البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الإمبرياليّة الرقميّة؛ دور الخوارزميات والبرمجة في الحرب الناعمة

الباحث :  مريم رضا خليل
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  30
السنة :  ربيع 2023م / 1444هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 22 / 2023
عدد زيارات البحث :  516
تحميل  ( 484.324 KB )
تسعى الورقة إلى تبيين عمليّة التحديث التي تطال الحرب الناعمة عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، بتوظيف الخوارزميّات الرقميّة في عمليّة الجذب والتأثير. وتحاول أن تكشف عمليًّا دور البيانات الرقميّة في بلورة مرحلة جديدة من الحرب الناعمة؛ تقوم على توظيف كلّ العناصر المتاحة في العالم الرقميّ ما يسمح بإطلاق مسمى «الحرب الناعمة الرقميّة»، وفي حين تسخَّر الحرب الناعمة ما بعد الحرب الباردة في استعادة التوازن الغربيّ أمام التحوّل الدوليّ باتجاه الشرق والتوزّع بعيدًا عن المركزيّة الغربيّة، سواء نحو الدول أو الأطراف من غير الدول، فإنّ الحرب الناعمة الرقميّة تشير إلى عدم نجاح الحرب الناعمة التقليديّة ضدّ شعوب المنطقة حتى الآن بما يتناسب مع الأهداف والموارد؛ السبب الذي يدفع باتجاه الاستثمار الأقصى الماكينة الافتراضيّة للسيطرة عبرها في نوع من «التوحّش المتمدّن» في الهيمنة، أشبه بعمليّة «مكننة» للفاعل الإنسان، حتى لو كان الثمن هو البعد «الكينونيّ الوجوديّ الإنسانيّ» للمجتمعات البشريّة.

كلمات مفتاحيّة: القوّة الناعمة، الحرب الناعمة الرقميّة، الفوضى الخلّاقة، الثورة الملوّنة، الخوارزميّات، وسائل التواصل الاجتماعيّ، التأثير.

مقدّمة
تشغل الحرب الناعمة مراكز الدراسات الفكريّة والسياسيّة لدورها المؤثّر في التحوّلات العالميّة وإعادة تشكيل أنماط الصراع بالاستفادة من تطوّر ثورة المعلومات وارتباطها بثورة الاتصالات الحديثة التكنولوجيّة والرقميّة، وفي حين يعزّز منطق الهيمنة تاريخيًّا معركة الصراع على السلطة و«البقاء للأقوى»، تشكّل الحرب الناعمة النسخة المستحدثة من أوجه النزاع والحروب؛ فهي الحرب «الصامتة» التي تلجأ إليها المركزيّة الغربيّة بغية تعديل موازين القوى والحفاظ على ما تبقّى من الهيمنة في قيادة قطبيّة العالم. منذ التسعينات رفع المفكّرون الغربيّون ناقوس خطر مسار «الإمبراطوريّة الأميركيّة» نحو الانحدار وتماثل مصيرها بالإمبراطوريّة البريطانيّة، وتمثّل الحرب الناعمة الأداة الأساس في ترميم خلل تمركز الغرب باعتماد «القصف الخفيّ» لثقافة الشعوب والهويّات القوميّة والوجوديّة والحضارات. وتلجأ القوى العدوانيّة إلى الحرب الناعمة على اختلاف صورها وتنوّعها إلى استهداف المجتمعات المناهضة لسياسات الخضوع والتبعيّة والاستلاب.
تشهد الحرب الناعمة اليوم تحديثًا في أدواتها يتكيّف مع تطوّرات العالم الرقميّ في فرض الهيمنة، وبات الواقع الافتراضيّ ساحة الحرب في عزل الجماعات المستهدفة عن الواقع الحقيقيّ وتغيير أولويّات القيم والضرورات والمخاطر، وتتمحور هذه الورقة حول دور الخوارزميّات الرقميّة في الحرب الناعمة وكيفيّة برمجة الاستهداف. وتحاول الإجابة عن الأسئلة التالية:

ـ أيّ دور تؤدّيه الخوارزميّات في الحرب الناعمة على وسائل التواصل الاجتماعيّ، وكيف تؤثّر؟
ـ ما هي الآليّات التي تبلور برامج الحرب الناعمة «الرقميّة»؟
ـ بأيّ اتجاه تسخّر القوى العدوانيّة المعلومات الرقميّة في مسيرة التطوّر البشريّ؟

وتفترض الورقة أنّ الخوارزميّات دخلت عالم التأثير من بوابة رقمنة الحياة اليوميّة وتعقّبها وربطها بالمقاييس الموضوعة لتوسيع مدى وصول البرامج الخارجيّة، لا سيّما عند محاولة استهداف مجموعات محدّدة للغاية عبر الجذب والاستمالة من خلال التحكّم بعمليّات الإدراك والوعي والإحساس الجماعيّ بالواقع، وصولًا إلى التحكّم بالقرارات والسلوك والأنماط الإدراكيّة والمعايير الذوقيّة، وفي الوقت الذي يُتَّهم به معارضو السياسة الأميركيّة بقمع حرّيّات التعبير ومنع تدفّق المعلومات، تبيح واشنطن لنفسها تأطير هذه المعلومات، بل وتأطير «الذوات» عبر السيطرة الإعلاميّة والتكنولوجيّة واستباحة الخصوصيّات، وإشعال الثورات الملوّنة بالتنسيق مع الدوائر الاستخباريّة.
تطرح الخوارزميّات معادلة جديدة في الحرب الناعمة تستهدف الجبهة المقابلة في سياق معركة تتميّز بأنّها مفتوحة ومتواصلة؛ مستورة دون بصمة، قابلة للتفعيل ضد كلّ الشرائح والفئات العمريّة، وذات موارد ضئيلة مقارنة بتلك المستخدمة في الحروب الصلبة، ناهيك عمّا تقدّمه الخوارزميّات من ميزة تحديث لمختلف أسلحة الحرب الناعمة وجبهاتها، لا سيّما في الفوضى الخلّاقة والثورة الملوّنة، غير أنّ الخطر الأكبر والأوّل في الحرب الجديدة هو في تجنيد الجهل بتحدّيات الحرب وتهديداتها أو الغموض حولها، بما يؤمّن المزيد من السيطرة باتجاه واحد، وإعادة تشكيل الوعي وإنتاج الأهداف وتعديل التوجّهات وإدارة التحرّكات أيضًا؛ الأمر الذي يرفع درجة المسؤوليّة في البحث عن معادلة مبتكرة في المنافسة والمواجهة وتقويض فعاليّة الحرب الجارية. وتجدر الإشارة إلى أنّ الورقة اعتمدت استخدام المصطلحات العمليّة المعتمدة في ميدان الحرب الصلبة للتماثل بين الجبهتين وتجنّبًا للوقوع في فخّ جمود المعاني وثقل المصطلحات.

القوّة الناعمة في سياق الحرب
يعدّ مفهوم القوّة من المفاهيم الأساسيّة في عالم السياسة، وبمثابة الحجر الأساس في العلاقات بين الدول. تطوّر المفهوم مع نشوء الدول واتّساعها، واتّخذ صورًا متعدّدة تبعًا لطبيعة النظام القائم وشكله، وفي حين تتنوّع تعريفات القوّة وتتوزّع ما بين مفاهيم القدرة على التأثير والإخضاع، والمشاركة والتحكّم والسيطرة، يرتبط جوهر المفهوم كما ذكره كارل ج. فريدريك[2] Friedrich) (Joachim في معرض دراسة التداخل بين مفهومَي القوّة والسلطة والتمييز بينهما بـ«القدرة على إنشاء علاقة تبعيّة» بين طرفين؛ تجمع مفهوم التسلّط والقدرة على الاستمالة والنفوذ لدى الآخرين، بحيث يستطيع الطرف الأوّل من خلال الاستخدام الماهر والذكيّ للقوّة أن يجعل الطـرف الثاني يفعل ما يريد دون قهر أو إرغام وفق مصالح مالك القوّة[3].
ساهم الصراع القائم بين الرأسماليّة والاشتراكيّة ما بعد الحرب العالميّة الثانية ومحاولة كلّ طرف استمالة عدد من الدول في تطوّر مفهوم القوّة بحيث يتجاوز القدرة والتأثير أو التهديد بالطرق العسكريّة في إطار الحرب الصلبة، وتعزّزت الحاجة إلى بديل عن القوّة الصلبة مع سقوط حائط برلين وتحوّل العالم إلى أحاديّ القطبيّة، وانتشار العولمة، فقد فرضت متغيّرات النظام الحديث والتطوّر العلميّ والاقتصاديّ، خاصّة مع ظهور الإنترنت وانتشار المعلومات، تطوّر مفهوم القوّة ونشوء مفهوم «القوّة الناعمة أو المرنة» (Soft power) في التسعينات من القرن الماضي، وقد شغل المفهوم الجديد على مدى العقدين الماضيين أدبيّات السياسة الخارجيّة الأميركيّة مع التطوّرات في طبيعة النظام العالميّ بفواعله وقضاياه ومؤسّساته وأنماط تفاعلاته، واتسع استخدامه وانتشاره في دوائر التحليل وصناعة القرار، كما شهد المزيد من التطوّر مؤخّرًا ليشمل القوّة الذكيّة كمزيج ما بين القوّة الصلبة والناعمة.

تعود صياغة المصطلح للأكاديميّ الأميركيّ، جوزيف ناي[4]، الذي استخدمه لأوّل مرة في مجلّة السياسة الخارجيّة، في مقالته الصادرة العام 1990، بعنوان «القوّة الناعمة»[5]، وفي كتابه المنشور العام التالي بعنوان: «ملزمة بالقيادة: الطبيعة المتغيّرة للقوّة الأميركيّة»[6]. يعرّف ناي القوّة الناعمة بأنّها القدرة على تشكيل تفضيلات الآخرين، فإذا فرضنا أنّ ثمّة علاقة بين طرفين، فإنّ الطرف الأوّل يستطيع أن يؤثّر في الطرف الثاني عن طريق توجيه سلوكه، ويتمّ هذا بالانجذاب إلى ثقافة الطرف الآخر وقيمه، وليس عن طريق الرشوى أو التهديد أو الإرغام [7]. ويجادل بأنّ «قوّة الجذب يمكن أن تكون مكمّلًا مهمًّا لأشكال أكثر تقليديّة من القوّة على أساس النفوذ الاقتصاديّ أو العسكريّ، أو جعلهم يوافقون على القواعد والمؤسّسات التي تنتج السلوك المطلوب. يمكن أن تستند القوّة الناعمة إلى جاذبيّة أفكار الفرد أو القدرة على وضع جدول الأعمال بطرق تحدّد تفضيلات الآخرين»[8].
تقوم الفكرة الأساسيّة في طرح ناي للمفهوم على ضرورة استخدام الولايات المتّحدة ما تملكه من جاذبيّة على مستوى ثلاثة موارد: «ثقافة الدولة»، و«الفكر السياسيّ»، و«السياسة الخارجيّة»[9]. بهذا المعنى، يفترض ناي ضرورة أن تركّز الولايات المتحدة على بعد غير مادّيّ، إضافة للبعدين العسكريّ والاقتصاديّ، في فرض إرادتها وتعزيز السيطرة والهيمنة على العالم بشكل غير مباشر على القوى الصاعدة التي باتت تشكّل تهديدًا للنظام العالميّ الذي تقوده الولايات المتّحدة الأميركيّة.
ويرتكز المفهوم، وفقًا لطرح ناي، على البعد الثقافيّ والفكر الليبراليّ ومضامين الديمقراطيّة بالمفهوم الأميريكيّ، ويتحدّد الرابح أو الطرف الأقوى في امتلاك القوّة الناعمة بناء على معيار القدرة على الترويج للثقافة التي يمتلكها ونشر السمات المادّيّة والفكريّة والروحيّة لمجتمعه، من الفنون والآداب والعادات والتقاليد.

