البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

نظريّة الدولة في القرون الوسطى

الباحث :  إياد فرحان بدريّة
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  31
السنة :  صيف 2023م / 1445هـ
تاريخ إضافة البحث :  September / 30 / 2023
عدد زيارات البحث :  1179
تحميل  ( 1.111 MB )
الملخّص
حاول الكاتب في هذه الدراسة تقديم رؤية واضحة حول النظريّات المختلفة التي تتعلّق بنظريّات الحكم والدولة، مع التركيز على التحوّل والتبدّل في المشهد السياسيّ في القرن التاسع الميلاديّ، إذ ظهرت نظريّة جديدة في الدولة قائمة على شعار «دولة واحدة، وكنيسة واحدة»، فالدولة الإمبراطوريّة أصبحت هي صاحبة السيادة السياسيّة على العالم المسيحيّ كاملًا، والكنيسة هي صاحبة السيادة الروحيّة على هذا العالم.

ولا شكّ أن هذا التحوّل في ما يرتبط بدور الكنيسة في بناء الدولة ونظامها قد انعكس على مختلف تفاصيل الدولة ومؤسّساتها وعلاقاتها السياسيّة والتنظيم العقائديّ للجيش وعلاقات الراعي بالرعيّة كذلك.
ومن الجدير بالذكر أن هذه الثنائيّة في الرؤية السياسيّة في بناء الحكم والدولة، أي سلطة الإمبراطور والكنيسة، لم تكن في حالة وئام وانسجام دائمًا، فقد وقع الصراع بيبن السلطتين وحوَّل أوروبا إلى ساحة صراع بين البابا والإمبراطور خلال السنوات الممتدّة بين عامي (1050-1122م). ورغم حدّة الصراع، فقد استمرّ مبدأ التوازن بين القوّتين زمنًا، قبل أنْ تتمكّن البابويّة مِن أنْ تكسب لصالحها ذلك الصراع الطويل بين الكنيسة والدولة، وقد خاضت أوروبا في تلك الفترة مخاض حرب أهليّة دمويّة شرسة. 

كلمات مفتاحيّة: نظام الحكم ـ الكنيسة ـ البابا ـ الإمبراطورـ الدولة ـ السلطة ـ أوروبا ـ  العالم المسيحيّ.

المقدّمة 
لم تعرف أوروبا في عصورها الوسطى نظريّة حكم واحدة في الدولة، وإنَّما تنوّعت نظريّاتها بحسب المعطيات التي عاشت بها، ولم تسِر نظريّاتها السياسيّة في الدولة في خطٍّ واحد، وإنَّما تقلّبت حسب الظروف والمعطيات الاقتصاديّة والسياسيّة والعنصر السكّاني المتدفّق عليها، والأخطار المحدقة بها، فنظريّة الدولة المركزيّة في الحكم؛ وهي موروث مشترك مِن الإمبراطوريّة الرومانيّة القديمة، ومِن القبائل البربريّة الجرمانيّة، سرعان ما فشلت أمام التبدّلات الاقتصاديّة العميقة التي أصابت أوروبا في مطلع عصورها الوسطى؛ من حيث سيادة النظام الإقطاعي، وما تبعه مِن توزيع أراضي المملكة على شكل مقاطعات، ووضع كلّ مقاطعة تحت سلطة بارون سيزحف فيما بعد على كامل صلاحيات الملك ولن يدع منها شيئًا سوى السيادة الاسميّة.

لكنْ منذ مطلع القرن التاسع الميلادي وتتويج شارلمان إمبراطورًا على الغرب الأوروبي في سنة 800م مِن البابا في كنيسة القدّيس بطرس في روما، تبدّل المشهد السياسي تبدّلًا عميقًا في أوروبا؛ إذ ظهرت نظريّة جديدة في الدولة قائمة على شعار «دولة واحدة، وكنيسة واحدة»، فالدولة الإمبراطوريّة هي صاحبة السيادة السياسيّة على العالم المسيحي كاملًا، والكنيسة هي صاحبة السيادة الروحيّة على هذا العالم. لكنْ هذا الشعار الذي أثمر عن تحالف شارلمان مع البابا، تسبّب في معضلة أكبر في أوروبا؛ فمنذ أنْ سقطت الإمبراطوريّة الرومانيّة القديمة بيد البرابرة الجرمان سنة 476م، أصبحت الإمبراطوريّة البيزنطيّة هي صاحبة الحقّ الشرعي الوحيد في حكم العالم المسيحي مِن الناحية السياسيّة، فالبيزنطيّون لم يسمّوا أنفسهم بيزنطيّين، بل كانوا يسمّون أنفسهم الرومان، بينما كان البابا في روما، في كنيسة القدّيس بطرس تحديدًا، لا يمثّل السلطة الروحيّة العليا في العالم المسيحي بحكم اختلاف المذاهب المسيحيّة. وبالتالي، دفعت تطوّرات الأحداث أباطرة بيزنطة ليرفضوا سلطة البابا الروحيّة، ولا سيّما أنَّهم مِن قَبل قد أخضعوا سلطة الكنيسة الأرثوذكسيّة الشرقيّة لسلطانهم. ولكنَّ الظروف السيّئة التي كانت تمرّ بها بيزنطة، جعلتها تنكفئ على شرقي أوروبا، ليبدأ الغرب الأوروبي يعيش أحداث جديدة مختلفة، نتجت عن تناقض نظريّتين في سيادة الدولة، أوّلهما النظريّة الثيوقراطيّة التي دعمت حقّ البابا في سلطة زمنيّة إلى جانب سلطته الروحيّة، ونظريّة الدولة العلمانيّة التي طالب أنصارها بفصل السياسة عن الدين، والدولة عن الكنيسة، لا بل إخضاع الكنيسة للدولة بمنح الملك حقّ تعيين القساوسة في كنائسهم. ولمّا كانت الأمور في بادئ الأمر تسير لصالح الملوك وعلى هذا المنوال، تمرّد بعض البابوات ولم يكتفوا بسلطاتهم الدينيّة بل سعوا إلى سلطات سياسيّة فاقت سلطات الملوك والأباطرة، بعد أنْ أتى ملوك أوروبا إلى البابا يلتمسون الشرعيّة منه. لذلك ستتجلّى نظريّة الدولة في العصور الوسطى بمفهومها الديني الثيوقراطي، ما جعل المؤرّخين يطلقون على تلك العصور مسمّى عصور الإيمان، عصور اختلط فيها الدين بالسياسة والسياسة بالدين، وفشلت نظريّة «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله» (متّى: 22: 21)؛ لأنَّ البابوات سعوا لاستحواذ الأمرين معًا، وبالتالي لم يكن تاريخ المسيحيّة تاريخ هجران أو انفصال عن السياسي كما يروّج له، ألم تكن الحروب الصليبيّة -وهي أبرز ثمار هذا المفهوم المختلط للدولة- قد دعا لها ونظّمها البابوات؟ ألم يكن ملوك وأباطرة أوروبا يتوّجون على عروشهم مِن قبل البابوات بحكم أنَّهم مَنْ يجلس على الكرسي الرسولي، وبحكم أنَّهم مَنْ سيضفي الشرعيّة على سلطانهم، وبحكم أنَّ بمقدورهم إصدار قرارات الحرمان بحقِّهم إذا ما خرجوا عن قراراتهم «المقدّسة»؟. وستنعكس هذه العلاقة بين البابا والملك على مختلف تفاصيل الدولة ومؤسّساتها وعلاقاتها السياسيّة والتنظيم العقائدي للجيش وعلاقات الراعي بالرعيّة كذلك؛ وهكذا يتّضح مفهوم أو نظريّة الدولة في العصور الوسطى. والواقع أنَّ الموضوع يندرج في فلسفة السياسة والحكم خلال فترة وصفت بأنَّها زمن الحكم الثيوقراطي، أكثر ممّا هو بحث تاريخي يسرد تطوّرات الأحداث السياسيّة التي مرّت بها أوروبا خلال العصور الوسطى.

أوّلًا: مفهوم دولة الاستبداد الأبويّ في أوروبا العصور الوسطى  
في أعقاب سقوط روما أو حتّى قبل سقوطها بقرن أو قرنين، انتشرت عشرات الممالك البربريّة الجرمانيّة في الغرب الأوروبي، والتي أُسِّست على يد العناصر السكانيَّة الجرمانيّة التي تسرّبت إلى المجتمع الأوروبي على شكل هجرات أو غزوات، وهي ما يُعرف في تاريخ أوروبا في العصور الوسطى باسم الغزوات الجرمانيّة[2]. والكثير مِن الشعوب الجرمانيّة كانت ما تزال وثنيّة، فسعت البابويّة إلى تنصيرها، بينما كان بعضها الآخر يعتنق الديانة المسيحيّة على المذهب الآريوسي (الذي ينكر ألوهيّة المسيح ، ويرى فيه طبيعة بشريّة)[3]. أمّا من الناحية السياسيّة، فالدول التي نشأت في أوروبا في مطلع العصور الوسطى اعتمدت النظام الملكي، الذي لم يختلف في جوهره عن مبدأ القبيلة ونظامها الجماعي. والراجح أنَّه لم يكن ثمّة فارق سياسي ملحوظ بين قبيلة يتولّى أمرها ملك، وبين قبيلة ليس لها ملك؛ لأنَّ الملك كان ممثِّلًا للمجتمع الذي يحكمه لا سيّدًا عليه، كما أنَّ السلطة الملكيّة في مراحلها الأولى كانت غير محدّدة الاختصاصات، فظلّ الملك قاضيًا وقائدًا وحاكمًا ورئيسًا دينيًّا. ويمكن القول إنَّ الملك كان ربّ أسرة وسيّد دولة في آن[4].

وبالتالي، كان يقوم مفهوم الدولة أو النظام السياسي في مطلع العصور الوسطى على مبدأ الاستبداد الأبويّ، فالقبائل الجرمانيّة قد جلبت معها كثيرًا مِن مفاهيم التنظيم القبلي؛ بما فيها مبدأ تقديس رابطة الدم، والبعد عن الديمقراطيّة، ليس بسبب مبدأ احترام سلطة رئيس القبيلة احترامًا مطلقًا فحسب، بل لأنَّ الفرد ذا العصبيّة القبليّة الأقوى يسود دائمًا ويتغلّب على ضعاف العصبيّة. كما أنَّ السلطة جميعها تتركّز في يد رئيس القبيلة، فله حقّ التصرّف في قطعانها وثروتها وعنصرها السكّاني وفق ما يرتئيه مصلحة لها[5]. وإنْ كنّا نستطيع أنْ نلاحظ مع تقدّم الوقت في العصور الوسطى جنوحًا تدريجيًّا نحو تحديد السلطات الملكيّة واختصاصاتها، فضلًا عن محاولات متعاقبة لتقييدها، ولمّا كان المجال متّسعًا لتأثير الصفات الفرديّة، أسهمت المؤهّلات الفرديّة الملكيّة الشخصيّة في العصور الوسطى بنصيب أكبر منه في العصور اللاحقة[6].

ثانيًا: نظريّة الدولة في إطار النظام الملكي في أوروبا العصور الوسطى
كانت المملكة الفرنجيّة[7] أوّل دولة في الغرب الأوروبي سعت إلى تقديم تصوّر واضح عن مفهوم الدولة حتّى وقتها، فبعد سُقوط روما بخمس سنوات فقط (سنة 481م)، تولّى كلوفس المُلك في فرنسا. ومنذ ذلك الوقت، أخذت السلطات الملكيّة في النموّ والازدياد، وأصبح النظام الحاكم في الدولة هو «النظام الملكي»[8]. وبالمجمل، إنَّ أهمّ ما يميّز «النظام الملكي» في أوروبا العصور الوسطى خلال هذه الحقبة بالذات أنَّه كان نظامًا تعاقديًّا، والملك طرف في هذا العقد؛ لأنَّه كان يتعهّد، خلال المراسيم التي تنظّم عند المناداة به ملكًا وحمله للتاج، بأنْ يلتزم أمام الله وأمام الكنيسة وأمام الشعب. وما مِن شكّ في أنَّ هذا التعهّد هيّأ الطريق لتبلور نظام رقابة السلطة من قبل «الشعب» أو من قبل هيئات تمثّله على الملك، و«الشعب» المعني بالالتزام الملكي لم يكن المقصود به عامّة الناس، بل الطبقة الأرستقراطيّة هي وحدها التي كانت معنيّة بهذا الالتزام...، وكان الملك أنْ يتعهّد بمقتضى العقد الوارد ذكره بإقامة العدالة كوظيفة له، ويتعهّد بإقرار النظام وإشاعة الأمن في ربوع المملكة[9].
وما إنْ يتسلّم الملك السلطة حتّى كان يمثّل أعلى سُلطة سياسيّة وعسكريّة وقضائيّة في جهاز الدولة، إذ كان حرّ التصرّف بأملاك الدولة، ودخل الخزينة، ويمنح الأراضي والأموال لمَنْ يشاء من المقرّبين، وكان صاحب السلطة المطلقة في منح الأفراد والجماعات مِن الحماية الخاصّة، ما جعل لهم مكانة ممتازة[10]. لذلك أضحى الملك حائزًا كلّ المؤهّلات التي كانت للإمبراطور الروماني في العصور الوثنيّة، وتملّك أراضي شاسعة تصرّف فيها كيفما شاء، بالإضافة إلى ما جرت العادة بفرضه على الأقاليم الرومانيّة من ضريبة الرؤوس، ورسوم النقل، ومقرّرات التجارة، وأرباح العملة. وغدا الملك أيضًا الملاذ الرسمي، ولم يعد بينه وبين الملك الروماني القديم إلّا مسافة قصيرة[11].
كما انتقى الملك لنفسه نفرًا من كبار الملّاكين الأغنياء وعددًا مِن النبلاء، يكوّنون حاشيته وليدخلوا في خدمته، وكانوا يسمّون بـ«الخاصّة الملكيّة»، فكان يعيّن منهم مستشاريه ومعاونيه وحكّام الوحدات الإداريّة (الكونت)، وقادة الحملات العسكريّة (الدوق) والأساقفة وغيرهم[12].

وقد أضافت المسيحيّة للملوك منذ مطلع العصور الوسطى خاصيّة «الجلالة» التي انبثق عنها حقّ الملك، وحده دون غيره، في إصدار العفو على الجناة. كما أتاحت خاصيّة «الجلالة» للملك الحقّ في ألّا يقدح أحد في شخصه[13].
وقد امتزت الدولة الملكيّة عن الملكيّة ذات النظام الأبوي الاستبدادي، والتي سادت في مطلع العصور الوسطى بعاملين خطيرين هما:

