمن سياسة قديمة تسلكها المركزيّة الكولونياليّة بإثارة التفرقة والانقسامات في المجتمع الواحد بتوظيف معجم لغويّ خاصّ، ومنه الحرص على المصلحة الوطنيّة، العمالة، الخيانة وغيرها.
ومجاراة لمبدأ التسفيه والتمييع نشرت مجلّة الأدب Littérature في عددها 154 لسنة 2009، عددًا خاصًّا حول دراسات ما بعد الكولونياليّة حمل عنوان «معابر: الكتابات الفرنكفونيّة، نظريّات ما بعد الكولونياليّة Passages. Écritures francophones théories postcoloniales» وتضمّن العدد مجموعة من الأبحاث المهمّة والمُثيرة من الناحيتين العلميّة والوجدانيّة.

طرحت المجلّة مجموعة من الدراسات تتعلّق بأفكار وموضوعات الفرانكفونيّة وتشعّباتها، تعتقد المجلّة أنّها تتقاطع مع دراسات ما بعد الكولونياليّة، فضمّ الفهرست بحوثًا حول علاقة ما بعد الكولونياليّة الإفريقيّة بالفرانكفونيّة، والألغاز والإشكالات التي تُثيرها هذه الدراسات من حيث التأسيس الأجناسيّ والنوع والشكل، غير أنّ الدراستين المميّزتين، حملتا استفزازًا معرفيًّا للمتلقِّي واستوجبت التوقُّف عندهما بالتحليل والدراسة النقديّة الموضوعيّة، أوّلهما «الأساس المستحيل لدراسات ما بعد الكولونياليّة»[47] والمُنجزة من طرف إدارة المجلّة، والحاملة لأفكار ومبادئ ورؤية المدرسة الفرنسيّة الثقافيّة والأدبيّة والفكريّة لدراسات ما بعد الكولونياليّة.

فالإدانة الأولى لروّاد دراسات ما بعد الكولونياليّة، هي الافتقاد إلى أداة تعبيريّة خاصّة تُمكّنهم من التعبير عن آرائهم، فهم يستخدمون ويوظّفون اللغة الفرنسيّة كوسيلة للانتشار والنقد والتفكيك لمناهضة الدولة/ الأمّ من 1927 إلى 1947 تناضل الأوساط الإفريقيّة والكاريبيّة (الأنتيل) في باريس وفرنسا من أجل كرامة الرجل الأسود، وعبَّروا عن مخاوفهم ومعاناتهم من قوانين الدولة الفرنسيّة في دوريّات «المجلّة الزنجيّة» و«العرق الأسود» و«البرقيّة الإفريقيّة» و«مجلّة العالم الأسود»[48]. وهي مجلَّات ودوريّات ناطقة بالفرنسيّة، فالفرانكفونيّة في عرف المركزيّة الثقافيّة الفرنسيّة، سلَّاح بحدّين، ورؤية مزدوجة، تخضع لبراغماتيّة المركز، فالمنفعة هي التي تحدِد الأهمّيّة والقيمة، فإذا كانت لصالح الميتروبول، فهي تمثيل لثقافة العقلانيّة والحضارة، وحين تتحوّل إلى سلاح لمحاربة الإرث الاستعماريّ وامتداده الثقافيّ، فإنّها تصبح تنكُّرا للهويّة الأصليّة، وتحريفًا للبنية السياقيّة والدلاليّة.
لذلك فإن الخصوصية البحثيّة ضمن لغة المستعمر” الفرنسيّة “يعتبر جزءًا من الثقافة الأمّ، باعتبار الفرانكفونية ثقافة ومشروعًا لاستمراريّة الإرث الفرنسيّ الاستعماريّ وإخضاع المستعمرات القديمة للتبعيّة الاقتصاديّة والثقافيّة والسياسيّة «الفرانكفونيّة، ظاهرة تاريخيّة، تحمل معنى المثاقفة المزدوج، أي التعالي من طرف، والدونيّة من طرف آخر. الفرانكفونيّة موقف وروح؛ والعقليّة الفرنسيّة الاستعماريّة هي التي أطلقت هذا المصطلح على الكتَّاب الأجانب الذين يكتبون بالفرنسيّة...لإثبات «تبعيّة» هؤلاء الكتاب للأدب الفرنسيّ... والنأي عن دراسة إبداعاتهم التي فيها عداء لفرنسا وثقافتها»[49].

الحجّة الثانية لضعف السند العلميّ في التأسيس، تجسّد في الدخول السريع إلى حقل الأكاديميّة والولوج المباشر للفكر العالميّ والإنسانيّ قياسًا بأعمار المستعمرات في الاستقلال والحرّيّة، ففي عُرف المركزيّة الثقافيّة الفرنسيّة أنّ البحث عن شرعيّة أكاديميّة لدراسات ما بعد الكولونياليّة يُعدُّ ضربًا من البحث عن استقلاليّة جديدة تضاهي وتوازي حركات التحرّر الثوريّة، فلا فرق من حيث المبدأ، فالبندقيّة والقلم وجهان لحركة تحرّريّة موحّدة، ويُقاس التحرُّر والاستقلال في المنظومة الفكريّة المركزيّة بالتاريخ والجذور الأصيلة في مسار البناء الحضاريّ، فكلّما طال عمر الفكرة أو التيّار أو الاتجاه فكريًّا أو فلسفيًّا، اكتسب الشرعيّة ونال الاعتراف والإقرار «فالأمّة ليست فقط ثمرة الأفكار التي تلدها النخبة، فهي إنجازات قرون، أمّا هذا الجنس، دراسات ما بعد الكولونياليّة فعمرها لم يتجاوز خمسين سنة، بصرف النظر عن الهند ودول قليلة أخرى»[50].
إنّ الحفريّات في تاريخ الحركات الفلسفيّة والفكريّة يفنّد فكرة التقادم في النشأة والميلاد، فالعديد من التيّارات الفكريّة أو الحركات التنويريّة لم تُعمر طويلًا، ولكن آثارها الإيجابيّة في تغيير المسارات الفكريّة والسياسيّة كانت كبيرة وعميقة على المجتمع، فحركة طلبة 68 بفرنسا، وعلى الرغم من بداياتها الاحتجاجيّة البسيطة «ماي–جوان»، إلّا أنّها تمكّنت من تحويل السياسات الوطنيّة الفرنسيّة في الميادين الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة وحتّى الأدبيّة، فقد غيّرت مفهوم الأدب ووظائفه واستقطبت موضوعاته الإبداع الأدبيّ من الأجناس والأشكال الأدبيّة وجماليّات الصياغة الفنّيّة «ظهرت أعمال أدبيّة كبيرة لها علاقة بماي «شهر المظاهرات» وأثّرت في الموضوعات، ورفعت إشكالات ثقافيّة متّصلة بالمرحلة»[51].