وبناء عليه، فالقوّة الناعمة وفق منظّرها هي قوّة الجذب والتأثير بالاستمالة، بدافع الحفاظ على الهيمنة على العالم باستخدام وسائل غير عنيفة، وبأساليب غير محسوسة وتدريجية، في سياق عمليّة هيمنة على الأفكار والنماذج السلوكيّة والتفاعلات الاجتماعيّة. وأمام ما تمثّله هذه القوّة من خطر على الشعوب المستضعَفة في العالم، أطلق المرشد الأعلى للثورة الإيرانيّة، الإمام الخامنئيّ مصطلح «الحرب الناعمة»، كعنوان أيديولوجيّ وإستراتيجيّ لجبهة محدّدة في نطاق الصراع القائم بين إيران والغرب[10] في العقدين الأخيرين. ويشير المصطلح الجديد إلى ضرورة فهم الواقع المحيط بالأمّة من منظور اليقظة تجاه سلاح «القوّة الناعمة» في معركة السيطرة والهيمنة على العقول والتحكّم بالمستهدَف ودفعه نحو التبعيّة، رغبة أو اضطرارًا أو تأثّرًا بقوّة موارد المستهدِف، فالحرب الناعمة هي معركة «القصف الصامت» على وعي الآخرين، حيث يتمّ العمل على اختراق الطرف الآخر بطريقة خفيّة لا يعي خلالها أنّه قيد الاستهداف وداخل عملية التحكّم به والسيطرة عليه. وتتمحور أهدافها حول تحطيم الحصون المعنويّة للمجتمعات المستهدَفة عبر زرع التردّد في أذهان عناصرها، وتشكيكها في قيمتها ونموذجيّة القاعدة المنتمية إليها، الدفع بالفئات المستهدَفة للانبهار بالنموذج الآخر، والشعور بالحرج أو الدونية تجاه الهويّة الأصيلة، تجريد الشعوب من هويّتها وثقافتها وصولًا إلى كينونتها ووجودها، تقليد النموذج الآخر، بل والدفاع عنه والعمل على نشر ثقافته، بدلًا من اليقظة تجاه برامجه ومخطّطاته.

تشير هذه الأهداف إلى شدّة خطورة الحرب الناعمة في ترسيخ مفهوم التبعيّة والإخضاع، والأخطر في إعادة إنتاج الفئات التابعة لتصبح بدورها مصدرًا للقوّة الناعمة، فتؤثّر بغيرها وتؤدّي دور الجهة المستهدِفة، وكأنّها مصدر أو منشأ القوّة الناعمة، وليس كناتج لها، وذلك في إطار من قوّة الاستتباع الناعم أو ما يطلق عليه تجاوزًا «الاحتلال الذاتيّ»[11]. الأمر الذي يكشف خطر القوّة الناعمة في التأثير التفاعليّ وتطوّره في مجال الاستهداف البنيويّ للمجتمعات من خلال تفعيل القابليّة الذاتيّة لإعادة إنتاج قيم دول الهيمنة وممارسة الحرب الناعمة من قبل الداخل وباتجاه الداخل.

الدوافع والحاجة للقوّة البديلة
نشأت الحرب الناعمة في رحم جدل الإدارة الأميركيّة حول طبيعة التوجّه السياسيّ لواشنطن بعد انتهاء الحرب الباردة وبداية بروز الحديث عن أفول الهيمنة الأميركيّة في النظام العالميّ مقابل صعود القوى الأخرى إلى ما بعد القطبيّة الواحدة[12]. وقد عكس طرح جوزيف ناي رؤية الاتجاه المتفائل باستمراريّة الهيمنة الأميركيّة وبقاء الأحاديّة القطبيّة، لكن ذلك مشروط بتعزيز الولايات المتّحدة قوّتها الناعمة. وعلى الرغم من صياغة المفهوم حديثًا، إلّا أنّه استخدم كمفهوم دلاليّ وعمليّ في محطّات مختلفة من التاريخ الإنسانيّ.

تاريخيًّا، طبّقت دول الاستعمار الفرنسيّة والأميركيّة والإنكليزيّة المفهوم عمليًّا، من خلال ممارسة ما يعرَف بـ«التطهير» الثقافيّ ضدّ شعوب مستعمراتها باسم التعليم، بينما كانت العمليّة عبارة عن حملة من التعرية أو المسخ أو الإبادة الثقافيّة التي سعى خلالها المستعمِر إلى تشنيع هويّة المستهدَف لدرجة اشمئزاز صاحبها منها والنظر إلى العالم بعيونِ مستعمِره[13]. وقد قارب أنطونيو غرامشي المفهوم في القرن العشرين عبر تطوير نظريّة «الهيمنة الثقافيّة» لكارل ماركس، وذلك في مؤلَّفه «رسائل السجن» الذي فكّك فيه بنية الهيمنة، وأوضح فيه عملية سيطرة المجتمع الرأسماليّ على العقول وصناعة الهيمنة من قبل النخبة وعبر مؤسّسات التنشئة الاجتماعيّة كالمدرسة والكنيسة والمجلّات [14]. الرؤية التي تشكّل منطلقًا لبرنامج «فولبرايت» الأميركيّ الذي قام تحت عنوان «التبادل» الطلابيّ أو الثقافيّ حول العالم، العام 1946، بعد الحرب العالميّة الثانية[15]، بينما استخدم كوسيلة لنشر مفاهيم الليبراليّة والديمقراطيّة بمعناها القهريّ في الإخضاع الثقافيّ والاقتصاديّ والسياسيّ للمجتمعات الأخرى على الطريقة الأميركيّة في إطار الحرب الباردة بين الولايات المتّحدة الأميركيّة والاتحاد السوفياتيّ.
وقد جاءت الحرب الناعمة الإعلاميّة سبّاقة في مطلع القرن العشرين، إذ أسّست إدارة الرئيس وودرو ويلسون (1913-1921) لجنة المعلومات العامّة الحكوميّة أو هيئة الدعاية الحكوميّة، التي ترأسّها السياسيّ والصحفيّ الاستقصائيّ جورج كريل، وعرفت نسبة له بـ«لجنة كريل». وقد نشطت وزارة الدعاية الأميركيّة في مجال التضليل بهدف «توجيه فكر معظم العالم»، وفق ما ورد في تقاريرهم السرّيّة، والأكثر أهمّيّة هو الرغبة في السيطرة على فكر النخب الأميركيّة وتجنيدهم في نشر الدعايات المخطط لها[16]. وللمفارقة، استهدفت أوّل عمليّة دعائيّة حكوميّة أميركيّة في العصر الحديث الداخل الأميركيّ بالتضليل ونشر الأكاذيب بغية تغيير قناعات المواطنين الرافضين للدخول في الحرب العالميّة الأولى. وتهاوت شعارات الديمقراطيّة وعناوين الحرّيّة أمام الأهداف الأميركيّة؛ فعمدت «لجنة كريل» إلى مختلف أساليب الدعاية، ونجحت خلال ستة أشهر في تحويل المواطنين «المسالمين لأقصى الدرجات»، كما يصفهم تشومسكي، والمتردّدين من الانخراط في حرب خارجيّة إلى مواطنين تتملّكهم الهستيريا والتعطّش للحرب والمشاركة الحماسيّة[17].

قاد نجاح تلك التجربة إلى اعتماد الحرب الناعمة بشكل كبير أثناء الصراع الأيديولوجيّ بين المعكسرين الاشتراكيّ والرأسماليّ مع تطوّر نظريّة الردع نتيجة حالة الرعب المتبادل بين الطرفين عن طريق امتلاك السلاح النوويّ. ويذكر ناي الدور الكبير لدور التلفزيون والسينما والأفلام والمسلسلات الأميركيّة في مواجهة الولايات المتّحدة للاتحاد السوفياتيّ، عبر اختراق جدار برلين قبل زمن طويل من سقوطه عام 1989م؛ الأمر الذي يفيد أنّ الإدارة الأميركيّة كانت تعمل على احتواء الاتحاد السوفياتيّ بالتوازي مع السعي للتفاوض معه، فالاختراق الأميركيّ الفكريّ قوّض مفاصل الاتحاد السوفياتيّ من الداخل، وزعزع البنى التحتيّة وعرّضها للتآكل، فالتبادلات الثقافيّة التي سهّلت زيارة نحو 50 ألف سوفياتيّ وفق ما يذكر ناي، ما بين صحفيّين وموسيقيّين ورياضيّين وأكاديميّين للولايات المتّحدة في الفترة ما بين عامي 1958 و 1988 كانت بمثابة حصان طروادة داخل موسكو.
وبعد سقوط الاتحاد السوفياتيّ، ظهرت نظريّة القوّة الناعمة على يد جوزيف ناي، في سياق التأكيد على نظام الأحاديّة القطبيّة، وتمّ تفعيل الحرب الناعمة عقب الحرب الأميركيّة على منطقة غرب آسيا، وتحديدًا أفغانستان والعراق، مطلع الألفيّة الثانية بهدف إعادة توجيه السياسيّة الخارجيّة الأميركيّة واستعادة توازنها بعيدًا عن استخدام القوّة الصلبة التي أثبتت عدم التكافؤ في المردود والكلفة[18]. فشهدت دول المنطقة ما عرف بـ«ثورات الربيع العربيّ»؛ أرادتها الشعوب أن تكون منفذًا باتجاه الديمقراطيّة التي تبهر الولايات المتّحدة فيها أنظمة دول المنطقة ومواطنيها، بيد أنّ التجربة كشفت الأهداف الحقيقيّة وراء التوجيه الأميركيّ الخفيّ لتلك الحركات في إسقاط الأنظمة دون تدخّل عسكريّ بكلفة مرتفعة على غرار التجربة العراقيّة[19]، فضلًا عمّا كشفته وثيقة الشرق الأوسط الكبير التي قدّمتها الولايات المتّحدة الأميركيّة إلى مجموعة الدول الثمانية الكبيرة عام 2004 من الأهداف الأميركيّة في السيطرة على العقول والهيمنة على الوطن العربيّ والدفع به نحو النمط الغربيّ[20].

وكما ارتبطت الحرب الناعمة بمفهوم الاستعمار القديم، تعلّق بمرحلة الاستعمار ما بعد الحديث أو مرحلة عولمة الثقافة، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ العولمة مشروع رأسماليّ لإعادة تشكيل المجتمع الدوليّ وفق النموذج الغربيّ في الأيديولوجيا والاقتصاد والاجتماع تحت شعار توحيد النسيج الاقتصاديّ والثقافيّ العالميّ، بينما تتنامى الإمبرياليّة الثقافيّة وتغلب الطبيعة غير المتكافئة لتجربة الحداثة العالميّة في ما يخصّ دول العالم الأوّل والثالث. لقد انطبعت العولمة بضرورة هيمنة الرؤية الغربيّة الثقافيّة والاقتصاديّة على شعوب العالم، وقولبتها بما يحقّق االمصالح الغربيّة في التحكّم بالاقتصاد العالميّ، ورهن الدول بقروض مؤسّسات النقد الدوليّة لسلب إرادة الشعوب والدفع بالدول إلى مصاف الدول الفاشلة والهشّة.