أوّلًا: إنَّ ملوك هذه الدولة استولوا على أقاليم يدين أهلها بالمسيحيّة، ومصطبغون بالصبغة الرومانيّة، كما كان لهذه الأقاليم نُظم رومانيّة خاصّة بكلّ إقليم على حِدة، وهي أقاليم تقبّلت اعتناق المسيحيّة، وعلى رأسها أبناء البيت الملكي.
ثانيًا: لقد اكتسبت الملكيّة في العصور الوسطى وخلال هذه الحقبة تحديدًا؛ مرحلة دولة الفرنجة (481-752م)، طابعًا مقدّسًا جديدًا، إذ ارتبطت علاقة الملك بالرعيّة بما جرى مِن يمين الولاء واستدعاء الملك المجالس الكنسيّة للانعقاد. ثمّ إنَّ الملك اختصّ بالتصديق على انتخاب الأساقفة، وتولّى أحيانًا تعيينهم في أسقفيّاتهم بحجّة حقّ الإشراف عليهم. ومِن ذلك يتّضح أنَّ سلطات الملك الفرنجي خلال هذه الحقبة لم تكن ذات حدود معيّنة[14].
واتّخذ الملوك الفرنجة لأنفسهم عددًا من الموظّفين في القصر؛ لمساعدتهم على إدارة أمور الدولة، أهمّهم الخازن، ثم الكاتب في المرتبة الثانية، ورئيس خدم القصر، كونت القصر، كونت الإصطبلات، ويكون هؤلاء جميعًا ما يعرف بالقصر الملكي أو البلاط. ويرأس البلاط حاجب القصر: وهو وكيل أعمال الملك، ويشرف على تأمين جميع احتياجات القصر الملكي، وقد ارتفعت مكانة حاجب القصر حتّى صار القائد العام للجيش وعندما ضعفت السلطة الملكيّة (في عهد الملوك الكسالى)، غدا حاجب القصر الحاكم الفعلي في المملكة، كما غدت وظيفته وراثيّة[15] حدًّا وصل إلى أنَّ حجّاب القصر صاروا يتصرّفون في تولية الملوك وعزلهم كيفما أرادوا، حتّى تضاءلت سلطات الملوك وصارت في حكم المعدومة[16].
وقد أصبحت الملكيّة وظيفة وراثيّة مع شيوع مبدأ التقسيم؛ إذ كان الفرنجة (في عهد الأسرة الميروفنجيّة) أكثر تمسّكًا بغيرهم من جرمان غرب أوروبا بعادة تقسيم المملكة -كما لو كانت مزرعة تخصّ الأسرة الحاكمة- بالتساوي بين أبناء الملك المتوفّى...[17]. أمّا في بلدان أوروبا الأخرى، فرغم سيادة مبدأ الوراثة، مع عدم الالتزام بانتقال الحكم من الأب إلى الابن، حدث أحيانًا أنْ انتقل الملك إلى الأخ أو العمّ... [18].
أمّا مِن الناحية الإداريّة، فقد قسِّمت مملكة الفرنجة (في عهد الأسرة الميروفنجيّة) إلى وحدات إداريّة تضمّ كلّ منها عدّة مدن، وتتبع كلّ مدينة عدّة قرى، ويعيِّن الملك على رأس كلّ وحدة إداريّة حاكمًا يلقّب بـ«الكونت»، مهمّته الإشراف على تحصيل الضرائب، وتجميع الأحرار للإلتحاق بالجيش، وتنفيذ قرارات المحاكم. وفي المدن تشكّلت مجالس تسمّى مالوس Mallus؛ بمعنى المجالس الشعبيّة، التي كانت تضمّ جميع أحرار المدينة. ويرأس كلّ مجلس شخص ينتخب انتخابًا يسمّى توغين...[19].
وكان الفرنجة (في البدء) يتحاكمون فيما بينهم بموجب التقاليد والأعراف السائدة لديهم، ولكنْ عندما نشأت الدولة الفرنجيّة، أمر ملكها كلوفس بتسجيل التقاليد والأعراف الفرنجيّة وإدخال بعض التعديلات والإضافات والمراسيم الملكيّة عليها، فصدرت مجموعة مِن القوانين عرفت باسم «الحقيقة الساليّة». وتنصّ مواد هذا القانون على فرض عقوبات ماديّة كبيرة على كلّ مَنْ يسرق العبيد أو القطيع أو المحاصيل أو يحرق مستودعات الحبوب، و«الحقيقة الساليّة» تؤكّد عدم المساوة الاجتماعيّة؛ لأنَّها تنصّ في بعض موادها على: «أنَّ مَنْ يقتل شخصًا حرًّا عاديًّا يعاقب بدفع غرامة ماليّة كبيرة، قدرها 200 سوليدوس (عملة ذهبيّة رومانيّة)، أمّا الذي يقتل جنديًّا مِن جنود الملك أو موظّفًا مِن موظّفيه، فإنَّه يعاقب بدفع غرامة ماليّة قدرها 600 سوليدوس»[20].
لقد عانى هذا النظام السياسي الحاكم في المملكة الفرنجيّة مِن جميع أمراض الأنظمة التي دبّ الضعف والفساد فيها[21]، وقد تحالف ملوك الفرنجة مع الكنيسة الكاثوليكيّة، فدعمتهم الكنيسة بسلطانها، وحاولت بتعاليمها الدينيّة إقناع الجماهير الشعبيّة الكادحة بوجوب تحمّل الفقر والصبر على التفاوت الاجتماعي والفساد الذي نخر جسد الدولة. كما نالت الكنيسة حماية ورعاية ملوك الفرنجة، فأغدقوا عليها الأطيان والأموال الوافرة[22]. وقد ظلّت الأمور على ذلك الحال حتّى سنة 752م حين جرى عزل شيلدريك Childreic آخر ملوك الفرنجة (مِن أسرة الميروفنجيين)، وانتقال لقب الملك إلى حاجب القصر، الذي كان مِن الأسرة الكارولنجيّة، وصار الحاجب بيبان Pepin القصير (715-768م) ابن الحاجب شارل مارتل Charles Martel؛ هو صاحب السلطة الملكيّة الفعليّة. ومع هذا لم يتمّ ذلك الإجراء إلّا بعد مشورة البابا زكريّا Zacharias (741-752م) بابا روما[23].
ثالثًا: نظريّة الدولة في ضوء التحالف ما بين الكنيسة والملكيّة في أوروبا العصور الوسطى منذ أن قبلت الكنيسة الكاثوليكيّة التحالف مع ملوك الفرنجة، بدأت الكنيسة تلج عالم السياسة وتبحث لنفسها عن السلطة الزمنيّة. إنَّ ذلك التحوّل الذي أصاب هويّة الكنيسة ودورها وبحثها عن السلطة الزمنيّة، تسبّب في سلسلة من التناقضات بين البابويّة في روما والإمبراطوريّة البيزنطيّة، التي لم ترض بحياد السلطة الروحيّة عن نظيرتها السياسيّة، وعدّت بابا روما بمثابة بطريرك خاضع لسلطة الإمبراطور البيزنطي. بينما أمست السُلطة الزمنيّة في نظر البابا سُلطة تاريخيّة لا غنى عنها لمنصبه. وبالتالي، كان لا بدّ من اتّخاذ خطوات فعّالة لدعم استقلاليّة البابويّة عن أباطرة الشرق البيزنطيين، واتّقاء آثار التوسّع اللومباردي الساعي إلى توحيد إيطاليا كاملة، إيطاليا التي كانت في نظر الكنيسة الحاضن لما يُعرف بـ«ميراث القدّيس بطرس»، لذلك وجدت البابويّة ألّا مناص لها مِن تحالف سياسي في الغرب المسيحي مع بيان ملك الفرنجة[24].
قام البابا ستيفن الثاني بزيارة مثمرة للبلاط الفرنجي، ليستحثّ الملك بيبان على تأكيد دور البابويّة الديني في الغرب الأوروبي، ويحميه مِن الخطر الداهم المتمثّل بالتوسّع اللومباردي[25]، فقام بيبان القصير بهزيمة اللومبارديين أعداء البابويّة في سنة 756م، كما قدّم أيضًا هديةً للبابا؛ وكانت عبارة عن منطقة زراعيّة تقع في وسط إيطاليا، لكي تصبح معروفة لحوالي ألف سنة باسم «الممتلكات البابويّة». هذه الهديّة وسّعت سلطات البابويّة الزمنيّة، التي مارسها خلفاء ستيفن فترة طويلة في روما... ومهما يكن مِنْ أمر، كانت هذه الخطوة سببًا لنشأة دولة أو سُلطة زمنيّة لهيئة روحيّة لأوّل مرّة في أوروبا[26]. وقد تمثّلت سياسة «دولة بابويّة» وأهدافها منذ نشأتها، بأنَّها تنبع مِن الرغبة في دفع المخاطر التي قد تتهدّد أركان ووظائف الهياكل الكنسيّة والدينيّة. واعتمدت «دولة بابويّة» على مركز ثقل ديني يتمثّل في الهيئة السلطويّة للكرسي الرسولي، تدعمه بيروقراطيّة لها مكاتب وأعوان أخذت في التوسّع والتخصّص، مدعومةً بالقانون الكنسي: فالقانون الكنسي والكرسي الرسولي؛ الأوّل ذو طابع نظري، والثاني ذو مهام عمليّة، هما الأداتان اللتان تُمارَس بوساطتهما البابويّة صلاحيّاتها في تسيير شؤون أتباعها وفي الحكم[27].

لوحة جصيّة من القرن 13م تصوّر الإمبراطور قسطنطين الكبير وأسقف روما سيلفستر والهبة المزعومة.
رابعًا: مفهوم دولة الاستبداد الإقطاعي في أوروبا العصور الوسطى  
عندما سقطت روما في أيدي القبائل الجرمانيّة الشماليّة، ودخلها القائد الجرماني منتصرًا، اتّسعت الإمبراطوريّة بإضافة الأقاليم الشماليّة والشماليّة الشرقيّة[28]. وقد بات مِن شبه المؤكّد أمام الناس في أوروبا نحو سنة 500م أنَّ المستقبل سيكون مع إمبراطوريّة القوط في روما في حكم أوروبا كاملة، فقد أراد إمبراطورهم ثيودوريك، الذي تربّع على عرش روما، إحياء الدولة والنظام السياسي المركزي الروماني القديم تحت صولجانه[29]. لكنَّ هذه الرغبة وتلك الأمنيات، بقيت أحلامًا غير قابلة للتطبيق، إذ حدثت تطوّرات عميقة في أسلوب إدارة الدولة؛ فالإمبراطور الجديد بدلًا من السير على خطا نظام الحكم الروماني السابق؛ أي الاستمرار على أسلوب المركزيّة الشديدة، سلك مسلكًا مغايرًا يقوم على مبدأ اللامركزيّة الواسعة، بعد أنْ وجد أنَّ رغبته غير قابلة للتطبيق، فقسَّم الإمبراطوريّة إلى أجزاء وأقاليم كبيرة جدًّا؛ أقطعها لكبار القادة وبعض رجال الدين وترك لهم صلاحيات واسعة لإدارة هذه الأقاليم، بما في ذلك الاحتفاظ بقوّاتهم العسكريّة، وكأنَّهُ أقطعهم هذه الأقاليم بحيث يكون الولاء للإمبراطور باعتباره المالك لجميع أراضي الإمبراطوريّة، لكنَّ الأمر انتهى باستقلال هذه الأقاليم عن الإمبراطوريّة مِن الناحية الفعليّة، وأصبحوا ملوكًا في إقطاعاتهم[30].

وأمام تعرّض أوروبا للخطر من ثلاث جهات؛ المسلمون مِن الجنوب، والمجر مِن الشرق، والشماليّون مِن جهة الشمال، حاول شارل مارتل (688-741م) الذي وقع على عاتقه مواجهة هذه الأخطار؛ أنْ يتوسّع في نظام الخيّالة؛ ليجعل جيشه قوّة فعّالة في ميدان الحرب، فلجأ شارل مارتل إلى حلّ يتّفق وتقاليد ذلك العصر، فسجّل أسماء المحاربين وجعلهم يقسمون له يمين الولاء، ثمّ أعطى كلًا منهم إقطاعًا يكفي لسدّ مطالب معيشته، على أنْ يبقى هذا الإقطاع بيده ما دام يقوم بالخدمة العسكريّة، وهكذا ظهرت الأسس الإقطاعيّة العسكريّة لجيشه[31].
لقد أخذ الناس الذين شعروا في أوروبا بالخطر يبنون بيوتهم قرب قصر البارون المنيع أو الدير الحصين، ولم يتردّدوا في تقديم ولائهم وخدماتهم إلى سيّد يبسط عليهم حمايته القانونيّة، أو دوق يستطيع قيادتهم والحفاظ على أرواحهم[32]. وفضلًا عن الواجبات والخدمات التي التزم بها الفلّاحون تجاه السيّد الإقطاعي، ترتّب عليهم أيضًا واجبات سياسيّة كانت بمثابة الحقّ المكتسب للسيّد الإقطاعي[33]؛ ذلك أنَّه نتيجة تدهور سلطة الدولة المركزيّة، أصبح كلّ صاحب إقطاعيّة يعمل على تقوية نفسه أمام أصحاب الإقطاعيّات الأخرى، ولاحقًا أمام سلطة الإمبراطور. وقد ارتكبت أكثر الإقطاعيّات الخطأ نفسه الذي ارتكبه الإمبراطور، فقسّمت إقطاعاتها إلى أقاليم فرعيّة عيّنت عليها أمراء... وأصبح المشهد العام لما كان يدعى الإمبراطوريّة الرومانيّة القديمة منقسمّا إلى قسمين: القسم الشرقي، وهو المسمّى بالإمبراطوريّة البيزنطيّة، وقد بقي متماسكًا كوحدة سياسيّة واحدة؛ والقسم الغربي تمزّق إلى عدد كبير جدًّا من الكيانات شبة المستقلّة عسكريًّا وسياسيًّا. وقد كان المزاج الثقافي الديني العام يدفع إلى التقوقع والانكفاء على الذات في ظلّ نظام اقتصادي إقطاعي مقيت[34].

وكلّما كان الملك يتعرّض لأخطار أكبر، كان يختار بعضًا مِن ذوي النفوذ والبأس لينعم عليهم بحقوق وامتيازات في منطقة معيّنة مقابل شروط خاصّة، وهكذا كانت عمليّة سيادة النظام الإقطاعي تعني تنازل الدولة عن جزء كبير مِن سلطتها المركزيّة، وعن كمٍّ هائل مِن حقوقها السياديّة وواجباتها الماليّة والأمنيّة بسبب ضعفها وعجزها عن مواجهة الأخطار الخارجيّة المحدقة بها[35]، حدًّا وصل إلى أنَّ الملك في ذروة سيادة النظام الإقطاعي فقد ما له مِن قوّة للتدخّل في الإقطاعيّات الواقعة في مملكته، أو لنقل تحت سيادته مِن الناحية النظريّة؛ ففي الجرائم الكبرى كان على الأمراء الإقطاعيّين تسليم المتّهمين للملك، أمّا فيما عدا ذلك، فإنَّ محاكم خاصّة نشأت في كلّ مقاطعة إقطاعيّة، وكانت تتبع لها أقسام شرطة. كما امتلك الأمراء الإقطاعيّون دورًا في ضرب النقود، إذ كانت تسكّ العملة باسمهم. وقد تجلّى مظهر تنازل الدولة عن حقوقها السياديّة، في عجز الملك عن إيقاف الحروب التي كانت تنشب بين هؤلاء الأمراء الإقطاعيّين، أو التدخّل في المعاهدات التي عقدوها فيما بينهم مِن تلقاء أنفسهم، وازداد عجز الملك حتّى إنَّه لم يعد بوسعه أنْ يُحصّل ضرائب الدولة من الإقطاعيّات الواقعة ضمن حدود مملكته[36].

لقد كان الإقطاع يقف حائلًا دون ظهور عامل الانتماء إلى الوطن أو الأمّة، فلم يكن أفراد ذلك النظام يدينون بالولاء لشيء إلّا للسيّد الإقطاعي، والذي بدوره كان يتبع للملك؛ أي إنَّ الناس كانوا يدينون بالولاء للرجل الذي يعيشون في كنفه وحماه؛ وهو السيّد الإقطاعي[37].
ومع بداية عصر النهضة، وبداية تدهور النظام الاقطاعي، بدأ الشعور القومي في النموّ مقترنًا مع تحرّر هؤلاء مِن ذلّ الإقطاع، ما أسهم في التمهيد لقيام دولة قوميّة موحّدة ذات نظام حكم واضح[38]. وهكذا استمرّت أوروبا حتّى القرن الحادي عشر الميلادي منطقة ريفيّة متقوقعة على ذاتها، لم تتشكّل على المستوى السياسي، كما أنَّها كانت مجرّد منطقة مُتَخلّفة بالقياس إلى كلّ مِن العالم البيزنطي، وعالم الحضارة العربيّة-الإسلاميّة[39].   

خامسًا: نظريّة الدولة في إطار النظام الإمبراطوري في أوروبا العصور الوسطى
منذ قاد بيبان القصير انقلابه داخل مملكة الفرنجة، ونقل السلطة مِن الأسرة الميروفنجيّة إلى الأسرة الكارولنجيّة، كان واضحًا أنَّ هناك تطوّرات مهمّة سوف تحدث في بنية النظام السياسي الحاكم في الدولة الفرنجيّة؛ ففي سنة 751م أعلن بيبان القصير نفسه ملكًا على الفرنجة في اجتماع خطّط له مِن قبل، عُقد في مدينة سواسون، وحضره أنصاره مِن كبار النبلاء ورجال الدين. ولكي يصبغ انقلابه بصبغة شرعيّة، بعث برسالة إلى بابا روما يطلب فيها منه الموافقة رسميًّا على تتويجه ملكًا على عرش مملكة الفرنجة، شارحًا له أنَّ مِن حقِّه ذلك ما دامت السلطة الفعليّة بيده، لأنَّه حاجب الملك وقائد جيشه، وبيده السلطة الفعليّة. ولمّا كانت البابويّة في حاجة ماسّة إلى مساعدة بيبان العسكريّة للتصدّي لأطماع اللومبارديين التوسعيّة في إيطاليا، ولمّا كان خيرًا لها أنْ تتحالف مع صاحب السلطة الفعليّة في مملكة الفرنجة، فإنَّها لم تجد حرجًا مِن دعم هذا الانقلاب، وبالتالي مِن الطبيعي أنْ يكون ردّ البابا إيجابيًّا. وفي سنة 752م عزل الملك شيلديريك الثالث آخر ملوك الأسرة الميروفنجيّة عن العرش، ونفي إلى أحد الأديرة ليقضي فيه بقيّة حياته، في حين تبوّأ بيبان القصير عرش مملكة الفرنجة، بدعم كامل مِن بابا روما[40].
لقد شرحت هذه الحركة التي قام بها البابا مطامع الكنيسة في سلطة زمنيّة تستظلّ بها، لكنَّ بحث الكنيسة عن ملاذ في السلطة، وتحت السلطة، غالبًا ما شكّل لها، وبوجهٍ عامٍ، ورطةً وتفريطًا في استقلاليّتها، ودفعها باتّجاه مغامرة دنيويّة، سرعان ما ستنزلق إليها؛ فحين واجه البابا ليون الثالث انتفاضة شعبيّة أجبرته على الفرار مِن إيطاليا[41] بعد أنْ قامت جماعة مِن نبلاء روما في سنة 799م بالاعتداء عليه، وكان شخصًا ضعيفًا، فقاموا بضربه وإيذائه، وحاولوا قلع عينيه بأصابعهم، كما أنَّهم جرحوا عينه بسكّين كنوع مِن التشفّي فيه، وإنْ كان قد استردّ بصره فيما بعد، فقد بقيت آثار الجروح ظاهرة في جفنيه، فلجأ هذا البابا إلى الملك شارلمان، الذي ذاع صيته بعد أنْ سيطر على معظم الغرب الأوروبي[42]، وأعدم في يوم واحد أربعة آلاف وخمسمائة أسير من الساكسون (سنة 783م)، مجسّدًا إرهاب الدولة، لا بل إنَّه لم يترك وسيلة من وسائل البطش والقمع والقسوة والإرهاب إلّا واستعملها ضدّهم[43]؛ فلمّا مثل البابا بين يديه؛ التمس منه أنْ يعيد الأمن إلى إيطاليا، فما كان مِن شارلمان إلّا أنْ خفَّ زحفًا بجيشه إلى إيطاليا في حينها، وقضى على أعداء البابويّة[44]، فكان له الفضل في إعادة البابا إلى عرشه. حينها لم يجد البابا ليون الثالث مِن سبيل إلى شكره سوى تتويجه إمبراطورًا للرومان في أثناء مشاركته في قدّاس أعياد الميلاد في كاتدرائيّة القدّيس بطرس في روما في الخامس والعشرين من شهر ديسمبر[45].

