البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

العلّامة الفيلسوف الشيخ محمد تقي المصباح اليزدي مجدِّد المعارف الدينيّة الأصيلة

الباحث :  هاشم الميلاني
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  30
السنة :  ربيع 2023م / 1444هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 22 / 2023
عدد زيارات البحث :  367
تحميل  ( 485.205 KB )
تلقي هذه الدراسة الأضواء على الحياة الفكريّة والفلسفيّة والعلميّة لأحد ألمع الشخصيّات الإسلاميّة المعاصرة هو العلّامة والفيلسوف آية الله محمّد تقي مصباح اليزدي(1934-2021).
نعرض هنا إلى مبتنيات المنظومة المعرفيّة الدينيّة للعلاَّمة اليزدي، حيال مجموعة من الحقول العلميّة أبرزها: التعريف بحقيقة الدين انطلاقًا من فهم الوحي – التعدّديّة الدينيّة والجدل الحاصل حولها بين النخب الإسلاميّة والمنطلقات التي ابتنى عليها الفكر الغربيّ رؤيته حيال هذه القضيّة
ـ كما نتطرق إلى رؤية الشيخ للعلاقة بين العلم والدين ساعيًا إلى تظهير فهم قرآنيّ لهذه العلاقة تحسم التناقض بينهما من جهة وتستظهر معنى العلم في الإسلام كقيمة متعالية على النفعيّة وكمعطى إلهيّ لتدبير الحياة وسعادة الإنسانيّة.

كلمات مفتاحيّة: المصباح اليزدي – المعارف الدينيّة – معرفة الوحي – المدِّ العلماني – نقد المنظومة الغربيّة- جوهر الدين.

يُعدّ العلّامة المرحوم الشيخ محمّد تقي مصباح اليزدي، من خيرة تلامذة العلّامة الطباطبائيّ، وقد برع في الفلسفة والعرفان وعلم الكلام القديم والجديد، مضافًا إلى خبرته الفقهيّة والأصوليّة والقرآنيّة، لقد جمع رحمه الله بين المعقول والمنقول، فقدّم منظومة فكريّة ومعرفيّة تأصيليّة من جهة ونقديّة للتراث الآخر من جهة ثانية.
شهد الظرف السياسيّ والثقافيّ والاجتماعيّ الذي عاش فيه الشيخ المصباح، عدّة تغيّرات ومراحل ونقلات نوعيّة وكبيرة، بدءًا من شبابه أيام الحكم البهلوي وما عصف بالمجتمع من تحلّل وتفسّخ وظلم واستعمار مبطّن، إلى الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة وما كانت تستدعيه تلك المرحلة من جهد ثقافيّ وتنظيريّ، كما واكب في أخريات حياته الأزمات التي حلّت بالعالم الإسلاميّ عمومًا وإيران على وجه الخصوص جرّاء تفشّي المدّ العلمانيّ.

من هذا المنطلق نهض الشيخ المصباح للدفاع عن الدين وهويّة الإنسان المسلم الأصيلة، فأصبح منظّرًا رائدًا في كثير من الميادين، سيّما بعدما نالت يد الغدر فأفقدت الساحة الإسلاميّة منظريّن كبارًا أمثال الشهيد محمّد باقر الصدر، والشهيد مرتضى مطهري، والشهيد محمّد حسين البهشتي وآخرين، ممّا دعا إلى أن يحلّ محلّهم آخرون أخذوا على عاتقهم مهمّة تبليغ الدين والدعوة إليه والدفاع عنه.
وقد تفطّن الشيخ مصباح رحمه الله إلى أهمّيّة نظام التعليم في تبليغ الدين، فاهتمّ بهذا الجانب، وأنشأ صرحًا علميًّا شامخًا خرّج مئات الطلاب المتخصّصين بالعلوم الدينيّة والمطّلعين على الثقافة المعاصرة، وتمكّن من سدّ فجوات معرفيّة علميّة كبيرة.

ونحن في هذه العجالة نحاول أن نسلّط الضوء على مشروعه الفكريّ والمعرفيّ الذي يخصّ الجانب الإصلاحيّ، وذلك ضمن النقاط التالية:

1. الدين:
ينطلق الشيخ المصباح من منطلق الدين في مقام التأصيل والنقد، إذ إنّه ينتمي إلى التيّار الدينيّ المعتقد بالرؤية الكونيّة الإلهيّة، وأنّ للكون خالقًا عليمًا مدبّرًا هو المبدأ والمنتهى، وتدور هذه العقيدة مدار نظريّة التوحيد، حيث يرى الشيخ مصباح أنّ «التوحيد من وجهة نظر القرآن يُعدّ الأساس في التعاليم الدينيّة وإليه تعود المعارف والعقائد الإسلاميّة[2]».

وذلك أنّ تعاليم الدين تنقسم إلى العقائد وإلى القيم، وكلاهما يرجعان إلى التوحيد، فرجوع العقائد إلى التوحيد واضح، إذ النبوّة والإمامة من لوازم بسط التوحيد في العالم، كما أنّ مقتضى العدل الإلهيّ وجود المعاد لينال كلّ ذي حقّ حقّه، أمّا رجوع القيم إلى التوحيد؛ فلأنّ القيم الإسلاميّة إنّما هي تجلّيات مختلفة للعبوديّة أمام الله تعالى، وأساس هذه القيم الاعتقاد بالله ومحبّته وطاعته من حيث انتخاب الطريق الإلهيّ والبعد عن الأهواء ووساوس الشيطان[3].
فأساس الدين هو التوحيد، وأصل التوحيد يستلزم النبوّة لتفعيل الدين في المجتمع، وعليه فإنّ ضرورة النبوّة عند الشيخ المصباح تبتني على أربع مقدّمات:

1. إنّ الله تعالى خلق الإنسان ليصل إلى الكمال المطلوب.
2. كمال الإنسان الأبديّ مرهون بعمله الاختيّاريّ، وعمله الاختيّاريّ مرهون بمعرفة الطريق الصحيح الموصل إلى الكمال الأبديّ.
3. إنّ علوم الإنسان لا تكفي لمعرفة جميع المصالح والمفاسد وتشخيص الطريق الصحيح للوصول إلى السعادة الأبديّة.
4. لو لم يجعل الله طريقًا آخر للإنسان -غير هذه الطرق- للوصول إلى الكمال والسعادة الأبديّة، لكان نظام الخلقة عبثًا، بهذه المقدّمات يتمّ إثبات ضرورة النبوّة[4]. وأنّها تصاحب الإنسان منذ فجر الخلقة، وأنّ حياة الإنسان في هذه الدنيا تخضع لهداية الله التشريعيّة[5]، وذلك من خلال منظومة الأحكام والقيم المسمّاة بالدين.

تعريف الدين:
يوجد خلاف بين اللغويّين حول مفردة (دين) وجذرها اللغويّ، فثمّة من يرجعها إلى اللغة العبريّة أو العربيّة أو الفارسيّة، ومهما يكن من أمر فإنّ المهمّ عند الشيخ المصباح هو المعنى الاصطلاحيّ للدين لا اللغويّ، وفي المعنى الاصطلاحيّ توجد أقوال مختلفة أيضًا من قبيل الاعتقاد بالأمر القدسيّ، أو الإحساس والتعلّق بالشيء، أو الاعتقاد بما وراء الطبيعة وما شاكل، وكلّ هذه المعاني تؤول إلى علقة ذهنيّة وشخصيّة وفرديّة ولا علاقة لها بالمجتمع وحياة الناس العامّة بل هي نوع علقة بين الإنسان والله -كأمر قدسيّ وما ورائيّ[6]-.

وتوجد تعاريف أُخرى وردت في معنى الدين، غير أنّ الشيخ المصباح يستقرب منها التعريف الذي يجعل الهدف محور التعريف ليكون الدين هو «مجموعة من العقائد والقيم والأحكام العمليّة التي تنير درب الإنسان نحو السعادة الأبديّة» وهذا التعريف هو الذي اختاره العلّامة الطباطبائي والشيخ الجوادي الآملي أيضًا، وهذا التعريف يشمل جميع جوانب حياة الإنسان الفرديّة والاجتماعيّة، الماديّة والمعنويّة، الدنيويّة والاخرويّة ولكن بشرط أن ترتبط جميعها بموضوع سعادة الإنسان الأبديّة[7].

العنف:
ثمّة موضوع مهمّ يتعلّق بموضوع استخدام العنف في الدين، فبعض الباحثين -بالنظر إلى آيات الجهاد وبعض الأحكام الجزئيّة- ينسب الدين الإسلاميّ إلى العنف، وهنا يقسّم الشيخ المصباح العنف إلى قسمين: العنف المذموم والعنف الممدوح. فالعنف المذموم هو العنف الابتدائيّ ومن دون سبب داعٍ إليه، أمّا إذا كان العنف لرفع العنف، أو من أجل التصدّي للظلم والجور وقتل الأبرياء والتمرّد والاعتداء على حقوق الناس وأعراضهم وأموالهم، فإنّه لم يكن مذمومًا بل ممدوحًا[8].
وقد ورد في الأدعية: «يا من سبقت رحمته غضبه»، ومعناه أنّ الرحمة لا تلغي الغضب بل تسبقه، وعليه فإنّ «الأصل في الإسلام هو الرحمة، وللرحمة الغلبة والأسبقيّة، ولكن هناك حالات خاصّة أشار إليها القرآن ينبغي أن تخلو من الرحمة والرأفة، وتُستخدم فيها القسوة والغلظة[9]».

فمبدأ الشجاعة، الشهامة، الحميّة والعصبيّة الدينيّة، حبّ الدين، التضحية، مقاتلة الأعداء، كلّها مبادئ وقيم إسلاميّة تؤدّي إلى حفظ الهويّة الدينيّة للمسلمين وحياتهم واستقلالهم[10].