الانتقاد الثالث المرصود لحقل دراسات ما بعد الكولونياليّة، اعتبار التعبير والخطاب باللغة الفرنسيّة حماية وحضانة للمُنجز وأداة للترويج والوصول إلى المتلقّي، وبالتالي إلى العالميّة، فبفضل اللغة ضمنت الدراسات الانتشار والتوسّع ودخلت المحافل الأكاديميّة، فالجزاء العظيم للمعلّم (فرنسا) وللغة المعلِّم (اللغة الفرنسيّة) «إذا كان أباء الزنوجة يطالبون بالاعتراف بالقيم الزنجو- إفريقيّة، فإنّ الاعتراف يتحقّق في حقل المُعلِّم ولغته»[52].
وقد تجاهلت المركزيّة الثقافيّة دور الكولون في طمس لغات الشعوب المستعمرة ومحاربة استعمالاتها وتداولها في حقول التعليم والثقافة والسياسة، فقد أسّست فرنسا سياسات واستراتيجيّات لغويّة دقيقة لحرمان أبناء المستعمرات في إفريقيا وآسيا من لغاتهم الوطنيّة لاعتبارها حاضنة مركزيّة للهويّة والخصوصيّة الثقافيّة. وتعتقد المركزيّة أن فضل الفرنسيّة كبير على المُنتج العلميّ الفرانكفونيّ فرعايتها دخل إلى العولمة الثقافيّة والعالميّة.
فاللغة تصنع التبعيّة الاستعماريّة الإراديّة؛ لأنّها تمثّل حتميّة حضاريّة للانتشار، فكلّ الأدب الإفريقيّ مكتوب وموثّق بلغة المُستعمِّر «نشأت وازدهرت معظم نظريّات ما بعد الكولونياليّة، والأدب الإفريقيّ الناطق بالفرنسيّة في الأراضي الغربيّة... وهذا ما أسمّيه ميلاد مجرَّة في مجرّة أخرى»[53].
من هذه المنطلقات والمؤشّرات تحوّلت دراسات ما بعد الكولونياليّة إلى جناح من أجنحة الثقافة الفرانكفونيّة، يهتمّ بقضايا الاستعمار وتاريخه ضمن منظومة ميتروبوليتيّة ترعى وتحتضن وتُراقب الانحرافات والانزلاقات التي تحاول الاستقلال بالرأي والمنهج. فالتعبير بالفرنسيّة يتجاوز الوسيلة اللغويّة البسيطة إلى الثقافة بصفة عامّة كما أكّده ليوبولد سيدار سنغور leopold sedar senghor في العديد من مقالاته «الفرانكفونيّة كثقافة»، و«الفرانكفونيّة كمساهمة في الحضارة الإنسانيّة» و«من أجل إنسانيّة للفرانكفونيّة»، وبهذه التصوُّرات والمعتقدات أصبحت دراسات ما بعد الكولونياليّة رمزا للتيّار والمدرسة «سيّئة الاسم والمكان والزمان»[54].
هاجس آخر رفعته الباحثة في الأدب العالميّ بجامعة أوكسفورد «إليك بوهمر» Elleke Boehme 1961 حول إمكانيّة انتقال الخطاب ما بعد الكولونياليّ من السلميّة إلى العنف والإرهاب، فبعد الإيمان بالجنوح نحو السلميّة في البحث والمنهج واستقبال النتائج من خلال الابتعاد عن فكر المحاكمات وطلب القصاص والتعويضات والاكتفاء بالمقاومة بالكتابة «تمّ قبول دراسات ما بعد الكولونياليّة، في المؤسّسات والأوساط الأكاديميّة، كمصطلح نقديّ في مواجهة حقل قوّة مقاومة الإمبراطوريّة وما بعدها من إمبراطوريّات إمبرياليّة، من حيث النظريّة والكتابة»[55].
ففي ظل تغوُّل العولمة الثقافيّة بفرض نموذجها الثقافيّ وإحساس الهامش بالزوال والاندثار والانصهار في ثقافة «الأنا» القويّة، المالكة والمُتحكّمة في التقنية ووسائل الاتصال التي تمكّنت من تجاوز الحدود الجغرافيّة التقليديّة وتعميم النموذج الثقافيّ للعولمة المتوحّشة. يدفع الإحساس والشعور بالتهديد والضياع إلى تبنّي ثقافة الممانعة والمقاومة دفاعًا عن الوجود والكينونة.
وحفاظًا على الهويّة والخصوصيّة الثقافيّة، وخوفًا من الاستيعاب والذوبان والانصهار المطلق، وتأخذ المقاومة في هذا السياق أشكالًا مختلفة، لعلّ أخطرها اللجوء إلى العنف وممارسة القوّة.
فقد أثبتت الدراسات الاجتماعيّة والسيكولوجية أن التطرف عامّة والديني خاصّة ينتج في أغلبه عند الإحساس بفقدان الهويّة، وأنّ الخطاب التحريضيّ يستثمر مسألة الهويّة وقضايا الثقافة الشعبيّة والخصوصيّات الثقافيّة كمُثيرات مركزيّة للتعبئة ضدّ العدوّ الوهميّ والمتخيّل والذي يكون غالبًا «الآخر» المُختلف أو ثقافة الاختلاف عامّة.

تُمجّد كتابات ما بعد الكولونياليّة الوطن والوطنيّة، فهي مهد للعاطفة الوطنيّة الطبيعيّة، ولكن الأصوليّة الثوريّة تنحرف بالخطاب نحو العنف والإرهاب عند الخوف على زوال الهويّة، فيندفع بعض إلى إنكار الحداثة ورفضها بمختلف أشكالها، مما يساهم في تقوية روح المقاومة التي تؤدّي إلى الانزلاق نحو التطرّف «الكتابة ما بعد الكولونياليّة المعروفة بنموذج المقاومة أو بالهجنة الكوسموبوليتيّة، لا تُقدِّم مبرّرًا للإرهاب، ولا تقلِّل بأيّ حال من الأحوال من المعاناة والتجاوزات التي يحدثها الفعل الإرهابيّ... أريد أن أقترح: يجب أن توفّر الكتابة ما بعد الكولونياليّة وسائل التفكير في الإرهاب الذي تصنعه أو يصنعه غيرها، كما يجب أن تساهم في تطوير أجوبة (حلول) ناجعة سياسيًّا وقابلة للتطبيق»[56].

أقنعة الهويّة والتعصّب لها وتحويل ثقافة المراجعات للفعل الاستعماريّ إلى وعاء لاحتواء التمرّد الاجتماعيّ والتطرّف الدينيّ والمذهبيّ، حجج وأدلّة لم تتمكّن المركزيّة الثقافيّة الفرنسيّة من خلالها إثبات رفضها لدراسات ما بعد الكولونياليّة، فتحوّلت الادّعاءات والتهم من انتقادات علميّة ومنهجيّة في بعدها التأويليّ إلى استعمار جديد في شكل ثقافيّ ومعرفيّ، وامتداد للوصاية.
فالعقلانيّة المنهجيّة لم تتمكّن من إيجاد صلة بين الإرهاب ودراسات ما بعد الكولونياليّة، كما أنّها لم ترق إلى فهم العلاقة بين الدراسات ونظريّة الهيمنة[57]؛ لأنّ مفهوم الهيمنة يُوحي بالسيطرة وتكريس النموذج الأوحد والرؤية الفرديّة، في حين يسعى منهج دراسات ما بعد الكولونياليّة إلى التوسّع واكتساح حقول الموروث التاريخيّة بالمراجعة والتفكيك لأساطير السيطرة والاحتواء.
هيمنت الأيديولوجيّة على الكتابات المناهضة لدراسات ما بعد الكولونياليّة، وتنوّعت من حيث التحليل واختيّار التُّهم والاستثمار في المشاعر الوطنيّة، فأصبحت الأبحاث تُمثّل استفزازًا معرفيًّا وإثارة بحثيّة تمجّد الظلم وثقافة الإبادة والاستمراريّة الاستعماريّة للكولونياليّة الجديدة، فمقال «هل يجب حرق دراسات ما بعد الكولونياليّة؟»[58] تكريس للفكر الأحاديّ والإقصائيّ الذي يُحارب الهويّات الوطنيّة ويرفض الوجود والتعايش خارج المركزيّة العنصريّة، في حين أنّ البحث لا وجود للنصّ ما بعد الكولونياليّ»[59] يحيل إلى العدميّة والنهاية، وإذا كانت فكرة النهايات وثقافتها تؤسّس لأفكار وثقافات جديدة تتجلّى في رهانات «الما بعد»، فإنّ النفي المطلق من وجود كتابات ما بعد كولونياليّة، يرمي إلى إعادة الاستعمار في ثوب قبيح ومفضوح رغم عمليّات التجميل الاصطناعيّة التي تحاول التشكيك والترهيب من نتائجها على المستويين المحلّيّ والعالميّ.