وهنا يتسائل المؤرّخون؛ هل يا ترى جنى شارلمان من حصوله على اللقب الإمبراطوري ما كان يتمنّى؟ أوّلًا على صعيد النظام السياسي الداخلي نعم؛ فقد ارتقت سلطته فعلًا داخل مملكته وقويت معنويًّا بتأثير اللقب الإمبراطوري، كما رأى شارلمان أنَّه ارتقى إلى مرتبة أعلى، ولذا فرض على رعيّته وعلى الذين أقسموا له يمين الولاء والإخلاص وهو ملك؛ أنْ يحلفوا له يمين الولاء وهو إمبراطور (سنة 802م)[46]. واعتبر شارلمان نفسه أبًا مسؤولًا عن رعيّته وبلاده، كما آمن أنَّ مِن واجبه أنْ يوفّر لأتباعه مِن أمور الحياة الدنيويّة والروحيّة، وكان هذا نمطًا جديدًا فيما يجب على الملك المسيحي أنْ يؤدّيه، وباعتباره إمبراطورًا فقد قام بتعيين أساقفته وقام بمؤازرتهم جنبًا إلى جنب مؤازرة صغار رجال الدين[47]. علما أنَّ اللقب الإمبراطوري شارلمان قد خوّله سلطة أعظم ممّا كانت عليه سلطته مِن قبل في روما ودولة البابويّة، فبعد أنْ كان حاميًا لها صار يُعدّ سيّدًا عليها، وأصبح سكّان هذه المدينة، بما فيهم البابا نفسه، رعايا الإمبراطور الفرنجي[48]. وشارلمان كان مسيحيًّا متعصّبًا في أمور الدين الرسمي للدولة، إذ فرض عقوبة الإعدام على مَنْ يمتنع عن الصيام أيّام الصوم الكبير، أو مَنْ يتناول اللحوم أيّام الجمع، أو مَنْ يرفض التعميد، كما قام برعاية جماعات الرهبان، ممّا كان سببًا في ازدهارها وتضخّم أعدادها[49].

ولم تكن المرأة بعيدة عن المشاركة في رسم سياسة الدولة في عهد شارلمان، حتّى أنَّ زوجاته كنَّ يعتبرن وزراء دولة، وكان لهنّ كلمتهنَّ عنده، ما لا يعادلها كلمة أحد مِن حاشيته مِن الرجال[50].
أمّا على صعيد السياسية الدوليّة، فإنَّ تتويج شارلمان إمبراطورًا في روما، كان يعني أنَّ أوروبا جديدة أخذت في التكوّن[51]. كما جرَّ المؤسّسة البابويّة إلى الانغماس في لعبة تقاسم النفوذ والأدوار، بات معها مِن الصعب الحديث عن سلطة روحيّة مستقلّة[52]. وبتتويج شارلمان إمبراطورًا على الرومان، صار في العالم المسيحي إمبراطوريّتان:

1. الإمبراطوريّة الفرنجيّة في الغرب، وعاصمتها مدينة إكس لا شابل Ai -La- Chappelle[53] .
2. الإمبراطوريّة البيزنطيّة، وعاصمتها مدينة القسطنطينيّة الواقعة على البوسفور.
وهاتان الإمبراطوريّتان لا رباط بينهما سوى أنَّهما مسيحيّتان، أمّا مِن حيث الثقافة واللغة والعادات والتقاليد والتركيبة البشريّة، فهما مختلفتان كلّ الاختلاف. وكان شارلمان أوّل إمبراطور مسيحي لا يجري في عروقه الدم الروماني أو اليوناني، فهو بربريّ الأصل فرنجي المنبت، لذلك فتنصيبه إمبراطورًا كان يعتبر تجديدًا خطيرًا وخرقًا للمفهوم السائد في العالم المسيحي آنذاك. رغم أنَّ شارلمان كان يجمع كلّ الشروط الأخرى التي تخوّله أنْ يكون إمبراطورًا. عمومًا، لقد تمّ تتويجه حسب الشكليّات المتعارف عليها: كالمناداة به إمبراطورًا مِن قبل الشعب، وإجراء مراسيم تسليمه التاج الإمبراطوري[54].

لقد كان العرف السائد قبل تتويج شارلمان إمبراطورًا هو أنْ تكون هناك «إمبراطوريّة واحدة، وكنيسة واحدة» في العالم المسيحي. ولذا، فإنَّ نشوء الإمبراطوريّة الفرنجيّة في الغرب إلى جانب الإمبراطوريّة البيزنطيّة في الشرق، يُعدّ خرقًا للتقاليد السائدة آنذاك في العالم اليوناني – الروماني – الأوروبي؛ إذ كانت بيزنطة تعدّ نفسها الإمبراطوريّة الوحيدة التي ورثت الإمبراطوريّة الرومانيّة القديمة، بل إنَّها استمرار لها، فالبيزنطيّون لم يسمّوا أنفسهم بيزنطيين، بل كانوا يسمّون أنفسهم الرومان، وعرفهم العرب باسم الروم. وعلى هذا يُعدّ قيام الإمبراطوريّة الفرنجيّة اغتصابًا لحقوق بيزنطة وضربة لنفوذها في الغرب الأوروبي تحرمها مِن كلّ سلطة تدعمها البابويّة والعالم الروماني الغربي. وتتويج شارلمان على يد بابا روما «خليفة المسيح في الأرض»؛ لم يجعل منه إمبراطورًا فحسب، بل الإمبراطور الأساسي صاحب الكفّة الراجحة في العالم الروماني؛ لأنَّه الإمبراطور الذي توّجته كنيسة روما البابويّة، التي تدّعي لنفسها الزعامة على جميع كنائس العالم، بما في ذلك الكنيسة البيزنطيّة[55]. ولعلّ عرش القسطنطينيّة الذي كانت تحتلّه الإمبراطورة إيرين Irene (797–802م)، بعدما خلعت ابنها قسطنطين السادس وقبضت وحدها على مقاليد الحكم، كان في نظر شارلمان شاغرًا، وإنَّ اللقب الإمبراطوري الذي اتّخذه لنفسه انطوى على أحقّيته في أنْ يكون خليفة أغسطس. غير أنَّه لم يحاول أنْ يحصل على أملاك وأراضي الإمبراطوريّة الشرقيّة، بل قنع بما جرى عليه مِن الاعتراف به إمبراطورًا في الغرب، ورفض الدخول في أيّ مهاترة مع الدولة أو الكنيسة البيزنطيّة[56].

أمّا البابا، فكان يؤمن بفكرة الإمبراطوريّة الواحدة، ويبدو أنَّ البابويّة وجدت في الأسرة الكارولنجيّة مناصرًا قويًّا يمكن أنْ تعتمد عليه في تحقيق مشروع ذي صبغة “أوروبيّة” كانت بصدد التفكير في إنجازه، وهو إعادة إرساء دعائم الغرب الأوروبي كإمبراطوريّة تحت سلطة الكارولنجيين[57]. بمعنى أنَّ الكنيسة كانت تقصد بتتويج شارلمان إمبراطورًا؛ استبدال الإمبراطوريّة البيزنطيّة بإمبراطوريّة فرنجيّة، كما كانت هي الأخرى تعدّ عرش القسطنطينيّة شاغرًا، حيث تعتليه امرأة هي إيرين. ومِن جهة أخرى، كانت تشعر روما بفراغ سياسي كبير منذ أنْ سقط عرشها بأيدي البرابرة سنة 746م، كما كانت تنظر إلى أباطرة بيزنطة نظرة ملؤها الاستياء والكراهية؛ بسبب سياستها المعادية للبابويّة وعدم اعترافهم بأولويّة كنيستها، إضافة إلى معارضتهم تقديس الأيقونات (طيلة القرن الثامن تقريبًا)، وفرض سيادتهم على كنائس دلماسيا وصقلية وجنوب إيطاليا[58].
ولا يمكن الإنكار بأنَّ نصوصًا كثيرة تعود للقرن التاسع للميلاد تنعت شارلمان بلقب “رأس أوروبا”؛ والواقع أنَّ اللقب كان مجرّد تشريف، ومجرّد تعبير خيالي، أكثر مِن كونه صورة حقيقيّة للواقع التاريخي، على اعتبار أنَّ أوروبا “الشارلمانيّة” كانت أوروبا محدودة من الناحية الجغرافيّة؛ لأنَّ رقعتها المكانيّة لم تكن تشمل الجزر البريطانيّة التي كانت مستقلّة يحكمها الأنجلوسكسونيّون والإيرلنديّون، كما لم تكن تشمل شبه جزيرة إيبيريا التي كان يحكم معظم مناطقها العرب المسلمون. وبالإضافة إلى ذلك، لم تكن تشمل مناطق إيطاليا الجنوبيّة وجزيرة صقلية، فضلًا عن مناطق العالم الإسكندناڤي التي ظلّت مجالًا وثنيًّا ينطلق منه الفايكنغ النورمانيّون للسلب، أو لفرض مبادلات تجاريّة تكون لصالحهم[59]. 

لكنَّ المشكلة الأبرز التي كانت واجهت دولة شارلمان هي اعتراف الإمبراطوريّة البيزنطيّة به، إذ لم تعترف بشرعيّته ولا بشرعيّة هذه الإمبراطوريّة الجديدة، بل ظلّ البيزنطيّون متعنّتين رافضين مدّة اثنتي عشرة سنة حتّى اضطروا أنْ يعترفوا بالأمر الواقع وهم صاغرون بحكم الأمر الواقع. لقد كان شارلمان يعلِّق أهمّية كبرى على اعتراف بيزنطة بلقبه الإمبراطوري، إذ دون هذا الاعتراف سيبقى لقبه منقوصًا مِن الناحية الشرعيّة. ولمّا كان شارلمان في موقف الأضعف، فإنَّه لم يرغب أنْ يدخل في مهاترة مع بيزنطة، فالتزم الصمت حتّى تحين الفرصة المناسبة، حتّى إنَّه تجنّب أنْ يتّخذ لنفسه اللقب الذي اشتهر فيه الأباطرة البيزنطيّون، وهو لقب: «إمبراطور الرومان»، بل اتّخذ لقب: «حاكم الإمبراطوريّة الرومانيّة». كما اتّخذ مواقف وديّةً تجاه بيزنطة، وأخذ يسعى بشتّى الطرق ليحصل على اعترافها به إمبراطورًا في الغرب. ففي سنة 802م، أرسل مندوبًا عنه وعن البابا يقترح على الإمبراطورة إيرين الزواج منه، وبذلك يتمّ توحيد شقّي الإمبراطوريّة الشرقي والغربي، وإن كانت إيرين قد نظرت بعين الرضا إلى هذا العرض، إلّا أنَّها غلبت على أمرها، فما كاد الوفد الفرنجي يصل إلى بيزنطة حتّى نشبت فيها ثورة أطاحت بالمكلة عن العرش. وقد تولّى العرش بعدها نقفور الذي كان يعاني كثيرًا مِن الصعاب بسبب فتوحات العرب وتقدّم البلغار، فما كان مِن شارلمان إلّا أنْ احتلّ البندقيّة التي كانت في حينها أهمّ ميناء للبيزنطيين على البحر المتوسّط، فاضطرّ نقفور في صفقة سياسيّة الاعتراف بشارلمان إمبراطورًا مقابل انسحاب الأخير مِن البندقيّة سنة 810م[60].
لقد كانت قضيّة وراثة العرش مِن أهمّ القضايا التي واجهتها الدولة الإمبراطوريّة في عهد شارلمان؛ فالملكيّة كانت وراثيّة دون منع تجزئتها، وللملك أنْ ينظّم وراثة الحكم في المملكة، وعلى هذا قسّم شارلمان، وهو في صحّته وقوّته (سنة 806م) ممتلكاته بين أولاده الثلاثة[61].

ولكنَّ مشكلة وراثة العرش كانت مشكلة متجدّدة؛ فكما أنَّ ابنه الأصغر لويس التقيّ الذي عاش بعد إخوته جميعًا، أصبح الوارث الوحيد للملكة وانفرد بحكم إمبراطوريّة أبيه كلّها، لم يلبث أنْ سار على نهج أبيه بأنْ قسّم مملكته بين أولاده الثلاثة، وهم لوثر وبيبان ولويس، وقد أشرك الملك لويس التقيّ ابنه لوثر معه في حكم الإمبراطوريّة[62]. وقد هدف لويس التقيّ مِن تقسيم الإمبراطوريّة بين أبنائه إلى تفادي نشوب الخلافات بينهم بعد مماته، إلّا أنَّ هذا التقسيم هو الذي أفضى إلى نشوب تلك الخلافات بين الأبناء فيما بينهم مِن جهة، وبين الأبناء وأبيهم مِن جهة ثانية، وما إنْ توفّي الأب حتّى دارت حرب شعواء بينهم أسفرت عن اتفاقيّة فردان سنة 840م التي بموجبها قسّمت الإمبراطوريّة بين الأبناء الثلاثة[63].

أمّا بالنسبة لألمانيا، فحالها كحال -كما أسلفنا قبل قليل- إذ إنَّ الشخصيّة الألمانيّة بدأت تتبلور بعد معاهدة فردان، حيث نجد أنَّ لويس الألماني يقسم في هذه المعاهدة أمام جنوده باللغة الألمانيّة. وإنَّ ما يميّز ألمانيا أنَّها كانت تحكم بطريق لا مركزي، ولكنْ بالرغم مِن ذلك فإنَّ عوامل الوحدة وقيام حكومة مركزيّة قويّة في ألمانيا كانت موجودة، وهذه العوامل هي:

1- مجلس الـديت Diet: أو المجلس الإمبراطوري؛ وهو مجلس يمثّل الإمارات، ويتكوّن مِن ثلاث طبقات؛ الطبقة الأولى، وهم طبقة الناخبين السبعة Electors: الذين مِن حقّهم انتخاب الإمبراطور، والطبقة الثانية: وهي طبقة الأمراء العلمانيين ورجال الدين. والطبقة الثالثة: وهي طبقة مدن الإمبراطور، وهي المدن التي تخضع بصورة مباشرة للإمبراطور. ولمّا كان رجال الدين والأمراء يرغبون في الاستقلال بعيدًا عن الإمبراطور؛ فقد كان هناك صراع دائم بين مجلس الديت والإمبراطور.
2- الإمبراطور: فرغم أنَّ الإمبراطور كان مجرّد حاكم لبعض المدن، إلّا أنَّه كان يتمتّع بقدر مِن المكانة الرفيعة عن بقيّة الأمراء، واتّجه الكثير من الأباطرة للحدّ مِن سلطة الأمراء، وتوحيـد أطراف الإمبراطوريّة المترامية، وإنشاء حكومة مركزيّة. ومِن أجل هذا ظلّ الإمبراطور والأمراء في نزاع مستمرّ، وبسبب النزاع المستمرّ بين الإمبراطور والأمراء، فقد أصبح كلّ طرف يتحيّن الفرصة التي تقـوّي جانبه ضدّ الطرف الآخر، حدًّا وصل في نهاية المطاف أنْ يستعين النبلاء بالبابا ضدّ الإمبراطور[64].
وهكذا نجد أنَّ الانحلال الذي أصاب الإمبراطوريّة الفرنجيّة في عهد خلفاء شارلمان قد أسهم إلى تبدّل عميق في مفهوم الدولة الإمبراطوريّة في الغرب الأوروبي، في البدء كانت الدولة أو السلطة السياسيّة مسيطرة على الدين، والكنيسة تتبع لها، لكنَّ تبدّل الأمر، فبينما كان البابا في عهد شارلمان منفّذًا لأوامره، إذ به الآن يمنحه التاج الإمبراطوري، ويطلب إلى مَنْ يمنحه هذا التاج حماية الكرسي الرسولي المقدّس. لقد تبدّل هذان الدوران؛ دور البابا ودور الإمبراطور، في عهد خلفاء شارلمان، إذ ما كان منه أنْ أضعف بالتدريج قيمة اللقب الإمبراطوري، وهيبة الدولة الإمبراطوريّة. فبعد أنْ كان الإمبراطور سيّد غرب أوروبا، أصبح في أواخر القرن التاسع مساعدًا للحبر الأعظم في حماية الدين، حتّى إنَّ الإخفاق الذي مني به أباطرة العهد الأخير من أمثال شارل الأصلع وشار السمين؛ أفقد وظيفة الإمبراطور كثيرًا مِن اعتبارها، وظلّ الأمر كذلك حتّى أوتو الأوّل (الإمبراطور الألماني) الذي بنى «الإمبراطوريّة الرومانيّة المقدّسة» على أنقاض الإمبراطوريّة الفرنجيّة[65].