أمّا بخصوص الحروب فإنّ القرآن الكريم يقسّمها إلى قمسين:
1. الحروب الحقّة، ويعبّر عنها بالجهاد أو القتال في سبيل الله.
2. الحروب الباطلة، ويعبّر عنها بالقتال في سبيل الطاغوت.

كما في قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) [11].

والجهاد في سبيل الله هو الجهاد الذي ينساق مع كمال الإنسان والمجتمع ويقرّبهما إلى الله تعالى[12].
ثمّ يشير الشيخ المصباح رحمه الله إلى أنّ الهدف من الدعاية نحو إفراغ الدين الإسلاميّ من هكذا مفاهيم إنّما هو لأجل «نزع الغيرة والعصبيّة الدينيّة من أبناء الشعب المسلم، لكي لا يهبّوا للدفاع عن الإسلام والثورة عند الضرورة[13]».

التعدّديّة الدينيّة:
من المواضيع الدينيّة المهمّة التي راجت في الآونة الأخيرة، البلوراليّة أو التعدّديّة الدينيّة، وهي تعني في بُعدها العمليّ احترام عقائد الآخرين من أيّ دين ومذهب والتعايش السلميّ معهم، أمّا في الجانب النظريّ فتعني حقانيّة جميع الأديان والمذاهب[14].

يذكر العلّامة المصباح ثلاثة تقارير لأنصار التعدّديّة الدينيّة ويناقشها:
التقرير الأوّل: لا يكون أيّ دين باطلًا محضًا أو حقًّا محضًا، بل كلّ دين يحتوي على تعاليم صحيحة وباطلة. فكثير من أحكام وتعاليم المسيحيّة وردت في الإسلام أيضًا، كما أنّ الإسلام يتوافق مع اليهوديّة في كثير من الموارد، فالحقائق منتشرة في جميع الأديان ولا يمكن الحكم ببطلان واحد منها مطلقًا، بل لا بدّ من احترامها جميعًا.

الجواب:
إنّ أصل المدّعى مقبول إجمالًا؛ إذ لا يوجد في العالم ما هو باطل مئة بالمئة، ولكن لو كان المراد بأنّ جميع أديان العالم تحتوي على بعض الباطل، بحيث لا يوجد دين كامل إطلاقًا، فهذا الكلام غير مقبول، إذ الإسلام يقول إنّ الدين الإسلاميّ والشريعة المحمّديّة تامّة وكاملة، وما جاء في سائر الأديان إذا وافق الإسلام فصحيح وإلّا فباطل، مضافًا إلى أنّ الإسلام يردّ الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه الآخر، ولا يقبل التبعيض بين تعاليم الدين الإسلاميّ، ويجعل ذلك مساويًا لردّ أساس الإسلام، فالإسلام هو الدين الحقّ الذي لا يوجد فيه أيّ باطل.

التقرير الثاني: إنّ الحقّ واحد، ولكلّ دين طريق إليه، فالأديان مهما اختلفت فإنّها طرق الوصول إلى هذه الحقيقة الواحدة، فلا فرق بين من يذهب إلى المسجد أو المعبد أو الكنيسة.

الجواب:
هذا الكلام لا يصحّ؛ إذ كيف يمكن للإسلام الذي يجعل الله واحدًا، ويجعل الفلاح والفوز في التوحيد، أن يتساوى مع المسيحيّة القائلة بالتثليث؟ وكيف نصل من خلالهما إلى نقطة واحدة أو حقيقة واحدة؟ وهل الدين الذي يحرّم شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، يشترك في الوصول إلى الهدف مع الدين الذي يحلّلهما؟
التقرير الثالث: إنّ القضايا الدينيّة قضايا غير حسّيّة وغير تجريبيّة، وهذه القضايا إمّا ليس لها معانٍ أو لها معانٍ ولكن لا يمكن إثباتها؛ لذا جميعها في عرض واحد، ولكلّ شخص أن يختار الدين الذي يرتئيه؛ إذ لا يوجد عندنا الدين الحقّ أو الدين الباطل.

الجواب:
لا يصحّ هذا الكلام إطلاقًا، إذ لا يصحّ عندنا -في العلوم والمعارف- الاعتماد على الحسّ مئة بالمئة وترك العقل، بل يمكن إثبات أو ردّ بعض القضايا عن طريق العقل أيضًا كالمباحث الفلسفيّة والرياضيّات، مضافًا إلى أنّنا ندرك الفرق الواضح بين هذه القضايا: «يجب إقامة الصلاة»، «لا يجوز الظلم»، «الله موجود»، «نور المصباح حامض». فلو كانت القضايا الثلاثة الأولى لا معنى لها، فكيف أمكننا تمييز معانيها عن معنى القضيّة الرابعة[15]؟

المعرفة الدينيّة:
من الأمور الأخرى التي يمكن إدراجها ضمن المباحث الدينيّة، ما يتعلّق بالمعرفة الدينيّة بين الإطلاق والنسبيّة، وقد ظهرت في الآونة الأخيرة «نظريّة معروفة بسيلان المعرفة الدينيّة وعدم ثباتها، وأنّ الإنسان الواحد ربّما يستفيد من بعض النصوص الدينيّة أمرًا، ثمّ بعد زمن وبعد اطّلاعه على مسائل أخرى من العلوم، يستنبط أمرًا آخر، كذلك تختلف الأقوام والأعصار في فهم المتون الدينيّة[16]».
ويعتقد الشيخ المصباح أنّ «هذه الشبهة هي أخطر شبهة واجهها الدين من بدء تاريخ الإنسان إلى اليوم، ولم يواجَه أيّ دين بشبهة أخطر من هذه الشبهة، ولم يسبق لها نظير في أيّ عصر وفي أيّ قطر من أقطار العالم، فهي شبهة مستجدّة، ولها خطرها الأعظم على الدين كلّه، وعلى المعرفة الإنسانيّة بصورة عامّة[17]».
علمًا بأنّ قضيّة تعدّد القراءات ظهرت في أوروبا منذ ما يقارب أربعة قرون، حيث وقعت في أوروبا حوادث أفرزتها ظروف اجتماعيّة وسياسيّة ودينيّة وثقافيّة خاصّة، أدّت إلى القول بتعدّد القراءات[18].

وبعدما دخلت هذه النظريّة العالم الإسلاميّ، تمسّك أنصارها بعدّة أدلّة لإثباتها، ومن تلك الأدلّة موضوع اللغة وأنّها تتغيّر من حين إلى آخر وتأخذ معانيَ مختلفة.

ويجيب الشيخ المصباح على هذه الشبهة بأنّ المراد إن كان تغيّر جميع اللغات والمعاني بتغيّر الأزمان، فهذا أمر واضح البطلان، ولازمه أن لا نعرف من معلومات الماضين واحدًا من المعاني التي أرادوها، وهذا لا يقبله أيّ عاقل. وإن كان المراد تغيّر بعض اللغات والمعاني، فنسأل: كيف يتميّز هذا الذي تغيّر معناه عن غيره؟ ثمّ نحن نعترف أيضًا بإمكان التغيير الجزئيّ، لكن بشرط أن يخضع لقواعد واضحة كالاستعمال المجازيّ مثلًا أو حصول وضع ثانويّ واستثنائيّ، فالتغيّر ممكن على نحو الإجمال وبشكل استثنائيّ وضمن قواعد واضحة، وهذا لا يتوافق مع مدّعى القوم[19].
الدليل الآخر الذي يتمسّكون به موضوع تغيّر الفتاوى من وقت إلى وقت، وهذا يدلّ على نسبيّة المعرفة الدينيّة، وفي مقام الجواب يقول الشيخ المصباح رحمه الله بأنّ «تغيّر الفتوى أمر مسلّم به، لكن السبب في تغيّر المعنى ليس تغيّر الفهم الدينيّ تبعًا لتغيّر الذهنيّات الآتية من قبل العلوم الطبيعيّة، فليس اختلاف الفتاوى بين المجتهدين تابعًا لاختلاف العلوم الطبيعيّة... فالتمسّك لتعليل اختلاف الفتاوى بأنّ الفهم الإنسانيّ يختلف تبعًا لاختلاف العلوم الطبيعيّة والاجتماعيّة أمر غير واقعيّ، وهي مغالطة واضحة[20]».

وبعبارة أخرى فإنّ بعض الأحكام الفقهيّة تأتي بصورة ظنّيّة واجتهاديّة، وفيها فتاوى مختلفة، ولكن توجد في الفقه أيضًا آلاف القضايا القطعيّة واليقينيّة، بل إنّ بعضها من ضروريّات الدين وإنكارها يوجب إنكار أصل الدين، ولا طريق إلى تعدّد القراءات فيها، نعم يجوز ذلك فيما لا يوجد دليل يقينيّ على الحكم، أو في الآيات المتشابهة[21].
ومن الأدلّة الأخرى تمسّكهم بتعدّد تفاسير الآيات القرآنيّة، حيث إنّها تدلّ بزعمهم على تعدّد القراءات، وفي مقام الإجابة يذهب الشيخ المصباح إلى أنّ مجال تعدّد التفسير في الآيات القرآنيّة محدود جدًّا، وليست جميع الآيات تخضع لتعدّد التفاسير، إذ إنّه يكون مصداقًا للتفسير بالرأي المذموم عند العلماء، إذ لا يتبع صاحبه القواعد والأساليب العقلائيّة وقواعد الحوار لفهم وتفسير الآية[22].
وأخيرًا يرى الشيخ المصباح رحمه الله أنّ سبب انتشار موضوع تعدّد القراءات ودعم الغرب والمتغربنين له، إنّما لأجل دعم الليبراليّة في العالم الإسلاميّ؛ إذ الثقافة الليبراليّة لا تلزم الإنسان بقيود الدين والأخلاق وحكم العقل والفطرة، ولا شكّ في أنّ أعظم سدّ يقف في وجه أمواج الليبراليّة إنّما هو الإسلام، لذا يحاولون من كسر هذا السدّ من خلال نشر ثقافة تعدّد القراءات[23].