إنّ الفوبيا التي تسكن عقول المناوئين لدراسات ما بعد الكولونياليّة تكمن في النتائج الاستشرافيّة التي تسعى إلى تحقيقها من خلال عمليّات التفكيك وإعادة القراءة لأدبيّات الخطاب الاستعماريّ، ووسائله الدعائيّة لشرعيّته من بيولوجيا عرقيّة عنصريّة مكرسة للتفاوت الذكائيّ بين الأعراق إلى أنثربولوجيا استعماريّة تؤمن بالتراتبيّة الإثنيّة والعرقيّة، وتسوّغ للاحتلال تحت أقنعة الرسالة الحضاريّة أو التبشير الدينيّ، خدمة للربّ واستجابة لتكليفه، وهذه المخاوف هي التي تنبِّه إليها بعض الدراسات «أين تذهب دراسات ما بعد الكولونياليّة»[60].
إنّ الصدمة المعرفيّة للمتلقّي الما بعد كولونياليّ تنبع من المعجم اللغويّ المقصود الذي توظّفه المركزيّة الثقافيّة الفرنسيّة والذي يحوّل الخطاب المجرّد إلى إدراك واعٍ للفعل لينتظر نتائج تستجيب لرسالته في الأبعاد والتشكيك في منهج الدراسات بالعزف على القيم الوطنيّة والترهيب من النتائج والانعكاسات على الوحدة الترابيّة والبنية الاجتماعيّة؛ ولذلك صرخت «ماذا نصنع بدراسات ما بعد الكولونياليّة»[61].
وبعد الانتشار الواسع لمنهج البحوث ما بعد الكولونياليّة، وعجز المركزيّة عن تكميم وتشويه صوتها وخطابها، بدأت في تقديم الدعوات للإقرار والاعتراف بها كتيّار أكاديميّ له نخبته وجمهوره، «نحو اعتراف فرنسيّ بدراسات ما بعد الكولونياليّة»[62] وقرنت الاعتراف بجملة من الشروط والتحفّظات التي تعرقل الانتشار والتوسّع، ويتربّع على هرمها الابتعاد عن المراجعات التاريخيّة التي تستدعي المحاكمات، وتجاوز دراسات الهويّة والخصوصيّات الثقافيّة التي يمكن اعتناقها من قبل أبناء المهاجرين والإيمان بها كجذور تاريخيّة لأصولهم.
تُعدُّ العتبات المرفوعة في الأبحاث الأكاديميّة الفرنسيّة، ضرب من الاستفزاز الفكريّ ونوع من الاعتباطيّة والعشوائيّة المنهجيّة والإثارة الوجدانيّة لشعوب المستعمرات القديمة، بالإضافة إلى الاستهتار بنخبتها وهي تُنتج مُنجزًا تفكيكيًا علميًّا لإرث كولونياليّ جثم على ثقافة وهويّات أمم لتاريخ تجاوز القرون؛ ذلك أنّ التقاطع والجمع بين حركة فكريّة وتيّار نقديّ وفعل دمويّ إرهابيّ، يعتبر تعبيرًا عن حالة هستيريّة معرفيّة واضطراب فكريّ، فالمقاربات الأمنيّة العالميّة لم تدرج مطلقًا الدراسات الأكاديميّة في حقل التاريخ الاستعماريّ وجزئيّاته وفروعه كأدوات تحريضيّة لإثارة النزاعات والعمليّات المتطرّفة في العالم.
وكما أنّ دراسات ما بعد الكولونياليّة لا تتحمّل عبء فشل السياسات الاجتماعيّة وعنصريّة الإدارة وصعود اليمين المتطرّف وانتشار التطرّف الدينيّ والمذهبيّ، فالتراكمات الاجتماعيّة وغياب سياسة عادلة للاندماج الاجتماعيّ مع سيادة قوانين التمييز والتفرقة، كانت في عمومها سببًا مباشرًا في الانتفاضات الاجتماعيّة والثقافيّة والدينيّة.
في حين جاء الاعتراف الأكاديميّ بعد مقاومة ونضال نخبويّ، قدّم فيه روّاد تيّار ما بعد الكولونياليّة دراسات موضوعيّة، افتكوا بها الإقرار العلميّ، فالشرعيّة ليست مِنّة أو هبة من المركزيّة.

لم تكن مجلّة العقل Esprit استثناء فرنسيًّا في الحقل البحثيّ المتعلّق بمراجعة التاريخ الاستعماريّ، فقد واكبت موجة الإنكار والتجاوز والتهميش، وسايرت نظيراتها من المجلّات الفرنسيّة في تناول الجوانب الثانويّة من دراسات ما بعد الكولونياليّة. فقد حمل العدد الخاصّ لشهر ديسمبر 2006 عنوان «لفهم الفكر ما بعد الكولونياليّ» وتوسّم المتلقّي الإضافة والتجديد في المنهج والرؤية والمكاشفة الصريحة لنقد حقبة تاريخيّة اتّسمت بالدمويّة والإقصاء والتغييب المقصود لهويّات شعوب وأمم متجذِّرة في التاريخ الحضاريّ، حيث لم يشفع لها هذا الرصيد في اقتناص حقّ مشروع اغتالته المركزيّة.
تناول العدد سلسلة من المقالات حول التمييز السلبيّ والعنصريّ في الضواحي الفرنسيّة وكيفيّة إعادة بناء التماسك الاجتماعيّ وتجاوز مرحلة التشنّجات والصدامات التي أخذت طابعًا إثنيًّا بعدما فقد الشباب المنحدر من الهجرة الأمل في الأنظمة والتشريعات.
غير أنّ العدد احتوى على بحثين مركزيّين لهما صلة مباشرة بجوهر الدراسات ما بعد الكولونياليّة، الأوّل عمل مشترك بين مجموعة من الباحثين موسوم بـ«ما هو الفكر ما بعد الكولونياليّ»، وهو حوار مطوّل مع الباحث الكاميونيّ أشيل مبامبي Achille mbembe[63] والذي اعتبر أنّ دراسات ما بعد الكولونياليّة جاءت نتيجة نضالات ثقافيّة وأكاديميّة كبيرة، بدأت مع كتاب «الاستشراق» لادوارد سعيد (2003-1935) ومقولاته في تفكيك خطاب الغرب حول صناعة الشرق المتخيَّل، بالإضافة إلى إنشاء وبناء أدبيّات موضوع الكولونياليّة مع رواية فرانز فانون (1961-1925) «بشرة سمراء، وأقنعة بيضاء 1952 -».
وفي تفسيره لرسالة بحوث ما بعد الكولونياليّة، أوضح الباحث «أنّ فكر ما بعد الكولونياليّة يتأسّس مع ميلاد الإنسانيّة الجديدة التي سوف تولد مع انقراض الوجوه الاستعماريّة التي تمثّل اللاإنسانيّة والتفرقة العرقيّة، هذا الأمل يبشّر بنشأة مجتمع عالميّ وأخويّ»[64].
كشف الباحث أيضًا عن التناقض في فكر المركزيّة الفرنسيّة في تعاملها مع فكرتي العالميّة والإنسانيّة، فالقيم في المنظورين تختلف بين المركز والهامش. ويتنبّأ الكاتب بمستقبل كبير لدراسات ما بعد الكولونياليّة؛ لأنّها تمثّل ضمير النضال للمستضعفين، «ما يشكّل القوّة السياسيّة للفكر ما بعد الكولونياليّ هو ارتباطه بالنضال الاجتماعيّ والتاريخيّ للمجتمعات المستعمرة، مع إعادة قراءة للمنظور النظريّ للحركات المرتبطة بالتحرّر»[65].