كما أنَّ فشل خلفاء شارلمان في المحافظة على سلطة الدولة المركزيّة التي اتّبعها هو في حكمه للدولة الإمبراطوريّة؛ أسهم في اختفاء هذه الرئاسة القوميّة، حيث أخذت الإدارة في التفكّك السريع، ونزل الملك عن حكمه المباشر لمجموعة مِن كبار الإقطاعيين، وبات موظّفوه يتوارثون وظائفهم حتّى استقلّوا بها[66]. ورغم أنَّ ابنه لويس التقي كان يروم السير على سياسة والده؛ فمنذ أنْ تسلّم عرش الإمبراطوريّة حاول أنْ يضرب على أيدي الموظّفين الذين يسيئون استعمال وظائفهم، إلّا أنَّ جهوده على ما يظهر لم تكلّل بالنجاح[67]. إنَّ التدهور المستمرّ في سلطة الدولة المركزيّة في عصر الإمبراطوريّة الفرنجيّة، وعدم قدرتها على السيطرة على الدوقات والكونتات، واغتصاب هؤلاء النبلاء للسلطة الملكيّة في مقاطعاتهم، وتحويلها إلى إقطاعات وراثيّة، هذا مع ما تضمّنه ذلك من سيطرة سياسيّة على الفلاحين في الإقطاعيّات، وتمكّنهم في القرن التاسع مِن انتزاع حقّ جمع الضرائب أيضًا، وعقد المحاكمات في القضايا المهمّة، وعلى الرغم من أنَّ الأمراء الإقطاعيين ظلّوا يمارسون هذه الصلاحيات باعتبارهم ممثّلين للملك؛ إلّا أنَّ الطبيعة الوراثيّة للإقطاع الأوروبي جعلت النبلاء الأوروبيّين يعتقدون بعد مرور فترة من الزمن، أنَّ هذه الصلاحيات السياسيّة لهم دون سواهم، في حين أمسى الفلّاحون (المواطنون) فريسة للخوف الدائم، والاضطراب المستمرّ، والافتقار إلى الأمن. لقد كانت أيّامهم تمضي كئيبة في انتظار مستقبل لا يجيء، بعد أنْ وقعوا تحت رحمة كوارث الطبيعة، والأوبئة، والمجاعات، وتحت وطأة سادتهم الإقطاعيين الذين ساموهم سوء العذاب، كما جعلوهم وقودًا لحروبهم الإقطاعيّة[68]. وفي ضوء ما تقدّم مِن معطيات، يمكن الحكم على التجربة الكارولنجيّة بكونها كانت تجربة فاشلة، إذا ما وضِعت في المدى الطويل، ونُظر إليها كتجربة أوروبيّة وحدويّة[69].

سادسًا: الدولة الدينيّة في أوروبا العصور الوسطى
لم تنشأ الدولة الدينيّة في أوروبا العصور الوسطى مِن عدم، فالخطوة الأولى كانت مِن اعتراف الإمبراطور قسطنطين بالديانة المسيحيّة ديانة رسميّة للدولة الرومانيّة، بينما تمثّلت الخطوة الثانية بطروحات لاهوتيّة وفكريّة مهّدت لها؛ فقد وجد المسار السياسي الكنسي سندًا له في أطروحات كتاب «مدينة الله» للقدّيس أوغسطين (354-430م)، إذ يقدّم هذا الأسقف رؤيته للتاريخ بمثابة التجلّي للمراد الإلهي، سطّرت مصيره العناية الربانيّة منذ الخلق الأوّل، ليفضي ذلك المسار إلى عودة المسيح  وإقامة الحساب الكوني. فالنظرة خطيّة للزمن، وهي تقف على نقيض النظرة المستوحاة من الثقافة الإغريقيّة التي ترى فيه مسارًا دائريًّا لتاريخ العالم. وضمن ذلك الإدراك التاريخي الأوغسطيني تتشكّل وقائع المدينتين: الأرضيّة، التي تمثّلها الدول والإمبراطوريّات، والتي مآلها الزوال وإنْ بدت خالدة؛ وتلك الإلهيّة التي كُتب لها الخلود. وبالخلاصة، تجد المدينة الأولى مجدها في ذاتها، بينما تجد نظيرتها مجدها في الامتثال لتعاليم الربّ. لقد خيّمت آراء أوغسطين بظلالها على القرون الوسطى، وامتدّ إلى عصر القدّيس توما الأكويني، ما مهّد إلى الفصل البيّن بين الكنيسة والعالم. لكنَّ دعوة أوغسطين بقيت منحازة لخضوع السلطة الروحيّة للسلطة الزمنيّة، وبقي أوغسطين وفيًّا لولائه السياسي لروما، الداعي لوحدة المذبح والعرش. فالإنسان وفق وجهة نظره؛ بطبعه علويّ، والشيء الأساسي للمرء هو خلاص روحه. وأمّا المؤسّسات السياسيّة فهي شرّ لا مناص منه، على المسيحي الحذر منها؛ لأنَّها مصدر الخطيئة والفساد، وينبغي بما تيسّر توجيهها إلى قدرها الأزلي[70].

أمّا على أرض الواقع، فقد شكّلت الديانة المسيحيّة البوتقة التي انصهرت فيها مختلف فئات المجتمع الأوروبي خلال القرون الأولى مِن العصور الوسطى، كما أعطت في الوقت نفسه لجميع الأقاليم نوعًا مِن الوحدة والتجانس. ومِن هنا نفهم الدور المتميّز الذي قام به الأساقفة في إدارة الشأن العام وملء الفراغ السياسي، خاصّة في الحواضر القليلة التي ظلّت تقاوم الأحداث والتطوّرات في أقاليم غرب أوروبا. وكان هؤلاء الأساقفة يمارسون سلطتهم في نطاق دوائر تتطابق عمومًا مع الدوائر التي كانت معروفة زمن سيادة روما. وقد ألّف الأساقفة جانبًا مِن هيئة رجال الدين التي أصبحت تضمّ، بالموازاة مع انتشار الديانة المسيحيّة، فئات كثيرة، مِن بينها فئة الكهنة وفئة الرهبان؛ الذين لم يكونوا إلّا رهبانًا في اسمهم، إذ كانت تجمعهم تنظيمات تدير أمورهم[71].

1. دولة الفرنجة
لقد حدثت تطوّرات مهمّة منذ عهد دولة الفرنجة؛ أدّت إلى تغاضيهم عن مساعي الكنيسة لتشكيل «دولة» قائمة بذاتها. وما كان ذلك هيّنًا لولا حدوث تحوّل اجتماعي عميق في القرون الوسطى، ألمّ بالشأن الديني،حتّى غدا قوّة فاعلة استخدمتها أطراف اجتماعيّة متنافرة، ولم يبق في حدود الميراث الرمزي أو الروحي المستبطَن فحسب. فمنذ حقبة بيبان القصير ووريثه شارلمان، بدأ التنازل عن مساحات واسعة مِن الأراضي للأسقفيّات، وهو ما تطوّر بشكل ملحوظ مع الإقطاعيين؛ بغرض إيجاد حاضنة لاحتواء القوّة أو الفاعليّة الدينيّة. واللافت في تنازل الإقطاعيين أنَّه ما كان سخاءً طوعيًّا بل كان مقصودًا، فغالبًا ما جرى تحضير أبناء الإقطاعيين لتولّي المهمّات الأسقفيّة ورئاسة شؤون الأديرة؛ وذلك بغرض متابعة تلك الأسُر إمساكها بملكيّة الأراضي الممنوحة، ومِن ثمَّ التحكّم بالقوّة الماديّة التي تستند إليها المؤسّسة الدينيّة. الأمر الذي حوّل الكنيسة إلى مِلكِيّة متحوّلة قابلة للبيع والشراء، جزئيًّا أو كليًّا؛ كما أنَّ بعض رؤساء الأديرة والأساقفة شغلوا مناصب مزدوجة في الكنيسة وفي الدولة، وهو ما جعل الدور الديني ثانويًّا أمام النفوذ الإقطاعي، كما أسهم كذلك في بثّ نوع مِن الفوضى في الحياة الدينيّة. فمِن ناحية، كانت الحقبة الإقطاعيّة فرصة مناسبة للكنيسة لتكديس ثروات طائلة؛ لكنْ مِن الناحية الأخرى، كان يتّم تقليص كبير لاستقلاليّة الكنيسة[72].

إنَّ إضفاء قداسة على ملك (شارلمان) مِن قبل الكنيسة، كان يعني أنَّ تداخل السياسي بالديني قد بلغ شأوًا بعيدًا؛ فقد أدرك حكّام العصور الوسطى ما لإضفاء القداسة على السياسة مِن دور وأثر. فبعدما كان شارلمان يرغب في تتويجه مِن قبل الكنيسة، حتّى ينال حُكمه شرعيّة أكبر على الساحتين المحليّة والدوليّة، وجد نفسه سيّدًا للكنيسة، حتّى أصبح شريكًا فاعلًا في الأمور والقضايا المصيريّة التي تواجه الكنيسة، وهو ما بدا جليًّا في إلحاحه على عقد مجمع كنسي؛ بقصد إصلاح أنشطة الأساقفة ومراجعة مهمّات رجال الدين، بعدما لمس ما حلّ بهم مِن انخرام وتشرذم على حدّ زعمه. وهو في الحقيقة إدراك مِن الإمبراطور للدور الفاعل لإصلاح النظام الكنسي، لما له مِن أثر حاسم في إحكام قبضته على السلطة[73].
لذلك لم يتورّع دقيقة واحدة عن القبض على زمام الكنيسة، وجعل سلطتها تحت سلطة الدولة، وربطها به ربطًا وثيقًا، حتّى إنَّه كان يتدخّل في قضايا العقيدة، ولا يتوانى عن فرض رأيه الخاصّ، ويجبر البابا نفسه على طاعته دون نقاش[74]، وكرّس تلك القبضة بمزاولة حقّ الإشراف على انتخاب الأساقفة ورؤساء الأديرة، مزاولة بلغت في كثير مِن الأحيان أنَّ الإمبراطور صار صاحب حقٍ في اختيار مرشّحي هذا المنصب... [75].

لقد صار مِن الواضح أنَّ المزج المستوحى مِن اللاهوت ومِن «القانون الكنسي»، الذي يرتئي أنَّ الكنيسة والمجتمع المسيحي هما وحدة منصهرة يعتليها المسيح، قد انزاح مِن المجال اللاهوتي إلى مجال الدولة التي يقودها الملك بدفع مِن فقهاء القانون. وكشأن الكنيسة التي هي بمثابة زوج السيّد المسيح، تغدو الدولة قرينة الملك أيضًا. لقد باتت استعارة القِران شائعةً في القرون الوسطى؛ فالملك يتلقّى أثناء تتويجه خاتمًا رمزيًّا تعبيرًا عن هذا التلاحم[76]، لدرجة أنَّه لم يكن مناطًا بالإمبراطور واجب أهمّ مِن واجب العمل على مدّ أطراف مملكة المسيح. ومِن الدليل على ذلك مبلغ اعتقاد شارلمان في وظيفة الإمبراطوريّة؛ إذ شنّ حربًا شعواء في سبيل نشر المسيحيّة الكاثوليكيّة[77]، وقد ارتكب مجازر عدّة في طريق حملاته، ودمَّر كثيرًا مِن المدن بعد التَّنكيل بسكَّانها. وكانت أشدُّ حروبه شراسة تلك التي خاضها ضدّ السكسون، وما قام به بعد ذلك مِن حملهم جميعًا على اعتناق المسيحيّة، وقد ارتدُّوا عنها أكثر مِن مرَّة، فقتل منهم كلَّ مَنْ لم يؤمن بها[78].  

2. الإمبراطوريّة الرومانيّة المقدّسة
لقد اتّخذ التأويل السياسي لدور الكنيسة أشكالًا مختلفة عبر القرون الوسطى، ما ترتّب عنه سعي جادٍّ لترجمته عبر نفوذ فعلي؛ من إضفاء الشرعيّة على الملكيّات القائمة في الغرب الأوروبي من قبل الكنيسة أوّلًا، ما قاد إلى إعلان الإمبراطوريّات المقدّسة، المستندة إلى الأسس الثيوقراطيّة، المحكومة بالنظام الهيروقراطي؛ أي الخاضعة لسلطة رجال الدين ثانيًا. وهو مسعى لإرساء دعائم هذه الدولة الثيوقراطيّة، وحشر السيفين في غمد واحد ثالثًا. ولعلّ الدولة المستندة إلى الأسس الثيوقراطيّة أكثر ما تجلّت في الإمبراطوريّة الرومانيّة المقدّسة[79].

لقد كان حكّام ألمانيا مِن سلالة رؤساء القبائل الذين قدّر لأقويائهم وأكثرهم قسوة وجشعًا أنْ يصبحوا ملوكًا. وفي القرن العاشر، ظهرت واحدة مِن الإمبراطوريّات القبليّة شمالي ألمانيا، التي انبثقت مِن الفرع الساكسوني كأقوى الأقوياء على الساحة الألمانيّة، ومنها جاء الدوق أوتو الساكسوني الذي تمّ اختياره ملكًا على ألمانيا بوساطة رفاقه الدوقات سنة 936م، والذي استغلّ لقبه بشكل حازم. وهكذا وبشكل مثير للغضب، فإنَّه أصدر مجموعة مِن التعليمات المثيرة للنبلاء الذين اختاروه، كما أنَّه شنَّ عدّة حملات حربيّة على السلاف والبوهيميين، وأحرز نصرًا كبيرًا على الشعوب المجريّة سنة 955م منهيًّا وإلى الأبد تهديدهم لغربي أوروبا[80].
وتتحدّث المصادر التاريخية عن أن البابا يوحنا الثاني عشر قد طلب مساعدة حربيّة مِن الملك الألماني أوتو الأوّل ضدّ ملك اللومبارديين، فما كان مِنْ أوتو إلّا أنْ عبَر جبال الألب، واستولى على التاج اللومباردي لنفسه. وفي سنة 962م، تمّ تتويجه إمبراطورًا على يد البابا. وهكذا أصبح أوتو الأوّل «الإمبراطور أوتو» الذي كرّر العمل الخيالي نفسه الذي قام به شارلمان، وهو استعادة الإمبراطوريّة الرومانيّة في الغرب، والتي عرفت الآن باسم «الإمبراطوريّة الرومانيّة المقدّسة»، المقدّسة؛ لأنَّ التتويج تمّ على يد البابا، والرومانيّة لاستعادة الزمن الذي كانت فيه أوروبا تنعم بالوحدة[81].
لقد جاء تتويج الملوك مِن قبل البابويّة حدثًا نتج عن مسار مِن التحوّلات، باتت المؤسّسة الدينيّة فيها شريكًا في السلطة وجزءًا منها. مع أنَّ هناك فرقًا جوهريًّا بين الإمبراطوريّة الفرنجيّة المقدّسة التي توّج شارلمان على عرشها، ومثيلتها الرومانيّة المقدّسة التي توّج أوتو الأوّل بساكسونيا على عرشه؛ إذ انطلق الأوّل مِن موقع الضعف، بحثًا عن إضفاء شرعيّة على ملكه وحكمه على الصعيد الدولي أمام البيزنطيّين والعرب المسلمين الذين كانوا على حدوده في جنوب فرنسا، وفي الغرب الأوروبي أمام الأمراء الاقطاعيين والممالك الجرمانيّة الأخرى، ما استوجب عليه الإذعان لشروط الكنيسة الرومانيّة، ولضغوط مختلف الإقطاعيين الفرنسيين. في حين انطلق الثاني الذي استهلّ حكمه في سنة 936م بقوّة لا تضاهيها قوّة شارلمان، عقب سلسلة مِن الانتصارات العسكريّة والسياسيّة، وتدعّم ذلك بإذعان البابا لمشيئته سنة 962م وتنصيبه على رأس «الإمبراطوريّة الرومانيّة المقدّسة» ما قاده إلى إقرار مبدأ «القيصريّة البابويّة» Cesaropapismo ؛ ذلك الشكل السلطوي الذي جسّد علاقة الدولة بالكنيسة، وعبَّر عن اتحاد السلطتين الزمنيّة والروحيّة في شخص الملك، ما حوّل الكنيسة إلى مؤسّسة خاضعة للدولة وأداة للتعبير عن إرادتها، وهكذا انطلقت الإمبراطوريّة الرومانيّة المقدّسة[82].
وفي سعي الكنيسة الحثيث لترسيخ سطوتها السياسيّة، تسلّحت بعدد مِن السندات اللاهوتيّة، أبرزها مبدأ العصمة، الذي ألهمها عدم التسامح مع أيّ شكل مِن أشكال المعارضة، وسوط الحرمان المسلط على كلّ مَنْ تحدّثه نفسه بشقّ عصا الطاعة، فضلًا عن مساعٍ جادّة للإمساك بأسباب القوّة الماديّة لتأديب العصاة وتوسيع رقعة النفوذ. هذا الفوران المستجدّ الذي استبدّ بورثة عرش بطرس، وهذا التطلّع للإمساك بالسيفين، أدخلا الكنيسة في طور جديد وتجربة عسيرة، تحوّل معها دين المسيحيّة إلى دين الكاتدرائيّة المتحالفة مع القصور طورًا، والمناطحة لها طورًا آخر[83]. وهكذا بعد طول تحالف ما بين الكنيسة والملكيّات في أوروبا الغربيّة، ثارت الكنيسة على حلفائها التقليديين، ورفضت بشدّة التقاليد العلمانيّة القاضية بتعيين الملوك للقساوسة في الكنائس القائمة فوق تراب ممالكهم، وانتهى الأمر بتحريمها على يد البابا غريغوري السابع (1015-1085م). وإنْ كان مراده مِن وراء ذلك، التصدّي لرغبة الإمبراطور الجرماني في احتواء البابويّة[84]. وحتّى نكون منصفين أكثر؛ يمكننا القول: إنَّ كلا الطرفين (الدولة والكنيسة)، كانا في سعي دؤوب للفوز بما لدى الطرف الآخر من كاريزما وسلطة ونفوذ، وهي مرحلة تميّزت بالغزل المتبادل، والتي استمرّت حتّى سنة 1053م تاريخ وفاة الإمبراطور أوتو الثالث، ثمّ تطوّرت العلاقة إلى السعي للاحتواء؛ إذ كان كلّ واحد منهما يتطلّع لابتلاع الطرف الآخر[85]. إلّا أنَّ هذا الصراع (الذي احتدم بين الكنيسة والدولة حول مسألة التنصيب أو الترسيم، أو منح المراتب الكنسيّة)، قد أسهم في تبدّل المشهد السياسي في غرب أوروبا، وحوّل أوروبا إلى ساحة صراع بين البابا والإمبراطور خلال السنوات الممتدّة بين سنتي (1050-1122م). ورغم حدّة الصراع، فقد استمرّ مبدأ التوازن بين القوّتين زمنًا؛ قبل أنْ تتمكّن البابويّة مِن أن تكسب لصالحها ذلك الصراع الطويل بين الكنيسة والدولة[86].