الدين والعلم:
يرى الشيخ المصباح أنّ موضوع العلاقة بين العلم البشريّ والدين يعدّ من الهواجس الفكريّة للعلماء منذ القدم، ومحطّ البحث يكمن في السؤال عن النسبة بين الدين ذي المنشأ الإلهي الذي يصل عن طريق الوحي والإلهام، وبين العلم البشريّ الذي ينشأ من مجاري الإدراك العامّة كالعقل والتجربة والحسّ والشهود، وتظهر خطورة البحث حينما يحصل تعارض بين معطيات الوحي ومعطيات الدين[24].
علمًا بأنّ مبحث العلم والدين قد لاقى رواجًا في الوقت الراهن بسبب فتوحات العلم التي تتحدّى الدين، فقام البعض بإبطال تعاليم الدين نصرة للعلم، وفي المقابل ذهب آخرون لإبطال العلم نصرة للدين، ووقع فريق ثالث في التيه لا يدرون إلى أيّ جهة يميلون؛ لذا قد أصبح حلّ هذه الإشكاليّة محطّ أنظار علماء الدين، كونه خطوة استراتيجيّة نحو الإبداع العلميّ في الوسط الإسلاميّ[25].
وقبل الخوض في بيان المسألة يشير العلّامة المصباح إلى نقطة محوريّة، وهي لزوم تحرير محلّ النزاع والابتعاد عن مغالطة الاشتراك اللفظيّ، وتبيين المراد من المفردات، إذ للدين كما للعلم معاني وتعاريف مختلفة، وعليه فإنّ «الحكم الكلّي حول علاقة العلم والدين، حكم ساذج وغير علميّ، بل يقتضي البحث المنطقيّ تفكيك أبعاد العلم المختلفة ومعانيه المتعدّدة من جهة، ولحاظ معاني الدين المختلفة وأجزائه المتعدّدة بشكل مستقلّ من جهة ثانية[26]».
إنّ المعنى الذي يختاره الشيخ المصباح للعلم من بين مختلف المعاني التي يذكرها، إنّ العلم هو مجموعة مسائل تتكوّن من الموضوع والمحمول، وهذه الموضوعات تندرج ذيل موضوع واحد، وتستدعي الإجابة إمّا نفيًا أو إثباتًا، ويطلق على هذه الفعاليّة عنوان العلم[27]. أمّا الدين فقد مرّ تعريفه في مفتتح البحث.

ومن هذا المنطلق -أي منطلق التعريف- يمكن تحديد علاقة الدين والعلم، فلا يمكن الحكم بشكل مطلق، بل لا بدّ من لحظ التعريف المستخدم لكلّ واحد منهما، ثمّ البحث عن إمكانيّة الجمع من عدمه[28].
وبناء على التعريف المختار للدين عند الشيخ المصباح، فإنّه خارطة طريق لنيل الكمال وبرنامج للحياة السعيدة، وبهذا التعريف فإنّ الدين لا يتكفّل بيان الحقائق العينيّة الخارجيّة، بل إنّ أكثر تعاليم الدين تتعلّق ببيان المنظومة القيميّة الإسلاميّة، التي تبيّن العلاقة بين الفعل والسعادة، وهذا يشمل مساحة واسعة من المسائل الفرديّة والاجتماعيّة والعباديّة والمعاملات، وهذه الشموليّة لا تعني لزوم البحث عن جميع الجزئيّات في الدين، بل إنّه يبيّن المسائل التي تتعلّق بسعادة الإنسان وكماله النهائيّ؛ لذا لم نعدّ من وظائف الدين بيان المسائل الفيزيائيّة، أو الكسمولوجيّة، أو الطبيّة وما شاكل[29].

أمّا بخصوص مبحث تعارض العلم والدين، فإنّ الشيخ المصباح يرجع ذلك إلى ثلاثة عوامل ظهرت في الغرب أدّت إلى ذلك، بحيث «أصبح موضوع تعارض العلم والدين إحدى البديهيّات لعلماء الغرب[30]»، وهذه العوامل الثلاثة هي ما ورد في الكتاب المقدّس أنّ الشجرة الممنوعة كانت شجرة العلم، وهذا العلم يتعارض مع إرادة الله تجاه الإنسان، ثمّ بعض تعاليم الكنيسة المخالفة للعقل كالتثليث وبيع صكوك الغفران وما شاكل، وأخيرًا ظهور النزعة الماديّة في الغرب[31].

ومع قطع النظر عن الجذور والأسباب، فإنّ الشيخ المصباح يرى أنّ افتراض التعارض بين المعرفة الدينيّة اليقينيّة مع المعرفة العلميّة اليقينيّة غير قابل للتحقّق ومرفوض، أمّا لو كانت إحدى المعارف يقينيّة والأخرى ظنّيّة، فيؤخذ باليقين، وأمّا لو كانت كلا المعرفتين ظنيّتين، فهنا يقدّم الأقوى ظنًّا وإن تساويا يحكم بالتوقّف ليأتي دليل آخر يعضد أحدهما ليؤخذ به[32].

2-الإنسان:
إنّ مباحث معرفة الإنسان تُعدّ من الأمور المهمّة التي شغلت كثيرًا من العلماء، كما أنّ موضوع الإنسان يُعتبر أهم موضوع في النصوص الدينيّة بعد موضوع الألوهيّة؛ إذ خلق الكون وإرسال الرسل والكتب السماويّة، إنّما هي لأجل سعادة الإنسان[33].

وممّا يدلّ على أهمّيّة معرفة الإنسان عند الشيخ المصباح، إنّ لمعرفة الإنسان ارتباطًا وثيقًا مع التوحيد والنبوّة والمعاد والأخلاق وسائر الأحكام الاجتماعيّة؛ وذلك أنّ التأمّل في الإنسان يهدينا إلى ما أودعه الله تعالى فيه من العلم والقدرة والحكمة، وأنّه العارف بأسمائه وصفاته وأنّه خليفته، فمعرفة الإنسان تساعد على معرفة الله تعالى.
كما إنّ معرفة الإنسان تساعد على معرفة النبوّة÷ إذ النبيّ إنسان، وهناك من يزعم أنّ الإنسان لا يرقى إلى مقام النبوّة، فمعرفة الإنسان بالشكل الصحيح تنير الفكر لفهم إنسانيّة النبوّة.
وكذلك الأمر بخصوص المعاد، فإنّه يبتني على معرفة الإنسان أيضًا، فإذا افترضنا تكوين الإنسان من روح ومادّة، أمكن إثبات المعاد. وهكذا الأمر في المسائل الأخلاقيّة والأحكام والقوانين الاجتماعيّة، حيث إنّ نوعيّة معرفة الإنسان فيها تغيّر الموقف والحكم في هكذا موارد[34].

ثمّ يشير الشيخ المصباح إلى تعدّد المناهج في دراسة الإنسان، فهناك المنهج التجريبيّ والفلسفيّ والعرفانيّ والدينيّ، لكنّه يفضّل المنهج الدينيّ في معرفة الإنسان وذلك للأدلّة التالية:

1. الجامعيّة، حيث إنّ المنهج الدينيّ في معرفة الإنسان يستقي معلوماته من تعاليم الوحي، فالوحي يلحظ جميع أبعاد الإنسان الوجوديّة الماديّة والمعنويّة.
2. الإتقان وعدم الوقوع في الخطأ، وذلك لاعتمادها على الوحي المصون من الخطأ.
3. الالتفات إلى المبدأ والمعاد، إذ سائر المناهج تنظر إلى الجانب المادّيّ في الإنسان فحسب، أو تتحدّث عن الأمور العامّة والكلّيّة كما في المنهج الفلسفيّ والعرفانيّ، غير أنّ المنهج الدينيّ والوحيانيّ يلحظ كلا الجانبين في الإنسان.
4. الرؤية الشموليّة، أي لحاظ جميع أبعاد الإنسان بارتباط بعضها مع بعض كشبكة متكاملة[35].

من الأمور المهمّة المطروحة في المنهج الدينيّ لمعرفة الإنسان، موضوع خلافة الإنسان، وذلك بالاستناد إلى قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)[36] وذيل الآية يدلّ على أنّ ملاك هذا الاستخلاف إنّما هو العلم بالأسماء، ويرى الشيخ المصباح أنّ الآية لا تدلّ على حصر الخلافة في نبيّ الله آدم(عليه السلام) ، وكذلك لا يصحّ أن تشمل جميع البشر، بل هي تتداول بين بعض بني البشر الذين يستحقّونها ويعرفون الأسماء، وهذا ما يختصّ به الأنبياء والأئمة(عليهم السلام)[37].

الأمر الآخر الذي يستنتج من المنهج الدينيّ في معرفة الإنسان، موضوع كرامة الإنسان وموقعيّته أمام سائر المخلوقات، وما يستفاد من القرآن الكريم اختلاف الآيات حول الإنسان، فمن جهة نرى قوله: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)[38] ومن جهة ثانية نرى قوله تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)[39]، وتوجد فئة ثالثة تفصّل الموقف كقوله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ)[40].
وفي مقام التحليل وبيان الموقف، يشرح الشيخ المصباح المراد من الكمال، حيث إنّه تارة يراد منه الجانب التكوينيّ، وتارة أخرى الجانب القيميّ والأخلاقيّ، فكلمة الكمال في مقام التكوين، لا تحمل في طيّاتها أي مفهوم قيميّ، بل تنظر إلى مراتب الوجود كما عند المقايسة بين الجماد والنبات، نقول إنّ النبات أكمل تكوينًا من الجماد.
فالآية الأولى الدالّة على كرامة الإنسان، ناظرة إلى جانبه التكوينيّ، ولم تكن ناظرة إلى المفاهيم القيميّة، كما يدلّ عليه في ذيل الآية أيضًا: (وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ) أمّا الآيات الأخرى فإنّها ناظرة إلى الجانب القيمي، فقد تمدح الإنسان بحسب أفعاله وقد تذمّه.