الحرب الناعمة وعقيدة الفوضى الخلّاقة
طرح المحافظون الجدد في البيت الأبيض الحرب الناعمة في سياق عقيدة الفوضى الخلّاقة ضد دول منطقة غرب آسيا، وشمال إفريقيا بعد هجمات أيلول، العام 2001؛ الأحداث التي اتُّخِذت ذريعة لمواجهة ما أطلقت عليه إدارة الرئيس جورج بوش الابن، آنذاك، «الحملة على الإرهاب»، فأعلنت وزارة الخارجيّة، وتحديدًا على لسان الوزيرة كوندوليزا رايس «استخدام الفوضى الخلّاقة» في نشر الديمقراطيّة -على الطريقة الأميركيّةبالطبع- وإقامة شرق أوسط «جديد»، ثمّ «كبير»، ثمّ «أكبر وموسع».
وتُعرَّف الفوضى الخلّاقة بأنّها: «إحداثٌ متعمَّد لفوضى بقصد الوصول إلى موقف أو واقع سياسيّ يرنو إليه الطرف الذي أحدث الفوضى»، وهي أقرب إلى مفهوم «الإدارة بالأزمات»، بمعنى افتعال الأزمة أوّلًا، ثمّ العمل على إدارتها بالتدريج بما يخدم مصالح الجهة المعنيّة في تفكيك الجهة المستهدَفة، وإعادة تشكيلها مجدّدًا في قالب من التبعيّة والخضوع يخدم مصالحها؛ الهدف الذي صرّح به الرئيس الأميركيّ بوش الابن عند احتلال العراق، عبر جعل الأخير «واحة الديمقراطيّة بالشرق الأوسط، ونموذجًا ستحتذي به بقية الدول والأنظمة العربيّة». الديمقراطية التي تقوم على الهدم والدمار ومن ثمّ «إعادة البناء» وفق نموذج منظّريّ الفوضى الخلّاقة.

تعدّ الحرب الناعمة إحدى دعامات «منظومة» الفوضى الخلّاقة إلى جانب تأجيج الصراع العرقيّ والطائفيّ، وتغذية العصبيّات وضرب البعد الأمنيّ وافتعال الفتن وتنفيذ الاغتيالات. ويستبيح العدو في الحرب الناعمة استثمار أزمات الداخل ومشكلات الأقلّيّات العرقيّة في توليد أزمات جديدة وقيام ثورات ملوّنة ومن ثمّ تقديم النموذج الأميركيّ بمثابة الحلّ. وقد شهد العقد الأخير العديد من محاولات الثورات الملوّنة في دول المنطقة[21]، ما يصحّ معه إطلاق تسمية «عقد الحرب الناعمة الأميريكيّة» على العقد الثاني من القرن الحاليّ.

الثورات الملوّنة في خدمة الحرب الناعمة
لقد مثّلت الحرب الأميركيّة على فيتنام نقطة تحوّل كبرى في العقل الإمبراطوريّ الأميركيّ. لقد أقنعت تلك الحرب نخبة واشنطن بالحاجة إلى طريقة أخرى غير قتل الناس لإسقاط أو تغيير الأنظمة التي تستهدفها الولايات المتّحدة، فكانت الثورات الملوّنة في سياق الحرب الناعمة في دول تجد الاستراتيجيّة الأميركيّة أنّه من الضروريّ تغيير أنظمتها. وتعود تسمية هذا النوع من الثورات بـ«الملوّنة» نسبة إلى تكتيك حمل أعلام أو رايات أو أوشحة بلون معيّن من قبل المتظاهرين، وتعرّف الثورة الملوّنة أو المخمليّة بأنّها استراتيجيّة إسقاط الأنظمة والحكومات بطريقة سلميّة من خلال اعتماد الأنشطة اللاعنفيّة المنظّمة، والمقاومة السلبيّة، والأسلحة السيكولوجيّة النفسيّة، والحملات الدعائيّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وتطبّق ذلك وفق عقيدة الفوضى الخلّاقة في تغيير الأنظمة وإسقاط الحكومات. تتولّى مراكز أبحاث أميركية خاصّة تجهيز برامج التدريب والتخطيط والتنفيذ برعاية وإشراف المخابرات الأميريكيّة، وفي طليعة هذه المراكز، مركز «ألبرت أينشتاين» في الولايات المتّحدة، ومعهد «كانفاس» في بلغراد.

وتقوم العمليّة برمّتها على استهداف الشعوب باستراتيجيّة فوضى الاصطدام بالأنظمة، وتنظيم «الحركة الفوضويّة» ضمن «أنشطة لاعنفيّة»، معتمدة على منظمات المجتمع المدنيّ والمنظّمات غير الحكوميّة في تنظيم الجماعات المعارضة ودفعها باتجاه العصيان المدنيّ، وتقويض مشروعيّة وموثوقيّة الحكومة أو النظام المستهدَف، والعمل على احتواء الثورات الحقيقيّة وإدارتها وحرفها عن مسارها. وتُحدّد فعاليّة عمل المنظّمات بقدرتها على إقناع قطاعات اجتماعيّة واسعة نسبيًّا بأنّها تتبنّى مطالبها وتطلّعاتها العميقة، وبأنّ إسقاط النظام القائم، أو التمهيد للانفصال عنه هو المدخل الصحيح لمعالجة جميع مشكلاتها. ومع تداخل عمل هذه المنظّمات بأساليب السياسة الحاكمة في عصر الفوضى الخلّاقة وحرب الجيل الرابع، تطفو العديد من الإشكاليّات حول مصداقيّة عملها وشفافيّته، بل وعدم فعاليّته في عمليّة تمكين المواطنين والعجز عن تحويل الطاقة الجمعيّة لأيّ ثورة إلى قوّة شعبيّة منظّمة معتدلة[22]، ما تترجمه الحروب الأهليّة في دول منطقتنا، كما في سوريا، والاستيلاء على السلطة من قبل أحزاب ما كانوا هم خيار الشعب أساسًا.

يعدّ البروفيسور الأميركيّ، جين شارب(Sharp)[23]، منظّر هذه الثورات الملوّنة التي حفل بها القرن الواحد والعشرون في دول وسط وشرق أوروبا ووسط آسيا، وتحديدًا في الدول المناوئة لسياسة الولايات المتّحدة الأميركيّة. ولم يعد خافيًا أنّ الحركات التي مثّلت الثورات الملوّنة في أوكرانيا وجورجيا وزيمبابوي وفنزويلا وإيران، وفي منطقتنا ما عُرف بموجة «الربيع العربيّ» في تونس ومصر وسوريا، ولاحقًا في لبنان والعراق، عَبَرَتْ جميعها عبر معهد «كانفاس» للتدريب، وتلقّى قادتها توجيهات مكثّفة ودعمًا ماليًّا ولوجستيًّا[24]. كما طبّقت هذه الثورات العديد من نصائح شارب في الثورة الملوّنة، لا سيّما استخدام صورة القبضة في التظاهرات مع كلمة «أوتبور» الصربية، وتعني «المعارضة» أو «المقاومة»، واستخدام «البذاءة»، والتشهير بالشخصيّات الرمزيّة والغناء وتوزيع الورود، واستمالة الجنود، وغيرها من التكتيكات الواردة في كتيّب شارب، من الديكتاتوريّة إلى الديمقراطيّة.

وتساهم الخوارزميّات والبيانات الرقميّة حديثًا في تفعيل الثورة الملوّنة لما تؤمّنه من معلومات للمشغّل يرصد من خلالها الفرص القابلة للتفعيل من ظروف سياسيّة اجتماعيّة تراكميّة ضاغطة أو تطوّرات أمنيّة مفتعلة أو واقعيّة أو أحداث سياسيّة، فيعمل علىى تحديد أنواع الشرائح المجتمعيّة الهشّة القابلة للتحريك في إطار العمل ضمن المنظّمات المدنيّة؛ أو القابلة للدمج والتشبيك؛ لافتقارها للموانع الأيديولوجيّة أو السياسيّة والمستعدّة للحضانة مع فقدان الثقة والانتماء الهويّاتيّ أو الوطنيّ. وتنشط مختلف أدوات الثورة الملوّنة على مختلف قنوات التواصل الواقعيّ والافتراضّي في استهداف مختلف الشرائح كلّ بحسب خصائصها وتطلّعات عناصرها.

الخوارزميّات وبرمجة الاستهداف
تطوّرت أدوات الدول وآليّاتها التأثير والنفوذ في عمليّة تكيّف مع أنماط وأشكال الهيمنة والسيطرة عبر التاريخ، ورافقت تحوّلات الحياة المعاصرة ومستجدّات ظروفها عمليّة تبدّل أنماط وأشكال الحرب الناعمة بالاستفادة من مختلف الأساليب والآليّات الإعلاميّة الدعائيّة، فشهدت الحرب الناعمة تحديثًا في أدواتها في الهيمنة والتأثير بالتوازي مع التطوّر المتسارع للمجال التكنولوجيا؛ وتحتلّ الخوارزميّات الرقميّة في عالم الوسائل الاجتماعيّة مكانة على قدر كبير من الأهمّيّة والحساسيّة في برامج الحرب الناعمة وأدواتها. لقد أحدثت التكنولوجيا ثورة معلوماتيّة في عالم الإنترنت، تخترق حياة المجتمعات الإنسانيّة بمختلف مجالاتها ومستوياتها. وفي حين يفترض أن يخدم العلم والمعرفة تقدم الحياة الإنسانيّة ورقيّ مجتمعاتها وتحقيق الرفاهية والتقدّم المنشود، ما زالت التطوّرات العلميّة والمعرفيّة بمثابة سلاح فتّاك في حال تسخيره في خدمة مصالح الفئات التي تستأثر بهذه العلوم أو تمتلك الإمكانيّات الأضخم في عمليّة استخدامها ضدذ بقية الفئات؛ ما تتّسع معه دائرة الخطر وترتفع درجات الخوف والقلق من اتجاهات استخدام تلك المزايا المستجدّة، والتشكيك في نوايا وأغراض تفعيلها.

يشهد القرن الماضي بمختلف محطّاته التاريخيّة على أجندات القوى العدوانيّة التي نفّذتها الماكينات الإعلاميّة الضخمة والموارد الماليّة والبشريّة في سياق الحرب الناعمة، ويعايش القرن الحاليّ نقلة نوعيّة في التأثير الإعلاميّ عبر وسائل الإنترنت، تستهدف منصّات وسائل الإعلام الاجتماعيّة الأميركيّة والتابعة لها الدول والأنظمة السياسيّة المناوئة لها بطرق مختلفة وبتأثيرات متباينة، وتعمل عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ على إحداث التأثير السلبيّ ونشر الراديكاليّة وزعزعة الاستقرار في هذه الدول، لاسيّما التي تعاني من أزمات بنيويّة في الأنظمة السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة[25]. إنّ قدرة تأثير تلك الوسائل خطيرة إلى حدّ يقتضي استخدام الإنذار المبكر؛ فالتكنولوجيا الرقميّة باتت تتدخّل في تغيير تحديد طريقة الدول القوميّة المعهودة، إذ استطاعت إنشاء «دول افتراضيّة» يتمّ فيها تشكيل مجتمعات موازية وتنفيذ جداول الأعمال السياسيّة المحدّدة مسبقًا[26].