لقد كان لملوك وأباطرة أوروبا جيوشهم، أمّا البابوات فلم يكن لديهم شيء سوى السلطة الدينيّة والأسلحة الروحيّة، وهي قرارات الحرمان، والمنع، واللعنة. ونتيجة لذلك، فإنَّ القوى المتصارعة كانت تقريبًا متوازنة فيما بينها[87]؛ لذلك نرى كفّة الميزان تميل تارة نحو الكنيسة وتارة أخرى نحو الدولة، دون أنْ يتمكّن طرف مِن إقصاء الآخر نهائيًّا؛ فالكنيسة (كهيئة دينيّة) يتمثّل دورها في قيادة الجماعة المسيحيّة في مجال الإيمان، أو بالأحرى في المسائل المتعلّقة بخلاص الروح، وعلاقة الإنسان بربّه، وشرح الأسفار المقدّسة، وإشاعة مكارم الأخلاق؛ التي يفترض أنْ تقود المؤمنين إلى الحياة الأبديّة[88]، والإشراف والتوجيه لسلوكيات كلّ البشر بمن فيهم الأباطرة، كل هذا يدخل ضمن سلطانها الروحي. أمّا الكهنة ورجال الدين الذين تمّ تعيينهم في الكنيسة بوساطة الملوك والأباطرة، فقد نادوا بأنَّ الملك يستمدّ قوّته مِن الربّ، وهو مسؤول فقط أمامه، وأنَّ اختصاص الكنيسة يجب أنْ يكون منصبًّا على الشؤون الدينيّة لا الدنيويّة[89]، فالمسائل الدنيويّة مِن حيث الإدارة السياسيّة، ورعاية شؤون الناس، والتشريع القانوني هي مِن مشمولات الدائرة الزمنيّة الأرضيّة، وتُعدّ مِن المهمّات الرئيسة لجهاز الدولة، ضمن الأشكال التي تتّخذها كافّة[90].

لقد كان الصدام أمرًا لا مفرّ منه في ضوء المعطيات السابقة؛ وقد حانت فرصته بعد وفاة الإمبراطور أوتو الثالث سنة 1053م؛ إذ اختار الأمراء الألمان هنري الرابع (1056-1105م) ملكًا عليهم كوريث مِن الفرع الساكسوني، فاعتلى هنري الرابع العرش وهو في سنّ الخامسة مِن عمره؛ أي تحت الوصاية، فشرع أقطاب المملكة بنيل الاستقلاليّة عن الملك وعن الدولة، وتفرّد رجال الدين المتزمتّون بالقيام على رعاية شؤون الكنيسة، ولم يأذنوا لأحد مِن العلمانيين أنْ يشاركهم مهامهم[91]. وهكذا برزت في الغرب اللاتيني سلطتان، إحداهما موالية للبابا، والأخرى مناصرة للإمبراطور، لم تتّفقا لا على وظيفة الكنيسة في المجتمع، ولا على ما كان يسمّى السيادة على العالم Dominium Mundi، وذلك على خلاف الشرق المسيحي، الذي رضي بهيمنة السلطة السياسيّة على الروحيّة. فقد أخرجت هذه المستجدّات سلطان الكنيسة مِن حيّزه الضيّق ومِن لاهوته التقليدي، وهو خروجٌ ما كان إراديًّا؛ بل فرضته أوضاعٌ اجتماعيّةٌ واقتصاديّةٌ مستجدّةٌ، خيّمت بظلالها على أوروبا طيلة الفترة الممتدّة بين القرن الحادي عشر والقرن الخامس عشر، وهي الفترة التي انزاح فيها مركز المسيحيّة، وبشكل تدريجي، من الدّير إلى الكاتدرائيّة، ومِن الكاتدرائيّة إلى القصر[92].
وقد أسهمت شخصيّة جدليّة في تاريخ أوروبا في العصور الوسطى في صبّ الزيت على النار في الصراع المحتدم ما بين الدولة والكنيسة، تلك الشخصية هي هيلدبراند؛ ذلك الذي كان مشمولًا برعاية وعطف البابا ليو التاسع رئيس الشماسة في روما منذ سنة 1056م، ليصبح منذ ذلك الوقت المحرّك الروحي الأوّل لحملة الإصلاح الكنسي ضدّ المظاهر العلمانيّة فيها. ويعتبر هيلدبراند من الشخصيّات التي اكتنفها الغموض، إذ اشتدّ الجدل حوله فيما إذا كانت أسرته يهوديّة اعتنقت المسيحيّة؛ إذ قيل: إنَّه مِن أسرة يهوديّة اسمها (البيرليوني)، تمكّنت مِن السيطرة على العرش البابوي أكثر مِن مرّة في القرن الحادي عشر، وكان آخر مَنْ قدّمته تلك الأسرة هو البابا أوربان الثاني الذي دعا للحروب الصليبيّة[93].
وقد تفجّر الصراع علنًا عندما تسلّم هيلدبراند البابويّة باسم البابا «غريغوري السابع» في سنة 1073م، وقد اهتمّ هذا البابا الجديد بتدعيم سلطة البابويّة على الإمبراطوريّة، التي كان يتربّع على عرشها الإمبراطور هنري الرابع الذي كان قد أبدى نزعة سياديّة لم يدانيها أحد مِن قبل. ومع هذا، فإنَّ البابا «غريغوري السابع» الذي كان قد انطلق في سبيل تدعيم السلطة البابويّة، لم يتورّع مِن أنْ يطلب مِن الإمبراطور الألماني أنْ يوقف فورًا نظام التقليد العلماني الذي كان يتيح له وللحكّام العلمانيين التحكّم في تعيين كبار رجال الكنيسة مِن كهنة وأساقفة في وظائفهم[94]؛ إذ إنَّه اعتبر أنَّ  وصاية الدولة على الكنيسة مرفوضة، مقدّرًا أنَّ بلوغ الاستقلاليّة مرهون بخوض إصلاح جريء، سعى إليه بشكل حازم حين صاغ ما عُرف بـ«الإعلان البابويّ» Dictatus Papae في سنة 1075م، مع ما تضمّنه مِن مبادئ تحضّ على تركيز السلطتين الدينيّة والسياسيّة في قبضة البابا، منها: أنْ يكون تنصيب الأساقفة وعزلهم رهن قراره، ومِن دون رجوع في ذلك إلى عقد المجامع، وأنَّ البابا وحده مَنْ يتوجّب على الأمراء تقبيل قدميه، وأنَّه وحده المخوّل بعزل الأباطرة، وأنَّ مِن صلاحياته إعفاء الرعيّة مِن لزوم الخضوع للأمراء. وهكذا حصل البابا لأوّل مرّة على فرصة إرساء دعائم الدولة الثيوقراطيّة المستقبليّة، التي لن تقبل بأيّ نوع مِن أنواع الإذعان للإمبراطور الجرماني، ومنذ هذه الفترة بدأ التلويح بتسليط سوط الحرمان كسلاح سياسي، بما يجرّد الحاكم مِن ولاء رعاياه[95].

لقد جعل هذا المرسوم الذي أصدره غريغوري الخاتم والصولجان في يد البابا دون غيره، أو بعبارة أخرى فرض هيمنة البابا على رجال الدين أينما كانوا. كما أنَّ هذا المرسوم كان لطمة قاسية بالنسبة لهنري الرابع شخصيًّا؛ ذلك لأنَّ البابويّة كان يتبع لها مِن الناحية الروحيّة أكثر مِن ثلثي الكنائس المنتشرة على رقعة الأراضي في ألمانيا، وإذا كان كبار رجال الدين في هذه الكنائس مِن أتباع هنري الرابع المخلصين والخاضعين له، ويعملون مديرين في مؤسّسته السياسيّة والماليّة والإداريّة، ويمدّهم بمعظم دخله، وكانوا له حصنًا قويًّا ضدّ أعدائه الدائمين مِن البارونات الثائرين؛ فإنَّ تبديلهم استنادًا إلى مرسوم البابا، وتعيين هذا العدد الكبير مِن رجال الدين في جهاز الدولة مِن قبل البابويّة، كان معناه ضياع الحكومة أو الفوضى السياسيّة والاجتماعيّة. واعتقد هنري الرابع أنَّ البابا قد اختلّ عقله، إلّا أنَّه لم يتّخذ أيّ إجراء ضدّ مرسوم البابا؛ لأنَّه كان مشغولًا في إخماد الثورة في إقليم سكسونيا[96].
لقد كان البابا غريغوري السابع يعمل على إعادة نظريّة «سموّ البابويّة في علاقتها مع الأباطرة» التي تعود إلى أيام غريغوري الأوّل (590-604م)، وغيره كثير مِن البابوات كانوا قد حاولوا تطبيق تلك النظريّة. وإذا كانت نظريّة السموّ البابويّ في ذاتها ليست وليدة أفكار غريغوري السابع، إلّا أنَّه كان أوّل مَنْ طبّقها في إصرار وعناد مِن خلال اعتقاده بضخامة مهمّة البابويّة وعظم رسالتها، وقد قال في ذلك: «إنّني لا أقبل البقاء في روما يومًا واحدًا إذا أدركت أنني عديم الفائدة في الكنيسة»[97]. ومِن اللافت في الإصلاح الذي دشّنه البابا غريغوري السابع، إقراره مبادئ داخل الكنيسة بقيت جارية إلى يومنا هذا على غرار:

أوّلًا: وجوب انتخاب البابا مِن قبل الكرادلة، ومِن دون تدخّل مِن الإمبراطور أو مِن الأساقفة (الذين كان يتمّ تعيين عدد وافر منهم مِن قبل الأباطرة)؛ فقد كانت قرارات «مجمع الكرادلة» تُتّخذ بين قلّة مِن الأساقفة يحوزون ثقة البابا، وممّن يتولّى تعيينهم بنفسه.
ثانيًا: يقع اختيار جميع عناصر الإكليروس مِن قبل كبار رجال الدين، ومِن دون وفاق كنسي مع أحد مِن خارج الكنيسة.
ثالثًا: إلزام جميع عناصر الإكليروس بالعزوبة، وفي حال موت رجل دين (مهما كانت مرتبته الدينيّة) تحوّل ثروته إلى خزينة الكنيسة[98]. وبغضّ النظر عن حجم إصلاحات هذا البابا، إلّا أنّه الآن أمسى يشكّل خطرًا حقيقيًّا على أقوى إمبراطوريّة في الغرب الأوروبي.

لقد أدرك الأمراء الألمان في بلاط هنري الرابع خطورة الموقف، واستطاعوا إقناع ملكهم بأنَّ الحلّ الوحيد هو أنْ يطلب الغفران البابويّ حتّى ينقذ عرشه، فالحكمة أنْ تقضي أنْ ينحني الملك حتّى تمرّ العاصفة بسلام. وبالفعل سافر هنري إلى إيطاليا، وعلى قمّة جبيليّة قرب بارنا، كانت قلعة كانوسا التي تمتلكها ماتيلدا صديقة البابا، وتحت ثلوج يناير تقابل البابا مع هنري، وقد تحوّل الأمر إلى نصر سياسي للبابا، لكنَّه مؤقّت، فما إنْ عاد الإمبراطور إلى ألمانيا، حتّى تمكّن من تصفية حساباته مع الأمراء المتمرّدين، ثمّ التفت للبابا يريد الثأر منه، فقام بتعيين بابا مضادّ. وما إنْ طلب البابا غريغوري السابع مِن ملك النورمان روبيرت جويسكارد في جنوب إيطاليا المساعدة العسكريّة، حتّى جاءت جيوشه ونهبت روما، واسترقت الآلاف مِن رجالها ونسائها الذين بيعوا في أسواق النخاسة. ولم يستطع غريغوري أنْ يبقى في المدينة المنهوبة، فغادرها مع جيش النورمان ليموت في منفاه داحل الحذاء الإيطالي بعد وقت قصير. وعلى الرغم مِن موت البابا غريغوري السابع سنة 1085م، إلّا أنَّ النزاع العلماني – الديني ظلّ مستمرًّا، ذلك الصراع على النفوذ والسيادة بين الدولة والكنيسة[99].
لقد ازدادت طموحات البابويّة السياسيّة قوّة في القرن الحادي عشر بمجيء هؤلاء البابوات الأقوياء مِن أمثال غريغوري السابع، فالإصلاحات التي قام بها البابوات داخل الكنيسة، أسهمت في تقويتها، فنافست الإمبراطوريّة في الهيمنة على شؤون الغرب الأوروبي، حدًّا وصل معها إلى حشد الجيوش لحرب المسلمين، ممّا مهّد الطريق أمام البابا أوربان الثاني ليوجّه جهوده البابويّة المؤثّرة نحو الحروب الصليبيّة[100]. ولمّا كانت الحروب الصليبيّة في التحليل الأخير، إفرازًا للتفاعل بين الكنيسة والإقطاع، فإنَّها كانت تسعى إلى تحقيق الأهداف الكنسيّة التي كانت البابويّة قد بلورتها مِن خلال نزاعها مع الإمبراطوريّة؛ وهي أهداف كانت تتركّز حول السيادة المطلقة للبابا على العالم المسيحي. كما أنَّ الحركة الصليبيّة كانت مِن ناحية أخرى، محاولة لتحقيق أهداف الناس العلمانيّين الذين خضعوا للتنظيم الإقطاعي، سواء كانوا مِن النبلاء وفرسانهم، أو مِن الفلّاحين. لقد كان الفرسان يتوقون إلى توسيع سلطانهم وأملاكهم، ولم يكن هذا ممكنًا دون الصدام مع الملكيّة التقليديّة في أوروبا. وبينما كانت البابويّة تحارب ضدّ هذه الملكيّات مِن أجل السيادة والسموّ، كان النبلاء الإقطاعيّون يتطلّعون إلى بناء سلطتهم الإقليميّة على حساب الملكيّة التقليديّة، ولعلّ هذا هو ما جعل البابا أوربان الثاني يوجّه خطابه إلى الفرسان الفرنسيين بالذات؛ لأنَّ فرنسا كانت ما تزال الدولة الإقطاعيّة الوحيدة آنذاك. أمّا البرجوازيّة الناشئة، ممثّلة في القوى التجاريّة الإيطاليّة على وجه الخصوص، فقد رأت في المشروع الصليبي فرصة للسيطرة على تجارة البحر المتوسّط وتجارة العالم[101].
لقد واصل تحصين الدولة الثيوقراطيّة لنفسها تطوّره؛ فقد أصرّ البابا إنوسنت الثالث Innocent III (1198-1216م) على استئناف البرنامج الذي دشّنه البابا غريغوري السابع، على اعتبار أنَّ السلطة السياسيّة للحكّام الكاثوليك مستمدّة مِن الربّ ومنوطة بعهدة رجال الكنيسة؛ أي لا شرعيّة لأيّ سلطة دنيويّة ما لم تفُز برضا المؤسّسة الموكلة بأمر الله فوق الأرض[102]. وقد ازدادت سلطة البابويّة قوّة وتماسكًا خلال هذه الحقبة التاريخيّة بالذات، بل وفق وجهة نظر كثير مِن المؤرّخين كانت البابويّة أقوى الكيانات السياسيّة على الإطلاق في الغرب الأوروبي، وخاصّة في عهد إنوسنت الثالث، الذي بفضل حنكته ودهائه أصبح نفوذ البابويّة يشمل معظم مناطق العالم المسيحي[103]؛ إذ صاغ إنوسنت الثالث في ذلك تصوّرًا مفاده أنَّ «الإمبراطوريّة القمر» تستمدّ نورها مِن «الكنيسة الشمس»، واستهلّ تطبيق ما ذهب إليه في روما، مِن أنَّ السلطة السياسيّة بيد رئيس المقاطعة، ممثّل الإمبراطور، والتي يكون فيها مجلس الشيوخ أداة حكم الولاية. واشترط لذلك أداء رئيس المقاطعة القسم على يديه، في حين تقبل المقاطعة بدستور يمنح البابا سلطة تعيين العضو في مجلس الشيوخ الذي توكل إليه مهمّات تصريف شؤون المدينة. ولم تقتصر تلك الوصاية على مؤسّسة القرار في مدينة روما، بل اتّسعت دائرتها لتشمل مقاطعات أخرى في أومبريا وماركي وإقليم رومانيا، وهو ما سيدعم لاحقًا تمتين بناء أركان دولة الكنيسة[104]. نعم لقد قامت البابويّة على مؤسّسات كانت تساعد في تدبير الشؤون العامّة، فضلًا عن توفّرها على مداخيل مهمّة وقادرة كانت تسمح لها بتنفيذ مشاريع مختلفة. وكان مِن الممكن أنْ تمارس البابويّة السيادة الفعليّة على الممالك الأخرى المعاصرة لها لولا أنَّ الإصلاحات الغريغوريّة، التي سبق الحديث عنها، كانت تقضي بوجوب الفصل بين السلطتين الدينيّة والدنيويّة. ورغم ذلك، كان للبابويّة نوع مِن التأثير في سياسة بعض الملوك[105].
ومنذ أنْ توفّي الإمبراطور فريدريك الثاني (1194-1250م)، الذي خاض صراعًا عنيفًا ضدّ البابويّة، في مسعى نشيط منه لإثبات حقّ الإمبراطوريّة الرومانيّة المقدّسة في قيادة العالم المسيحي، ذلك الإمبراطور الذي تمسّك بفكرة سموّ الإمبراطوريّة وطابعها العالمي، خلت الساحة تمامًا للبابويّة؛ فطيلة عشرين عامًا تلت وفاته، أصبحت فيها ألمانيا ساحة للمنازعات والحروب الأهليّة، ما جعل هذه الفترة تعرف بعصر الشغور Interregnum في التاريخ الألماني[106]. لقد كان هذا الفراغ في عالم السياسة الغربيّة قد فتح الباب على مصراعيه لتحكم البابويّة العالم المسيحي منفردة، لكنَّ العبء كان أكبر مِن طاقاتها، فهذا الفراغ قد ألقى على البابويّة وحدها عبء إدارة شؤون العالم المسيحي الزمنيّة؛ فكان هذا العبء أثقل مِن أنْ تنهض به وسائلها الراهنة، وأخطر تهديدًا أيضًا مِن أنْ لا يثير ردود فعل السلطة العلمانيّة، التي سارع قانونيّو الملك (فيليب له بيل) ملك فرنسا إلى مساعدتها واحتجّوا بالحقّ الروماني؛ إلى ما يؤيّد مطالبة سيّدهم بالإمبراطوريّة الرومانيّة الشاملة[107].