والخلاصة إنّ الآية الدالّة على كرامة الإنسان، إنّما تدلّ على كرامته التكوينيّة التي لا تنطوي على حكم قيميّ، بل إنّ المدح المستتر فيها يرجع إلى مدح فعل الله تعالى الخالق لهذا الإنسان، وعندما تنظر إلى الآيات الدالّة على أفعال الإنسان، فلا مجال هنا لموضوع الكرامة، إذ الإنسان ربّما يصل بأفعاله إلى مقام يفوق مقام الملائكة، وربّما يصل إلى مقام يكون فيه أضلّ من الأنعام.
فالآيات القرآنيّة تذكر كرامتين: 1- الكرامة التكوينيّة 2- الكرامة الحاصلة بالأفعال كما في قوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)[41].

ومن المواضيع الأخرى المتفرّعة من المنهج الدينيّ في معرفة الإنسان، كون الكمال النهائيّ للإنسان هو القرب من الله، «فبالنظر الإجماليّ إلى الآيات الكريمة في القرآن الكريم، نرى -حتّى عند الجاهلين بحقائق التوحيد- إنّ هذه المعرفة ثابتة عندهم، وهي أنّهم لا بدّ أن يتقرّبوا إلى الله وإلى آلهتهم بحسب اعتقادهم، وحتّى إنّهم كانوا يصرّحون أحيانًا بأنّهم يعبدون الآلهة لتقرّبهم إلى الله زلفى (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى)، فكانوا يعرفون إنّ الغاية المنشودة للإنسان -كما هو مركوز في فطرته- هي أن يتقرّب إلى الله زلفى[42]».

ودليل ذلك أنّ الإنسان يطلب الكمال بفطرته، ولا يقتنع بالأدنى إلّا ويطلب الأعلى وهكذا، وبما أنّ المخلوقات كلّها محدودة، فلا بدّ وأن يتوجّه الإنسان إلى غير المحدود وغير المتناهي وهو الله تعالى[43]، وليس المراد من القرب هنا القرب الجسمانيّ أو المكانيّ أو الزمانيّ -والله تعالى منزّه عنها- بل هو القرب المعنويّ الحقيقيّ الحاصل من خلال رفع الحجب الظلمانيّة والنورانيّة عن الإنسان «ويمكن للإنسان أن يخرق تلك الحجب، حتّى يصير عبدًا محضًا لا يريد إلّا ما أراد الله، لا يطلب لنفسه أيّ شيء، إنّما يطلب ما يطلبه المولى، فليس لنفسه شيئيّة، هويّة، استقلال، وإنّما ينظر بنور الله[44]».
من الأمور المهمّة الأخرى المتفرّعة على المنهج الدينيّ في معرفة الإنسان، موضوع اختيّار الإنسان في الفعل والترك، وعند المراجعة إلى القرآن الكريم نتمكّن من إثبات ذلك بوضوح «فالقرآن الكريم من دون أن ينكر الفاعليّة الإلهيّة، يلقي مسؤوليّة أعمال الإنسان على عاتق الإنسان، وفي حين يرى أنّ الفاعليّة الحقيقيّة والتأثير الاستقلاليّ منحصر في الله تعالى، لا ينكر تأثير الفاعل والعلل القريبة وسائر العوامل من قبيل الوراثة، البيئة، الطعام، فالرؤية الإسلاميّة مع لحاظ تأثير جميع تلك العوامل، تؤكّد على اختيّار الإنسان وأنّه العامل الأهمّ من بين تلك العوامل، بمعنى أنّ تلك العوامل لم تكن العلل التامّة للفعل، بل هي ممهّدة فقط، وما يتم تعيّن الفعل به إنّما هو إرادة الإنسان[45]».

ثمّ إنّ الشيخ المصباح يشير إلى فئات من الآيات القرآنيّة الدالّة على اختيّار الإنسان، من قبيل الآيات الدالّة على ابتلاء الإنسان واختباره، والآيات الدالّة على الوعد والوعيد، وآيات العهد والميثاق، فهذه الآيات كلّها تدلّ على اختيّار الإنسان[46].

ثمّ إنّ الاختيّار هو ملاك تقويم الإنسان، وذلك عندما يختار أمرًا من بين مجموعة أمور، فبإمكانه غضّ الطرف عن الميول والغرائز، وهنا أي عند الترجيح تظهر قيمة عمل الإنسان[47].

والجبر عند الشيخ المصباح مرفوض بجميع أنواعه، سواء فيه الجبر الكلاميّ أو الفلسفيّ أو التاريخيّ أو الاجتماعيّ[48].

3. نظريّة المعرفة:
يقصد الشيخ المصباح من المعرفة معناها العام أي مطلق العلم والمعرفة، وتكمن أهمّيّة المعرفة في أنّها تتناسق مع ميل الإنسان الفطريّ نحو طلب الكمال والبحث عن الحقيقة الذي يُعدّ المحور المقوّم لإنسانيّة الإنسان، مضافًا إلى أنّ الرؤية الدينيّة تربط الإيمان بالله وكذلك العمل بأوامره وتعاليمه والوصول إلى الكمال بالمعرفة[49].

كما يرى الشيخ المصباح «إنّ من بين المباحث الفلسفيّة، فإنّ ما له أهمّيّة خاصّة ويعدّ اليوم أم سائر المسائل الفلسفيّة، إنّما هو نظريّة المعرفة، وربّما لم يكن هذا الفرع العلميّ ذا أهمّيّة كبيرة فيما مضى، وبتبعه لم يكن مثارًا للخلاف، ولكن إنّ أهمّيّة نظريّة المعرفة المتزايدة اليوم، تكمن في دورها لحلّ سائر المسائل الفلسفيّة وحتّى الدينيّة أيضًا، إذ لو تزلزلت أركان نظريّة المعرفة، لسرى ذلك إلى جميع المباحث سيّما المعرفة الدينيّة، لذا ولأجل الوصول إلى معارف صحيحة لا بدّ من البحث في هذا الموضوع[50]».
علمًا بأنّ موضوع (نظريّة المعرفة) والبحث الفلسفيّ حولها، وإن لم يكن ذا سابقة طويلة في تاريخ العلوم الحديثة، ولكن بعض مباحثها تضرب بجذورها في عمق التاريخ الفكريّ للبشريّة، فمسألة «قيمة المعرفة التي تشكّل المحور الأصيل لمسائل هذا العلم قد كانت مطروحة للبحث منذ أقدم مراحل الفلسفة، ولعلّ أوّل عامل أدّى إلى التفات العلماء لهذه المسألة هو اكتشاف أخطاء الحواس، وقصور وسائل المعرفة هذه عن عكس الواقعيّات الخارجيّة[51]».

ثمّ يتطرّق الشيخ المصباح إلى سير المعرفة في الغرب بدءًا من أرسطو والسوفسطائيّين وانتهاء إلى المدارس الحسّيّة الحديثة، وما لاقته من أزمات معرفيّة كثيرة، ويشيد بعد هذا بالفلسفة الإسلاميّة وصمودها أمام هذه المتغيّرات المعرفيّة، إذ أنّها اعتمدت على العقل في المباحث الميتافيزيقيّة، وبناء على هذا لم تدرس الفلسفة نظريّة المعرفة بشكل منفصل ومستقلّ، لذا يقول الشيخ المصباح «وبالالتفات إلى ثبات واستحكام وعدم تزلزل مكانة العقل في الفلسفة الإسلاميّة، لم يجدوا ضرورة لدراسة مسائل المعرفة بصورة تفصيليّة ومنظّمة، وبعنوان كونها فرعًا مستقلًّا من الفلسفة، وإنّما اكتفوا بطرح مسائل متفرّقة حول المعرفة في أبواب مختلفة من المنطق والفلسفة[52]».
ثمّ إنّ الشيخ المصباح لم يتطرّق إلى جميع مباحث نظريّة المعرفة وجزئيّاتها، بل يشير إجمالًا إلى مسائل الحسّ والعقل، ويسعى لبلورة قيمة الإدراك العقليّ، وإثبات صحّة الموقف الفلسفيّ وأسلوبها العقليّ. كما يرى أنّ علم المعرفة يبيّن مسائله على أساس البديهيّات الأوّليّة فحسب[53].

ومن تلك الأمور البديهيّة، إنّ كلّ إنسان عاقل يعتقد بمعرفته لبعض الأشياء، أو قدرته على التعرّف على بعض الأشياء، وعليه فإنّ «إمكان العلم ووقوعه أمر ليس قابلًا للإنكار ولا حتّى للترديد لأيّ إنسان عاقل لم تشوّش الشبهات ذهنه[54]».
ومن جهة أخرى فنحن نعلم أيضًا أنّ جميع إدراكاتنا ومعارفنا ليست مطابقة للواقع، وربّما تكون خاطئة وغير صحيحة، ومن هنا يتساءل الإنسان «ما هو الفرق الأساسي بين أنواع إدراكات الإنسان بحيث إنّ بعضها ليس قابلًا للخطأ ولا للتشكيك، فيما البعض الآخر قابل للخطأ والتشكيك[55]؟».
وللإجابة على هذا السؤال -وتبعًا لسائر الفلاسفة- يقسّم الشيخ المصباح (رحمه الله) العلم إلى حضوريّ وحصوليّ، فالعلم إذا تعلّق بذات المعلوم من دون واسطة بحيث ينكشف الواقع للعالم من دون واسطة فهو العلم الحضوريّ، وأمّا اذا انعكس المعلوم للعالم بواسطة -الصورة الذهنيّة أو المفهوم- فهو العلم الحصوليّ[56].
والخطأ لا يقع في العلم الحضوريّ؛ لأنّ الواقع العينيّ نفسه يكون مورد الشهود وحاضرًا، بخلاف العلم الحصوليّ حيث إنّ المفاهيم والصور الذهنيّة تكون واسطة لحصول العلم، وقد لا تتطابق بشكل كامل مع الأشخاص والأشياء الخارجيّة[57].
ثمّ إنّ هذا العلم الحضوريّ «لا يستطيع وحده أن يحلّ مشكلة علم المعرفة، وإذا لم نظفر بسبيل لمعرفة الحقائق من بين العلوم الحصوليّة، فإنّنا لا نستطيع منطقيًّا أن نقبل أيّ نظريّة يقينيّة في أيّ علم من العلوم، وحتّى البديهيّات الأوّليّة أيضًا تفقد قطعيّتها وضرورتها، ولا يبقى لها سوى اسم البداهة والضرورة، فلا بدّ من بذل أقصى الجهود لتقويم المعارف الحصوليّة، وللظفر بمعيار الحقيقة فيها[58]».