وفي النهاية يذكّر الباحث بالتأثير الفكريّ الفرنسيّ التنويريّ والإنسانيّ وما بعد البنيويّ في دراسات ما بعد الكولونياليّة «يجب أن نضيف تأثير مفكّري الغيريّة الفرنسيّين، من أمثال ميرلو بونتي Merleau-Ponty وسارتر Sartre ولوفيناس Levinas وغيرهم، ويدين فكر ما بعد الكولونياليّة إلى تحليلات فوكو Foucault ودريدا Derrida ولاكان Lacan. المفارقة هي أنّه بسبب العزلة الثقافيّة والنرجسيّة النخبويّة، فقد حرمت فرنسا نفسها من هذه الرحلات الجديدة للفكر العالميّ».

مفارقات العقل الأكاديميّ
يُفرز البحث عن مفارقات أكاديميّة عميقة، حيث اصطدمت النخبة بعُقدها ومُركّباتها المتعالية في التعامل والتفاعل مع ثقافة الاختلاف، فرغم مرجعيّة الأنوار، ورسائل التسامح لفولتير Voltaire (1694-1778) وجون لوك John Locke (1632-1704)، ومبادئ الثورة الفرنسيّة والتحوُّلات العالميّة في عوالم الاتصالات وفتوحات العولمة، إلّا أنّ الذاتيّة والتمركز بقيت تتحكّم في عمليّات التواصل مع «الآخر»، فلم تعترف المنظومة المركزيّة بتيّار ما بعد الكولونياليّة كاتجاه حداثيّ في نقد المركزيّات والإمبراطوريّات للكشف عن الأنساق المضمرة والمسكوت عنها كمبدأ استعلائيّ، بل تجاوزت إلى نقد روّاد ما بعد البنيويّة بحكم تأثيراتهم المباشرة في أدبيّات وفلسفة ما بعد الكولونياليّة، فقد اعتبرت مواقفها ونقدها ومُنجزها التفكيكيّ امتدادًا لدعوات فلاسفة ما بعد الكولونياليّة[66].

المقال الثاني الذي ابتعد قليلًا عن التنظير وقضايا التأثير المعرفيّ، جاء محمّلًا بأعباء الماضي وثقل التاريخ، فحمل فكرة استفهاميّة «عن أيّ إرث استعماريّ نتحدّث؟»، حيث جاءت المقدّمة جامعة للمضمون وكاشفة عن المحتوى، فالماضي بمكوّناته السلبيّة والإيجابيّة هو المتحكّم في علاقات الحاضر، وبعبارة أخرى لا يُفهم الحاضر إلّا باستعراض الماضي الاستعماريّ لطرفي المعادلة، فالتقارب الثنائيّ في مجال العلاقات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة مقترن بالماضي عامّة وبالموروث الكولونياليّ خاصّة. «أربعون سنة بعد الاستقلالات ما يزال موضوع الاستعمار يثير الجدل العموميّ، ولفهم الظاهرة يجب صناعة الاستمراريّة بين الماضي الاستعماريّ والحاضر، من أجل فهم أفضل للعلاقات بين القوى الإمبرياليّة والمستعمرات حسب جحم الماضي ودرجته»[67].
ينعطف البحث نحو رؤية هامشيّة وثانويّة لمراجعة الإرث الاستعماريّ، باستعراض فشل دول الهامش خصوصًا والجنوب عمومًا في تحقيق نهضة وتنمية تضمن الاستقرار السياسيّ والاجتماعيّ، فالجزائر مثلًا عجزت عن بعث الأمل في شبابها بتوفير العمل والقضاء على البطالة لمنعهم من الهجرة والمغامرة رغم احتياطها الكبير من الدولارات[68].

فعلى الرغم من الدعوات غير المنتهية لمراجعة الإرث التاريخيّ الاستعماريّ في تمظهراته وتجلّياته المختلفة إلّا أنّ المركزيّة الثقافيّة تُصرُّ على تجاوز القضايا المركزيّة الراسخة في الذاكرة الجماعيّة للمستعمرات، فلا نعثر مثلًا على إدانة مطلقة وغير مشروطة لقوانين الإنديجينا Code des indigènes المعروف بـ(Indigénat) وبنوده العنصريّة الضيّقة التي تحرم الأهالي من حقوقهم الفطريّة في ممارسة عقائدهم وشعائرهم الدينيّة والمحافظة على مكوّنات هويّتهم الوطنيّة، الذي نعتته حتى الدوائر الفرنسيّة نفسها بالوحش القانونيّ juridique Monstre.

وتتغافل المركزيّة أيضًا عن مناقشة ونقد مبادئ الإنثربولوجيا الفيزيائيّة والبيولوجيا العرقيّة العلوم المتوهّمة المختصّة بدراسة الأعراق والسلالات، لتلخص إلى أنّ التفاوت الذكائيّ مصدره الأصل واللون، وهي النظريّة التي روّجها أرثور دي غوبينو (1816-1882) Arthur de Gobineau في بحثه الموسوم بـ: «مقال في عدم المساواة بين الأجناس البشريّة» l’inégalité des races humaines Essai sur (1853).

ما زال التاريخ الاستعماريّ يلعب دورًا مركزيًّا وجوهريًّا في تشكيل الوعي الأيديولوجيّ والوطنيّ للجانبين المُستعمِّر والمُستعمر، فالحركات الوطنيّة المعتدلة والمتطرّفة تستقي من التاريخ الاستعماريّ الأفكار والمواقف، وتشكّل المهد والمناخ المناسبين للتكاثر والنموّ الذي يلقى صدى عند النخبة والطبقات الشعبيّة «وفي النهاية، فإنّ «الإرث الاستعماريّ» في «نظام الحكامة» المعاصرة يتجاوز كثيرًا رهانات «الذاكرة» التي تُستحضر إراديًّا، إنّه يهيكل علاقات المجتمعات السياسيّة في الشمال كما في الجنوب، ويرسم السياسات العامّة للمساعدات الإنمائيّة التي لا تنبثق من العلاقات الدوليّة فحسب، ولكن من الاقتصاد السياسيّ المحلّي للدول المانحة والممنوحة»[69].
الذاكرة التاريخيّة الواعية ليست مشروعًا إستراتيجيًّا استشرافيًّا لبناء المستقبل، كما أنّها ليست محاكمة قضائيّة تُدين وتُعاقب وتمنع المثاقفة وتقمع قيم التسامح والتواصل، ولكنّها مُكوِّن أساسيّ من مُكوِّنات الهويّة التي تستوجب المراجعة والعرض والتحليل، فالمعرفة بمختلف أشكالها وصفاتها وخصائصها تتأسّس على تجاوز أخطاء الماضي وتعثُّراته الإراديّة واللاإراديّة لرفع تحدّيات الحاضر والمستقبل، فإنكار الذاكرة هو إنكار لوجود الذات الفاعلة المُنتجة المؤمنة ببناء المستقبل في ظل الهويّة المتكاملة التي لا تتناقض مع الموروث وقيم الحداثة.

شكّلت بعض الدراسات بعناوينها الاستفزازيّة صدمة للمتلقّي ولذاكرته التاريخيّة، وانعكست الآثار السلبيّة على الهويّة التي اعتقد أبناء المستعمرات بأنّها تُهان وتُغتصب من جديد في ظلّ تعصُّب المركزيّة الثقافيّة وتمسُّكها بثقافة الإقصاء والعنصريّة، وكانت الاستجابة متفاوتة بين العامّة والخاصّة، فتبنّت النخبة الردّ بالكتابة كما يقول بيل أشكروفت في «الإمبراطوريّة تردّ بالكتابة» واختلفت مواقف وردود أفعال العامّة من السلبيّة الانعزاليّة والاستقالة من المشاركة في الردّ إلى أقلّيّة اندفعت نحو التطرّف كسلوك تعتقد بمشروعيّته بعد اقتناعها بالخطاب البديل الذي يستثمر في الشواهد والاستثناءات التاريخيّة بالاعتماد على تقنيات الانتقائيّة من الحوادث التاريخيّة وتغليفها بالمقدّس الدينيّ والاجتماعيّ والثقافيّ.