إنَّ وجود بابا قويّ على رأس السلطة الروحيّة، وعلى رأس كيان قويّ في أوروبا، كان يمنع مِن الحديث عن تجزئة مطلقة، كما أنَّ استمرار وجود حاكم يحمل اسم الإمبراطور، كان يمنع ذلك أيضًا؛ لأنَّ الإمبراطوريّة الرومانيّة المقدّسة استمرّت في الوجود خلال مرحلة استفحلت فيها التجزئة السياسيّة في أوروبا فيما بعد. والحقيقة أنَّ سلطة أباطرة ما بعد القرن الثاني عشر أضحت ضعيفة مقارنة بما كان عليه الأمر زمن حكم الأتونيين الأوائل. ورغم ذلك، ظلّ بعض ملوك الممالك الفيوداليّة الناشئة les monarchies féodales يدينون بالولاء، ولو نظريًّا، لشخص الإمبراطور، بينما لم يتردّد آخرون في اعتبار أنفسهم أباطرة في الممالك التي كانوا يحكمونها دون أنْ يتجرؤوا على حمل لقب إمبراطور[108].

3. انهيار نظريّة الدولة الدينيّة المقدّسة
لقد كان للسلطة الروحيّة دور مهمّ في توحيد القارّة الأوروبيّة، ولا سيّما إبّان الحروب الصليبيّة. لكنْ منذ القرن الرابع عشر، قرن الانشقاقات، الذي نقل مضادّاته وتناقضاته إلى صعيد الفكر نفسه، فقد أهملت مؤلّفات القرون السابقة الجزئيّة بسبب سخافتها، وفتحت آفاقًا بلغ مِن بعدها أنَّ الناس توغّلوا آنذاك في مسالكها المتباعدة، فسلكوا طريق الفلسفة التي كانت تهدف إلى الاستقلال عن اللاهوت، وتستطيع أنْ تذهب بسالكها بعيدًا في مجاهل الارتيابيّة والشكّ، أو روحًا علميّة تخطو بسلطة المنطق خطواتها الأولى نحو التدقيق والوضوح، أو إيمانًا يتعثّر أحيانًا أمام الظلم الاجتماعي والكوارث المتعدّدة، ويختلط غالبًا بالمحبّة الإلهيّة والخوف الكبير مِن الموت، ويفضي إلى تفتّح شتّى أنواع الصوفيّة وتحريك العواطف. وهكذا، فإنّنا نلاحظ في كلّ مكان، وحتّى في قصر الحياة الذي يُقرّب بين الفضيلة والرذيلة ولا يميّز بينهما، تلك التناقضات والاختلاف عينه في السلوك والتصرّف. ولم يكن مِن العسير فضح التباسات القرن وغباواته وإفراطه وانحرافاته، ولم يتأخّر مهذّبو الأخلاق عن ذلك في حينه[109].

لقد ساهم حدث آخر، لا يقلّ أهميّة عن الطاعون وعن الانتفاضات، في خلق البلبلة والاضطراب في أوروبا المسيحيّة، تمثّل هذا الحدث في التطوّرات التي شهدتها البابويّة[110]؛ إذ أمسى البابا في وقتها حاكمًا دنيويًّا، فبالإضافة إلى صفته الدينيّة كرأس للكنيسة المسيحيّة الكاثوليكيّة الغربيّة، كان لا يختلف عن الملوك والأمراء وغيرهم مِن الحكّام الدنيويين المعاصرين؛ إذ كان له أقاليم يحكمها بوساطة أجهزة حكوميّة دبّ فيها الفساد، وله بلاط يعجّ بالأتباع والموظّفين الذين تفوح منهم رائحة المجون والفسق، ولم يخلُ بلاطه مِن المفاسد والمخازي التي ليس لها نظير في بلاط بقيّة الملوك والأمراء العلمانيين في أوروبا في حينها، في الوقت الذي أخذ المسيحيّون في شمال القارّة يستقبحون هذا الوضع الذي أمست فيه البابويّة وبلاطها، ويستنكرون القبائح التي تتردّى فيها البابويّة[111]، حدًّا وصلت إلى انتقاد شخص البابا بالذات، والذي غالبًا ما صار ينعت بـ«المسيح الدجّال»، وإنَّ هذا النقد وصلت حدّته لدرجة أنَّها لن تختلف في المستقبل أيًا كانت سيّئات البابوات أو حسناتهم. وما إنْ حظيت الخطوة الأولى بالنجاح، حتّى تناول القوم انتقاد حاشية البابا وشخصه وسلطته، ولم يحظ باحترام العام بين بابوات القرن الرابع عشر جميعهم سوى أوربانوس الخامس وحده، ذلك الرجل القدّيس الذي انحنى أمام بترارك. أمّا الآخرون، فإنَّ الأحكام التي أصدرها معاصروهم عليهم كثيرًا ما تحوّلت إلى الثرثرة، كروايات فيلاني الخبيثة أو أحقاد بترارك الجائرة، وكان هذا الأخير أو مَنْ يستفيد مِن النعامات البابويّة أوّل مَنْ ينتقدها إذا منحت سواه[112].
لقد كان الانشقاق العظيم (1378-1417م) مستهلَّ منعطف فاصل في تاريخ الكنيسة، ستتعمّق ضراوته مع حركة المحتجّين البروتستانت التي ستفرز ما سيعرف في التاريخ الديني الغربي بـ(حركة الإصلاح) و(الإصلاح المضادّ)، وهو ما سيدشّن طورًا جديدًا سيعيد تشكيل دور الكنيسة وحجمها في المجتمع. فمع اختيار البابا أوربان السادس Urbain VI المدعوم مِن قبل فرنسا سنة 1378م، اعترض مجمع الكرادلة، الذي يتشكّل معظم أعضائه من رجال دين فرنسيين، واعتبر عمليّة الانتخاب زائفة جرّاء وقوعها في أجواء مِن التهديد، بعد إصرار حشود واسعة أْن يكون البابا مِن روما أو على الأقلّ مِن إيطاليا. وهو ما دفع بالكرادلة المعارضين لاختيار البابا كليمان السابع Clément VII المدعوم مِن قبل إنكلترا ومجمل أمراء ألمانيا وإيطاليا وممالك أوروبا الشرقيّة والشماليّة[113]. لكنَّ أوربان ظلّ متمسّكًا بأحقّيته في تولّي المنصب، مدعومًا مِن مسيحيي فرنسا، وقشتالة، وأرغونة، وإيكوسيا. وهكذا انقسمت الكاثوليكيّة إلى معسكرين؛ إذ أضحى على رأس البابويّة رجلان: الإيطالي أوربان في روما، والسويسري كليمون في أڤنيون. كانت هذه الحادثة انطلاقة الأزمة التي عرفت بالانشقاق العظيم. والجدير بالملاحظة، أنَّ أمرًا حدث خلال هذه الفترة وسيتأكّد خلال القرن السادس عشر في سياق الإصلاح الديني، وهو أنَّ الكنائس الوطنيّة أصبحت تأتمر بأمر الملوك والساسة المحلّيين (الوطنيين)، وقد أثارت هذه المسألة حفيظة كثير مِن المسيحيين المنتمين لتلك الكنائس والمسيحيين مِن عامّة المجتمع[114].

وفي مسعى لتطويق تلك الأوضاع، اتّفق جمع مِن الكرادلة مِن كلا الجانبين في مجمع بيزا سنة 1409م على عزل البابوين واختيار ثالث، اتّخذ مِن مدينة بولونيا الإيطاليّة مقرًّا له، وهو البابا إسكندر الخامس. لكنّ البابوين الآخرين رفضا الاعتراف بشرعيّة المجمع، الذي يُفترَض أنْ يدعو له حبر الكنيسة الأعظم تبعًا للقوانين المعمول بها ويتولّى رئاسته. لم يتيسّر إخماد الفتنة سوى بانعقاد مجمع كونستانس (1414-1418م)، الذي دعا إليه الإمبراطور سيغموند وبموافقة البابوات الثلاثة، حينها تقرّر عزل الجميع وانتخاب مارتن الخامس على رأس الكنيسة[115].

سابعًا: التحوّل نحو نظريّة الدولة القوميّة في أوروبا العصور الوسطى
لقد كان القرن الحادي عشر بالنسبة للغرب الأوروبي قرن تحولٍ مهمّ، فالمؤسّسات التي أخذت تتشكّل منذ القرن السادس الميلادي، قد ترسخّت في القرن الحادي عشر، وهذا ما جعل بعض المؤرّخين المختصّين في تاريخ العصور الوسطى، أنْ يطلقوا على تلك الفترة اسم العصور الوسطى الناضجة. لقد شهد القرن الحادي عشر جملة مِن القادة الطموحين، مِن أمثال وليم الفاتح ملك إنكلترا، والإمبراطور هنري الثالث وابنه هنري الرابع، وروجر الأول النورماني حاكم صقلية، وروبرت جويسكارد الذي كان ابنه بوهيموند مِن أبرز زعماء الحملة الصليبيّة الأولى، وألفونسو السادس ملك قشتالة. وكان أولئك جميعًا مِن الحكّام الجنود الذين كانوا يبحثون عن السلطة والملك والكفاءة، ويمثّلون الغدر والطموح والتعصّب. وبينما كان الغرب الأوروبي يميل إلى مبدأ الدول القوميّة، كان نموذج الإمبراطوريّة المسيحيّة الأوحد ممثّلًا ببيزنطة في تراجع، فمنذ هذا القرن أخذت بيزنطة تعاني مظاهر التآكل البطيء والضعف الناجم عن الصراع الداخلي، والهزيمة الخارجيّة الفادحة على يد جيوش المسلمين في معركة ملاذ كرد سنة 1071م، وهكذا بدأ ينهار مفهوم الدولة الإمبراطوريّة لصالح الدولة القوميّة[116].
لكنَّ هذه الدولة القوميّة كانت تحتاج إلى الكثير حتّى تتبلور مفاهيمها، فالشعوب الأوروبيّة كانت لتوّها قد خرجت مِن مرحلة الحضارة البدائيّة، ولم تكن بعد قد انقسمت إلى معسكرات عديدة مسلّحة (على اعتبار أنَّ الجيش الوطني مِن أهمّ دعائم الدولة)، فالجموع الإقطاعيّة كان مِن العسير تعبئتها في جيش وطني، بل كان أشدّ عُسرًا إبقاؤها في الميدان، وإذا ما نظرنا إليها في أفضل صورها وجدناها سلاحًا صعب المراس. كما استمرّ المفهوم السائد في أوروبا العصور الوسطى أنَّ جيشًا عاملًا مِن الجنود المأجورين، كان يتطلّب عبئًا مِن الضرائب أثقل وأكثر انتظامًا مِن أنْ يجرؤ على فرضه أيّ حاكم أو أنْ يستطيع تلبيته أيّ شعب. ومِنْ أجل ذلك، كان لحروب العصور الوسطى -باستثناء بعضها- طابع العقم والتفاهة. وأمَّا المشرّعات التي كان مبعثها الطموح إلى السلطة، فقد كان مقدّرًا لها الفشل، والقوى التي قضى عليها في الظاهر جيش غازٍ، قد استجمعت قواها بمجرّد ابتعاد ذلك الجيش. وموجز القول: إنَّ السياسة في العصور الوسطى كانت على كلا المسرحين الأوروبي والمحلّي، تعني تكرار حدوث المشكلات والخلافات نفسها، وتعني تكرار وسائل التهدئة والحلّ نفسها[117].
لا ريب في أنَّ فاعليّة النزعات التي أدّت إلى تجزئة العالم المسيحي إلى وحدات ملكيّة قوميّة، قد اختلفت باختلاف درجة تطوّر تلك الدول والشعوب على الصعيد السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الفكري. ولكنَّها قد صادفت في كلّ مكان حقلًا خصبًا بفضل فقدان السلطة المنظّمة. ومنذ أنْ تزعزعت القوى الثلاث التي كان الأمل معقودًا عليها بتهدئة العالم الغربي وتنظيمه وإداراته، بات الانقسام أمرًا لا مفرّ منه[118]؛ فالإمبراطوريّة قد تحطّمت منذ وفاة فريدريك الثاني ولم تستعد قطّ، لا بل تنازل الإمبراطور رودولوف هابسبورغ (1273-1291م) للبابويّة عن كلّ حقوق الإمبراطوريّة في إيطاليا، بينما ورّط أودولف هابسبورغ (1291-1298م) الإمبراطوريّة في حرب خاسرة مع فرنسا، كانت نتيجتها تفكّك الإمبراطوريّة وضعفها[119]. ولم تفلح محاولات هنري الرابع ولويس دي بافيير في استعادة مجد الإمبراطوريّة الذي أمسى سرابًا؛ فالنفوذ والقوّة اللذان كان مِن شأنهما دعم مطالبتها بإدارة الأمراء الألمان، لم يُجديا بعد أنْ بات التاج يباع بالمزاد العلني. كما أنَّ مفهوم الإمبراطوريّة بروحه الجغرافيّة، منذ أنْ سُلخت عنها الأقاليم الفرنسيّة والإيطاليّة، وجاورتها الممالك السلافيّة وعمّتها الفوضى الداخليّة، وبالتالي لم تعد الإمبراطوريّة سوى حلم لا طائل فيه[120].