ومن هذا المنطلق يقسّم الشيخ المصباح -تبعًا للمناطقة- العلم الحصوليّ إلى تصوّر وتصديق، فالتصوّر هو القضيّة الذهنيّة البسيطة التي تعكس ما وراءها، أمّا التصديق فهو القضيّة المشتملة على الموضوع والمحمول والحكم[59].
والقضايا تنقسم إلى قسمين أيضًا: بديهيّة ونظريّة، والبديهيّة على قسمين: البديهيّات الأوّليّة التي يكفي فيها صرف تصوّر الموضوع والمحمول للحكم باتّحادهما، والوجدانيّات المأخوذة من العلوم الحضوريّة. وهذه البديهيّات الأوّليّة لا تحتاج إلى الحسّ والتجربة، أمّا القضايا التي تعكس وجود المحسوسات الخارجيّة وصفاتها، فهي بحاجة إلى التجربة والحسّ كما تحتاج أيضًا إلى برهان عقليّ لإثباتها بشكل قطعيّ[60].

ومدار البحث هنا في نظريّة المعرفة والبحث عن الصدق والحقيقة، يدور مدار العلوم الحصوليّة؛ لأنّ الكشف عن الواقع يختصّ بالتصديقات والقضايا، أمّا الحقيقة المراد بها هنا هي الصور العلميّة المطابقة للواقع الذي تحكيه[61].
وتلخّص ممّا مضى إنّ القضايا البديهيّة الأوّليّة والوجدانيّات وما ينتهي إلى العلم الحضوريّ له صفة الحقيقة والواقعيّة، أمّا القضايا غير البديهيّة، فلا بد من تقويمها بحسب المعايير المنطقيّة، بمعنى أنّ القضيّة التي تستنتج من القضايا البديهيّة بحسب الشرائط المنطقيّة المذكورة في علم المنطق، فهي صحيحة وإلّا فلا[62].

4. المباحث الحقوقيّة:
يطرح الشيخ المصباح (رحمه الله) مجموعة مباحث ثقافيّة وسياسيّة واجتماعيّة في ذيل مفهوم الحقوق، وسنشير فيما يلي إلى ما يناسب المقام، وندع باقي المواضيع المذكورة إلى مواردها.
أوّل ما يبدأ به الشيخ المصباح يتعلّق بمعنى الحقّ، فالحقّ في اللغة هو الثبوت والتحقّق، أمّا من حيث الاصطلاح فظهرت معاني مختلفة لمفردة «الحقّ» من قبيل: الحقّ المقابل للباطل، الحقّ المقابل للضلال، الحقّ بمعنى الواجب[63] وكذلك الحقّ بمعنى الواقع الخارجيّ والحقيقة[64]، وعليه فلا بدّ من التدقيق في هذه المعاني وموارد استعمالها كي لا نقع في الخلط والاشتباه والمغالطة[65].

إذ إنّ «مغالطة الاشتراك اللفظيّ، هي إحدى المغالطات المتعارفة والرائجة التي يستخدمها المنحرفون فكريًّا، وشياطين الفكر والثقافة[66]».

ـ منشأ الحقّ:
يشير الشيخ المصباح إلى أنّ أهم البحوث التي تطرح حول الحقوق من وجهة نظر الإسلام وسائر المدارس الحقوقيّة الأخرى، هو السؤال عن منشأ الحقّ، وقد ذهبت مدرسة الحقوق الطبيعيّة إلى أنّ الطبيعة هي منشأ الحقّ، فعندما نقول مثلًا إنّ للإنسان حقّ الحياة، فإنّ طبيعة الإنسان هي التي تمنحه هذا الحقّ[67].
أمّا مدرسة الحقوق الوضعيّة التي راجت هذه الأيّام كثيرًا، وحلّت محلّ الحقوق الطبيعيّة، فإنّها ترى أإنّ منشأ الحقّ هو الاتّفاق الجماعي، فإذا قبل المجتمع حقًّا فسيكون ثابتًا، وإذا انتفى هذا الاتّفاق يومًا سيذهب هذا الحقّ أيضًا، وهذا يعني نسبيّة الحقوق[68].
أمّا المدرسة الإسلاميّة فإنّها تخالف المدرستين الطبيعيّة والوضعيّة، فتجعل الله تعالى هو منشأ جميع الحقوق، وبهذا الصدد يتمسّك الشيخ المصباح بما ورد عن الإمام السجّاد(عليه السلام) في رسالة الحقوق، حيث قال: «وهو أصل الحقوق ومنه تتفرّع سائر الحقوق»، ثمّ يعقّب الشيخ المصباح قائلًا: «والمهمّ أنّ هذا الحقّ هو أساس ومنشأ جميع الحقوق الأخرى، ولو لم يكن هذا الحقّ موجودًا لما وجدت تلك الحقوق أيضًا[69]».

بيان ذلك: عندما نريد إثبات حقّ شخص على شيء أو على شخص آخر، فإنّ هذا يستند على وجود شكل من أشكال الملكيّة، فما يصدّقه العقل ويدعو إليه أنّ للمالك حقًّا ويمكنه التصرّف في ملكه، وبغير هذه الحالة فالعقل لا يجيز التصرّف، ولا يثبت حقًّا لشخص على شخص أو شيء آخر، وبما أنّ الله تعالى خالق جميع الموجودات ومالكها، فله حقّ التصرّف في ملكه، فالحقّ ينشأ فقط عندما يعطي الله -وهو خالق الوجود ومالكه- ذلك الحقّ لشخص أو شيء معيّن[70]. فبتبع ذلك ليس للإنسان أن يجعل لنفسه حقًّا على الله تعالى أو على إنسان آخر دون أن يعطيه الله ذلك الحقّ، فنحن لا نملك شيئًا، وليس لدينا شيء من أنفسنا حتّى يكون لنا حقّ فيه[71].

وبعبارة أُخرى إنّ إرجاع جميع الحقوق إلى الله تعالى وجعله أساس الحقوق، يمكن إثباته بطريقين: عقليّ ونقليّ.
أمّا الطريق النقليّ فما ورد من نصوص تخصّ الموضوع في الآيات والروايات، فقد قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «ولكنّه سبحانه جعل حقّه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب... ثمّ جعل سبحانه من حقوقه حقوقًا افترضها لبعض الناس على بعض[72]».

أمّا البرهان العقليّ على ذلك فيتوقّف أوّلًا على الاعتراف بوجود الله تعالى، وثانيًا على تحليل مفهوم الحقّ ومن أيّ نوع هو، وهنا نقول إنّ الحقّ من المفاهيم الاعتباريّة، ومن خصائص المفاهيم الاعتباريّة أنّها قابلة للتسلسل أي يمكن اشتقاق مفاهيم اعتباريّة متعدّدة من مفهوم اعتباريّ واحد، ومن الخصائص الأخرى أنّه قابل للانتقال إلى الغير كحقّ الملكيّة، كما لا يوجد خلق وإيجاد مستقلّ للمفاهيم الاعتباريّة، بل إنّ العقل يبدعها، فعندما نقول: «الله حقّ»، فذلك لا يعني وجود شيء باسم الحقّ مستقلّ عن الله ومضاف على ذاته، بل هو انتزاع قام به العقل، ولا يوجد في الخارج شيء في الخارج سوى الله تعالى.
والسؤال الذي يُطرح هنا هو منشأ هذا المفهوم الاعتباريّ للحقّ، وكيف تمّ انتزاعه واعتباره، وفي الجواب يقول الشيخ المصباح: إنّ مفهوم الحقّ يصاحبه نوع من السلطة والسيطرة، فعندما تقول إنّ لفلان حقًّا، يعني نجعل له نوعًا من السلطة والتفوّق، فهنا يكون مفهوم السلطة مساويًا للحقّ تقريبًا، وعليه فإنّ ملاك اعتبار الحقّ هو وجود نوع من السلطة والقدرة.

وبعد وضوح هذا الأمر، فهل هناك سلطة وقدرة في عالم الوجود أقوى وأوسع من سلطة الله تعالى وقدرته؟! فللّه السلطة التكوينيّة على الجميع حتّى قبل اعتبار مفهوم الحقّ.

وخلاصة القول: إنّ حقّ الله تعالى أصل جميع الحقوق، وقبل اعتبار حقّ الله لا يوجد أي حقّ آخر، وحقّه مبدأ ومنشأ حقوق عباده، ولو لم يمنح الله هذا الحقّ للنّاس، لما نشأ الحقّ من وجود نفس الإنسان، فالحقّ الحقيقيّ هو الحقّ الذي يمنحه الله[73].