الحرب الناعمة الرقميّة
تعدّ الخوارزميّات اللبنات التي يقوم عليها العالم الرقميّ. تعرَّف كلمة خوارزميّة[27]، بأنّها مجموعة من القواعد التي تحدد تسلسل العمليّات، ومن الممكن أن تكون هذه القواعد مشيرة إلى برامج الكمبيوتر أو من الممكن أن تقوم بإجراء بيروقراطيّ محدّد[28]. وتبحث في قواعد البيانات المرتبطة بصفحات الويب ذات الصلة، وتعيد النتائج. وتؤمّن الخوارزميّات الرقميّة الإعلاميّة أو ما يسمّى خوارزميّة منصّات وسائل التواصل الاجتماعيّ كيفية عمل تلك الوسائل عبر معالجة البيانات، المدخلات، أو البحث والعمل على فرز الكلمات وتصنيفاتها بناءً على مدى ملاءمتها، ومن ثمّ التنبّؤ بما سيكتبه المستخدمون، كما تسمح بتحديد أولويّات المحتوى الذي يراه المستخدم أوّلًا وفقًا لاحتماليّة تفاعله الفعليّ مع هذا المحتوى. على سبيل المثال، تحدّد الخوارزميّات المنشورات الموصَى بعرضها على صفحة المستخدم، أو قصص الأصدقاء أو الأخبار القصيرة والإعلانات.

تكمن خطورة الخوارزميّات في تأثيرها في تفاصيل الحياة اليوميّة، ومزاحمة الإدراك والغرائز والعواطف الإنسانيّة في عملية الاختيّار، بحيث إنّها تسعى للتأثير في القرارات بقولبة الخيارات أمام المستخدم. تقوم هذه البرامج بمعالجة رصيد المعلومات الهائل الناجم عن الاستخدام الشخصيّ للمواقع، وشراء البيانات المتاحة بين مختلف المواقع، وتتبّع الاهتمامات والتعرّف على الرغبات على مختلف الوسائل الاجتماعيّة من غرف الدردشة والمواقع الإلكترونيّة إلى الشبكة المظلمة، ومن ثمّ إغراق الصفحة بمحتوى محدّد وفيديوهات معيّنة وإعلانات موجّهة[29]. إنّ تهديد التأثير الماثل لم يعد حكرًا على النمط الاستهلاكيّ والمشتريات، والتنبّؤ بالمنتجات التي تريدها، وعرضها حتى قبل أن يعرف المستخدم ما يريده تحديدًا، وإنّما في استهداف المستخدمين فكريًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا ونفسيًّا، واستباحة حيّز التحكم للاختيّارات الكبرى والخيارات المصيرية، ومطاردة المواقف السياسيّة والقناعات الاجتماعيّة والتقاليد الدينيّة والأخلاقيّات.

لقد تطوّر دور المنصّات الرقميّة على مدى العقد الماضي، حتى بات أداة طيّعة في ساحات التجنيد بين الأطراف المتخاصمة أو المتناحرة[30]. تقدّم المنصّات الرقميّة نقاط ضعف الفئات المستهدَفة على مواقع التواصل، وتستخدم المواضيع الحساسة من جفاف عاطفيّ وجنسيّ، ومشكلات أسريّة، ومقيّدات عرفيّة وثقافيّة، وإحساس بالدونيّة، في عمليّة تحديد رسائل الخطاب النفسيّة المتناسبة مع التغييرات السياسيّة والقضايا الاجتماعيّة والاقتصاديّة[31]. وللعلم، استخدم تنظيم دولة الخلافة الإسلاميّة - داعش، ما وفّرته المنصّات الرقميّة من خدمات في تجنيد النساء والدفع بهنّ للالتحاق بالتنظيم والزواج من عناصره[32].
بهذا المعنى، يمكن القول إنّ البشريّة في العصر الرقميّ تشهد ما يمكن أن نطلِق عليه تسمية «الاستعمار الرقميّ» أو «الحرب الناعمة الرقميّة» كبديل عن الاستعمار الجغرافيّ في استلاب الشعوب الأصلية هويتها للقضاء على حصانتها ووأد مقاومتها. فالثورة المشفّرة في تجميع البيانات وتحويلها إلى سلاح مضادّ ضدّ أصحابها أنفسهم، تستبيح خصوصيّات الشعوب في عمليّة تجريد من نقاط القوّة وكسر حواجز الحماية الخاصّة بها، والنفاذ إلى التفاصيل الدقيقة، بل الأدقّ عند الطرف الآخر، والاختيّارات التفصيليّة والتراكيب النفسيّة؛ ما يؤمّن للجهة المستهدِفة إحكام القبضة عند توجيه اللكمة.

وتخدم البيانات الرقميّة الحرب الناعمة في استهداف الخصم بكلفة زهيدة مقارنة بتكلفة الحرب الصلبة، وبطريقة خفيّة في مسار متكامل من التحليل وتنسيق الاستجابة والردّ بين مختلف الأجهزة اللازمة، النفسيّة واللغويّة والأمنيّة والاستخباراتيّة والإعلاميّة؛ تَسهل معها عمليّة الاختراق أو التسلّل إلى داخل جبهات المستهدَف وإشهار الحرب منها وعبرها. فالكلمات والصور والمقاطع المصوّرة والأحاديث المتناقلة توفّر مادّة البيانات الرقميّة التي يتمّ معالجتها ومن ثمّ استخدام مخرجاتها بعد التصنيف والتحليل في اختراق البنى الاجتماعيّة والثقافيّة المناوئة لسياسات الخصم؛ إثارة النزاعات والفتن الداخليّة في الساحة التي تشكّل تحدّيًا للخصم أو بؤرة تهديد أو مواجهة؛ تجنيد الوكلاء والعملاء للحاجة الأكيدة إلى عمليّات الرصد الميدانيّة التي لا تغني عنها عمليّات التتبّع الرقميّ؛ تعزيز عمليّة قصف العقول والتلاعب بها بغية صناعة رأي عامّ داخليّ يؤمّن عمليّات السيطرة الخفيّة دون أيّ بصمة للجهة المستهدِفة أو رفع التكلفة عليها؛ وتشويه النموذج التحرّريّ ورفع المشروعيّة والشرعيّة عن الحركات المقاومة والمناهضة لمشاريع الهيمنة. وفي طليعة تلك المشاريع في منطقتنا، مشروع فرض الكيان الإسرائيليّ الغاصب وطمس القضيّة الفلسطينيّة باستخدام عناوين مشوَّهة ومشوِّهة.

وعليه، تقوم «الحرب الناعمة الرقميّة» عبر معالجة البيانات والمعلومات على خطوات:

أ. عمليّة مسح البيئة الاجتماعيّة بغية تحديد المشكلات الموجودة ورصد التوجّهات.
ب. البحث عن نقاط الضعف والقوّة والتحدّيات والمخاوف.
ت. تحديد الفئات القابلة للاستثمار بنجاعة وفعاليّة.
ث. وضع برنامج الاستهداف المتناسب مع الأهداف المنشودة والفئات المحدّدة بلحاظ خصوصيّة كلّ منها في التعامل معها.
ج. البدء بتنفيذ الاستهداف وفق الخطة الموضوعة والمسار المرسوم، مع الأخذ بعين الاعتبار التوقيت والخطط البديلة ونقاط المرونة تبعًا لمجريات الزمان والمكان.
ح. استثمار مخرجات الفئات المستهدَفة نفسها في عملية الاستهداف، لا سيّما تلك التي تحوّلت إلى خندق الجهة المستهدِفة.

آليّات برمجة الاستهداف
يلجأ صانعو السياسات في الحرب الناعمة إلى عمليّة تكيّف مستمرّة مع التطوّر في العالم الرقميّ؛ تسخّر المزايا الخوارزميّة في خدمة الحرب الناعمة بغية زيادة تأثير منصات وسائل التواصل الاجتماعيّ وتعزيز الدفع والجذب أو التوجيه والتغيير والهيمنة لدى المستخدمين. وتنضوي ضمن سلة الحرب الناعمة الرقميّة العديد من الآليّات والأدوات التي تساهم في رفع رصيد البيانات الرقميّة في الحرب الناعمة. تستفيد الحرب الناعمة الرقميّة في عمليّة برمجة الاستهداف مما توفّره مزايا وخدمات الذكاء الاصطناعيّ والكلام الشفهيّ الإلكترونيّ من تكتيكات الدعاية و«هندسة الموافقة» و«الهندسة الاجتماعيّة» و«الحرب الإدراكيّة»، والموارد البشريّة من المجتمع المدنيّ.

الذكاء الاصطناعيّ
تتطوّر نظريّات الردع بشكل يتناسب مع تسارع الابتكارات العلميّة والتكنولوجيّة، حتى بات الذكاء الاصطناعيّ (AI)، والتعلّم الآليّ، والتقنيات الأخرى ذات الصلة، تؤثّر على طبيعة ونطاق وممارسة الردع والقهر والإكراه في النظريّة والتطبيق؛ للتأثير على سلوك الخصم وإقناع الآخر بالتخلّي عن فعل معيّن والدفع باتجاه آخر[33]. وقد بدأت أصوات التحذير ترتفع نتيجة خطورة تطوير بعض أشكال الذكاء الاصطناعيّ، لا سيّما الأنظمة التي تفكّر أو تتصرّف مثل البشر، أو تلك التي يمكن أن تحاكي الذكاء البشريّ، فتفكّر أو تتصرّف بعقلانيّة في حلّ المشكلات وتتصرّف وفقًا لذلك. ويعدّ عالم حرب المعلومات من المجالات الخطرة التي يتم تعزيزها وتضخيمها بواسطة الذكاء الاصطناعيّ، بحيث يمكن استخدام مقاطع الفيديو الاصطناعيّة والتكنولوجيا المزيّفة العميقة لتصنيع معلومات مضلّلة سلسة تتلاعب بكلّ شيء من الخطاب العام إلى القرارات السياسيّة الفرديّة والحسابات الجيوسياسيّة وعقليّات الخصوم[34].

الكلام الشفهيّ الإلكترونيّ
تسخّر الحرب الناعمة نظريّة تعود إلى منتصف التسعينات، عندما بدأ الإنترنت في تغيير طرق تفاعل المستهلكين مع بعضهم، وهي نظريّة مفهوم الكلام الشفهيّ الإلكترونيّ (electronic word -of-mouth, eWOM). يعرّف المفهوم بالعموم على أنّه مشاركة معلومات المستهلكين وتبادلها حول منتج أو شركة عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعيّ واتصالات الهاتف المحمول، ما يسمح بتمرير المعلومات عالميًّا وبسرعة[35]. يمكن تعريف الكلام الشفهيّ الإلكترونيّ، من الناحية المفاهيميّة، على أنّه أيّ بيان إيجابيّ أو سلبيّ يقدّمه عملاء محتملون أو فعليّون أو سابقون حول منتج أو شركة للعديد من الأشخاص والمؤسّسات عبر الإنترنت[36].