أمّا البابويّة التي غدت على الصعيد الزمني أقوى ملكيّة مركزيّة منظّمة، ولم ينازعها أحد قط في رسالتها الدينيّة ودورها العقائدي، لكنْ كان لها مزاعمها الثيوقراطيّة البالية حين تبدو في ملجئها الأفينيوني وكأنّها خاضعة لرغبات ملك فرنسا، في حين كانت تتنازعها الانشقاقات وتمزّقها المصالح القوميّة المتباينة؛ لم تفقد دورها في إدارة السياسة فحسب، بل أخذت تفقد دورها التحكّمي أيضًا؛ إذ إنَّ محاولاتها الكثيرة في سبيل التوفيق بين فرنسا وإنكلترا قد ذهبت أدراج الرياح. بينما كانت مملكة فرنسا، وهي الحاضرة بنفوذها التاريخي، المؤهّلة الوحيدة في نظر رجال القانون المحيطين بالملك فيليب له بيل لإدارة سياسة العالم المسيحي والحلول محلّ الإمبراطوريّة والبابويّة اللتين برهنتا عن عجزهما. لكنَّ مملكة فرنسا كانت تستند في أحلامها إلى الذكرى فقط؛ ففي الوقت الذي شغرت فيه الساحة الغربيّة مِن أوروبا، كان نفوذ فرنسا ماديًّا وروحيًّا قد مال إلى الهبوط، ثمّ جاءت الحرب واستعجلت هذا الهبوط، فكذّبت الوقائع أقوال المنظّرين. لذلك فإنَّ كثيرًا مِن المفكّرين اعتصموا بالصمت والانتظار بعد أنْ أعياهم إدراك مصير تجزئة العالم المسيحي وخلافاته. وقد اتّخذ موقف الانتظار هذا في النقاط الحسّاسة مِن النزاع الفرنسي الإنكليزي؛ أي في بريطانيا ومنطقة الباسك ولا سيّما في هولندا؛ شكل الحياد. ولمّا عجزت الممالك الإسبانيّة عن تحديد نفسها وموقفها على الصعيد الديني، فإنَّها اعتصمت طيلة السنوات التي أعقبت قيام الانشقاق الديني، باللامبالاة بالوضع السياسي الذي تبلور في أوروبا الغربيّة. وهكذا، لم يكن هناك بصيص أمل في وحدة الغرب الأوروبي مرّة ثانية في دول إمبراطوريّة واحدة، سواء زمنيّة أم ثيوقراطيّة[121].

لذلك بدأ نزوع بعض بلدان أوروبا نحو القوميّة ينمو تدريجيًّا وبسرعة متزايدة، لقد بدأ ذلك النزوع منذ القرنين الحادي عشر والثاني عشر كما أسلفنا، وقد اعتمدت تلك النزعة على الطبقة الوسطى التي اقتحمت مجـال التجارة والصناعة على حدّ سواء، ولم تعد الأرض وملكيّتها مصدر الاقتصاد الوحيد؛ ممّا أدّى إلى زوال النظام الإقطاعي وبداية تبلور الدولة الوطنيّة الحديثة Nation State. وهكذا كان لهذه الطبقة دور مهمّ في ميلاد الدولة الحديثة الوطنيّة، وقد تعزّز الشعور القومي مع تحوّل اللهجات الأوروبيّة المحليّة إلى لغات قوميّة، واتّفاقها إلى حدٍّ ما في الجنس وفي الدين. فنشأ الشعور القومي Nationalism، ومِن ثَمَّ انقسمت دول أوروبا إلى مجموعة مِن الأمم Nations [122]. وكانت فرنسا سبّاقة في هذا التوجّه، حتّى إنَّها أتت على رأس هذه البلدان؛ فنحو نهاية القرن الثاني عشر كان يتمّ التحدّث باللغة الفرنسيّة في كلّ بلاطات أمرائها، كما كانت اللغة الرسميّة في الإمارات التي أسّسها الصليبيّون شرقي البحر المتوسّط. وكانت حياة النبلاء الفرنسيين الرسميّة نموذجًا يحتذى، ويتمّ تقليدها في كلّ مكان في الغرب الأوروبي[123].

كما أنَّ التحوّل الأهمّ كان في انتقال زمام المبادرة في المجال السياسي مع نهاية العصور الوسطى مِن أرستقراطيّة النبلاء إلى فئة مِن الأفراد، على اعتبار أنَّ الفرديّة كانت مِن أهمّ ركائز النهضة الأوروبيّة؛ فقادة المرتزقة والأمراء والملوك هم مَنْ قاد أوروبا خلال هذه الحقبة، وهم مَنْ تصرّفوا في شؤون الرعيّة والعدالة والحروب المأجورة، فكانوا يعقدون الأحلاف والمعاهدات، وينظّمون أمور التجارة والانتاج؛ أي قاموا بتصريف كلّ المهام التي كانت تعهد فيما مضى للروابط والنقابات واتحادات الحرفيين أو مجالس المدن التي كان يسيطر عليها الأرستقراطيّون فيما مضى[124]. وهكذا نجد أنَّ النهضة الأوروبيّة قد أسهمت في الجانب الأوّل مِن الناحية السياسيّة في ميلاد الدولة الحديثة؛ ومنها إنكلترا وفرنسا وإسبانيا، وقد استغلّت هذه الدولة القوميّة الحديثة الطبقة الوسطى (البرجوازيّة) التي نشأت معها، وهي تلك الطبقة التي نمت مع التجارة في تدعيم حكومات هذه الأمم[125].

كما أنَّنا نجد أنَّ النهضة الأوروبيّة قد أسهمت في الجانب الثاني من الناحية السياسيّة في ظهور النزعة الفرديّة والتعصّب القومي بين أبناء القارّة الأوروبيّة الواحدة على أساس الشعور القومي الذي يربط بين أبناء الأمّة الواحدة، فالأمم الحديثة كالأمّة الإسبانيّة أو الإنكليزيّة أو الإيطاليّة، لم يتمّ تكوينها على أساس التماسك بين أبنائها والشعور بالفارق بينهم وبين غيرهم مِن أبناء الأمم الأخرى، إلّا في عصر النهضة. بينما ظلّ المفكّرون السياسيّون في العصور الوسطى متأثّرين بتقاليد الإمبراطوريّة الرومانيّة العالميّة، وفكرة الكنيسة العالميّة أيضًا، ومِن ثَمَّ اعتبروا العالم المسيحي بأكمله يمثّل دولة واحدة على رأسها زعيمان هما البابا والإمبراطور، ليعبّر الأوّل عن السلطة الدينيّة، ويعبّر الثاني عن السلطة الدنيويّة. وهكذا أسهمت النهضة في إنكار وهدم كلّ هذه المبادئ، فأوّلًا نادت بالفرديّة، وثانيًا نادت بأنَّ لكلّ دولة كيان سياسي مستقلّ يعتمد على الشعور القومي الذي يربط بين أبنائها الذين ينعمون بالفرديّة والحريّة والاستقلال، ما جعلهم يتعصّبون لبعضهم بعضًا، فضلًا عن تعصّبهم لأوطانهم الجديدة[126]. وهكذا أمست أوروبا في نهاية المطاف منقسمة إلى عدد من الدول، لكلٍّ منها مصالحها المختلفة عن الأخرى، ونظامها السياسي الحاكم فيها، وغالبًا ما يفصل الدول عن الأخرى منطقة عريضة مِن الأرض المتنازع عليها[127]، فكانت سببًا في إشعال حروب دمويّة وعنيفة بين هذه الدول الأوروبيّة القوميّة الحديثة على قضيّة ترسيم الحدود، في إثر طمع كلّ دولة بمقدّرات الدول الأخرى[128].
لقد جاء مفهوم الأمّة في الوقت المعيّن ليساند مبدأ السلطة المركزيّة أو السيادة الرومانيّة التي حاول الملوك والأمراء الغربيّون إرساء سلطتهم عليها، وقد أرسى أركانه تقليد قبول أعضاء المجلس الأعلى في فرنسا، و«وحدة المملكة» في إنكلترا، فغدا هنا «السيادة والقوّة»، وهناك «السلطة المطلقة» التي تحدّد كلّها السلطة الملكيّة. واعترف الملك في إقسامه اليمين للربّ، وللرعيّة أمام الربّ، بأنَّه لن يكون سوى حارس شعبه. وفي فرنسا نفسها كتب مؤلّف «حلم الروضة» بإيعاز مِن الملك شارل الخامس: «إنّ المُلك يُقام .. بإرادة الشعب وحكمه». وبحث الملوك في كلّ مكان عن نقطة يرتكزون إليها في الاستشارات القوميّة: جمعيّات مجالس الطبقات، البرلمانات، المجامع، ومجلس المندوبين، التي كانوا يطلبون إليها إبرام أو رفض المعاهدات ويعتصمون بآرائها، وكأنّها آراء رجال قانون؛ لتبرير أخطر القرارات التي يتّخذونها في حقل السياسة الداخليّة أو الدوليّة. وباستطاعتنا القول في هذا الصدد إنَّ الأمّة التي يرمز إليها اتّفاق الأمير وممثّلي الجماعات، كانت مدعوّة طبعًا لأنْ تصبح مرتكزة السيادة بالذات. وإذا ما نظرنا مِن هذه الزاوية إلى الصراع الفرنسي الإنكليزي الطويل، الإقطاعي في ظواهره، والسلالي في أسبابه المعلنة، لرأينا أنَّه ملكي قومي في جوهره في آن؛ لأنَّه استعجل انهيار الأنظمة الإقطاعيّة، وبرهن في الوقت نفسه على أنَّه محاولة لتحديد النطاق الإقليمي والبشري، إذ يستطيع كلّ أمير بل يتوجّب عليه ممارسة سيادته كاملة[129].
لقد أنهى نشوء الدول الأوروبيّة القوميّة الحديثة الأنظمة الإمبراطوريّة والثيوقراطيّة، تلك الأنظمة التي استمرّت طيلة العصور الوسطى وكانت سمة بارزة لها. فالدولة الإمبراطوريّة والكنيسة ظلّتا تتلاعبان بخيوط الحياة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة في أوروبا العصور الوسطى إلى أنْ ضعفتا فأفسحتا المجال لظهور نظام سياسي جديد. وهكذا اندثرت بعض النظريّات السياسيّة التي كانت سائدة في العصور الوسطى، ومنها النظريّة القائلة بأنَّ الكنيسة لها الهيمنة على الحياة الروحيّة، في حين يحكم الإمبراطور في الأرض بتفويض مِن الله عز وجل، وليس لأيِّ شخص أنْ يحاسب الإمبراطور؛ إذ إنَّه يستمدّ سلطات مِن الله تعالى. لقد بدأت تظهر نظريّات سياسيّة جديدة تتناغم أكثر مع مصالح الطبقة الوسطى والنظام السياسي الذي ارتضت أنْ تتحالف معه (النظام الملكي الـمطلق)، ومنها النظريّة التي تؤمن بأنَّ للملك الحقّ في استخدام الوسائل كافّة التي يراها مناسبة لنموّ ورقي الأمّة، وكذلك النظريّة الأخرى القائلة بأنَّ الحكومة إنَّما أنشئت لأهداف واضحة، وهي تحقيق مصلحة المواطنين أو المحكومين[130].

وسرعان ما بدأ يظهر لهذه الدول القوميّة الأوروبيّة الحديثة نوع مِن السياسة الخارجيّة، وإنْ كانت في إطارها العام تافهة أو قاصرة عن المفهوم العلمي للكلمة، إلّا أنَّها تعبّر عن واقع الحال؛ فالأحلاف السياسيّة الواسعة -وإنْ كانت تنسّق باستمرار- فإنَّها نادرًا ما وجدت وفي الأحوال النادرة التي وجدت فيها، لم تؤد إلى أيِّ نتيجة ملحوظة. على أنَّ بعض المصالح المشتركة كان مسلّمًا به، فلم تنظر أيّ قوّة نظرة عدم الاكتراث إلى أيّ حركة تهدّد وجود البابويّة التي كانت تمثّل الوحدة الدينيّة. ومع أنَّ مبدأ توازن القوى لم يكن قد تبلور بعد، فقد كان مفهومًا حتّى ذلك الوقت أنَّ نموّ أيّ قوّة نموًّا متطرّفًا يزعج القوى الأخرى حتّى ولو لم تكن في خطر مِن الغزو الوشيك. ولذلك فكلّما اكتسبت الإمبراطوريّة اليد العليا على الكنيسة أو كلّما ظهر حشد مِن الآسيويين في الأفق يهدّد أوروبا بالغزو، أو كلّما بدت فرنسا على وشك أنْ تصبح ولاية لإنكلترا، أو إيطاليا ولاية لفرنسا، دقّ ناقوس المنذرين أجراس الخطر، وتبع ذلك تبادل الآراء بين الحكّام، فتعقد المعاهدة تلو الأخرى، ويكون التحالف في مقابل الآخر. غير أنَّ الشعوب نادرًا ما كانت تتحرّك، وينتهي اضطراب الطبقات الحاكمة في فورة الكلام[131].

الخاتمة
إنَّ البحث في تاريخ تكوّن نظريّة الدولة في أوروبا، يشير إلى أنَّها لم تعرف خطًّا تطوّريًّا تصاعديًّا واحدًا، وإنَّما تمحورت هذه النظريّة في مطلع العصور الوسطى نحو مركزيّة شديدة، في محاولة لتقليد الإمبراطوريّة الرومانيّة القديمة، مع تطعيم نظام الحكم في روما العصور الوسطى بنكهة مِن أنظمة القوط، إلّا أنَّ هذا النظام المركزي في الحكم سرعان مازال وتلاشى. ورغم أنَّ القبائل الجرمانيّة، التي استوطنت الغرب الأوروبي في مطلع العصور الوسطى، اعتمدت لنفسها أنظمة ملكيّة استبداديّة مستلهمة إيّاها مِن إرثها القبلي، يكون الملك وفقًا لها صاحب صلاحيات مطلقة، فله حقّ التصرف في أرضها وثروتها وعناصرها وفق ما يرتئيه مصلحة لها، إلّا أنَّ هذا النظام المركزي في الحكم سرعان مازال وتلاشى أيضًا. وأخذت أوروبا تتّجه نحو التفرقة والتجزئة في ظلّ نظام إقطاعي فرض نفسه على الحالة الاقتصاديّة والسياسيّة العامّة في أوروبا. فأمام عجز الأنظمة المركزيّة عن الاستمرار في سياستها الإداريّة نتيجة الأخطار التي كانت تهدّد أوروبا، لجأ الملوك إلى توزيع أراضي مملكتهم على شكل مقاطعات لشخصيّات متنفّذة لقّبت بالكونت، وسرعان ما أصبح هذا الكونت هو صاحب السلطة السياسيّة والإقطاعيّة في مملكته، وهكذا استمرّت أوروبا حتّى القرن الحادي عشر الميلادي منطقة ريفيّة متقوقعة على ذاتها، لم تتشكّل على المستوى السياسي، كما أنَّها كانت مجرّد منطقة مُتَخلّفة بالقياس إلى كلّ مِن العلمين البيزنطي والحضارة العربيّة–الإسلاميّة. وبعد التلاقح مع الحضارة العربيّة عبر ثلاث جسور، هي الأندلس وصقلية وبلاد الشام في عصر الحروب الصليبيّة وبدايات عصر النهضة، بدأت أوروبا تميل نحو الدولة الوطنيّة، وبدأت تتشكّل ملامح نزعة قوميّة تعصبيّة بين سكّان أوروبا، قد اختلفت حدّة هذه النزعة باختلاف درجة تطوّر تلك البلدان والشعوب على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والفكري. إلّا أنَّ فرنسا كانت سبّاقة في هذا التوجّه، حتّى إنَّها تأتي على رأس هذه البلدان. وفي نهاية القرن الثاني عشر للميلاد تقريبًا، كانت اللغة الفرنسيّة يتمّ التحدّث بها في كلّ بلاطات أمرائها، وإنَّ مَنْ دعم هذه النزعة القوميّة وتبنّاها هم أفراد الطبقة الوسطى في جميع أرجاء أوروبا، والنظام السياسي الذي ارتضت أنْ تتحالف معه هو (النظام الملكي الـمطلق)، وآمنت بالنظريّة التي ترى أنَّ للملك الحقّ في استخدام الوسائل كافّة، التي يراها مناسبة لنموّ ورقيّ الأمّة.

ذلك على صعيد نظريّة الدولة السياسيّة البحتة، أمّا على صعد نظريّة الدولة الثيوقراطيّة، فالمتابع لتاريخ أوروبا في العصور الوسطى، سيجد أنَّ تسميتها بعصور الإيمان، هو خير وصف لها، إلّا أنَّ الصراعات بين البابويّة والملوك الذين استقلّوا بقراراتهم السياسيّة عنها، مِن ملوك القرن الحادي عشر، وكانوا  جملة مِن القادة الطموحين مِن أمثال وليم الفاتح ملك إنكلترا، والإمبراطور هنري الثالث وابنه هنري الرابع، وروجر الأوّل النورماني حاكم صقلية، وروبرت جويسكارد الذي كان ابنه بوهيموند مِن أبرز زعماء الحملة الصليبيّة الأولى، وألفونسو السادس ملك قشتالة. سيجد سلطة البابا الروحيّة المطلقة على أوروبا، والزمنيّة خلال بعض الفترات بدأت تترنّح، لكنَّ الضربة الموجعة لها كانت في الصراع الطويل مع الإمبراطوريّة الرومانيّة المقدّسة، والذي احتدم بين الكنيسة والدولة حول مسألة التنصيب أو الترسيم، أو منح المراتب الكنسيّة، ما أسهم في تبدّل المشهد السياسي في أوروبا، وحوَّل أوروبا إلى ساحة صراع بين البابا والإمبراطور خلال السنوات الممتدّة بين عامي (1050-1122م). ورغم حدّة الصراع، فقد استمرّ مبدأ التوازن بين القوّتين زمنًا، قبل أنْ تتمكّن البابويّة مِن أنْ تكسب لصالحها ذلك الصراع الطويل بين الكنيسة والدولة.  