ـ الحقّ والتكليف:
إنّ الحقّ من الطرف الأوّل يوجب التكليف على الطرف الثاني، ولكن في زماننا هذا يقول بعض الباحثين إنّ الإنسان في عصر التحضّر يسعى للحصول على حقوقه فقط وليس للقيام بواجباته[74]، ولكن هذه المقولة لا تتلاءم مع الرؤية الإسلاميّة.
ذلك أنّ النسبة بين الحقّ والواجب نسبة تضايف، فلا يمكن إثبات حقّ دون واجب في قباله، «فإذا قيل إنّنا نسعى لاستيفاء حقوقنا، لكن لا نلتزم بأداء أيّ واجب، قلنا: إذن لا يوجد حقّ أصلًا[75]».
ونحن إذا قبلنا بوجود الله تعالى، فلا بدّ أن نقبل بأنّنا ملكه، ومن هنا تنشأ علاقة الربوبيّة والعبوديّة بين الله والإنسان، فالله ربّنا ونحن عباده، ومحور تعاليم جميع الأنبياء، وأوامر جميع الشرائع والأديان السماويّة، يدور حول العبادة والطاعة المطلقة لله تعالى[76].
وبعد إرجاع جميع الحقوق إلى الله تعالى، يظهر سؤال عن أنّ تعيين هذه الحقوق من قبل الله هل هو ناشئ عن إرادة جزافيّة أم هناك ملاكات ومصالح؟ وفي مقام الإجابة يرى الشيخ المصباح (رحمه الله) أنّ إرادة الله تعالى إرادة حكيمة، «فليس الأمر هو أن يثبت الله حقًّا لشخص ويضع واجبًا لآخر دون أيّ أساس وملاك ومن دون رعاية المصلحة، فجميع الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد الواقعيّة[77]».

ومعنى متابعة الأحكام للمصالح والمفاسد هو «أنّ الله تعالى قد خلق العالم على أساس حكمته البالغة، وهو يدبّره بحيث يتحقّق أكثر ما يمكن من الخير الناشئ من كونه خيرًا مطلقًا... وإنّ كون الأوامر الإلهيّة تابعة للمصالح والمفاسد، يعني أنّ الله يأمر الإنسان بشيء، فإذا أطاعه تمكّن الإنسان من الاستفادة أكثر من الفيض والرحمة الإلهيّة، أمّا كون النواهي الإلهيّة تابعة للمصالح والمفاسد، فهو يعني أيضًا أنّ الله ينهى الإنسان عن شيء، فإذا فعله كان ذلك سببًا لأن يُحرم من الفيض والرحمة الإلهيّة... ومن هذه الجهة فإنّ الناس يكتفون بالقيام بأعمال الخير حتّى يصبح لديهم استعداد أكبر لقبول الرحمة الإلهيّة، وكذلك فإنّهم إذا نهوا عن بعض الأمور، فذلك لأنّهم إذا لم يجتنبوا عنها، فإنّهم يفقدون الاستعداد اللازم لإدراك الرحمة[78]». وبهذا المعنى فإنّ التكاليف ترجع إلى الحقوق وتصبّ في مصلحة الإنسان.

ـ حقوق الإنسان:
يرى الشيخ المصباح أنّ حقوق الإنسان في الإسلام مبتنية على مجموعة أصول موضوعة، ترتبط من جهة بالرؤية الكونيّة الأنطولوجيّة، ومن جهة ثانية بالأيديولوجيا ونظام القيم الإسلاميّة، وهذه الأصول هي كالتالي:

1. أصل التوحيد: فقبل بيان حقوق الإنسان لا بدّ من رسم نوعيّة علاقته وارتباطه الوجودي ّمع الله تعالى.
2. أصل الحكمة البالغة الإلهيّة: حيث لا يمكن إثبات وتبيين النظم الحقوقيّة والأخلاقيّة في الإسلام إلّا بعد ثبوت الحكمة الإلهيّة.
3. أصل خلود الروح: فالروح المفارقة للمادّيّات خالدة ولا تفنى، فللإنسان حياة خالدة في عالم الآخرة، وإنّ الموت هو المعبر إليه.
4. أصل الترابط بين الدنيا والآخرة، وإنّ الدنيا مقدّمة للحياة الآخرويّة.
5. أصل كرامة الإنسان حيث إنّ فلسفة خلق الإنسان تكمن في الوصول إلى الكرامة.
6. أصل الاختيار، وأنّ الإنسان يسعى نحو الكرامة باختياره.
7. أصل الحياة الاجتماعيّة حيث إنّها شرط ضروريّ للوصول إلى الكمال الحقيقيّ.
8. أصل وجود القانون لاقتضاء الحياة الاجتماعيّة ذلك.
9. أصل تلازم الحقّ والتكليف.
10. أصل الحرّيّة حيث إنّ الوصول إلى الكمال يستدعي سلوك طريق الهداية بالاختيار والحرّيّة.
11. أصل لزوم الحكومة لتكون الضامن لتأمين المصالح الفرديّة والاجتماعيّة[79].

ومن منطلق هذه الأصول، يقوم الشيخ المصباح اليزدي بنقد لائحة حقوق الإنسان العالميّة، وسنشير إليها لاحقًا وفي مبحث نقد الغرب.

5. المباحث السياسيّة:
شغلت المباحث السياسيّة، مساحة واسعة من تراث الشيخ المصباح (رحمه الله)، فهو من جهة كان يواجه التيّارات العلمانيّة القائلة بفصل الدين عن السياسة، ومن جهة ثانية حاول إعطاء رؤية إسلاميّة تأصيليّة لمسألة الحكومة ونظام الدولة في الإسلام، وسنشير إلى آرائه حول المباحث السياسيّة ضمن النقاط التالية:

ـ ضرورة الحكومة:
يتوافق الشيخ المصباح مع الفلاسفة الذين يقولون بلزوم وجود الحكومة في المجتمع، أي ضرورة وجود مؤسّسة أو هيئة تصدر الأوامر والنواهي ويطيعها الآخرون. والإنسان قد أدرك هذه الضرورة بالتجربة، والإسلام أيضًا أقرّ هذه الضرورة، وقد قال أمير المؤمنين: «لا بدّ للناس من أمير برّ أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع الكافر[80]». والسبب في ذلك أنّ عدم وجود الحكومة يوجب الفوضى[81].
ومن وجهة نظر دينيّة -وما هو مستفاد من سيرة الرسول الأكرم- فإنّ وظيفة الحكومة تأمين المصالح والمتطلَّبات المادّيّة، وكذلك المصالح المعنويّة، بل إنّ المصالح المعنويّة أكثر أهمّيّة ولها الأولويّة على المصالح المادّيّة، وعليه «يجب أن تطبّق الحكومة قانونًا غايته تأمين المصالح المعنويّة والروحانيّة والأخلاقيّة والإنسانيّة، وهذه هي الأمور التي يعتبرها الدين هدفًا نهائيًّا للإنسان[82]».

وبعبارة أُخرى: «إنّ هدف الحكومة الإسلاميّة قطعًا هو تحقيق القيم الإسلاميّة والإلهيّة، وفي ظلّها تتحقّق المصالح المادّيّة وليس العكس[83]».

ـ الدين والسياسة:
تُعدّ علاقة الدين بالسياسة من أهمّ المسائل المطروحة في الساحة الإسلاميّة من قِبل مختلف التيّارات، ولأجل الولوج في الموضوع يرى الشيخ المصباح ضرورة الشروع بتعريف السياسة، ومن ثمّ نرى هل إنّ الإسلام والقرآن تحدّث عن السياسة أم لا؟!
فالسياسة عند الشيخ المصباح «تعني أسلوب إدارة المجتمع، أو تنظيم شؤون المجتمع بالنحو الذي يحقّق مصالحه وتطلّعاته... وطبعًا نحن لا نقصد بالسياسة ذلك المفهوم الذي ينطوي على طابع سلبيّ، ويقترن بالتحايل والخداع والكذب والإيقاع بالمقابل[84]».
ثمّ يستشهد الشيخ المصباح بتقسيم مونتسكيو للسلطات الثلاث في الدولة: التشريعيّة والقضائيّة والتنفيذيّة، ويقول إنّه لا بدّ من معرفة رأي القرآن بخصوص هذه السلطات، وهل للإسلام قوانين وأحكام معيّنة في هذا المجال، ويضيف قائلًا إنّنا «عندما نتصفّح القرآن نجد فيه كلّ أنواع القوانين اللازمة لإدراة المجتمع وحتّى لتنظيم العلاقات الدوليّة، هذا فضلًا عن أنّ القرآن توجد بين دفّتيه أيضًا القوانين المدنيّة، وأحكام الزواج والطلاق، وقوانين للتجارة والمعاملات، والرهن والدين وما شابه ذلك، وهي ما ينمّ وجودها عن اهتمام الإسلام بالقضايا الحكوميّة[85]».

فالوهم القائل ببعد الدين عن القضايا الاجتماعيّة والدنيويّة، والاقتصار على شؤون الآخرة فقط، وهم باطل ومرفوض، ولا ينسجم مع الإسلام[86].

ثمّ هناك من يحاول المناقشة حول هذا الموضوع، ويريد إثبات فصل الدين عن السياسة من خارج دائرة الدين، فالواقع الخارجيّ يدلّ على سعة حوائج الإنسان من جهة، وعدم تلبية الدين لجميع هذه الحوائج الجزئيّة، وإنّ شأن السياسة متروك للعلم، وما تمليه المكتشفات الجديدة، والدين يقتصر على الآخرة، وهذه حدوده ونطاقه[87].
وفي مقام الإجابة يذهب الشيخ المصباح إلى عدم إمكان فصل الدنيا عن الآخرة، ليكون لكلّ واحد منهما حكم مستقلّ، بل من وجهة نظر دينيّة، فإنّ الدنيا والآخرة مترابطان، وما يفعله الإنسان في الدنيا يؤثّر في الآخرة، «بل لا يوجد شيء في الدنيا منقطع عن الآخرة، وإنّما كلّ أفعالنا في الدنيا يمكن أن تتّخذ شكلًا أخرويًّا، أي تؤدّى على نحو ينفعنا في الآخرة، أو تؤدّى على نحو يضرّنا في الآخرة[88]».
نعم، يذعن الشيخ المصباح أنّ الدين لم يبيّن لنا كلّ شيء جزئي، حتّى كيفيّة تناول الطعام ونوعيّة الملابس وما شاكل، وقد ترك الدين مهمّة بيان كثير من قبيل هذه الأعمال للعلوم غير الدينيّة، «ولكنّه قد أدخل تلك المسائل في الإطار الدينيّ، وذلك عندما تتّخذ الصبغة القيميّة... فالدين لا يخبرنا عن الطعام الذي نأكله، ولا يبيّن لنا كيفيّة إعداده، ولا كيفيّة بناء الدار، ولكن يأمرنا أن لا نبني دارًا في أرض مغصوبة... ويأمرنا أيضًا ببناء دار بمال حلال وليس بمال ربويّ، والحقيقة أنّ الدين يبيّن لنا الأبعاد القيميّة في بناء الدار[89]».

