البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الاحتلال الروماني لمصر والمغرب العربي القديم وتداعياته

الباحث :  أ.عقيل نمير
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  32
السنة :  خريف 2023م / 1445هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 25 / 2024
عدد زيارات البحث :  223
تحميل  ( 419.654 KB )
الملخص
لقد خاضت الدولة الرومانيّة على مدى قرون ممتدّة العديد من الحروب والصراعات، ومن الطبيعي أن تغلب السلبيات والسلوك القبيح للمستعمر على أهل وموارد البلدان المستعمرة، وهو بالفعل ما ظهر بشكل جليّ في حروب الرومان وإن حالوا تقديم صورة واحدة وجميلة للحضارة الرومانية تجمع في مشهديّتها صورة الحضارة المتقدّمة والمتطوّرة في مجال الفن والعمارة والإدارة، وغيّبوا الوجه الآخر لهذه الصورة والمتمثّل بالأعمال السلبيّة التي وقع بها رجال السياسة والإدارة الرومان في حكم البلاد التي احتلّوها، وفي الأسلوب الوحشي والقمعي الذي اعتمدوه في قمع الثورات التي قامت في مصر وشمال أفريقيا أثر مصادرة الأراضي الزراعية، والقضاء عليها بوحشية...، وغيرها من السلبيّات الكثيرة التي رافقت الاحتلال الروماني. وكانت هذه السلبيّات المحور الرئيس في هذا البحث، إلى جانب تركيز البحث على سلبيّات الحياة الاقتصاديّة، وخاصّة الجانب الزراعي؛ لأنّ الزراعة كانت تشّكل الركن الأساس في الحياة في تلك الفترة. ولم يغب عن البحث الحديث عن أهداف الاحتلال الروماني لمصر وشمال أفريقيا (المغرب العربي القديم) وخلفياته. وما نتج عنه من آثار سياسية واقتصادية، ولا سيما الحروب التي عُرفت بـ«الحروب البونيّة»، وتوسيع المعارك والحروب إلى مناطق شمال أفريقيا، والقضاء على دولة قرطاجة وتدمير معالمها، وإلغاء دور حلفائها النوميديين، الذين ساعدوها على إسقاط قرطاجة والتوسّع على حساب موريتانيا.

كلمات مفتاحية: الدولة الرومانيّة، الحروب البونيّة، مصر البطلميّة، قرطاجة، المغرب العربي القديم، جهاز الأنونا الروماني، نوميديا.

مقدّمة
لكلّ دولة- على مرّ العصور- ما لها وما عليها، والدولة الرومانيّة لم تشذ عن هذه القاعدة، فعلى الرغم ممّا قد يزعمه البعض عن تقديم الحضارة الرومانيّة في البلاد التي سيطرت عليها وعلى مدى قرون عديدة، انجازات في مجال الفن والعمارة والإدارة، إلا أن المآخذ التي تسجّل على الدولة الرومانيّة أكبر بكثير مما قدمته، والتي كانت بمثابة سلبيّات وقع بها رجال السياسة والإدارة الرومان في حكم البلاد التي احتلّوها، وكانت هذه السلبيّات المحور الرئيس في هذا البحث، وتتناول السلبيّات الحياة الاقتصاديّة، وخاصّة الجانب الزراعي، والقليل عن الجانب الاجتماعي، لأنّنا لا نستطيع في هذه الصفحات القليلة أن نغطّي ما تركه الرومان من سلبيّات في جميع مناحي الحياة، وكان تركيزنا على الجانب الاقتصادي الزراعي؛ لأنّ الزراعة كانت تشّكل الركن الأساس في الحياة في تلك الفترة، ومن هنا عمل الرومان على مصادرة الأراضي الخصبة من أصحابها في مصر وشمال أفريقيا (محور الدراسة)، وشجّعوا المستثمرين الرومان على استغلال الأراضي الخصبة في كلا الولايتين، وخاصّة المنتجة للحبوب، وبصورة خاصّة القمح والشعير، ولم تمر عمليّات مصادرة الأراضي من أصحابها بسلام، إذ نتج عنها قيام الثورات في مصر وشمال أفريقيا، ولكنّ سلطات الاحتلال الروماني قضت عليها بوحشيّة تامّة، وخضع من تبقّى من الفلاحين على أراضيهم للأمر الواقع.