قائمة المصادر والمراجع
إدوار بروي، تاريخ الحضارات العام، القرون الوسطى، ج3، ط2، نقله إلى العربيّة: يوسف داغر وفريد داغر، منشورات عويدات، بيروت – باريس 1986م.
أشرف صالح سيّد، تاريخ وحضارة أوروبا العصور الوسطى، شركة الكتاب العربي الإلكتروني، لبنان 2008م.
إينهارد، سيرة شارلمان، ترجمة عادل زيتون، دار حسّان للطباعة والنشر، دمشق 1989م.
توبي أ. هف، فجر العلم الحديث (الإسلام، الصين، الغرب)، ترجمة: محمّد عصفور، مجلّة عالم المعرفة، الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، العدد 260، أغسطس 2002م.
جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ تعريب وتقديم: محمّد حنّاوي، ويوسف نكادي، ط1، مطبعة مفكر زنقة السنغال، الرباط 2015م.
سعيد عاشور، أوروبا في العصور الوسطى، ج2، النظم والحضارة، مكتبة النهضة المصريّة، القاهرة 1959م.
سمير صالح العمر، الحروب الصليبيّة تطوّر المصطلح والمفهوم، جامعة الكوفة، كليّة الآداب، د.ت.
عبد العزيز السديس، تطوّر النظم الاقتصاديّة، تحوّل أوروبا مِن نظام الإقطاع إلى النظام الرأسمالي باستخدام نظريّة كوفالييف، جامعة الملك سعود، الرياض د.ت.
عزّ الدين عناية، الدولة الدينيّة المسيحيّة في العصور الوسطى ومسألة فصل الدولة عن الكنيسة، مجلّة التفاهم، د.ت.
قاسم عبده قاسم، ماهية الحروب الصليبيّة، مجلّة عالم المعرفة، الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، العدد 149، مايو 1990م.
كانتور، العصور الوسطى الباكرة، القرن الثالث – القرن التاسع الميلادي، ترجمة: قاسم عبده قاسم، عين للدراسات والبحوث الإنسانيّة والاجتماعيّة، القاهرة 1993م.
 ماريا لويز برنيري، المدينة الفاضلة عبر التاريخ، ترجمة: عطيّات أبو السعود، مراجعة عبد الغفار مكّاوي، مجلّة عالم المعرفة، الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، العدد 225، سبتمبر 1997م.
 محمود عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، دار المعرفة الجامعيّة، الإسكندريّة 1998م.
 محمود جمال الدين وعبد العزيز نوار، التاريخ الأوروبي الحديث من عصر النهضة حتّى نهاية الحرب العالميّة الأولى، دار الفكر العربي، القاهرة 1999م.
 موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، ترجمة: علي السيّد علي، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للقافة، القاهرة 2004م.
 نعيم فرح، تاريخ أوروبا السياسي في العصور الوسطى، ط6، منشورات جامعة دمشق، دمشق 2005م.
 نور الدين حاطوم، تاريخ العصر الوسيط في أوروبا، ج1، مِن أواخر العصر الروماني إلى القرن الثاني عشر، الموسوعة التاريخيّة الحديثة، دار الفكر، دمشق 1982م.
 نيفين ظافر الكردي، الأوضاع الدينيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة في الغرب الأوروبي مِن القرن التاسع حتّى القرن الحادي عشر، رسالة معدّة لنيل درجة الماجستير في التاريخ، الجامعة الإسلاميّة، غزّة 2011م.
 هنري كارلس ديفز، أوروبا في العصور الوسطى، ترجمة: عبد المجيد محمود، دار المعارف، الإسكندريّة 1958م.
 هنري كارلس ديفز، شارلمان، ترجمة: السيّد الباز العريني، مكتبة النهضة المصريّة، القاهرة 1959م.
 ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، العصور المظلمة، ج3، مج4، ترجمة: محمّد بدران، بيروت 1988م.    


-----------------------
[1]- طالب دكتوراه في قسم التاريخ-جامعة دمشق.
[2]- إينهارد، سيرة شارلمان، ترجمة: عادل زيتون، دار حسّان للطباعة والنشر، دمشق 1989م، ص15.
[3]- نيفين ظافر الكردي، الأوضاع الدينيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة في الغرب الأوروبي مِن القرن التاسع حتّى القرن الحادي عشر، رسالة معدّة لنيل درجة الماجستير في التاريخ، الجامعة الإسلاميّة، غزة 2011م، ص15.
[4]- محمود عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، دار المعرفة الجامعيّة، الإسكندريّة 1998م، ص35.
[5]- سعيد عاشور، أوروبا في العصور الوسطى، ج2، النظم والحضارة، مكتبة النهضة المصريّة، القاهرة 1959م، ص43.
[6]- محمود عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص36.
[7]- الفرنجة هم قبائل بربريّة جرمانيّة، وتعني كلمة فرنجة باللغة اللاتينيّة «حرًّا»، وقد أطلق الرومان على الأقوام التي كانت تستقل عن روما وتتحرّر عن السلطة الرومانيّة، وفيما بعد اشتقّ اسم فرنسا مِن كلمة فرنجة، التي كانت تسمّى غالية، نسبة إلى سكّانها الكلت الذين أطلق عليهم الرومان اسم الغال. انظر: نعيم فرح، تاريخ أوروبا السياسي في العصور الوسطى، ط6، منشورات جامعة دمشق، دمشق 2005م، ص35.
[8]- محمود عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص36.
[9]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ تعريب وتقديم: محمّد حناوي، ويوسف نكادي، ط1، مطبعة مفكّر زنقة السنغال، الرباط 2015م، ص81.
[10]- نعيم فرح، تاريخ أوروبا السياسي في العصور الوسطى، ص49.
[11]- محمود عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص37.
[12]- نعيم فرح، تاريخ أوروبا السياسي في العصور الوسطى، ص49.
[13]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص80.
[14]- محمود عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص37.
[15]- نعيم فرح، تاريخ أوروبا السياسي في العصور الوسطى، ص49، 50.
[16]- محمود عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص37.
[17]- هنري كارلس ديفز، أوروبا في العصور الوسطى، ترجمة: عبد المجيد محمود، دار المعارف، الإسكندريّة 1958م، ص44.
[18]- محمود عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص37.
[19]- نعيم فرح، تاريخ أوروبا السياسي في العصور الوسطى، م.س، ص48.
[20]- م.ن، ص50.
[21]- محمود عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص37.
[22]- نعيم فرح، تاريخ أوروبا السياسي في العصور الوسطى، م.س، ص50.
[23]- محمود عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص37.
[24]- عز الدين عناية، الدولة الدينيّة المسيحيّة في العصور الوسطى ومسألة فصل الدولة عن الكنيسة، مجلّة التفاهم، ص36.
[25]- هنري كارلس ديفز، أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص49.
[26]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، ترجمة: علي السيّد علي، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للقافة، القاهرة 2004م، ص29.
[27]- عز الدين عناية، الدولة الدينيّة المسيحيّة في العصور الوسطى، م.س، ص36.
[28]- عبد العزيز السديس، تطوّر النظم الاقتصاديّة، تحوّل أوروبا من نظام الإقطاع إلى النظام الرأسمالي باستخدام نظريّة كوفالييف، جامعة الملك سعود، الرياض د.ت، ص13.
[29]- كانتور، العصور الوسطى الباكرة، القرن الثالث – القرن التاسع الميلادي، ترجمة: قاسم عبده قاسم، عين للدراسات والبحوث الإنسانيّة والاجتماعيّة، القاهرة 1993م، ص193.
[30]- عبد العزيز السديس، تطوّر النظم الاقتصاديّة، م.س، ص13.
[31]- سعيد عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص45.
[32]- ول. ديورانت، قصّة الحضارة، عصر الإيمان، العصور المظلمة، ج3، مج4، ترجمة: محمّد بدران، بيروت 1988م، ص406.
[33]- قاسم عبده قاسم، ماهية الحروب الصليبيّة، مجلّة عالم المعرفة، الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، العدد 149، مايو 1990م، ص54.
[34]- عبد العزيز السديس، تطوّر النظم الاقتصاديّة، م.س، ص32.
[35]- سعيد عاشور، النظم والحضارة، م.س، ص47.
[36]- محمود عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص76-77.
[37]- محمود جمال الدين وعبد العزيز نوّار، التاريخ الأوروبي الحديث مِن عصر النهضة حتّى نهاية الحرب العالميّة الأولى، دار الفكر العربي، القاهرة 1999م، ص33.
[38]- محمود جمال الدين وعبد العزيز نوار، التاريخ الأوروبي الحديث، م.س، ص33.
[39]- قاسم عبده قاسم، ماهية الحروب الصليبيّة، م.س، ص48.
[40]- نعيم فرح، تاريخ أوروبا السياسي في العصور الوسطى، م.س، ص46.
[41]- عز الدين عناية، الدولة الدينيّة المسيحيّة في العصور الوسطى، م.س، ص36.
[42]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص31.
[43]- نعيم فرح، تاريخ أوروبا السياسي في العصور الوسطى، م.س، ص55.
[44]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص31.
[45]- عز الدين عناية، الدولة الدينيّة المسيحيّة في العصور الوسطى، م.س، ص36.
[46]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص32.
[47]- م.ن، ص33.
[48]- م.ن، ص62.
[49]- م.ن، ص34.
[50]- هنري كارلس ديفز، شارلمان، ترجمة: السيّد الباز العريني، مكتبة النهضة المصريّة، القاهرة 1959م، ص211- 213.
[51]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص32.
[52]- عز الدين عناية، الدولة الدينيّة المسيحيّة في العصور الوسطى، م.س، ص31.
[53]- وهي مدينة آخن الألمانيّة، والواقعة على الحدود مع بلجيكا.
[54]- نعيم فرح، تاريخ أوروبا السياسي في العصور الوسطى، م.س، ص61.
[55]- نعيم فرح، تاريخ أوروبا السياسي في العصور الوسطى، م.س، ص61، 62.
[56]- محمود عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص38، 39.
[57]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص38.
[58]- نعيم فرح، تاريخ أوروبا السياسي في العصور الوسطى، م.س، ص62.
[59]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص38.
[60]- نعيم فرح، تاريخ أوروبا السياسي في العصور الوسطى، م.س، ص63.
[61]- محمود عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص40.
[62]- محمود عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س،  ص40.
[63]- نعيم فرح، تاريخ أوروبا السياسي في العصور الوسطى، م.س، ص75.
[64]- محمود جمال الدين وعبد العزيز نوار، التاريخ الأوروبي الحديث، م.س، ص43.
[65]- نور الدين حاطوم، تاريخ العصر الوسيط في أوروبا، م.س، ص248.
[66]- محمود عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص41
[67]- نور الدين حاطوم، تاريخ العصر الوسيط في أوروبا، م.س، ص188.
[68]- قاسم عبده قاسم، ماهية الحروب الصليبيّة، م.س، ص55.
[69]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص39.
[70]- عز الدين عناية، الدولة الدينيّة المسيحيّة في العصور الوسطى، م.س، ص31، 32.
[71]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص28.
[72]- عز الدين عناية، الدولة الدينيّة المسيحيّة في العصور الوسطى، م.س، ص30.
[73]- عز الدين عناية، الدولة الدينيّة المسيحيّة في العصور الوسطى، م.س، ص37.
[74]- نور الدين حاطوم، تاريخ العصر الوسيط في أوروبا، م.س، ص184.
[75]- محمود عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص39، 40.
[76]- عز الدين عناية، الدولة الدينيّة المسيحيّة في العصور الوسطى، م.س، ص35.
[77]- محمود عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص39.
[78]- اينهارد، سيرة شارلمان، م.س، ص57- 67.
[79]- عز الدين عناية، الدولة الدينيّة المسيحيّة في العصور الوسطى، م.س، ص33.
[80]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص52.
[81]- م.ن، ص53.
[82]- عز الدين عناية، الدولة الدينيّة المسيحيّة في العصور الوسطى، م.س، ص37.
[83]- م.ن، ص41-42.
[84]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص71.
[85]- عز الدين عناية، الدولة الدينيّة المسيحيّة في العصور الوسطى، م.س، ص33.
[86]- توبي أ. هف، فجر العلم الحديث ، م.س، ص141.
[87]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص52
[88]- عز الدين عناية، الدولة الدينيّة المسيحيّة في العصور الوسطى، م.س، ص33، 34
[89]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص52.
[90]- عز الدين عناية، الدولة الدينيّة المسيحيّة في العصور الوسطى، م.س، ص34.
[91]- نيفين ظافر الكردي، الأوضاع في الغرب الأوروبي، م.س، ص36.
[92]- عز الدين عناية، الدولة الدينيّة المسيحيّة في العصور الوسطى، م.س، ص39.
[93]- نيفين ظافر الكردي، الأوضاع في الغرب الأوروبي، م.س، ص36.
[94]- قاسم عبده قاسم، ماهية الحروب الصليبيّة، م.س، ص67.
[95]- عز الدين عناية، الدولة الدينيّة المسيحيّة في العصور الوسطى، م.س، ص39، 40.
[96]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص54.
[97]- نيفين ظافر الكردي، الأوضاع في الغرب الأوروبي، م.س، ص38.
[98]- عز الدين عناية، الدولة الدينيّة المسيحيّة في العصور الوسطى، م.س، ص40.
[99]- قاسم عبده قاسم، ماهية الحروب الصليبيّة، م.س، ص68.
[100]- سمير صالح العمر، الحروب الصليبيّة تطوّر المصطلح والمفهوم، جامعة الكوفة، كليّة الآداب، د.ت، ص114.
[101]- قاسم عبده قاسم، ماهية الحروب الصليبيّة، م.س، ص48.
[102]- عز الدين عناية، الدولة الدينيّة المسيحيّة في العصور الوسطى، م.س، ص40.
[103]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص79.
[104]- عز الدين عناية، الدولة الدينيّة المسيحيّة في العصور الوسطى، م.س، ص41
[105]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص79.
[106]- نعيم فرح، تاريخ أوروبا السياسي في العصور الوسطى، ص140.
[107]- إدوار بروي، تاريخ الحضارات العام، القرون الوسطى، ج3، ط2، نقله إلى العربيّة: يوسف داغر وفريد داغر، منشورات عويدات، بيروت – باريس 1986م، ص457.
[108]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص79.
[109]- إدوار بروي، تاريخ الحضارات العام، ج3، م.س، ص456.
[110]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص185.
[111]- سعيد عاشور، أوروبا في العصور الوسطى، ج2، م.س، ص291.
[112]- إدوار بروي، تاريخ الحضارات العام، ج3، م.س، ص456-457.
[113]- عز الدين عناية، الدولة الدينيّة المسيحيّة في العصور الوسطى، م.س، ص42.
[114]- جاك لو كوف، هل ولدت أوروبا في العصر الوسيط؟ م.س، ص186.
[115]- عز الدين عناية، الدولة الدينيّة المسيحيّة في العصور الوسطى، م.س، ص42-43.
[116]- قاسم عبده قاسم، ماهية الحروب الصليبيّة، م.س، ص49.
[117]- هنري كارلس ديفز، أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص154-155.
[118]- إدوار بروي، تاريخ الحضارات العام، ج3، م.س، ص455.
[119]- نعيم فرح، تاريخ أوروبا السياسي في العصور الوسطى، ص140-141.
[120]- إدوار بروي، تاريخ الحضارات العام، ج3، م.س، ص455.
[121]- إدوار بروي، تاريخ الحضارات العام، ج3، م.س، ص455-456.
[122]- محمود جمال الدين وعبد العزيز نوار، التاريخ الأوروبي الحديث، م.س، ص36.
[123]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص51.
[124]- ماريا لويز برنيري، المدينة الفاضلة عبر التاريخ، ترجمة: عطيّات أبو السعود، مراجعة: عبد الغفار مكّاوي، مجلّة عالم المعرفة، الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، العدد 225، سبتمبر 1997م، ص82.
[125]- محمود جمال الدين وعبد العزيز نوّار، التاريخ الأوروبي الحديث، م.س، ص10.
[126]- سعيد عاشور، أوروبا في العصور الوسطى، ج2، م.س، ص286.
[127]- هنري كارلس ديفز، أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص157.
[128]- سعيد عاشور، أوروبا في العصور الوسطى، ج2، م.س، ص286.
[129]- إدوار بروي، تاريخ الحضارات العام، ج3، م.س، ص454-455.
[130]- محمود جمال الدين وعبد العزيز نوّار، التاريخ الأوروبي الحديث، م.س، ص10.
[131]- هنري كارلس ديفز، أوروبا في العصور الوسطى، م.س، ص156.