اتبعت المركزيّة الثقافيّة في ردودها على مقولات ما بعد الكولونياليّة على منهجيّة وإستراتيجيّة تراوحت بين الإنكار المطلق والتضليل المعرفيّ والتشكيك في الغايات والأهداف، وأخيرًا إمكانيّة الاعتراف والإقرار كرؤية نقديّة ضمن المناهج الكثيرة المتصارعة في حقل العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، مع تحفّظات تتصل اتصالًا وثيقًا بالتحُّيز المعرفيّ والاعتقاد الأيديولوجيّ.
ففي مقال المؤرّخ الفرنسيّ نيكولا بانصيه Nicolas Bance المختصّ في المستعمرات الموسوم بـ«ماذا نفعل بدراسات ما بعد الكولونياليّة؟» عرضٌ أكاديميّ كرونولوجيّ لنشأة هذا النوع من الدراسات في فرنسا، وتتبُّع العديد من الكتابات الفرنسيّة المنشورة في المجلّات المختصّة ليقول: «إنّ تهميش دراسات ما بعد الكولونياليّة ودراسات التابع في فرنسا تعود لأسباب غامضة حول الموضوع، كما يجب التساؤل حول ردود الأفعال العدائيّة عامّة ولماذا اليوم؟ إن الكتابات الحجاجيّة تسعى إلى تجريد هذه التيّارات من المزايا العلميّة والمنهجيّة والسياسيّة»[70].
والحقيقة إن إثارة الإشكالات بالتشويش المعرفيّ والمنهجيّ يعود إلى أصول المركزيّة الثقافيّة وفوبيا مرآة الغيريّة التي سوف تكشف جرائم الاستعمار وتجاوزاته في حقّ الإنسانيّة، خاصّة بعد التجارب السياسيّة لإمبراطوريّات استعماريّة غربيّة في إعادة بناء علاقات عقلانيّة مع مستعمراتها القديمة بتقديم الاعتذارات والتعويضات (إيطاليا مع ليبيا، وألمانيا مع اليهود مثلًا).
إنّ المقصود باللوائح الحجاجيّة هي تلك الادّعاءات والمغالطات التي أسّستها المركزيّة لرفض المُنجز المتّصل بما بعد الكولونياليّة، ويأتي على هرمها مسألة الوقتيّة أو الزمنيّة la temporalité والتي تتصل بالعمر المعياريّ لهذه الدراسات، والتي ترتبط بمراجعات كرونولوجيّة وتاريخيّة تنتهي صلاحيّاتها بانتهاء الحقبة التاريخيّة.
إنّ المتتبّع لنشأة فكرة «النهايات والموت» في الفلسفة والعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، لم تنهِ نظريّة أو تيّارًا أو اتّجاهًا (موت الأيديولوجيّة) أو (قيمة موت الإله) أو غيرها نهائيًّا، وتركته أطلالًا بالية، فما ينطبق على المناهج النقديّة في استحداث المقاربات و التجديد في الرؤى يسري على تيّار ما بعد الكولونياليّة الذي يتجاوز في أدبيّاته المحاكمات التاريخيّة وقضيّة البادئة (ما بعد) Post، فلا صلة بينها وبين المقاصد التعاقبيّة والكرونولوجيّة للحوادث التاريخيّة، فهي منظور تفكيكيّ لخطاب النمطيذة في التمثُّلَّات les representations وقراءة نقديّة للمرويّات الكبرى les grandes narratives التي فسَّرت التصوّرات والمواقف وفق مخيالها المتعالي للحضارات والثقافات المختلفة[71].

يرى الباحث أنّ هذه الإشكالات تقف عائقًا أمام الحاجة لهذا التيّار النقديّ/ التفكيكيّ للبنية الثقافيّة المركزيّة الفرنسيّة، بالإضافة إلى كونه تيّارًا غريبًا مستوردًا من الدراسات الأنجلوساكسونيّة وبالمستعمرات البريطانيّة والأميركيّة، وهي فضاءات لها خصوصيّاتها الثقافيّة والجيو-سياسيّة المختلفة عن المستعمرات الفرنسيّة.

فيما يُشبه الخاتمةّ
كشف الخطاب المركزيّ الفرنسيّ في مواجهة دراسات ما بعد الكولونياليّة عن هويّته المعرفيّة والإيبستيمولوجيّة بأنّه صورة لخطاب الهيمنة الذي تبنّته الهيمنة الاستعماريّة، فهو نسق وسياق ثقافيّ يُغيّر الحقائق ويُحرفها ويُقصيها ويُضخم «العدوّ» المتوهّم ويطمس الأفكار ويتحيَّز للمركزيّة في بُعدها الاستغلاليّ والانتهازيّ والتسلّطيّ المتنكّر للموضوعيّة.
فقد دلَّت عمليّات المسح والجرد للمصنّفات في المكتبة الفرنسيّة وبيبليوغرافيّتها في حقل دراسات ما بعد الكولونياليّة عن تحيُّز فاضح وتشويه ممنهج وتشكيك مقصود لأهمّ آراء هذا الحقل النقديّ والبحثيّ والمعرفيّ، فالقراءة الأيديولوجيّة للخطاب ما بعد الكولونياليّ شوَّهت المقاربة وأبانت عن براغماتيّة وأنانيّة وتجريح واعتداء على مشاعر ووجدان أبناء المستعمرات، من خلال التسويق لصور نمطيّة وأفكار جاهزة منتقاة من مشاهد وظيفيّة، تُشيد بإنجازات المركزيّة في حقلي الحضارة والعقلانيّة، وتهجو دونيّة «الآخر» المُختلف/ الهامشيّ وتنعته بالبربريّة والوحشيّة وبعدم القابليّة للتطوّر، وتصاحب هذه الرؤية إسقاط العجز الاجتماعيّ والاقتصاديّ المحلّيّ على نتائج دراسات ما بعد الكولونياليّة واتهامها بإثارة الهويّات الأصليّة للشباب المُنحدر من الهجرة.
أفرز خطاب التحيُّز للمركزيّة الثقافيّة الفرنسيّة عن أنساق ومواقف ومشاهد ورؤى ونظريّات تختزل دراسات ما بعد الكولونياليّة في آفاق عدوانيّة ترهيبيّة تجعل من نتائجه خطرًا على النسيج الاجتماعيّ المحلّيّ، وربما العالميّ، بالإضافة إلى ضعف حجّيّته ومنهجه ونواياه، وقد تستخدم المركزيّة وتوظّف السخرية (Ironie) كإستراتيجيّة خطابيّة لتقويض سلطة النصّ ما بعد الكولونياليّ، كما فعل جان فرانسوا بايار (1950) Jean-François Bayart في كتابه الموسوم بـ«دراسات ما بعد الكولونياليّة، كرنفال أكاديميّ»[72]، فحقَّق بذلك الصدمة التي تصبو إليها بلاغة السخرية من إثارة واختزال وتهميش.


المراجع بالعربية
جوليا كريسطيفا، علم النصّ، ترجمة فريد الزاهي، دار توبقال، 1997، الدار البيضاء، المغرب.
يوسف بكار، في الأدب المقارن مفاهيم وعلقات وتطبيقات، دار الآن ناشرون للنشر والتوزيع، 2017، عمان.