وقبل الحديث عن السلبيّات التي رافقت الاحتلال الروماني، بدأنا بحثنا بالحديث عن الاحتلال الروماني لمصر، وقدّمنا له بلمحة عن العلاقات التي كانت تربط روما بدولة البطالمة الحاكمة في مصر، وكيف تطوّرت هذه العلاقات من اقتصاديّة وتحوّلت إلى سياسيّة، وبالنتيجة التدخّل في السياسة الداخليّة والمنازعات الأسريّة للبطالمة، وانتهى هذا التدخّل إلى احتلال مصر بعد هزيمة البطالمة في معركة أكتيوم البحريّة سنة 31ق.م، وعلى أثرها تمكّن الرومان من احتلال مصر، وقضوا على أسرة البطالمة الحاكمة فيها.
أمّا فيما يتعلّق بالمغرب العربي القديم –شمال أفريقيا– فقد تحدّثنا عن تنبّه الرومان لدولة قرطاجة في تونس، ومنافستها للرومان في الحوض الغربي للمتوسّط وعلى القارة الأوروبيّة نفسها، الأمر الذي دفع الرومان إلى الدخول مع القرطاجيين في حروب أطلق عليها المؤرّخون اسم الحروب البونيّة، وعددها ثلاثة حروب، ولكن لمّا شعرت روما بقوّة قرطاجة بزعامة القائد العسكري هانيبال الذي هزم روما في عقر دارها، هنا تنبّهت روما ولجأت إلى الحيلة والفتنة بين دولة قرطاجة ودولة نوميديا (في الجزائر الحاليّة) وتمكّنت من نقل المعارك إلى شمال أفريقيا، واستطاعت في النهاية القضاء على دولة قرطاجة وتدمير معالمها، ثمّ مدّت نفوذها على حساب حلفائها النوميديين، الذين ساعدوها على إسقاط قرطاجة وضمّوا دولتهم إلى النفوذ الروماني، ثمّ توسّعوا على حساب موريتانيا، وشكّلوا من هذه البقاع ولاية شمال أفريقيا الرومانيّة، وقاموا بمصادرة الأراضي الزراعيّة وتهجير الأهالي ونقل منتجات هذه الأراضي إلى روما ضاربين عرض الحائط بحاجة الفلاحين والسكّان المغاربة من الاستفادة من إنتاج أراضيهم وما تدرّه من غلال، ولم تراع السلطات الحاكمة الرومانيّة سنوات القحط والأوبئة التي تعرّضت لها الولاية.

أوّلًا: لمحة عن تطوّر العلاقات بين الرومان ومصر البطلميّة قبيل الاحتلال الروماني لمصر سنة 30ق.م
خرجت العلاقات بين مصر البطلميّة وروما عن مظهرها الاقتصادي، وبدأت تأخذ مظهرًا سياسيًّا، وذلك منذ نهاية القرن الثالث قبل الميلاد. فبعد انتهاء الحرب البونيّة الأولى سنة241ق.م (التي دارت رحاها بين الرومان وقرطاجة والتي بدأت سنة 264ق.م، والتي سنتحدّث عنها بالتفصيل عندما نتناول الاحتلال الروماني للمغرب القديم).
عرضت روما مساعدتها على مصر في حربها ضدّ الدولة السلوقيّة الحاكمة في سورية إلّا أنّ الملك بطليموس الثالث رفض المساعدة متذرّعًا بأنّ الحرب بينه وبين السلوقيين في سورية قد انتهت[2].

أرسلت روما إلى البطالمة في مصر سفارة بعد انتهاء الحرب البونيّة الثانية مع دولة قرطاجة سنة 201ق.م، تطلب من الملك بطليموس الخامس الوقوف على الحياد في حال إعلان روما الحرب على الملك المقدوني فيليب الخامس الذي وقف ضدّ روما في حربها مع قرطاجة (الحرب البونيّة الثانية)[3].

هنا أرادت روما من طلبها هذا أن تبقي على الوضع الراهن في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسّط، والقضاء على أيّ محاولة لإيجاد دول قويّة جديدة قد يشكّل وجودها خطرًا بشكل أو بآخر على الدولة الرومانيّة، التي بدأت تتوسّع في هذه المنطقة؛ أي الحوض الشرقي للمتوسّط[4]، أو محاولة جعل الأوضاع السياسيّة القائمة لمصلحة روما أوّلًا وقبل كلّ شيء، والدليل على ذلك لم يأت القرن الثاني قبل الميلاد حتّى كانت العلاقات بين روما ومصر قد دخلت مرحلة جديدة من التدخّل السياسي من جانب الرومان في الأوضاع الداخليّة لأسرة البطالمة الحاكمة في مصر، بالمقابل كانت دولة البطالمة في مصر تزداد ضعفًا بينما كان الرومان يزدادون قوّة[5]، وخير دليل على ضعف مصر البطلميّة في هذه الفترة (بسبب المنازعات الأسريّة) قيام الممالك المجاورة لمصر بالتنافس على ممتلكاتها الخارجيّة، وخاصّة التفاهمات التي حدثت بين ملك مقدونية فيليب الخامس وأنطيوخس الثالث ملك الدولة السلوقيّة في سورية، حيث كان هناك حديث عن معاهدة عقدت بن الملكين لاقتسام ممتلكات الدولة البطلميّة[6].