والخلاصة: «تحتلّ الشؤون السياسيّة والاجتماعيّة موقعًا بارزًا في المسائل الدينيّة، وخاصّة في الدين الإسلاميّ، ولا يمكن اعتبارها خارجة عن دائرة الدين، أو الاعتقاد بعدم تأثيرها في سعادة الإنسان وشقائه[90]».

ـ التّشريع وسنّ القوانين:
لا شكّ في أنّ المجتمع بحاجة إلى القانون، ولكن من وجهة نظر إسلاميّة -كما يبيّنها الشيخ المصباح- فإنّ القانون لا بدّ أن يستند إلى الله تعالى، «والمراد من كون القانون إلهيًّا هو إمّا أن يكون الله هو الذي شرّعه وأنزله في القرآن، وإمّا أنّه فوّض إلى الرسول وإلى الإمام المعصوم مهمّة تشريعه، وإمّا أن يقوم أشخاص مخوّلون من الرسول ومن الإمام المعصوم بوضع قرارات مختلفة تبعًا لتغيّر الظروف[91]».

قد يقال ويُسأل: كيف يمكن لمنظومة قوانين تلبية جميع احتياجات الناس في كلّ شؤون الحياة؟ ويجيب الشيخ المصباح (رحمه الله) بأنّنا من غير الممكن أن نقدّم لكل حالة قانونًا خاصًّا يلحظ جميع الظروف الزمكانيّة، ولكن الحلّ يكمن في جعل عناوين كلّيّة عامّة تندرج تحتها متغيّرات الزمان والمكان والمصاديق المختلفة، وبخصوص ما نحن فيه «صحيح أنّ شؤون الإنسان كثيرة وتزداد يومًا وتستجد فيها قضايا كثيرة يومًا، تبعًا للتطوّر التقنيّ واتّساع ميادين الحياة الاجتماعيّة. وكلّ هذه الشؤون والمستجدّات تحتاج إلى قوانين معيّنة تلبّي الاحتياجات، إلّا أنّ كلّ تلك القوانين المتغيّرة تخضع لمعايير ثابتة وواضحة، ويمكن لمن يعرف تلك المعايير ببيانها الثابت، أن يضعوا قوانين خاصّة في موارد معيّنة بإذن من شرّع الأحكام العامّة وبيّن معاييرها الكلّيّة[92]».
والدليل على أنّ المشرّع هو الله تعالى، إنّ الإنسان ذو أبعاد مختلفة ومتداخلة ومترابطة، فالإنسان ذو روح إلهيّة واحدة مع أبعاد مختلفة ومترابطة بعضها، ولو حصل نقص في بعد أثّر في سائر الأبعاد، فالله تعالى خلق الإنسان، وأودع في فطرته تنظيم حياته الاجتماعيّة، فغاية الله من خلق الإنسان وصوله إلى الكمال في ظلّ الحياة الاجتماعيّة، وأن تكون كلّ أبعاده مسخّرة لبعده الروحيّ والمعنويّ، ليصل في غاية المطاف إلى الكمال في ظلّ العبوديّة، وحتّى لو فرضنا حصول النظم الاجتماعيّ من غير تطبيق الأحكام الإلهيّة، فإنّه حينئذٍ يبقى الهدف النهائيّ من الحياة بعيدًا عن التحقّق، ولأجل هذا، أي مراعاة جميع أبعاد حياة الإنسان والترابط الموجود بينها؛ فإنّ الله تعالى هو الذي يجب أن يشرّع القانون[93].

ـ ولاية الفقيه:
يتطرّق الشيخ مصباح (رحمه الله) في مباحثه السياسيّة عن شكل الحكومة الإسلاميّة، وهل الإسلام له رأي في شكل الحكومة الإسلاميّة أم لا؟ فقد ذهب كثيرون إلى أنّ الإسلام لم يعيّن نمطًا وشكلًا محدّدًا للحكومة، ويرى الشيخ المصباح أنّ هذا الكلام وإن كان صحيحًا في الجملة، إلّا أنّه لا يخلو من غموض، ولرفع الغموض يذكر ملاحظتين:

1. إنّ أحكام الإسلام لا تختصّ بزمان ومكان معيّن، وقد شرّعت في الإسلام أحكام ثابتة لا تقبل التغيير بحيث يجعلها قابلة للانطباق في جميع العصور، ومن هذا المنطلق فإنّ الإسلام رسم أُطرًا عامّة تتّسع في داخلها لتغييرات ومستجدّات وأشكال متعدّدة ومتنوّعة بما لا تخالف الثوابت، وعليه فإنّ الإسلام لم يرسم «للحكومة شكلًا معيّنًا وضيّقًا لا يتسنّى تطبيقه إلّا في ظروف زمانيّة ومكانيّة محدّدة فقط. ويتّصف الإطار العامّ الذي وضعه الإسلام بقاعدة عريضة وخطوط واسعة، بحيث يتّسع لكلّ الأشكال الصحيحة والمعقولة للحكومة. ومن الطبيعيّ أنّ أنماط الحكومة يجب أن لا تخرج عن هذا الإطار والأصول العامّة، ونحن نطلق على هذا الإطار العامّ الذي عيّنه الإسلام للحكم اسم الحكومة الإسلاميّة، وهذا الإطار قد يظهر في زمن معيّن بصيغة ونمط محدّد، وقد يظهر في زمن آخر بشكل ونمط آخر[94]».

2. يرى الشيخ المصباح أنّ منظومة القيم في الإسلام مشكّكة ولها مراتب، فإذا لم تتحقّق المرتبة العليا نضطرّ إلى اللجوء للمرتبة النازلة وهكذا، وعليه فإنّ «الإسلام جعل في الاعتبار شكلًا مثاليًّا للحكومة، يتحقّق عندما يكون رأس السلطة النبيّ أو المعصوم... ولكن المعصوم ليس موجودًا بين الناس على الدوام... ومنذ زمن الإمام الحسين فلاحقًا لم تتوفّر الظروف اللازمة للأئمّة المعصومين لإقامة حكومة إسلاميّة... [فحينئذٍ] يمكن للناس في حالات محدودة جهد الإمكان فيما يتعلّق بالشؤون الحكوميّة، أن يرجعوا إلى من هو أشبه بالمعصوم وأقرب إليه[95]».

وهذه هي نظريّة (ولاية الفقيه)، ولكن كانت تستعمل على نحو مقيّد، إلى أن طرح الإمام الخميني نظريّة ولاية الفقيه المطلقة، بمعنى أن «تكون له جميع صلاحيّات الحاكم الشرعيّ، ولا تنحصر صلاحيّاته في الشؤون الحسبيّة والضروريّة، ويمكنه إعمال ولايته في إطار الموازين الشرعيّة والأسس الإسلاميّة، متى ما اقتضت مصالح المجتمع الإسلاميّ ذلك[96]».

وبعبارة أخرى أنّ «ولاية الفقيه المطلقة تعني من وجهة النظر الإسلاميّة، أنّ الشخص الذي تتوفّر فيه شروط الحكم، ويكون أكثر شبهًا بالمعصوم في علمه وإدارته لشؤون المجتمع، واستطاع إقامة حكومة إسلاميّة، تفوّض إليه جميع صلاحيّات الإمام المعصوم في سبيل إدارة شؤون المجتمع، فعندما تكون للولي الفقيه هذه الصلاحيّات الواسعة، تكتسب جميع القوانين والقرارات واللوائح في الحكومة الإسلاميّة المنضوية تحت قيادته، مشروعيّتها بإمضائه وإذنه فقط[97]».

ـ الحقوق المتبادلة بين الشعب والحكومة:
هناك حقوق متبادلة بين الشعب والحكومة في الإسلام، ولتعيينها يمكن سلوك طريقين: طريق النقل وطريق العقل، أمّا النقل فيدلّ عليه أمثال خطب وكتب أمير المؤمنين(عليه السلام) في نهج البلاغة من قبيل قوله(عليه السلام): «أيّها الناس إنّ لي عليكم حقًّا ولكم عليّ حقّ، فأمّا حقّكم عليّ فالنصيحة لكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كي لا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا، وأمّا حقّي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين أمركم[98]».

أمّا طريق العقل، فلأجل الاستفادة منه لا بدّ أوّلًا من معرفة الهدف من إقامة الحكومة وما هي الغايات التي تسعى لتحقيقها، فإذا اتّضحت الغاية اتّضحت واجبات الحكومة[99].
فالهدف من تأسيس الحكومة إنّما هو بسط الأمن والنظم والعدالة وحلّ المنازعات على أساس القوانين العادلة، وهذه الأهداف والواجبات، تعود فائدتها على أبناء الشعب، ويكون لهم حقّ المطالبة بمثل هذه الموارد[100].