المراجع بالفرنسيّة
Achille MBEMBE, «Qu’est-ce que la pensée postcoloniale?» Esprit, Ne 330, 2006.
Achille Mbembe, Olivier Mongin, Nathalie Lempereur et Jean-Louis Schlegel, QU’EST-CE QUE LA PENSÉE POSTCOLONIALE? Revue Esprit, 2006/ 12 Décembre.
Aimé Césaire, Discours sur le Colonialisme, 1950, Edition 1955, Présence Africaine, Paris.
Alec G. Hargreaves, Chemins de traverse. Vers une reconnaissance de la postcolonialité en France, Revue Mouvements, Ne 51, 2007/ 3.
BENRABAH Mohamed, Voyage en Algérie, pays des 66 milliards de dollars de réserve et de l’immense désespoir des jeunes,in Revue Esprit, 2006/ 12 (Décembre).
Bernard Djoumessi Tongmo, De la critique de l’infrastructure coloniale française à l’enchevêtrement des singularités culturelles dans Madame Bâ d’Erik Orsenna, Editions Publibook, 2017.
Boidin Capucine, Etudes décoloniales et postcoloniales dans les débats Français, Cahiers des Amériques Latines, Janvier 2009, Paris.
Carole Reynaud Paligot, Races, racisme et antiracism dans les années 1930, Éditeur, PUF, 2007, Introdution.
Christine Chivallon, LA QUÊTE PATHÉTIQUE DES POSTCOLONIAL STUDIES OU LA RÉVOLUTION MANQUÉE, Revue Mouvements, Ne 51, 2007/ 3.
Clemens Zobel et Maria Benedita Basto, OÙ VONT LES ÉTUDES POSTCOLONIALES? Revue Mouvements, N° 51, 2007/ 3.
Della Faille Dimitri, Les études postcoloniales et le sous développement, Revue québécoise de droit international, hors série novembre 2012.
DIRK GÖTTSCHE, Le Postcolonialisme dans le context allemand:mémoire postcoloniale, littérature postcoloniale,études postcoloniales, in, Françoise Aubès, Silvia Contarini et Jean-Marc Moura, Interprétations postcoloniales et mondialisation, Peter Lang AG, 2014.
Dominique Combe, «Le texte postcolonial n’existe pas», Genesis [En ligne], 3/3 | 2011, mis en ligne, URL: http://genesis.revues.org/597 ; DOI: 10.4000 /genesis.597.
Elleke Boehmer, ÉCRITURE POSTCOLONIALE ET TERREUR, Revue Littérature Ne 154, 2009/ 2.
Glenn Loury, Les stéréotypes raciaux, in Magali Bessone et Daniel Sabbagh, Race, racisme, discriminations. Anthologie de textes fondamentaux, Editions Hermann, 2015.
Grégoire Leménager, Des études (post)coloniales à la française, revue Labyrinthe 2006/ 2 (n° 24).
Hélène L’Heuillet, Les études postcoloniales, une nouvelle théorie de la domination?, Revue Cités (N° 72), 2017/ 4.
Jean-François Bayart et Romain Bertrand, De quel « legs colonial » parle-t-on? in Esprit 2006/ 12 (Décembre).
Jim Cohen, LA BIBLIOTHÈQUE POSTCOLONIALE EN PLEINE EXPANSION, Revue Mouvements, Ne 51, 2007/ 3, Editions La Découverte, Paris.
Johannes Angermuller, Qu’est-ce que le poststructuralisme français? A propos de la notion de discours d’un pays à l’autre, In Langage et société (n° 120) 2007/ 2.
La critique postcoloniale, étude des spécificités, Entretien de Boniface Mongo-Mboussa avec Jean-Marc Moura, http://africultures.com/la-critique-postcoloniale-etude-des-specificites- 1360, Publié le 30 avril 2000.
Laetitia Zecchini, Les études postcoloniales colonisent-elles les sciences sociales?, le 27 janvier 2011, disponible sur: https://laviedesidees.fr/Les-etudes-postcoloniales.html.
L’IMPOSSIBLE FONDEMENT DES THÉORIES POSTCOLONIALES, Le commerce du génie dans une société en devenir, Revue Littérature, N° 154, 2009/ 2.
Malika Mansouri, Le Colonial dans l’espace et le temps, in Révoltes postcoloniales au coeur de l’hexagone, Presses Universitaires de France, 2013, Paris.
Morgane Le Meur, Auteurs postcoloniaux et manuels scolaires: un lien en construction, Publié le 28 septembre 2014, disponible sur:
http://africultures.com/auteurs-postcoloniaux-et-manuels-scolaires-unlien- en- construction-12442.
Nicolas Bancel et Pascal Blanchard,Un postcolonialisme a la francaise ? Revue Cités, Ne 72, PUF, Paris, 2017/ 4.
Nicolas Bancel, QUE FAIRE DES POSTCOLONIAL STUDIES ? Vertus et déraisons de l’accueil critique des postcolonial studies en France, Vingtième Siècle. Revue d’histoire, 2012/ 3 N° 115, Presses de Sciences Po.
OCDE, PISA, 2012, France faits marquants, Editions OCDE.
Odile Tobner, Du racisme français, Editions Les Arènes, 2007, Paris,
(couverture).
Pascal Blanchard, Nicolas Bancel et Sandrine Lemaire (Sous la direction de) La fracture colonial, La société française au prisme de l’héritage colonial, La Découverte, 2006, Paris.
Pascal Melka, Victor Hugo, un combat pour les Opprimés, Etudes sur l’évolution politique, la Compagnie Littéraire, 2008, Paris.
Patrick Combes, La Littérature et le mouvement de Mai 68: écritures, mythes, critique, écrivains: 1968- 1981, Editions Seghers Paris , 1983.
Pétré-Grenouilleau, Les Traites négrières Essai d’histoire globale Gallimard, 2006
Pierre Akinwande, Négritude et Francophonie, Paradoxes Culturels et Politiques, L’Harmattan, 2011, Paris.
René Dany, La Partie et le tout, le PCF et la guerre Franco- Algérienne, Syllepse,1990, Paris.
Sandrine LEMAIRE, Nicolas BANCEL, Pascal BLANCHARD (sous la direction) La fracture colonial ,La société française au prisme de l’héritage colonial,Editions la Découverte, 2006.
Sarah Demart, «Au-delà de la controverse française: la critique postcoloniale dans le champ de la sociologie», SociologieS [En ligne], Dossiers, Sociétés en mouvement, sociologie en changement, mis en ligne le 07 mars 2016, consulté le 21 février 2019. URL: http://journals.openedition.org/sociologies/5300.
Stéphane Dufoix Lecture critique. Que faire des études postcoloniales?, «Revue française de science politique», Vol. 61, 2011/ 4.
Xavier Molénat, Faut-il brûler les études postcoloniales?, Sciences Humaines, Ne 217, Juillet 2010.
Yves Charles Zarka, LE POSTCOLONIALISME OU LE CRIME INEXPIABLE DE L’OCCIDENT, Revue «Cités» N° 72, 2017/ 4,
Yves Lacoste, LA QUESTION POSTCOLONIALE, Revue Hérodote, No 120, 2006/ 1, La Decouverte.