أعطى هذا التحوّل -في سياسة المنطقة- للرومان الفرصة الذهبيّة للتدخّل في شؤون أسرة البطالمة الحاكمة في مصر بحجّة حمايتها من أطماع الملكين المقدوني والسلوقي، وكان الهدف الحقيقي من هذا التدخّل منع قيام أيّ دولة جديدة تهدّد خطط روما في التوسّع، سواء في الحوض الشرقي أو الغربي للمتوسّط، إذ إنّ قيام أيّ دولة مثل مقدونية أو سورية السلوقيّة بغزو مصر والسيطرة عليها سيؤدّي إلى اختلال التوازن، وإلى قيام دولة قويّة تكون ندًّا للرومان أو تتفوّق عليهم، وهذا يدفعنا إلى فهم موقف روما إلى جانب دولة البطالمة عندما غزاها الملك السلوقي أنطوخيوس الرابع وحاصر مدينة الإسكندريّة، حيث وقفت روما إلى جانب مصر في هذه الحرب، وأجبرت الملك السلوقي للانسحاب والعودة إلى سورية[7].

ودخلت العلاقات -على إثر ذلك- بين دولة البطالمة وروما مرحلة جديدة، إذ بدأت روما تعمل على استغلال المنازعات التي حدثت بين أفراد أسرة البطالمة؛ وذلك لإضعاف مصر والسيطرة على ممتلكاتها في برقة وقبرص، وبلغ نفوذ روما درجة كبيرة من السيطرة على ملك البطالمة بطليموس الثامن لدرجة أنّ الأخير طلب (أثناء صراعه على العرش مع أخيه بطليموس السادس) أن تؤول مملكة البطالمة في مصر إلى روما إذا مات دون وريث حتّى لا يعتلي عرش المملكة شقيقه بطليموس السادس[8].
بالنتيجة، إنّ تدخّل روما في الحياة الخاصّة لملوك البطالمة في مصر ساعدها في الاطلاع عن قرب على المشكلات التي وقعت فيها هذه الأسرة ونقاط ضعفها، ممّا أدّى بالنهاية إلى دخولهم إلى مصر واحتلالها سنة 31ق.م بعد خوضهم معركة أكتيوم البحريّة مع كليوبترا، والتي تمكّن فيها القائد الروماني أوكتافيانوس (أوغسطس) من شلّ حركة جيوش الملكة كليوباترا السابعة وصديقها الروماني أنطونيوس، واضعًا بذلك نهاية لآخر ملوك البطالمة في مصر (بعد أن فضّلت الانتحار على أن تقع أسيرة في يد الرومان)، حيث كانت الشخصيّة السياسيّة والعسكريّة التي تركت أثرها في نفوس الرومان بعد هانيبال القرطاجي، وتغنّى ببطولاتها بعض الشعراء الرومان.

أضيفت مصر -بسقوط دولة البطالمة- إلى سلطان «الشعب الروماني»، وهذه الجملة كانت للقائد أوكتافيانوس الذي سجّلها في سجلّ أعماله (المعروف: بأثر أنقرة) بعد دخوله إلى مصر سنة 30ق.م على إثر معركة أكتيوم البحريّة[9].
ولتثبيت الوجود الروماني في مصر تنبّه أوغسطس لتأمين حدودها المشتركة مع جيرانها، وذلك لكي يتمكّن الرومان من استغلال مصر اقتصاديًّا، وكان ممّا ساعد القائد الروماني أوغسطس على ذلك، الطبيعة الجغرافيّة لمصر بسبب عدم وعورة أراضيها، الأمر الذي سهّل على القوّات الرومانيّة أن تتحرّك بسرعة لضرب أيّ ثورة داخليّة تندلع ضدّ الحكم الروماني للبلاد، بالإضافة إلى طبيعة الحدود المصريّة التي تجعل من الصعب مهاجمتها، إذ يحدّها من الشرق البحر الأحمر وصحراء سيناء، والصحراء الغربيّة من جهة الغرب، والبحر الأبيض المتوسّط من جهة الشمال، وتوجد في الجنوب بعض العوائق الطبيعيّة لصحراء النوبة[10].

وفي الداخل استطاع كورنيليوس جالوس أوّل والٍ روماني أن يقمع بعض الثورات التي اشتعلت في منطقة شرق الدلتا المصريّة والإسكندريّة وصعيد مصر، وذلك في سنة 29ق.م مباشرة بعد مغادرة القائد الروماني أوكتافيانوس (أوغسطس) لمصر، كما استطاع الوالي الأوّل أن يسيطر على حدود مصر الجنوبيّة، وأن يجعل منطقة جنوب أسوان تحت حماية الدولة الرومانيّة[11].
في الوقت نفسه، خصّص القائد الروماني أوغسطس عددًا من قطع الأسطول الروماني في مدينة الإسكندريّة لحمايتها على اعتبارها ميناء أساسيًّا ومهمًّا يمكن عن طريقه غزو مصر، كما أدّى هذا الأسطول دورًا مهمًّا في حماية الساحل الجنوبي للمتوسّط، وتأمين السفن المحمّلة بقمح مصر والمتّجهة إلى روما.