وقد تطوّر استخدام امتيازات المفهوم في التأثير والتقويم والقرار في الفضاء السياسيّ. بات المستهلِك السياسيّ هدفًا واقعيًّا في الحرب الناعمة تمامًا كالمستهلِك الاقتصاديّ، وكما يلحظ مفهوم الكلام الشفهيّ الإلكترونيّ محفّزات المستهلكين على التعبير عن أنفسهم على الإنترنت، يشغل تفعيل التسويق التفاعليّ السياسيّ عبر منصّات رأي المستهلك غرف التفكير والقرار والأجندات السياسيّة. تنظر العملية في رضى وتقويم مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعيّ عن الطبقة الحاكمة والسلطة السياسيّة الحزبيّة وأداء مؤسّسات الدولة وعلاقات المستخدمين، وتتحرّك وفق سوابق ودوافع المستخدمين من قبيل الرغبات والاهتمامات والمحفّزات والدوافع السلوكيّة وعوامل العلاقات الاجتماعيّة للأفراد، مثل رأس المال الاجتماعيّ، بالإضافة إلى مصدر الرسالة وخصائصها. تتدخّل في العديد من التنسيقات المختلفة، مثل مواقع مراجعة الحسابات، ورسائل البريد الإلكترونيّ، ولوحات المناقشة بين الجهات المستهدفة، والمحتوى الذي يدور بين الأطراف المتجاذبة سياسيًّا أو دينيًّا أو ثقافيًّا، ووسائل التواصل الاجتماعيّ، والمجتمعات عبر الإنترنت. وتعمل على تقديم المحتوى الذي تريد تأطير المستخدمين باتجاهه وتعمل على الترويج والتسويق له، وتوفير المواد اللازمة لإعادة إنتاجه.
وعليه، تشكّل الاختلافات المجتمعيّة ودور المؤثّرين وأنواع وسائل التواصل الاجتماعيّ ومقاصد المستخدمين ونواياهم مجالات بحث الكلام الشفهيّ الإلكترونيّ. ووفقًا لاستطلاعات الرأي التي أجراها مركز بيو للأبحاث، تتولّى الخوارزميّة تعريف المستخدمين المتفاعلين مع محتوى معيّن ما على مقاطع فيديو بشكل متزايد[37]. ومن ثمّ فإنّ الأفراد الذين يحاولون الحصول على معلومات حول الموضوعات السياسيّة أو حتى الأسئلة المتعلّقة بالحياة اليوميّة يمكن اقتراح محتوى خاصّ باهتماماتهم ورفدهم بمقاطع فيديو تدعم عملية التأطير أو القولبة المطلوبة.

الدعاية وهندسة الموافقة
سياسات اللجوء إلى الحروب النفسيّة والدعاية الناجعة للممالك القديمة الصينيّة والمغولية راحت تتعزَّز في العشرينات من القرن الماضي، مع غوبلز وزير الدعاية والحرب النفسيّة الألمانيّ. وتطوّر الاستهداف الدعائيّ لأهمّيّته في السيطرة على الرأي العام، حتى بات سلاح الولايات المتّحدة الأبرز في العمليّات السرّيّة والانقلابات التي دعمتها خلال القرن الماضي في 80 بلدًا حول العالم، مستعينة بوحدة العمليّات الدعائيّة التي أسّستها المخابرات المركزيّة الأميركيّة CIA وتقنيات السيطرة التي وفّرتها نظريّة هندسة الموافقة، The Engineering of Consent الذي ابتكرها عالم النفس الأميركيّ، إدوارد برنايز (Bernays)[38]، بالاستناد إلى استطلاعات الرأي وتحليل السياسات والتخطيط الشامل.

وتعدّ إدارة القضايا أو المشكلات أو النسخة الحديثة لهندسة الموافقة[39] حملة دعائيّة استباقيّة ومنهجيّة تقوم على جمع المعلومات الاستخباريّة، وعلى تقويم شامل للوضع الاجتماعيّ والسياسيّ. وبطبيعة الحال، لا ينحصر عمل هندسة الموافقة او إدارة القضايا في المجال التجاريّ الدعائيّ، فهي تخدم المجال السياسيّ؛ إذ تَستخدم الخوارزميّات هندسة الموافقة في تحديد المشكلات ونقاط الضعف التي تعيق تحقيق هدف معيّن، وقبل أن يتحوّل ذلك إلى كتلة تحبط الأهداف وتتطلّب تدخّلًا قد يكون ضعيف التأثير من موقع الدفاع، يتمّ التحضير والاستعداد والعمل على الجزئيّات لمنعها من التأثير، والتحضير في الوقت نفسه لخطّة عمل بديلة عند ظهور شيء ما، بدلًا من الاضطرار إلى الهجوم على عجل.
تؤمّن هندسة الموافقة إخضاع الرأي العام عبر تحييد الأصوات الانتقاديّة، بدلًا من المخاطرة من خلال إسكاتها بالدعاية السلبيّة، ناهيك عن ضمان سيطرة نسخة مشتركة من القضايا العامّة على النقاش العامّ واستبعاد الآراء غير المؤاتية منه. وتقسّم الفئات المستهدَفة من قادة الرأي إلى ثلاثة تصنيفات وفق نظريّة برنايز: أصدقاء، عناصر على السور، عناصر سلبيّة، ثمّ يتمّ تزويد أولئك الذين يتّخذون مواقف مطلوبة بمعلومات منتظمة لاحتمال أن يصبح هؤلاء نقطة انطلاق للمواقف والإجراءات الإيجابيّة. وتتمثّل التحدّيات المتبقيّة في استمالة الشريحة «المتذبذبة» أو «المتردّدة» و«تشويش وجهات النظر المعادية»[40]، وتشير المصادر إلى أنّ هندسة الموافقة أو استراتيجيّة إدارة القضايا عادة ما تحتوي على ثلاثة مكوّنات متداخلة في بعض الأحيان: جمع المعلومات الاستخباريّة، وتقويم المناخ الاجتماعيّ والسياسيّ المحيط؛ محاولات التلاعب بالمناقشات العامّة في اتجاه مواتٍ للمستهدِف؛ ومحاولات استبعاد الأصوات المتباينة أو المعادية من النقاش العام عبر التلاعب بالأخير[41]. ويشير نائب الرئيس الأميركيّ السابق آل غور، في كتابه: «العدوان على المنطق في أميركا»، كيفيّة تطبيق «هندسة الموافقة» على نموذج الاحتلال الأميركيّ للعراق، ويشرح بالتفصيل كيفيّة استعمال الأميريكيّين لمبادئ علم النفس والإدراك وصناعة الرأي العام لوضع الناس في أطر يعتقدون فيها أنّه عليهم الموافقة على رغبات السلطة الأميركيّة، ولو كانت ضدّ مصالحهم، والتي وصلت في تجاهلها للحقائق ولمنطق «السبب والنتيجة» إلى حدّ مهين للمنطق السليم، والنتيجة ازدهار الإرهاب في العالم[42].

الحرب الإدراكيّة
تؤمن الخوارزميّات للعدوّ أو الخصم أو المنافس ممارسة الحرب الإدراكيّة، وهي إحدى ساحات الحرب الناعمة، بحيث يعمل على التلاعب بنمط تفكير المجتمعات المستهدَفة، بما يطوّعها للاستسلام والخضوع، اعتقادًا بأنّ ذلك يخدم مصلحتها ويجنّبها المشكلات والأزمات المحيطة بها، ويوفّر لها الحياة الهانئة والرغيدة. تستهدف الحرب الإدراكيّة عناصر أنماط التفكير الخمسة: المنطق المجرّد؛ القيم العقلانيّة العامّة؛ مناهج التفكير العلميّ؛ القواعد الدينيّة والشريعة؛ المفاهيم الثقافيّة المعاشة والمتداولة، وتُشَنّ على الفئات الصلبة في مواجهة الهيمنة والاستكبار واللصوصيّة، بغية التحكّم بالاستنتاجات والتصوّرات، ومن ثمّ القرارات، فالتصرّفات، خدمة لأهداف المهاجِم في تطويع المستهدَف للقبول بالتغير، وتوظيفه في تحصيل المنافع وتفكيك البنية الفكريّة والحياة الاجتماعيّة للمجتمعات أو الفئات المستهدَفة أو المستضعَفة[43].
وفي حين تشكّل حرب التلاعب بنمط التفكير فئات باعتقادات جديدة؛ تتبنّى طروحات الطرف المهاجِم قولًا وفعلًا، تكمن الخطورة في عمليّة التوظيف لهؤلاء في العمليّات المستورة أو القابلة للإنكار، ومنها الثورات الملوّنة التي يتمّ الدفع بها من الخلف على أنّها حالة شعبيّة عفويّة سلميّة بمطالب محقّة، سرعان ما يعمل على ضبطها وإدارتها للسيطرة عليها وتعديل التوجّهات وفق مصلحة المشغّل ومنع قيام قيادة مستقلة عنه.

المجتمع المدنيّ والهندسة الاجتماعيّة
تستفيد الثورات الملوّنة في سياق الحرب الناعمة من البيانات الخوارزميّة المتاحة والانقسامات الأيديولوجيّة واللغويّة والعرقيّة والدينيّة في المجتمع والموضوعات العاطفيّة أو المثيرة للجدل، المتصوّرة على الأقلّ، في الخطاب العامّ؛ بما يسهّل عمليّة الاستهداف وبثّ المعلومات المضلّلة والدعاية وتنظيم حملات إشاعات حول الرموز والأحداث التاريخيّة أو الجارية، وتعبئة الناس للأنشطة السياسيّة والتظاهرات، وفق ما حدّدته مخرجات عمليّة معالجة البيانات وتحليلها. وبناء عليه، تشكّل الإمكانيّات الإعلاميّة والتكنولوجيّة عاملًا أساسيًّا في رسم مصير «الحرب عن بُعد» و«الحرب الاجتماعيّة»، بحيث تسهّل للمنظّمات غير الحكوميّة ونشطاء المجتمع المدنيّ الدخول في الخطاب العام وتكوين تصوّر بأنّهم يمتلكون «الجماهير»، من خلال ما هو معروف باسم «الهندسة الاجتماعيّة»[44].

تقوم «الهندسة الاجتماعيّة» على التلاعب النفسيّ بالناس والتأثير عليهم والدفع باتجاه أداء أعمال أو إفشاء معلومات سرّيّة، أو حتّى اتخاذ إجراء قد يكون أو لا يكون في مصلحته. يغلب استخدامها في أمن المعلومات ووسائل التواصل الاجتماعيّ؛ فهي ترتكز على البيانات المتوفّرة، بدءًا من جمع المعلومات و«تحليل الشبكة الاجتماعيّة» وتحديد السمات الشخصيّة، بالإضافة إلى ذلك، يتمّ إنشاء نوع من الاتصال بناءً على النصّ التفسيريّ المحدّد، بعد ذلك يتمّ تنفيذ «الهجوم» الفعليّ أو نشاط التأثير عبر تقديم المحتوى؛ إمّا في شكل رسائل فعليّة، أو من خلال تقديم روابط للتقارير، أو استخدام مواد رسوميّة (غالبًا ما تكون عاطفيّة للغاية)، أو إشارات إلى المقالات الأخباريّة، أو المدوّنات التي تدعم ادّعاءً أو تفسيرًا محدّدًا للأحداث، تحقيقًا لهذه الغاية؛ فإنّ ما يسمى بالمتصيَّدين أو وكلاء التأثير هم على الأرجح من يستخدم هذا الأسلوب.

المؤثّرون
يتّسع نطاق استخدام البيانات الرقميّة في تطوير إمكانيّات وآليّات الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعيّ باتجاه المنفعة القصوى. وقد تزايد مجال الاهتمام بالتوظيف مع النموّ المطّرد في اعتماد وسائل التواصل الاجتماعيّ وتوسيع السبل العالميّة في استهداف الفئات السكّانيّة التي يصعب الوصول إليها، أو تمثل تحدّيًا تاريخيًّا للتجنيد داخل المجال الافتراضيّ[45]. من هنا، اقتضت الحاجة استغلال أو تشغيل المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعيّ كمورد آخر ضروريّ إلى جانب استخدام الإعلانات أو المنشورات؛ لما يمثّله المؤثّرون من روابط مجتمعيّة مبتكرة لتوسيع نطاق التوظيف[46]. ويتمّ استخدام المؤثّرين من مدوّنين وخبراء ومشاهير كقادة رأي عامّ في مجال التسويق الشفهيّ الإلكترونيّ[47]، ليس لمنح المعلومات فقط، بل للقدرة على الاتصال الشخصيّ مع الجمهور أو المتابعين لمحتوى المنصّات التي يشغلونها[48]، والعلاقة العاطفيّة التي تجمعهم، بحيث تظهر توصيات هؤلاء المؤثّرين على أنّها ذات مصداقيّة. في المقابل، يتمّ تعويض المؤثّرين من خلال تلقّي منتجات مجّانيّة ودعوات إلى أحداث حصريّة و/ أو تعويض ماليّ؛ تعدّ علاقة المقايضة هذه عنصرًا محدّدًا لثقافة المؤثّر.