----------------------------------
[1]*- باحث في الفكر السياسيّ وأستاذ في جامعة تبسه – الجزائر.
[2]- Sarah Demart, «Au-delà de la controverse française: la critique postcoloniale dans le champ de la sociologie», SociologieS [En ligne], Dossiers, Sociétés en mouvement, sociologie en changement, mis en ligne le 07 mars 2016, consulté le 21 février 2019. URL: http://journals.openedition.org/sociologies/5300.
[3]- La critique postcoloniale, étude des spécificités, Entretien de Boniface Mongo-Mboussa avec Jean-Marc Moura, http://africultures.com/la-critique-postcolonialeetude-des-specificites-1360, Publié le 30 avril 2000.
[4]- Nicolas Bancel et Pascal Blanchard,Un postcolonialisme a la francaise?, Revue Cités, Ne 72, PUF, Paris, 2017/ 4, p53.
[5]- Pascal Blanchard, Nicolas Bancel et Sandrine Lemaire (Sous la direction de) La fracture colonial, La société française au prisme de l’héritage colonial, La Découverte, 2006, Paris, p10- 11.
[6]- Nicolas Bancel et Pascal Blanchard, Un postcolonialisme a la francaise? Revue Cités, Ne 72, PUF, Paris, 2017/ 4, p53.
[7]- Pascal Blanchard, Nicolas Bancel et Sandrine Lemaire (Sous la direction de) La fracture colonial, La société française au prisme de l’héritage colonial, La Découverte, 2006 , Paris, p9.
[8]- Bernard Djoumessi Tongmo, De la critique de l’infrastructure coloniale française à l’enchevêtrement des singularités culturelles dans Madame Bâ d’Erik Orsenna, Editions Publibook, 2017, pp13- 14.
[9]- يُنظر:
Glenn Loury, Les stéréotypes raciaux, in Magali Bessone et Daniel Sabbagh, Race, racisme, discriminations. Anthologie de textes fondamentaux, Editions Hermann, 2015.
[10]- Carole Reynaud Paligot, Races, racisme et antiracism dans les années 1930, ةditeur, PUF, 2007, Introdution, p1.
[11]- Yves Charles Zarka, LE POSTCOLONIALISME OU LE CRIME INEXPIABLE DE L’OCCIDENT, Revue «Cités» N° 72, 2017/ 4, p3.
[12]- جوليا كريسطيفا، علم النصّ، ترجمة فريد الزاهي، دار توبقال، 1997، الدار البيضاء، المغرب.
[13]- ايمي سيزار Aimé Cesaire كاتب وشاعر وسياسيّ من مستعمرة المارتينيك الفرنسيّة Martinique يعتبر مؤسّس الحركة الأدبيّة والسياسيّة الزنوجة Négritude من أشهر مؤلّفاته قصائده الموسومة بـ«كراس العودة إلى أرض الوطن» «Cahier d’un retour au pays natal» 1939، والذي أشارت قصاده إلى الَّلامساواة بين السود والبيض، و«خطاب حول الاستعمار» Discours sur le» colonialism» 1950 والذي شرّح فيه الاستعمار وكشف مناوراته وتستُّره تحت شعارات الحضارات والقيم الإنسانيّة.
[14]- ليون غونتران داماس (1912-1978) Léon-Gontran Damas يعدّ عند نقّاد الأدب الإفريقيّ الأب الروحيّ لحركة الزنوجة، تعتبر أشعاره وثائق ودساتير للحركة ومبادئ سامية للمثاقفة، ورفضًا لكلّ تعصّب وتمركز حول اللون، ومن أشهر دواوينه (قصائد زنجيّة على إيقاعات أفريقيّة) 1948 Poèmes nègres sur des airs africains.
[15]- ليوبولد سيدار سنغور (1906-2001) Léopold Sédar Senghor الشاعر/ الرئيس، أوّل رئيس لدولة السنغال المستقلّة (1960-1980) وأوّل أفريقيّ يُحظى بمقعد في الأكاديميّة الفرنسيّة، يُعدُّ من كبار مناضلي الحركة الفرنكوفونيّة وعضو مؤسّس للمجلس الأعلى للفرنكوفونيّة. أسّس مع أيمي سيزان وليون غونتران مجلّة الطالب الأسود L’ةtudiant noir سنة 1934 للتعبير عن الثقافة الزنجيّة ومقاومة العبوديّة والعنصريّة. له مؤلّفات عديدة في الدعوة إلى المساواة ودواوين شعريّة تتغنّى بالتضحيات السوداء في حقل العدالة والحرّيّة.
[16]- Pascal Melka, Victor Hugo, un combat pour les Opprimés, Etudes sur l’évolution politique, la Compagnie Littéraire, 2008, Paris, p385.
[17]- Pierre Akinwande, Négritude et Francophonie, Paradoxes Culturels et Politiques, L’Harmattan, 2011, Paris, p26.
[18]- Aimé Césaire, Discours sur le Colonialisme, 1950, Edition 1955, Présence Africaine, Paris, p3.
[19]- Jim Cohen, LA BIBLIOTHبQUE POSTCOLONIALE EN PLEINE EXPANSION, Revue Mouvements, Ne 51, 2007/ 3, Editions La Découverte, Paris, p166.
[20]- الراي: نمط موسيقيّ جزائريّ.
[21]- الكسكسيّ: طبق شعبيّ من المطبخ المغاربيّ.
[22]- Yves Lacoste, LA QUESTION POSTCOLONIALE, Revue Hérodote, No 120, 2006/ 1, La Decouverte, p15.
[23]- Sandrine LEMAIRE, Nicolas BANCEL, Pascal BLANCHARD sous la direction – 4 La fracture colonial, La société française au prisme de l’héritage colonial, Editions la Découverte, 2006, p11.
صدر كتاب) الشرخ الاستعماريّ، المجتمع الفرنسيّ من منظور الموروث الكولونياليّ( سنة 2006 وهو عمل جماعيّ يقع في 322 صفحة من الحجم المتوسّط، تتوزّع على مقدّمة مشتركة بعنوان – الشرخ الاستعماريّ أزمة فرنسيّة- وضحوا من خلالها سبب تأليف الكتاب الذي يعود حسب رأيهم إلى المناخ الفرنسيّ العام لم تتوقف في السنوات الأخيرة المناقشات حول الماضي الاستعماري لفرنسا في الفضاء العمومي، وجاء هذا الانبثاق من أماكن متعددة وجمعيات متنوعة، منها المتّصل بالتاريخ الاستعماريّ مثل المرحلين والحركى وقدماء محاربي ثورة الجزائر، ومنها ما يتّصل بالدولة حين تشرع في التصويت على نصوص بناء الذاكرة الرسميّة، وأيضًا من الأكاديميّين الجامعيّين الذين ينشرون بحوثًا تتعلّق بالفترة الاستعماريّة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ص9 ثمّ تليها أربعة وعشرون بحثًا وملحقين حول منهجيّة دراسة الذاكرات الثلَّاث، الكولونياليّة والهجرة والحضريّة.
تناولت المقالات جميعها علَّقة الاستعمار الفرنسيّ مستعمراته المستقلّة وانعكاس الوعي الوطنيّ على الجمهوريّة مع ظهور الإسلام السياسيّ، بالإضافة إلى إشكالات الهجرة من حيث الاندماج والانقسام بين أرض الاستقبال وأرض الأجداد والأصول.
[24]- نيكولا بانسول، صاحب مقال: ماذا نفعل بدراسات ما بعد الكولونياليّة المنشور بـ:
Nicolas Bancel, Que faire des postcolonial studies ? in Vingtième Siècle, 2012/ 3 (N° 115).
[25]- Grégoire Leménager, Des études (post)coloniales à la française, revue Labyrinthe 2006/2 (n° 24), p86.
[26]- Morgane Le Meur, Auteurs postcoloniaux et manuels scolaires: un lien en construction, Publié le 28 septembre 2014,disponible sur http://africultures.com/auteurs-postcoloniaux-et-manuels-scolaires-un-lien-enconstruction- 12442.
[27]- Nicolas Bancel, QUE FAIRE DES POSTCOLONIAL STUDIES? Vertus et déraisons de l’accueil critique des postcolonial studies en France, Vingtième Siècle.Revue d’histoire, 2012/ 3 N° 115, Presses de Sciences Po, p131.