ترك أوغسطس -بالإضافة إلى قطع الأسطول الروماني- اثنين وعشرين ألفاً من الجنود والفرسان لحماية ولاية مصر الرومانية، مع العلم أنّ هذا العدد ليس بالقليل بالنسبة لتلك الفترة هذا من جهة، ومن جهة ثانية يقدّم لنا هذا العدد من الجنود والفرسان الرومان الدليل على أهمّية ولاية مصر كإهراء من إهراءات روما؛ لذلك يتوجّب على الدولة الرومانيّة حمايته وتأمينه ضدّ الثورات الداخليّة، وأيّ تحرّكات غزو خارجي قد يؤثّر على الوجود الروماني في مصر[12].

ثانيًا: الاحتلال الروماني للمغرب العربي القديم وسقوط دولة قرطاجة[13]
كان من بين الأسباب التي دفعت روما إلى احتلال المغرب القديم هو الوجود الفينيقي ممثّلًا بدولة قرطاجة، والذي كان ينافسها في الحوض الغربي للمتوسّط، فبعد أن تمكّنت روما من القضاء على النفوذ الإغريقي في الجنوب الإيطالي، واستطاعت بسط نفوذها على كامل التراب الإيطالي، فقد أصبحت دولة قرطاجة هي العائق الوحيد أمام روما لبسط نفوذها على الجزء الجنوبي من البحر المتوسّط، هذا بالإضافة إلى أطماع روما بالسيطرة على أراضي المغرب القديم وثروته الزراعيّة الغنيّة بمختلف أنواع المنتجات الخام بالنسبة لروما، وخاصّة القمح والشعير[14].

مراحل الاحتلال الروماني لبلاد المغرب العربي القديم
كانت قرطاجة من ألدّ أعداء روما، المدينة المنيعة الواقعة في شمال أفريقيا بالقرب من مدينة تونس الحاليّة، لذلك شنّت روما سلسلة من الحروب ضدّ قرطاجة، والتي عرفت في التاريخ باسم الحروب البونيّة، وتمّت على ثلاث مراحل هي:

الحرب البونيّة الأولى عام 264ق.م
برز في هذه الحرب القائد القرطاجي هملقار واستمرّت هذه الحرب 22 سنة، وكانت أغلب المعارك التي جرت بين الدولتين في هذه الحرب بريّة، وقد انتصرت روما على قرطاجة فيها وفرضت شروطاً قاسية أهمّها:
1. إجبار دولة قرطاجة على تحديد قطع أسطولها البحري.
2. التخلّي عن جزيرة صقلّية بأكملها وبشكل نهائي.
3. انسحاب قرطاجة من جميع الجزر القريبة من جزيرة صقلّية.
4. دفع ضريبة حربيّة ضخمة لخزينة روما.

ولكن استطاعت دولة قرطاجة -بالرغم من هزيمتها وخسارتها في الحرب الأولى- أن تستعيد قوّتها وتلتف حول القائد الجديد هانيبال الذي خلف هملقار وذلك عام 221 ق.م لتبدأ الحرب البونيّة الثانية.

الحرب البونيّة الثانية 219-202ق.م
كان القرطاجيّون في الحرب البونيّة الثانية تحت قيادة زعيمهم هانيبال، والذي كان من أشهر قادة العالم في ذلك الوقت.
سار هانيبال بجيشه وقطع البحر المتوسّط حيث وصل إلى إسبانيا وعبرها باتجاه إيطاليا، واستطاع قطع جبال الألب بالرغم من صعوبتها، واشتبكت قوّاته مع قوّات الرومان بعدّة معارك كان الفوز بها لصالحه، وتمكّن الرومان من جمع جيوشهم بقيادة قنصلين، ولكنّ هانيبال انتصر عليهم في معركة كاناي، وقتل منهم حوالي سبعين ألف جنديّ وضابط، هنا تنبّه الرومان إلى صعوبة الانتصار على القائد القرطاجي هانيبال، فلجؤوا إلى الحيلة ونجحوا في إثارة الفتنة والعمل على توتّر العلاقات بن قرطاجة ونوميديا[15] (في الجزائر اليوم)، وتمكّنوا بالتالي من إشعال الحرب بين قرطاجة من جهة والقادة المغاربة في نوميديا، وتحالف الرومان مع القائد النوميدي ماسينا ضدّ القرطاجيين، وتمكّنوا بالتالي من نقل الحرب إلى شمال أفريقيا[16]، وحسموا الحرب لصالحهم في معركة زاما[17] التي جرت سنة 202 ق.م، والتي ألحقت الهزيمة بالقرطاجيين وخضوعهم لشروط الرومان[18].