خاتمة
تؤمّن المتغيّرات الحياتيّة الكبرى، ومنها تطوّر المواصلات ووسائل التواصل عمليّة حراسة مخرجات الحرب الناعمة في المجتمعات المستهدَفة، من قبيل التبعيّة الذاتيّة، والهيمنة المحلّيّة، وحتميّة الخضوع لحياة المهيمن وثقافته من بوابة التبادل الثقافيّ؛ النواتج التي سيّلتها سرديّات التحديث ومشروعيّة الهيمنة وقولبتها في النخب المحلّيّة. هي حرب هجينيّة تقوم على «القصف» الفكريّ والإعلاميّ والنفسيّ والإدراكيّ في استباحة الهويّة الثقافيّة وصولًا للهويّة الوجوديّة أو الأنطولوجيّة، والهدف هو نزع كلّ جدار عازل أو رادع أمام مشروع مواجهة الفكر الإسلاميّ الأصيل الرافض عمليًّا للخضوع والتبعيّة والاستلاب والتغريب. إنّ ما شهده النظام القطبيّ الآحاديّ من مؤشّرات في التشظّي والأفول، منذ عقدين تقريبًا، مع تحوّل سلطة العديد من الدول خارج مفهوم المنظومة الأميركيّة للديمقراطيّات الليبراليّة ونموّ متصاعد في ركب التعدّديّة القطبيّة، كان بمثابة إنذار مبكر للولايات المتّحدة لضرورة تفعيل الحرب الناعمة لدول منطقة غرب آسيا، ووأد مشاريع الحركات التحرّريّة الصاعدة.
وفي حين تمثّل منصّات التواصل الاجتماعيّ فرصة للتبادل الثقافيّ بين الشعوب والتواصل الإيجابيّ بما يخدم الإنسانيّة، إلّا أنّ مفهوم العولمة في الهيمنة والاستعمار جعل منها سلاحًا فتّاكًا بيد الفئة التي تمتلك المقدّرات والإمكانيّات والموارد البشريّة والإعلاميّة والماليّة الضخمة، كما فرض الاستحواذ على تكنولوجيا الاتصالات المتطوّرة المعاصرة والتفوّق في العلوم التقنيّة والحاسوبيّة في المجالات الافتراضيّة تهديدًا حقيقيًّا على مجتمعات الدول الأقلّ تطوّرًا في هذه المجالات، وجعلها عرضة لعمليّات استهداف مبرمجة على قدر كبير من الخطورة. تشكّل البيانات الخوارزميّة حديثًا والقدرة على التحكّم بها رصيدًا هائلًا من نقاط القوّة للجهة التي تمتلكه، ومن أدوات الفتك بالجهة الضعيفة أو المستضعفة والتأثير المباشر على زعزعة كياناتها وأنظمتها السياسيّة واستقرارها انطلاقًا من التحكّم بمجتمعاتها وفئاتها، لا سيّما النخبويّة والشبابيّة.
في سياق إستراتيجيّات الحرب الناعمة الهجينة، تلعب الخوارزميّات الرقميّة على وسائل التواصل الاجتماعيّ دورًا خطيرًا في محاولات التأثير على تصوّر الناس للأحداث والمواضيع الجارية وبرمجة التوجّهات العامّة والسيطرة على العقول المستهدَفة وتقييد أنماط تفاعلها وفق النمط المهيمِن بما يتماشى مع أهداف النخبة التي تخدم الجهة المسيطرة، وتدفع الجماهير نحو الرغبة والسعي لفعل ما تريدها الجهة المستهدِفة أن تفعله ولو لغير صالحها. وكما هو حال ازدواجيّة المعايير الأميركيّة في التعامل مع ملفّات السياسة، تطفو الرؤية الأميركيّة في استئثار حقّ استخدام وسائل التواصل بالطريقة التي تخدم مصالحها وأهدافها في التنميط والقولبة والإخضاع النفسيّ والإدراكيّ تحت عناوين «أخلاقيّة»، بينما يصف هو نفسه إجراءات ما يُعرَف بـ«الحظر» الإلكترونيّ الهادفة إلى حماية سيادة الدول وشعوبها جريمة وتواجه بالإدانة إلى حدّ فرض العقوبات. والأمر الخطر هو في وصول الحرب الناعمة الرقميّة إلى درجة القدرة على اختراق نمط تفكير تلك الجماعات المستهدفة إلى حدّ رؤية الحماية الإلكترونيّة بعيون العدوّ، أي هي جريمة وتستحقّ العقاب.

لقد تجاوزت الخطورة حدّ التنميط وقولبة العقول التي تمّ قصفها باتجاه تحويلها إلى أدوات مبرمجة أشبه بـ«روبوتات» يتمّ تفعيلها عند الضرورة ووفق البرنامج المحدّد لها، فالاستهداف اليوم في السيطرة دخل مرحلة التنفيذ الإجرائيّ عبر التأثير على القرارات والخيارات؛ ما يستدعي رفع الإنذار المبكر في الحاجة إلى خطّة استجابة مضادّة في ضرورة مواجهة الحرب الناعمة الرقميّة الجارية.

بداية من الضروريّ الاتفاق أو التوافق بين مختلف الشرائح المستهدَفة على أنّنا خوض معركة لا تقلّ خطورة عن المعركة العسكريّة، بل وأنّنا في مرحلة متقدّمة منها، وهو ما يحتاج إلى تضافر مسؤوليّات الجهات المعنيّة على مختلف المستويات الثقافيّة والدينيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والإعلاميّة في الكشف والتبيين لخطورة المرحلة والتقنيات المستخدمة والعمليّات الجارية في استهداف مجتمعات منطقة غرب آسيا، وتحديدًا التي تعاني أزمات اقتصاديّة وسياسيّة واجتماعيّة، وكذلك العمل على تحويل الاستجابة لهذه الحرب الجارية إلى وعي جماعيّ، واتحاد في المواجهة، ومسؤوليّة متوازنة ومنضبطة أخلاقيًّا وإنسانيًّا وشرعيًّا.

تستدعي المواجهة تجانس الأدوات في الدرجة الأولى، فالاستعداد يحتاج تجهيزات وآليّات تقنيّة وذات بعد تكنولوجيّ، الأمر الذي يرفع مسؤوليّة تظهير الإبداع الكامن، وتفعيل الطاقات الشبابيّة، وتنمية روح الاقتدار العلميّ، والنهوض الفرديّ والاجتماعيّ، في الاختراع والابتكار، سواء أكان لمواكبة التطوّرات الجارية، أو استهدافها المضادّ، أو التشويش عليها وتخفيض فعاليّتها. وهي مسؤولية مشتركة بين الدولة والمواطن، لكنّها لا تعفي الأخير في حال تقاعس الأوّل أو قصوره وتقصيره.
كشف عدم جاذبيّة النموذج الآخر، وخواء المضمون على المستوى المعنويّ والنفسيّ والاجتماعيّ، وتبيين نقاط ضعف النموذج الغربيّ السياسيّ والاقتصاديّ وتداعياته السلبيّة على شعوب المنطقة من نهب للموارد والثروات وافتعال الحروب وإثارة النزاعات.
الاستفادة من اللغة المعاصرة في الاتصال والسعي لتحقيق فوائد ومخرجات تفوق المدخلات على محدوديّة الموارد والإمكانيّات المادّيّة عبر تجنيد الطاقات المعنويّة والشبابيّة الكامنة والجامعيّة والعلميّة في قيادة الحرب الناعمة الرقميّة وإدارة مختلف جبهاتها.

التركيز على أنّ المعركة في العصر الحاليّ هي معركة الوعي والبصيرة والتحصّن بهما في منع عمليّة السيطرة على خيارات الشعوب والأمم. وما أشبه اليوم بالأمس، فالحضارة الغربيّة الزائفة التي قام تمركُزُها على الغزو والحروب والإبادات الجماعيّة والتعامل الدونيّ مع الشعوب والحضارات الأخرى، هي نفسها اليوم بعد مئات السنين تلجأ إلى الأساليب نفسها، لكن بمظاهر «متقدّمة ومتطوّرة» للحفاظ على استمراريّتها؛ فما زالت تعاني الخواء والفراغ من الداخل، وتفتقر تقديم الرؤى البديلة، وهي تنظر إلى أنظمتها السياسيّة والاقتصاديّة التي فرضتها بالقهر والقمع تتهاوى في معركة البقاء في سياق صراع الباطل ضدّ الحقّ.
في حين يشهد العالم أفول النظام القطبيّ الأحاديّ ترتفع تحدّيات النظام الجديد الذي لا تبدو معالمه واضحة حتى الآن، ما يدفع باتجاه النظر في الدور التقدّميّ للنموذج الإسلاميّ الأصيل واستعادة مكانته في الحضارة الإنسانيّة العالميّة؛ الأمر الذي يقتضي من العلماء والمثقّفين والمفكّرين البحث في مقتضيات المرحلة المقبلة وتحديد تحدّياتها السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والفكريّة ومحاولة صوغ إطار نظريّ وعمليّ في معالجة مختلف التحدّيات والتهديدات.
ضرورة الإيمان بتفوّق القوّة البشريّة على القوّة الرقميّة التي لا قيمة لها دون المحرّك البشريّ، غير أنّ الحاجة ملحّة لتفعيل هذه القوى الكامنة وتحويل الخطورة الرقميّة إلى سلاح بنّاء، بعيدًا عن مشاعر الهلع أو عمليّات الاحتكار.

المراجع باللغة العربيّة

الكتب
تشومسكي، ناعوم، السيطرة على الإعلام الإنجازات الهائلة للبروباغندا، تعريب: أميمة عبد اللطيف، مكتبة الشروق الدوليّة، القاهرة، ط1، 2003.
العكش، منير، أميركا والإبادات الثقافيّة لعنة كنعان الإنكليزيّة، رياض الريس للنشر، بيروت، ط1، 2009.