[28]- نيكولا بانسال، ماذا نصنع بدراسات ما بعد الكولونياليّة، مرجع سابق، ص135.
[29]- Achille Mbembe, Olivier Mongin, Nathalie Lempereur et Jean-Louis Schlegel, QU’EST-CE QUE LA PENSةE POSTCOLONIALE? Revue Esprit, 2006/ 12 Décembre, p119.
[30]- René Dany, La Partie et le tout, le PCF et la guerre Franco-Algérienne, Syllepse, 1990, Paris, p67.
[31]- Boidin Capucine, Etudes décoloniales et postcoloniales dans les débats Français, Cahiers des Amériques Latines, Janvier 2009, Paris, p135.
[32]- Xavier Molénat, Faut-il brûler les études Postcoloniales? Revue Sciences Humaines, Ne 217, Juillet 2010.
[33]- Malika Mansouri, Le Colonial dans l’espace et le temps, in Révoltes postcolonial au coeur de l’hexagone, Presses Universitaires de France, 2013, Paris, p161.
[34]- Laetitia Zecchini, Les études postcoloniales colonisent-elles les sciences sociales?, le 27 janvier 2011, disponible sur: https://laviedesidees.fr/Les-etudespostcoloniales.html.
[35]- Morgane Le Meur, Auteurs postcoloniaux et manuels scolaires: un lien enconstruction, Publié le 28 septembre 2014, disponible sur: http://africultures.com/auteurs-postcoloniaux-et-manuels-scolaires-un-lien-enconstruction- 12442.
[36]- Christine Chivallon, LA QUتTE PATHةTIQUE DES POSTCOLONIAL STUDIES OU LA RةVOLUTION MANQUةE, Revue Mouvements, Ne 51, 2007/ 3, p32.
[37]- Christine Chivallon, LA QUتTE PATHةTIQUE DES POSTCOLONIAL STUDIES OU LA RةVOLUTION MANQUةE, Revue Mouvements, Ne 51, 2007 /3, p32.
[38]- Achille MBEMBE, «Qu’est-ce que la pensée postcoloniale?» Esprit, Ne 330, 2006, p117.
[39]- ينظر كتاب: Pétré-Grenouilleau, Les Traites négrières Essai d’histoire globale Gallimard, 2006.
[40]- Christine Chivallon, LA QUتTE PATHةTIQUE DES POSTCOLONIAL STUDIES OU LA RةVOLUTION MANQUةE, Revue Mouvements, Ne 51, 2007/ 3, p35.
[41]- OCDE, PISA, 2012, France faits marquants, Editions OCDE, p13.
[42]- Odile Tobner, Du racisme français, Editions Les Arènes, 2007, Paris,( couverture).
[43]- Della Faille Dimitri, Les études postcoloniales et le sous-développement, Revue québécoise de droit international, hors série novembre 2012, p17.
[44]- Della Faille Dimitri, Les études postcoloniales et le sous-développement, Revue québécoise de droit international, hors série novembre 2012, p15.
[45]- المرجع السابق، ص20.
[46]- Della Faille Dimitri, Les études postcoloniales et le sous-développement, Revue québécoise de droit international, hors série novembre 2012, p25.
[47]- L’IMPOSSIBLE FONDEMENT DES THةORIES POSTCOLONIALES, Le commerce du génie dans une société en devenir, Revue Littérature, N° 154, 2009/ 2.
[48]- المرجع السابق، ص68.
[49]- يوسف بكار، في الأدب المقارن مفاهيم وعلاقات وتطبيقات، دار الآن ناشرون للنشر والتوزيع، 2017، عمان، ص37.
[50]- يوسف بكار، في الأدب المقارن مفاهيم وعلاقات وتطبيقات، دار الآن ناشرون للنشر والتوزيع، 2017، عمان، ص60.
[51]- Patrick Combes, La Littérature et le mouvement de Mai 68: écritures, mythes, critique, écrivains: 1968 -1981, Editions Seghers Paris , 1983, p13.
[52]- مرجع سابق، ص71.
L’IMPOSSIBLE FONDEMENT DES THةORIES POSTCOLONIALES.
[53]- يوسف بكار، في الأدب المقارن مفاهيم وعلاقات وتطبيقات، دار الآن ناشرون للنشر والتوزيع، 2017، عمان، ص73.
[54]- المرجع نفسه، ص73.
[55]- Elleke Boehmer, ةCRITURE POSTCOLONIALE ET TERREUR, Revue Littérature Ne 154, 2009/ 2, p84.
[56]- I bid: Elleke Boehmer, ةCRITURE POSTCOLONIALE ET TERREUR p90.
[57]- Hélène L’Heuillet, Les études postcoloniales, une nouvelle théorie de la domination?, Revue Cités (N° 72),2017/ 4, p41.
[58]- Xavier Molénat, Faut-il brûler les études postcoloniales?, Sciences Humaines, Ne 217, Juillet 2010.
[59]- Dominique Combe, «Le texte postcolonial n’existe pas», Genesis [En ligne], 3/3 | 2011, mis en ligne, URL: http://genesis.revues.org/597; DOI:10.4000/genesis.597.
[60]- Clemens Zobel et Maria Benedita Basto, Oظ VONT LES ةTUDES POSTCOLONIALES? Revue Mouvements, N° 51, 2007/ 3, p157.
[61]- Stéphane Dufoix Lecture critique. Que faire des études postcoloniales?, «Revu française de science politique», Vol. 61, 2011/ 4.
[62]- Alec G. Hargreaves, Chemins de traverse. Vers une reconnaissance de la postcolonialité en France, Revue Mouvements, Ne 51, 2007/ 3, p24.
[63]- أشيل مبامبي Achille mbembe (1957) أستاذ وباحث وسياسيّ كاميروني، يعتبر من منظريّ تيّار ما بعد الكولونيالية، بسلسلة من البحوث والدراسات: إفريقيا المتمرّدة، المسيحيّة، السلطة، والدولة في مجتمع ما بعد الكولونياليّة.
Afriques indociles. Christianisme, pouvoir et ةtat en société 1988 postcoloniale.
وكتاب: من ما بعد الكولونياليّة، دراسة في المخيال السياسيّ في إفريقيا المعاصرة.
De la postcolonie. Essai sur l’imagination politique dans l’Afrique 2000, contemporaine.
[64]- Achille Mbembe, Olivier Mongin, Nathalie Lempereur et Jean-Louis Schlegel, QU’EST-CE QUE LA PENSةE POSTCOLONIALE?, Revue Esprit, 2006/ 12 Décembre, p118.
[65]- المرجع السابق، ص120-121.
[66]- Johannes Angermuller, Qu’est-ce que le poststructuralisme français? A propos de la notion de discours d’un pays à l’autre, In Langage et société (n° 120) 2007/ 2. P17.
[67]- Jean-Francois Bayart et Romain Bertrand, De quell «legs colonial» parle-t-on? In Esprit 2006/ 12 Décembre, p134.
[68]- BENRABAH Mohamed, Voyage en Algérie, pays des 66 milliards de dollars de réserve et de l’immense désespoir des jeunes,in Revue Esprit, 2006/ 12 (Décembre).
[69]- Jean-François Bayart et Romain Bertrand, De quel «legs colonial» parle-t-on?
مرجع سابق، ص160.
[70]- Nicolas Bancel Que faire des postcolonial studies? In Vingtième Siècle, Ne 115, 2012/ 3, p131.
[71]– Nicolas Bancel Que faire des postcolonial studies? In Vingtième Siècle, Ne 115, 2012/ 3, p133- 134.
[72]- صدر كتاب Jean-François Bayart, Les études postcoloniales, un carnival سنة 2010 عن دار خرطالة kaRTHALA.