الحرب البونيّة الثالثة (149-146ق.م)
انفجرت هذه الحرب بعد حوالي خمسين عامًا تقريبًا على انتهاء الحرب الثانية، فقد صمّمت روما على القضاء على دولة قرطاجة بعدما بثّت النزاعات في المغرب القديم، ووجدت لها حلفاء في دولة نوميديا -كما ذكرنا سابقًا- وتمكّنت روما من سحق الجيش القرطاجي، ودخل جيشها إلى مدينة قرطاجة منتصراً، وانتهت الحرب بتدمير وتخريب قرطاجة على يد القوات الرومانيّة، واستمرّت النار تأكل بها ما يقارب من الشهرين ونيف وذلك عام 146ق.م[19]، وأمر الرومان بإعطاء أراضيها لحلفاء روما، ثمّ استولى الرومان على جميع المناطق الساحليّة لقرطاجة، وضمّوا المنطقة لهم وسمّوها ولاية أفريقيا[20]. وهكذا استطاعت روما القضاء على قرطاجة الدولة والحضارة، والتي كانت ترى فيها العائق في وجه توسّعها الاستعماري في الحوض الغربي للمتوسّط، ولكن لم يكتف الرومان بعد سقوط قرطاجة بممتلكاتها في المغرب العربي القديم بل توجّهوا نحو حلفائهم النوميديين الذين ساعدوهم في القضاء على دولة قرطاجة، ووجدوا فيهم العائق الأكبر في وجه التوسّع الروماني في المغرب العربي القديم، فبعد أن أصبحت روما ونوميديا (الجزائر الحاليّة) متجاورتين في الحدود، بدأت روما بالتدخّل في الشؤون الداخليّة لنوميديا لإسقاط عرشها واحتلال أراضيها، حيث بدأت روما باتباع سياسة الاحتلال التدريجي لنوميديا، وذلك باتخاذ الوصاية على العرش النوميدي[21]. هذا يقدّم لنا الدليل على أنّ التحالف الذي حدث أثناء الحرب البونيّة الثانية قد مكّن روما من السيطرة على الدولة النوميديّة الحاكمة.
ثمّ تبع ذلك تدخّل عسكري لروما للسيطرة على نوميديا، وإزالة الدولة من خريطة أفريقيا وإقامة مقاطعة رومانيّة على ترابها سمّيت أفريقيا الجديدة.

وأنهى الاحتلال الروماني تدخّله في المغرب العربي القديم بالقضاء على دولة موريتانيا، التي كان ملوكها أوفياء لروما من خلال تحالفهم مع الرومان على أمل أن تبقى دولة مستقلّة، لكنّ قادة الرومان لم يفوا بعهودهم، حيث قضوا على مملكة موريتانيا لتكتمل بذلك سيطرتهم على كامل تراب المغرب العربي القديم، ما عدا المناطق الجنوبيّة، التي بقيت مستعصية على الرومان، وقاد سكّانها معارك شرسة أقضّت مضاجع الرومان على مدى تواجدهم في بلاد المغرب العربي القديم[22].

ثالثًا: سلبيّات الحكم الروماني لمصر في الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة
لم يمر الاحتلال الروماني لمصر من دون معارضة حقيقيّة له، فقد اشتعلت الثورات المصريّة ضدّه في كلّ من شرق الدلتا والإسكندريّة والصعيد وذلك عام 29ق.م مباشرة بعد مغادرة القائد الروماني أوكتافيانوس لمصر، لكنّ الوالي الروماني الجديد لمصر استطاع أن يقمع هذه الثورات بوحشيّة، ويثبّت سيطرة الرومان على حدود مصر الجنوبيّة، وكذلك على المنطقة الواقعة جنوب مدينة أسوان [23].

وترتّب على احتلال الرومان لمصر وتحويلها إلى ولاية رومانيّة فقدان مصر استقلالها السياسي، وذلك على عكس ما كانت عليها خلال الحكم البطلمي، حيث كانت مصر دولة مستقلّة لها سياستها الخاصّة[24].
لقد وضع احتلال مصر بيد الرومان أكبر مركز لإنتاج القمح، وكان القمح الذي يشكّل الجزء الأساسي من غذاء الشعب محور مزايدات فيما يتعلّق بأغلب الإجراءات السياسيّة في روما[25].

ويمكننا هنا أن نستعرض أهمّ سلبيّات الحكم الروماني لمصر في الجانبين الاقتصادي والاجتماعي وإلى حدّ ما الإداري في النقاط الآتية:

1- فرض القائد الروماني أوكتافيانوس ضريبة الرؤوس على معظم مكوّنات الشعب المصري، وبشكل خاصّ الذكور ما بين سن الرابعة عشر والستين، وكان هذا القرار هو السبب الرئيس في اشتعال ثورة 29ق.م ضدّ سلطات الاحتلال الروماني[26].
2- كانت الأراضي الزراعيّة في مصر في عهد البطالمة تقسم إلى قسمين: أراض تعود ملكيّتها للدولة، وأراض تعود ملكيّتها للشعب، ولكن بدأ البطالمة في أواخر حكمهم يقلّصون الأراضي التي تعود ملكيّتها للشعب، ولكن عندما جاء الاحتلال الروماني توسّعت مساحة الأراضي التابعة للدولة وجيشها بشكل ملحوظ، ولم يبق بيد الشعب المصري سوى مساحات قليلة من الأراضي الزراعيّة. هنا وضحت الفكرة عن سبب احتلال مصر وبعدها سورية، وذلك لاستغلال الأراضي الزراعيّة الخصبة ومنتجاتها ونقلها إلى عاصمة الإمبراطورية الرومانيّة روما على حساب سكّان البلاد الأصليين.
3- قيام سلطات الاحتلال الروماني في مصر بمصادرة الأراضي الزراعيّة الموقوفة على المعابد المصريّة، وكان الهدف الرئيس من ذلك القضاء على الدعامة الاقتصاديّة والإستراتيجيّة التي يستمدّ منها الكهنة المصريّون قوّتهم، والمتمثّلة في أراضيهم الزراعيّة الموقوفة على معابدهم.
4- توزيع الأراضي الزراعيّة التابعة للدولة ومنذ بداية عصر الاحتلال الروماني -عهد أوغسطس- على الجنود الرومان، ويبدو لنا أنّ الهدف من ذلك هو ترسيخ وتثبيت أقدام الجنود الرومان في مصر ولإغرائهم بهذه الامتيازات ليبقوا فيها[27].
5- السماح للجنود الرومان بشراء الأراضي الزراعيّة الخاصّة والعامّة بأسعار زهيدة واستغلالها، وذلك في محاولة من سلطات الاحتلال في إنقاذ الاقتصاد الروماني المغتصب من مصر من الانهيار.
6- أدّت هذه السياسة الرومانيّة والإجراءات الجائرة التي اتّبعتها أدواتها إلى تضخّم في الملكيّة الخاصّة حتّى ظهر ما يعرف في تلك الفترة باسم الوسية.
7- أدّت السياسة الاقتصاديّة الرومانيّة في مصر إلى هبوط قيمة العملة وارتفاع الأسعار بالتدريج، وأصبح التعامل على أساس عيني، وكان وقع هذه الأزمة الاقتصاديّة أكثر أثراً على سكّان المدن من سكّان الأرياف؛ لأنّ هؤلاء قد اعتادوا من قديم الزمان على التعامل بشكل عيني، وما حدث في ولاية مصر كان مثالًا لما أصاب غيرها من الولايات الرومانيّة الأخرى، وذلك بسبب الإجراءات الإداريّة التي اتبعها حكّام الإمبراطوريّة الرومانيّة[28].
8- قيام الحكام الرومان في مصر- بناءً على توجيهات من قياداتهم في روما- بفرض ضرائب باهظة على العديد من الحرف المصريّة، وكان لهذه الضرائب نتائج سلبيّة على أصحاب هذه الحرف.
9- ترك عدد كبير من الفلاحين المصريين -بسبب الضرائب الباهظة والمجحفة من قبل سلطات الاحتلال الروماني - أراضيهم الزراعيّة، وذلك للاختفاء من جباة الضرائب الرومان الذين كانوا يتّبعون أساليب وحشيّة أحياناً في طريقة تحصيل الضرائب المفروضة على الفلاحين المصريين.
10- احتفظ الرومان بالعديد من الضرائب التي كانت تطبّق في مصر أثناء حكم البطالمة، والتي كانت أساليب جبايتها أقلّ قسوة وشدّة من أيام الرومان[29].
11- من اللافت للنظر، أنّ جميع الضرائب التي كانت تجبى من قبل سلطات الاحتلال الروماني في مصر ترسل مباشرة إلى روما عاصمة الإمبراطوريّة، ولا يستفيد منها أبدًا الشعب المصري المحكوم والمظلوم، في حين كانت دولة البطالمة تنفق هذه الضرائب داخل مصر، الأمر الذي كان يعود بالفائدة منها على البلاد والعباد[30].
12- دفعت الإجراءات الإداريّة الرومانيّة المجحفة بحقّ الرعيّة المصريّة، وبشكل خاصّ الفلاحين، إلى ترك عدد من هؤلاء لأراضيهم؛ لعدم قدرتهم على دفع الضرائب الثقيلة للدولة الرومانيّة، ممّا شكّل خطرًا على الاقتصاد المصري في العصر الروماني، وبلغ الخطر ذروته من خلال توجيه الأباطرة الرومان عن طريق حكّامهم في مصر الدعوة للفلاحين بالعودة إلى أراضيهم والعمل فيها.
13- أصدر الإمبراطور الروماني كاركلّا الحمصي أثناء زيارته إلى مصر قرارًا يقضي بترحيل المصريين سكّان البلاد الأصليين من مدينة الإسكندريّة، ماعدا ما تحتاجه المدينة منهم مثل: تجّار اللحوم، العاملين في السفن وخاصّة الكبيرة منها، ومتعهّدي وقود الحمّامات.
14- من مساوئ الحكم الروماني في مصر اجتماعيًّا قيام السلطات الحاكمة بتقسيم المجتمع المصري إلى ثلاثة أقسام وهي:

أ- الرومان ب- الإسكندرانيّون - المصريّون
وقيامها بفرض ضريبة الرأس فقط على المصريين (كما بيّنا سابقًا) بعد أن أعفي منها سكّان مدينة الإسكندريّة من الإغريق الذين كانوا يدفعونها في السنوات الأولى للاحتلال الروماني، الأمر الذي يؤكّد السياسة العنصريّة للسلطات الرومانيّة في فرض الضريبة على سكّان المدن من المصريين كما هو الحال في الأرياف[31].
15- استمرّت أحوال المزارعين المصريين -كما هو الحال في جميع الولايات الرومانيّة الأخرى- دون تغيير جوهري في إصلاح أحوال الفلاحين فيما عدا زيادة الضرائب عليهم، وكان الجباة الرومان أكثر كفاءة من أسلافهم السلوقيين في عمليّة فرض وجباية هذه الضرائب[32].
16- تمتّع جميع المواطنين الرومان المقيمين في عواصم الأقاليم الإداريّة المصريّة، وكان عددها ثلاثين إقليمًا[33]، برغد العيش، فقد كانت كلّ أسرة تمتلك منزلًا في المدينة ومزرعة في الريف على الأقلّ، وازدهرت مشروعاتهم الاستثماريّة، وقد بلغت الضرائب الزراعيّة لأحد ضياع مواطني أحد عواصم الأقاليم 15% من مجموع ضرائب القرية بأكملها[34].
17-استمرّت الدولة الرومانيّة في شراء العبيد وجلبهم إلى مصر للعمل في الأراضي الزراعيّة وذلك من جميع أنحاء الإمبراطوريّة، حيث بيّنت لنا أوراق البردي أسماء المناطق التي كانت الدولة الرومانيّة تشتري العبيد منها وهي: تراقيا- فريجيا- أووسيروبيا- بامفيليا- بلاد العرب- أثيوبيا وموريتانيا[35].
18- قامت السلطات الإداريّة الرومانيّة في مصر بتشجيع الأشخاص الذين التقطوا المواليد الذين كان أهليهم يرمونهم في أكوام السماد، وأصدرت أوامرها بتحويلهم إلى عبيد -أي سياسة جائرة بحقّ البشر- وفرضت عقوبات رادعة بحقّ من يقوم بتبنّيهم وتحويلهم إلى أبناء وبنات[36].

رابعًا: سلبيّات الحكم الروماني لشمال أفريقيا اقتصاديًّا واجتماعيًّا
اضطهد الرومان سكّان شمال أفريقيا بقراراتهم المجحفة بحقّ الأهالي منذ سقوط دولة قرطاجة ونوميديا، ولكن ظهرت هذه الإجراءات بشكل أسوأ مع أزمة القرن الثالث الميلادي الاقتصاديّة، فقد احتفظت لنا كتب المعاصرين للقرن أو شهود هذا القرن والمؤرّخين الرومان أمثال: هيروديان وديوكاسيوس صورة حقيقيّة عن الاضطهاد الذي ذاق الناس مرّه، وبشكل خاصّ في شمال أفريقيا ومصر، المموّلين الرئيسيين لروما في الحبوب المختلفة، وخاصّة القمح والشعير.
وتميّزت سنوات كثيرة من القرن الثالث الميلادي بانتشار الأوبئة الفتّاكة والحروب الطاحنة، وسوء التغذية والأعمال المرهقة، وهلاك خلق كثير من جراء الطاعون وغيره، وهروب الكثير من الناس من المدن والقرى طلبًا للنجاة بأنفسهم من اضطهاد الحكام الرومان والأوبئة الفتّاكة، فتزايدت مساحات الأراضي المجدبة يومًا بعد يوم، وأهملت أعمال الريّ والصيانة، وتقلّصت القدرة الإنتاجية للأراضي الزراعيّة، وحدث القحط، وحاولت السلطات الحاكمة في شمال أفريقيا تفادي هذه الكوارث بإجراءات وقائيّة مثل: وضع أسرى الحرب في المؤسّسات الإنتاجيّة، فلاحيّة كانت أم حرفيّة، ومنع الفرار من المؤسّسات الزراعيّة وغيرها، واعتبار الفرار جريمة يعاقب عليها القانون[37].

كان جهاز الأنونا الروماني (المؤونة) يملك أسطولًا بحريًّا يضمن نقل احتياجاته من ولايات ما وراء البحر، وخاصّة من ولايتي شمال أفريقيا ومصر، وجاهرت الدولة الرومانيّة في زيادة الضرائب المرهقة على الفلاحين في شمال أفريقيا، وتعسّف موظّفيها، ومبالغتهم في جبايتها، ممّا أرهق كاهل الفلاح المغربي ودفعه إلى ترك أراضيه والالتجاء إلى الجبال والصحارى، وعلى مرأى ومسمع الحكّام الرومان الذين لم يرق قلبهم إلى وضع الفلاح المغربي، ومطالبة حكومتهم بتخفيف الضرائب[38].
ويبدو لنا أنّ هذا الضغط الكبير على صغار الفلاحين المغاربة ساهم به كبار الملّاكين الذين استغلّوا الظروف الطبيعيّة التي تعاني منها منطقة شمال أفريقيا، وذلك في محاولة لزيادة ثرائهم على حساب الفلاحين عن طريق ضمّ أراضيهم؛ لعجزهم عن دفع ضرائبهم بسبب سنوات القحط والكوارث الطبيعيّة، والأوبئة القاتلة، وخاصّة الطاعون والملاريا. ولعلّ الأسقف الأفريقي فيريانوس قد أحسن التعبير عن هذه الظاهرة بقوله: «... يضيف الأغنياء أملاكًا لأملاكهم، ويطاردون الفقراء على حدودهم، وتتّسع أراضيهم بلا قياسات ولا حدود ...»[39]. وأضاف الأسف الأفريقي الورع الذي كان مندهشًا ممّا آلت إليه الأمور فأضاف قائلًا: «نضبت مناجم الفضّة والذهب ....... أصبحت الأراضي أقلّ خصوبة والمنتجات الفلاحيّة في تناقص...»[40].