المقالات العلميّة
أبو حلاوة، كريم، "سياسات القوّة الذكيّة ودورها في العلاقات الدوليّة"، مركز دمشق للأبحاث والدرسات (مداد)، 2016.
http://www.dcrs.sy
قبيسي، هادي، "الاحتلال الذاتيّ آليّات الاستتباع الناعم للقوى الغربيّة"، مجلّة جامعة المعارف، بيروت، العدد 3، 2021.
. http://alkashif.org/html/center/2/1.pdf
قبيسي، هادي، "زرع الأفكار عمليّات التغيير التدريجيّ في الحرب الناعمة"، أكاديميا، 7 كانون الأول 2023.
https://www.academia.edu/
محمد، سعيد، "كيف تصنع ثورة؟... سيرة مُلهم الثورات الملوّنة"، الأخبار، 6 تشرين الثاني.
https://al-akhbar.com/Literature_Arts/27893
ـــــــــــــــــ، "أن تقرأ فوكو ــ غرامشي معًا إعادة نظر لازمة في فلسفة الهيمنة"، الأخبار، 19 تشرين الثاني 2019. https://al-akhbar.com/Literature_Arts/279627
مؤلف مجهول، "الخوارزميّات الرقميّة.. هل نحن حقًّا من يختار؟"، في سلسلة: "الخوارزميّات.. نظام عالميّ جديد"، الجزيرة الوثائقيّة، 17 تموز 2022.
-https://doc.aljazeera.net/science-and-astronomy/2022/7/1
مؤلّف مجهول، "الحرب الناعمة نقاش في المفهوم"، شبكة المعارف الإسلاميّة الثقافيّة، دون تاريخ.
https://www.almaaref.org/maarefdetails.php?id=14509&subcatid=&cid=580&supcat=37
مؤلّف مجهول، الإستراتيجيّة الأميركيّة في المنطقة مشروع الشرق الأوسط الكبير، مركز الكاشف للدراسات الإستراتيجيّة، 2004.
http://alkashif.org/html/center/2/1.pdf

المراجع باللغة الأجنبيّة

الكتب
Bernays, Edward L., Public Relations, University of Oklahoma Press, Norman, 1952.
Leonard, Mark, Public Diplomacy, The Foreign Policy Center, London, 2002.
Lutsevych, Orysia, How to Finish a Revolution: Civil Society and Democracy in Georgia, Moldova and Ukraine, The Royal Institute of International Affairs, Chatham House, London, January 2013.
Nye, Joseph S. (Jr.), Bound to Lead: The Changing Nature of American Power, Basic Books, New York, 1991.
ـــــــــــــ, Soft Power: The Means to Success in World Politics Public Affairs, Basic Books, Perseus Books Group, New York, 2002.
Waltz, Kenneth Neal, “The Emerging Structure of International Politics”, in International Security, Vol. 18, No. 2, 1993.

المجلّات العلميّة
Crawford, Neta C., “Blood and Treasure: United States Budgetary Costs and Human Costs Of 20 Years of War in Iraq and Syria, 2003- 2023”, Watson Institute, 15 March 2023, https://watson.brown.edu/costsofwar/papers/2023/IraqSyria20
De Veirman M, Cauberghe V, & Hudders L, “Marketing through Instagram influencers: the impact of number of followers and product divergence on brand attitude”, in International Journal of Advertising, Vol. 36, No. 1, 2017.
Djafarova, Elmira, & Rushworth, Chloe, “Exploring the credibility of online celebrities’ Instagram profiles in influencing the purchase decisions of young female users”, in Computers in Human Behavior, Vol. 68, 2017. https://psycnet.apa.org/record/2017-01245-002
Hennig-Thurau, T., Gwinner, K. P., Walsh, G., & Gremler, D. D, “Electronic word-of-mouth via consumer-opinion platforms: What motivates consumers to articulate themselves on the Internet?”, in Journal of Interactive Marketing, Vol. 18, No. 1, 2004. https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S1094996804700961
Krasenberg, Jordy, & Handle, Julia, “(Young) Women’s Usage of Social Media and Lessons for Preventing Violent Extremism”, RAN, European Comission, 2020.
https://home-affairs.ec.europa.eu/system/files/2021-01/ran_small_scale_meeting_gender_and_social_media_en.pdf
Layne, Christopher, “This Time is Real: The End of Unipolarity and the Pax American”, in International Studies Quarterly, Vol. 56, No.1, 2012.
Nye, Joseph S. (Jr.), “Soft Power”, Foreign Policy, No. 80, Autumn 1990.
Shabazz, Daaim. “Internet Politics and the Creation of a Virtual World”, in International Journal on World Peace, Vol. 16, No. 3, 1999. http://www.jstor.org/stable/20753215.
Wentzell, K., Walker, H. R., Hughes, A. S., & Vessey, J. A., “Engaging Social Media Influencers to Recruit Hard-to-Reach Populations”, in Nursing research, Vol. 70, No. 6, 2021. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC8563382/

المقالات العلميّة
Auxier, Brooke, & Anderson, Monica, “Social Media Use in 2021”, Pew Research Center, 7 April 2021.
https://www.pewresearch.org/internet/2021/04/07/social-media-use-in-2021/
Chu, Shu-Chuan, “Electronic Word-of-Mouth (eWOM)”, obo in Communication, 2021. https://www.oxfordbibliographies.com/view/document/obo-9780199756841/obo-9780199756841-0267. xml
Gore, Al, “Al Gore: The Assault on Reason’ in America”, NPR. Program Stream on Air, 25 May 2007. https://www.npr.org/2007/05/25/10440121/al-gore-the-assault-on-reason-in-america
Nissen, Thomas Elkjer, “Social media’s role in ‘Hybrid Strategies”, NATO Strategic Communications Centre of Excellence, 2016. https://stratcomcoe.org/publications/social-medias-role-in-hybrid-strategies/179
Perrin, Andrew, & Monica, Anderson, “Share of U.S. adults using social media, including Facebook, is mostly unchanged since 2018”, Pew Research Center, 10 April 2019.
https://www.pewresearch.org/fact-tank/2019/04/10/share-of-u-s-adults-using-social-media-including-facebook-is-mostly-unchanged-since-2018/
Richter, Judith, “Engineering of Consent Uncovering Corporate PR Strategies”, Corner House Briefing 06, 31 March 1998. http://www.thecornerhouse.org.uk/resource/engineering-consent
Scheuble, Sophie, & Oezmen, Fehime, “Extremists’ Targeting of Young Womenon Social Media and Lessons for P/CVE”, RAN, European Comission, February 2022.
https://home-affairs.ec.europa.eu/whats-new/publications/extremists-targeting-young-women-social-media-and-lessons-pcve-february-2022_en
Schleffer, Guy, & Miller, Benjamin, “The Political Effects of Social Media Platforms on Different Regime Types”, Texas National Security Review, 2021. https://tnsr.org/2021/07/the-political-effects-of-social-media-platforms-on-different-regime-types
Weimann, Gabriel, & Masri, Natalie, “Research Note: Spreading hate on TikTok, Studies in Conflict & Terrorism, Tandfonline, 2020. https://www.tandfonline.com/doi/10.1080/1057610X.2020.1780027
Wilner, Alex, “AI and the Future of Deterrence: Promises and Pitfalls”, Centre for International Governance Innovation, 28 November 2022.
https://www.cigionline.org/articles/ai-and-the-future-of-deterrence-promises-and-pitfalls/
The Ethics of Automated Warfare and Artificial Intelligence. https://www.cigionline.org/the-ethics-of-automated-warfare-and-artificial-intelligence/