الفوارق بين الدولة الإسلاميّة والدولة العلمانيّة:
هناك فوارق عدّة بين الحكومة الإسلاميّة والحكومة العلمانيّة، وقد أشار إليها الشيخ المصباح في طيّات كلامه، ونشير فيما يلي إلى أهمّها:

1. تشريع القوانين: إنّ المجتمعات العلمانيّة تشرّع القوانين من أجل تأمين الحاجات المادّيّة للمواطنين، لأنّ الأساس في تلك الأنظمة تأمين الاحتياجات المادّيّة والدنيويّة لأبناء الشعب. أمّا في النظام الإسلاميّ، فلا يشرّع القانون لتأمين احتياجات الناس المادّيّة فحسب، بل يجب أن تعطى الأولويّة لمصالحهم المعنويّة[101].
2. تنفيذ القوانين: إنّ الدولة الإسلاميّة عند تنفيذ القوانين، تلحظ أوّلًا الحكمة من وجود الإنسان، وإنّ سلوكه لا بدّ وأن يكون عن حرّيّة واختيار، وكذلك مراعاة القيم الإسلاميّة[102].
3. إقامة شعائر الإسلام: إنّ الفارق الجذريّ بين الدولة الإسلاميّة والدولة العلمانيّة، هو أنّ الدولة الإسلاميّة يجب أن تحمل أوّلًا وقبل كلّ شيء هاجس الشعائر الإلهيّة والأحكام والقوانين الاجتماعيّة للإسلام، والتصدّي لكلّ سلوك يوجب إضعاف الثقافة الإسلاميّة في الوسط الاجتماعيّ، والحيلولة دون ترويج شعائر الكفر.
4. الوسطيّة بين أصالة الفرد والمجتمع: وذلك أنّ الغرب انقسم إلى نظامين، نظام يعطي الأصالة للفرد وهو الليبراليّة، ونظام يعطي الأصالة للمجتمع وهو الاشتراكيّة، ولكن نظرة الإسلام هو «أن يكون تدخّل الدولة متناسبًا مع الظروف المتغيّرة التي تطرأ على المجتمع، وتبرز ضرورة تدخّل الدولة في تأمين بعض الاحتياجات[103]».

وبعبارة أخرى: «تذهب الرؤية الإسلاميّة إلى أنّ لكل حركاتنا وسكناتنا سواء على صعيد الحياة الفرديّة أم العائليّة أم الاجتماعيّة، وحتّى العلاقات الدوليّة، نظامًا وأحكامًا[104]».
فالإسلام لا هو أصالة الفرد فقط ليسمح للحرّيّات الفرديّة وعدم تدخّل الدولة فيها، ولا هو أصالة الجامعة فقط، ليصدّ الحرّيّات الفرديّة، وتكون الدولة هي الحاكمة النهائيّة بكلّ قسوة، بل للإسلام أحكام وقوانين تعمّ الفرد والمجتمع بما يتناسب مع خلقته ودنياه وآخرته.


لائحة المصادر والمراجع
اسئلة وردود، الشيخ مصباح اليزدي الطبعة الأولى عام 1425هـ، دار التعارف للمطبوعات.
اصول المعارف الإنسانيّة، الشيخ مصباح اليزدي الطبعة الثانية عام 1432هـ، دار التعارف للمطبوعات.
إنسان سازي در قران الشيخ المصباح اليزدي الطبعة الثامنة عام 1400ش مؤسّسة الإمام الخمينيّ.
إنسان شناسي در قران الشيخ المصباح اليزدي الطبعة السادسة 1398ش مؤسّسة الإمام الخمينيّ.
برسشها وباسخها الشيخ المصباح اليزدي الطبعة الخامسة مؤسّسة الإمام الخمينيّ.
بيش نيازهاي مديريت اسلامي الشيخ المصباح اليزدي الطبعة الخامسة مؤسّسة الغمام الخمينيّ.
تعدد القراءات، الشيخ المصباح اليزدي الطبعة الثانية عام 1426هـ، دار التعارف للمطبوعات.
جنك وجهاد در قران الشيخ المصباح اليزدي الطبعة الرابعة 1394ش مؤسسة الامام الخميني.
خدا شناسي الشيخ المصباح اليزدي الطبعة الخامسة عام 1399ش مؤسسة الإمام الخمينيّ.
دروس في العقيدة الإسلاميّة، الشيخ مصباح اليزدي الطبعة الخامسة عام 1427هـ، مؤسّسة الهدى.
رابطه دين وعلم الشيخ المصباح اليزدي الطبعة الثانية 1397ش مؤسسة الإمام الخمينيّ.
راه واهنما شناسي الشيخ المصباح اليزدي الكبعة الخامسة عام 1399ش مؤسّسة الإمام الخمينيّ.
المنهج الجديد في تعليم الفلسفة، الشيخ المصباح اليزدي الطبعة السابعة 1431هـ، مؤسّسة النشر الإسلاميّ.
النظريّة الحقوقيّة في الاسلام الشيخ مصباح اليزدي الطبعة الثانية عام 2010 دار الولاء.
النظريّة السياسيّة في الاسلام، الشيخ المصباح اليزدي الطبعة الثانية عام 1432هـ، دار الولاء.
نكاهي كذرا به حقوق بشر الشيخ المصباح اليزدي الطبعة الثانية 1392ش، مؤسّسة الإمام الخمينيّ.
هم انديشي معرفت شناسي ندوة علمية باشراف الشيخ المصباح اليزدي الطبعة الأولى عام 1395ش مؤسّسة الإمام الخمينيّ.

------------------------------------------
[1][*]- باحث في الفكر الإسلاميّ، ومدير عام المركز الإسلاميّ للدراسات الإستراتيجيّة.
[2]- خدا شناسى: 166.
[3]- م.ن: 169-171.
[4]- راه وراهنما شناسى: 103.
[5]- م.ن: 119.
[6]- رابطه علم ودين: 80-84.
[7]- م.ن: 100-105.
[8]- النظريّة السياسيّة في الإسلام 2: 221.
[9]- م.ن 2: 240.
[10]- م.ن 2: 220.
[11]- سورة النساء، الآية 76.
[12]- جنك وجهاد در قرآن: 119-120.
[13]- م.ن 2: 235.
[14]- برسش ها وباسخها: 250.
[15]- برسش ها وباسخها: 251- 254.
[16]- أصول المعارف الإنسانيّة: 57.
[17]- م.ن: 60.
[18]- النظريّة الحقوقيّة في الإسلام 2: 165.
[19]- أصول المعارف الإنسانيّة: 60.
[20]- م.ن: 64.
[21]- النظريّة الحقوقيّة في الإسلام 2: 168.
[22]- م.ن 2: 177.
[23]- النظريّة الحقوقيّة في الإسلام 2: 196-198.
[24]- رابطه علم ودين: 15.
[25]- م.ن: 25-26.
[26]- م.ن: 41.
[27]- رابطه علم ودين: 80.
[28]- م.ن: 108.
[29]- م.ن: 117-120.
[30]- م.ن: 139.
[31]- م.ن: 138.
[32]- م.ن: 157.
[33]- انسان شناسى در قرآن: 21.
[34]- نكاهى كذرا به حقوق بشر: 32-36.
[35]- انسان شناسى در قرآن: 31-33.
[36]- سورة البقرة، الآية 30.
[37]- انسان سازى در قرآن: 85.
[38]- سورة الإسراء، الآية 70.
[39]- سورة إبراهيم، الآية 34.
[40]- سورة التين، الآيتان 4-5.
[41]- سورة الحجرات، الآية 13.
[42]- أصول المعارف الإنسانيّة: 109.
[43]- م.ن: 110.
[44]- م.ن: 114.
[45]- انسان سازى در قرآن: 31.
[46]- انسان شناسى در قرآن: 101-103.
[47]- م.ن: 106.
[48]- م.ن: 108-116.
[49]- خدا شناسى: 52-53.
[50]- هم انديشى معرفت شناسى: 29.
[51]- المنهج الجديد في تعليم الفلسفة 1: 147-148.
[52]- م.ن 1: 151.
[53]- م.ن 1: 158.
[54]- م.ن 1: 161.
[55]- م.ن 1: 170.
[56]- م.ن 1: 171-172.
[57]- المنهج الجديد في تعليم الفلسفة 1: 175.
[58]- م.ن 1: 184.
[59]- م.ن 1: 198.
[60]- م.ن 1: 247.
[61]- م.ن 1: 251.
[62]- المنهج الجديد في تعليم الفلسفة 1: 257.
[63]- النظريّة الحقوقيّة في الإسلام 1: 18.
[64]- م.ن 1: 33.
[65]- م.ن 1: 19.
[66]- م.ن 1: 65.
[67]- م.ن 1: 86-88.
[68]- م.ن 1: 93-95.
[69]- النظريّة الحقوقيّة في الإسلام 1: 116-117.
[70]- م.ن 1: 118.
[71]- م.ن 1: 122.
[72]- نهج البلاغة، الخطبة 207.
[73]- النظريّة الحقوقية في الاسلام 1: 145-154.
[74]- م.ن 1: 175.
[75]- م.ن 1: 185.
[76]- م.ن 1: 185.
[77]- النظريّة الحقوقية في الاسلام 1: 241.
[78]- م.ن 1: 242.
[79]- نكاهى كذرا به حقوق بشر: 71-83.
[80]- نهج البلاغة، الخطبة 40.
[81]- النظريّة السياسيّة في الإسلام 2: 20.
[82]- النظريّة السياسيّة في الإسلام 2: 23.
[83]- م.ن 2: 29.
[84]- النظريّة السياسيّة في الإسلام 1: 52.
[85]- م.ن 1: 52-53.
[86]- م.ن 1: 57.
[87]- النظريّة السياسيّة في الإسلام 1: 62.
[88]- م.ن 1: 65.
[89]- م.ن 1: 67-68.
[90]- م.ن 1: 72.
[91]- م.ن 1: 133-134.
[92]- النظريّة السياسيّة في الإسلام 1: 147-149.
[93]- م.ن 1: 284-286.
[94]- النظريّة السياسيّة في الإسلام 2: 118.
[95]- م.ن 2: 119-120.
[96]- م.ن 2: 123.
[97]- م.ن 2: 124.
[98]- نهج البلاغة، الخطبة 33.
[99]- النظريّة الحقوقيّة في الإسلام 2: 242-246.
[100]- م.ن 2: 252.
[101]- النظريّة السياسيّة في الإسلام 2: 67.
[102]- م.ن 2: 90-92.
[103]- النظريّة السياسيّة في الإسلام 2: 77.
[104]- م.ن 1: 166.