----------------------------------------------
[1]*ـ باحثة لبنانية في الفكر السياسيّ وشبكات التواصل.
[2]- كارل ج. فريدريك (1901- 1984)، عالم ألمانيّ أمريكيّ، أستاذ جامعيّ ومنظّر سياسيّ، تقاعد من التدريس الجامعي العام 1971، له العديد من المؤلَّفات حول نظريّة الدولة والنظريّة الدستوريّة والحكم الدستوريّ والحكومة، ما جعل منه أحد علماء السياسة الرائدين في العالم في فترة ما بعد الحرب العالميّة الثانية.
[3]- أبو حلاوة، كريم، “سياسات القوّة الذكيّة ودورها في العلاقات الدوليّة”، مركز دمشق للأبحاث والدرسات (مداد)، 2016، ص3.
http://www.dcrs.sy/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A7%
[4]- جوزيف صموئيل ناي (1937 -؟): مفكّر وأكاديميّ وسياسيّ أميركيّ من الحزب الديموقراطيّ، ساهمت مؤلَّفاته في تطوير السياسة الخارجيّة الأميركيّة في عهد الرئيس باراك أوباما، واشتهر بابتكار مصطلحي: (القوّة الناعمة)، و(القوّة الذكيّة). شغل مناصب عدّة، منها: عميد سابق في جامعة هارفارد؛ مساعد وزير الدفاع للشؤون الأمنيّة الدوليّة في حكومة بيل كلنتون، ورئيس مجلس الاستخبارات الوطنيّ. من مؤلّفاته: مستقبل القوّة؛ القوّة الناعمة؛ وسيلة النجاح في السياسة الدوليّة؛ فهم النزاع الدوليّ؛ قوّة القيادة؛ وغيرها.
[5]- Nye, Joseph S. (Jr.), “Soft Power”, Foreign Policy, No. 80, Autumn 1990, p153- 171.
[6]- Nye, Joseph S. (Jr.), Bound to Lead: The Changing Nature of American Power, Basic Books, New York, 1991, p188- 220.
[7]-Nye, Joseph S. (Jr.), Soft Power: The Means to Success in World Politics Public Affairs, Basic Books, Perseus Books Group, New York, 2002, p5.
[8]- Leonard, Mark, Public Diplomacy, The Foreign Policy Center, London, 2002, p4.
[9]- تؤمن الموارد كسب المزيد من القوّة: الثقافة بمختلف أشكالها وعناصرها تؤمّن احتلال الطلّاب مراكز يؤثّرون من خلالها على نتائج السياسة المهمّة للأميركييّن؛ القيم السياسيّة تروّج قيم المجتمع الأميركيّ والديمقراطيّة بالمفهوم الأميركيّ الاصطلاحيّ لا اللغويّ، والنظام الراسماليّ وحرّيّة الأسواق؛ والسياسة الخارجيّة أداة يمكنها أن تقوّي من القوّة الناعمة للدولة ويمكنها إضعافها وفقًل لطبيعة السياسات المتّبعة والمصالح المنشودة.
[10]- مؤلّف مجهول، "الحرب الناعمة نقاش في المفهوم"، شبكة المعارف الإسلاميّة الثقافيّة، دون تاريخ.
https://www.almaaref.org/maarefdetails.php?id=14509&subcatid=&cid=580&supcat=37
[11]- قبيسي، هادي، "الاحتلال الذاتيّ آليّات الاستتباع الناعم للقوى الغربيّة"، مجلّة جامعة المعارف، بيروت، العدد 3، 2021، ص96–100.
[12]- هناك من المفكّرين الأميركيّين في السياسة والعلاقات الدوليّة من يعتقد بتوجّه الولايات المتحدة على المدى البعيد إلى الجنوح نحو التوازن وزوال هيمنة القطب الواحد، من أمثال كينيث والتز (1924–2013م) وكريستوفر لاين (1949م)؛ للمزيد، راجع:
Waltz, Kenneth Neal, “The Emerging Structure of International Politics”, in International Security, Vol. 18, No. 2, 1993, p44- 45.
Layne, Christopher, “This Time is Real: The End of Unipolarity and the Pax American”, in International Studies Quarterly, Vol. 56, No.1, 2012, p204- 205.
[13]- العكش، منير، أميركا والإبادات الثقافيّة لعنة كنعان الإنكليزيّة، رياض الريس للنشر، بيروت، ط1، 2009، ص16-17.
[14]- أنطونيو غرامشي (1891-1937)، فيلسوف ماركسيّ إيطاليّ. أمضى العديد من سنيّ عمره داخل سجون الحكومات «الفاشيّة»، اشتهر بتأليف «رسائل السجن» التي كتبها لأفراد عائلته خلال الاعتقال. للمزيد حول فلسفة الهيمنة، راجع: محمد، سعيد، "أن تقرأ فوكو - غرامشي معًا إعادة نظر لازمة في فلسفة الهيمنة"، الأخبار، 19 تشرين الثاني 2019.
https://al-akhbar.com/Literature_Arts/279627
[15]- راجع برنامج فولبرايت بتفاصيله على موقع مكتبة الكونغرس.
https://id.loc.gov/authorities/subjects/sh97004501.html
[16]- تشومسكي، ناعوم، السيطرة على الإعلام الإنجازات الهائلة للبروباغندا، تعريب: أميمة عبد اللطيف، مكتبة الشروق الدوليّة، القاهرة، ط1، 2003، ص7-8.
[17]- تشومسكي، ناعوم، مصدر سابق، ص8.
[18]- Crawford, Neta C., “Blood and Treasure: United States Budgetary Costs and Human Costs Of 20 Years of War in Iraq and Syria, 2003- 2023”, Watson Institute, 15 March 2023, p1- 2.
https://watson.brown.edu/costsofwar/papers/2023/IraqSyria20
[19]- Ibid, p3- 4.
[20]- مؤلّف مجهول، الاستراتيجيّة الأميركيّة في المنطقة مشروع الشرق الأوسط الكبير، مركز الكاشف للدراسات الاستراتيجيّة، 2004، ص3.
http://alkashif.org/html/center/2/1.pdf
[21]- صربيا هي الساحة الأولى التي طبّقت عليها هذه التعاليم بنجاح تامّ عام 2000، وتتالت بعدها الثورات الملوّنة بسرعة، بحيث تكاد لا تخلو منها سنة ضمن العقدين الأوّلين من القرن الواحد والعشرين، نورد أسماءها بمعزل عن نتائجها: الثورة الورديّة في جورجيا (2003)؛ الثورة البرتقاليّة في أوكرانيا (2004)؛ ثورةُ التوليب أو الخزامى في قيرغيزيا (2005)؛ ثورة الزعفران في ميانمار (2007)؛ الثورة القرمزية في التيبيت (2008)، وغيرها. أمّا في منطقة غرب آسيا: ثورة الأرز في لبنان (2005)؛ وثورة الياسمين في تونس (2010)؛ ثمّ مصر وسوريا وليبيا واليمن فيما اصطلح على تسميته بـ«الربيع العربيّ» (2011)، لبنان والعراق 2019. بالعموم، باءت الثورات الملوّنة في منطقتنا في العقد الأخير كلّها بالفشل، وجاءت نتائجها سلبيّة على الدول وشعوبها.
[22]- Lutsevych, Orysia, How to Finish a Revolution: Civil Society and Democracy in Georgia, Moldova and Ukraine, The Royal Institute of International Affairs, Chatham House, London, January 2013, p2.
[23]- جين شارب (1928-2018)، سياسيّ وأكاديميّ أميركيّ. دّرس المبعوثين من أوروبا الشرقيّة ودول العالم الثالث أساليب إسقاط الحكومات من خلال اللاعنف والمقاومة السلبيّة والأسلحة السيكولوجيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة. لخّص نصائحه لثوّار بورما عام 1992 لإسقاط النظام في 198 تكتيكًا، وجمعها في كتيّب بعنوان «من الديكتاتوريّة إلى الديمقراطيّة» ما لبث أن تحول بفضل المخابرات الأميركيّة إلى دليل عمل الثورات الملوّنة، فتُرجم إلى عشرات اللغات، وطبعت منه ملايين النسخ، ويتوافر للتحميل مجانًا على الإنترنت.
[24]- يكشف الفيلم الوثائقيّ التاريخيّ «كيف تصنع ثورة؟» لمراسل «بي. بي. سي» في القاهرة، روريد أرو، التحوّل في منطق الحرب لدى الولايات المتّحدة الأميركيّة، ويوثّق دور شارب قبل سنوات عدّة من انطلاق الحركات وعلاقاته مع قادة في «ربيع» العرب في مصر وسوريا. راجع: محمّد، سعيد، «كيف تصنع ثورة؟... سيرة مُلهم الثورات الملوّنة»، الأخبار، 6 تشرين الثاني 2019.
https://al-akhbar.com/Literature_Arts/278937
[25]- Schleffer, Guy, & Miller, Benjamin, “The Political Effects of Social Media Platforms on Different Regime Types”, Texas National Security Review, 2021, p77–103. https://tnsr.org/2021/07/the-political-effects-of-social-media-platforms-on-different-regime-types
[26]- Shabazz, Daaim. “Internet Politics and the Creation of a Virtual World”, in International Journal on World Peace, Vol. 16, No. 3, 1999, P27–39. http://www.jstor.org/stable/20753215.
[27]- كلمة خوارزميّة تقابلها باللاتينيّة كلمة “Algorithm”، تنسب إلى عالم الرياضيّات المسلم محمّد بن موسى، أبي جعفر، الخوارزميّ الذي عاش في القرن التاسع الميلاديّ، وابتكر الترتيب المنطقيّ للخطوات الرياضيّة.
[28]- هي جوهر برامج الكمبيوتر، تشير إلى تكرار عمليّة معيّنة لحلّ مشكلة معيّنة. تعطي للكمبيوتر مجموعة محدّدة من الإرشادات التي تسمح بفعل كلّ شيء، سواء أكان تشغيل آلة حاسبة أو تشغيل صاروخ.
[29]- مؤلّف مجهول، “الخوارزميّات الرقميّة.. هل نحن حقًا من يختار”؟، في سلسلة: “الخوارزميّات.. نظام عالميّ جديد”، الجزيرة الوثائقيّة، 17 تموز 2022.
https://doc.aljazeera.net/science-and-astronomy/2022/7/17/%D8%A7%D9%84%
[30]- Weimann, Gabriel, & Masri, Natalie, “Research Note: Spreading hate on TikTok, Studies in Conflict & Terrorism, Tandfonline, 2020, p2.
https://www.tandfonline.com/doi/10.1080/1057610X.2020.1780027
[31]- Krasenberg, Jordy, & Handle, Julia, “(Young) Women’s Usage of Social Media and Lessons for Preventing Violent Extremism”, RAN, European Comission, 2020.
https://home-affairs.ec.europa.eu/system/files/2021-01/ran_small_scale_meeting_gender_and_social_media_en.pdf
[32]- Scheuble, Sophie, & Oezmen, Fehime, “Extremists’ Targeting of Young Womenon Social Media and Lessons for P/CVE”, RAN, European Comission, February 2022.
https://home-affairs.ec.europa.eu/whats-new/publications/extremists-targeting-young-women-social-media-and-lessons-pcve-february-2022_en
[33]- مرّ تطوير الذكاء الاصطناعيّ بموجات عدّة، يشهد العالم حاليًّا الثالثة منها: الأولى ساعدت في تدريب أجهزة الكمبيوتر على إكمال مهام محدّدة من خلال تحويل حقائق معيّنة مستمدّة من نظام معيّن إلى قواعد يمكن للكمبيوتر أن يفهمها ويتصرّف بها ويتفوّق فيها، مثل لعبة الشطرنج. استخدمت الثانية التعلّم الإحصائيّ لتدريب الذكاء الاصطناعيّ على استخدام التفكير الاحتماليّ في معالجة وتفسير البيانات والمعلومات والتكيّف مع الجديدة منها، مثل التعرّف على الصوت أو الوجه وتصنيف الأشياء. تقوم الموجة الثالثة على «التكيّف السياقيّ»، وبناء «نماذج توضيحيّة» بنفسها. للمزيد، راجع: سلسة مقالات بعنوان:
The Ethics of Automated Warfare and Artificial Intelligence
https://www.cigionline.org/the-ethics-of-automated-warfare-and-artificial-intelligence/
[34]- Wilner, Alex, “AI and the Future of Deterrence: Promises and Pitfalls”, Centre for International Governance Innovation, 28 November 2022. https://www.cigionline.org/articles/ai-and-the-future-of-deterrence-promises-and-pitfalls/
[35]- Chu, Shu-Chuan, “Electronic Word-of-Mouth (eWOM)”, obo in Communication, 2021.
https://www.oxfordbibliographies.com/view/document/obo-9780199756841/obo-9780199756841-0267.xml
[36]- Hennig-Thurau, T., Gwinner, K. P., Walsh, G., & Gremler, D. D, “Electronic word-of-mouth via consumer-opinion platforms: What motivates consumers to articulate themselves on the Internet?”, in Journal of Interactive Marketing, Vol. 18, No. 1, 2004, p38–52.
https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S1094996804700961
[37]- Auxier, Brooke, & Anderson, Monica, “Social Media Use in 2021”, Pew Research Center, 7 April 2021.
https://www.pewresearch.org/internet/2021/04/07/social-media-use-in-2021/
[38]- Bernays, Edward L., Public Relations, University of Oklahoma Press, Norman, 1952, p162, 165, 177.
[39]- «إدارة المشكلات» أو «هندسة الموافقة» كما عرفت في أوائل عشرينات القرن الماضي هي إحدى إستراتيجيّات العلاقات العامّة الرئيسيّة للشركات لتعزيز «مناخات الأعمال المواتية». تمّ تطوير تقنيات العلاقات العامّة لهندسة الموافقة ونشرها لأوّل مرة من قبل إدوارد بيرنايز. واستخدمت في تسويق الحرب على غواتيمالا (1953). وهي عبارة عن استخدام نهج هندسيّ في مهمّة مَن يعتمد على موافقة الجمهور جعل الناس يدعمون الأفكار والبرامج والأهداف.
[40]- Richter, Judith, “Engineering of Consent Uncovering Corporate PR Strategies”, Corner House Briefing 06, 31 March 1998.
http://www.thecornerhouse.org.uk/resource/engineering-consent
[41]- يستند التلاعب بالنقاش العامّ وفق برنايز إلى مزيج من أربع استراتيجيّات للتأثير في المناقشات العامّة: التأخير؛ التحويل؛ نزع التسييس ونشر الهراء. للمزيد، راجع المرجع السابق.
[42]-Gore, Al, “Al Gore: The Assault on Reason’ in America”, NPR. Program Stream on Air, 25 May 2007.
https://www.npr.org/2007/05/25/10440121/al-gore-the-assault-on-reason-in-america
[43]- قبيسي، هادي، “زرع الأفكار عمليّات التغيير التدريجي في الحرب الناعمة”، أكاديميا، 7 كانون الأول 2023.
https://www.academia.edu/95071785/%D8%B2%D8%B1%D8%B9_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%81%D9%83%D8%A7%D8%B1
[44]-Nissen, Thomas Elkjer, “Social media’s role in ‘Hybrid Strategies’”, NATO Strategic Communications Centre of Excellence, 2016. https://stratcomcoe.org/publications/social-medias-role-in-hybrid-strategies/179
[45]- Perrin, Andrew, & Monica, Anderson, “Share of U.S. adults using social media, including Facebook, is mostly unchanged since 2018”, Pew Research Center, 10 April 2019.
https://www.pewresearch.org/fact-tank/2019/04/10/share-of-u-s-adults-using-social-media-including-facebook-is-mostly-unchanged-since-2018/
[46]- Wentzell, K., Walker, H. R., Hughes, A. S., & Vessey, J. A., “Engaging Social Media Influencers to Recruit Hard-to-Reach Populations”, in Nursing research, Vol. 70, No. 6, 2021, p455–461.
https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC8563382/
[47]- De Veirman M, Cauberghe V, & Hudders L, “Marketing through Instagram influencers: the impact of number of followers and product divergence on brand attitude”, in International Journal of Advertising, Vol. 36, No. 1, 2017, p1- 31.
[48]- Djafarova, Elmira, & Rushworth, Chloe, “Exploring the credibility of online celebrities’ Instagram profiles in influencing the purchase decisions of young female users”, in Computers in Human Behavior, Vol. 68, 2017, p1–7. https://psycnet.apa.org/record/2017- 01245- 002