فقد ارتفع سعر القمح بشكل كبير في شمال أفريقيا، حيث اعتبر الرومان شمال أفريقيا -كغيرها من المستعمرات مثل مصر وسورية- كمستعمرة للاستغلال والعمران، فقد كان التنافس واضحًا على الأراضي الزراعيّة الأفريقيّة من قبل الراغبين في استثمارها من أصحاب الرأس المال الرومان، وذلك منذ القضاء على دولة قرطاجة عام 146ق.م[41]. وقد تمكّنت هذه المجموعة من المستثمرين الرومان من امتصاص ثروات شمال أفريقيا الزراعيّة دون رقيب أو حسيب وعلى مدى قرن من الزمن، وعارض هؤلاء المستثمرون الرومان وبوسائل متعدّدة سياسة الدولة الرامية إلى استيطان أفريقيا استيطانًا رسميًّا منظّمًا، فقد تمكّنوا من إفشال حملة الاستيطان الكبرى التي تزعّمها نائب العوام كيوسغراكوس عام 122ق.م، وهكذا صفا لهم الجوّ، وتابعوا استثماراتهم في أراضي ولاية أفريقيا الشماليّة وخارجها دون عائق ومراقبة[42].

قدّر عدد الرومان الإيطاليين في الولاية الأفريقيّة وحدها في عام 46ق.م باثنى عشر ألف شخص، كانوا جميعًا تقريبًا يمارسون مهمّة الإشراف على استغلال الأراضي وجمع محاصيلها، وتنظيم عمليّات شحنها وتصديرها إلى أسواق روما كي تصل عائداتها إلى جيوب أسياد روما المقيمين فيها[43]، وكان كلّ ذلك على حساب فقر ومعيشة الفلاحين المغاربة المسحوقين من هذه السياسة الاستعماريّة الجائرة. ودفع هذا التنافس المستمرّ بين المستثمرين الرومان الإمبراطور الروماني تيبريوس إلى توسيع حدود الولاية الرومانيّة الأفريقية نحو الجنوب، وذلك بضمّ أراضي القبائل النوميديّة المنتشرة إلى الشرق من جبال الأوراس، وهذا ما أثبته مقاومة تلك القبائل للتوسّع الروماني على حساب أراضيها، وأعلنت المقاومة بقيادة تاكفاريناس الذي اشترط على الإمبراطور الروماني إمكانيّة وقف المقاومة في حال أعاد الإمبراطور الأراضي التي احتلّها جيشه، ولكنّ الإمبراطور الروماني رفض إعادة الأراضي التي استولى عليها جيشه، وفضل الاستجابة لرغبات الطامعين الرومان في توسيع رقعة استغلال واستثمار الأراضي الأفريقيّة مهما كانت الظروف ومهما كلّفت من ثمن[44].
واعتمدت السلطات الإداريّة الرومانيّة في الولاية الأفريقيّة أسلوبًا استعماريًّا جديدًا وفعّالًا يقوم على مسح الأراضي وتنظيمها واستثمارها واستعمارها؛ وذلك من أجل الاحتفاظ بهذا الأراضي وإلى الأبد، ضاربة عرض الحائط بالمقاومة الأفريقيّة التي طالبت باستعادة أراضيها المغتصبة بقوّة السلاح .

وكان المكلّفون بمساحة هذه الأراضي -من موظّفي الإدارة الاستعماريّة الرومانيّة- يسيرون خلف جيش احتلالهم، ويقومون بمسح الأراضي التي يستولي عليها الجيش من أصحابها بالقوّة، ويقومون بتقسيمها إلى قطع متساوية كي يسهل توزيعها على المستثمرين وتأجيرها، مضيفين بذلك طابعًا قانونيًّا على الأراضي المحتلّة وتجزئتها، وكان المستفيدون الأوائل من سياسة التقسيم الجنود الرومان المتقاعدين الذين كان الإمبراطور يمنحهم الأراضي القريبة من المدن ذات الموقع الاستراتيجي وفقًا للضرورة العسكريّة[45]. كما أطلقت الدولة الرومانيّة أيدي كبار المموّلين في أراضي الولاية الأفريقيّة المعروفة بخصوصيّتها النادرة وبمردودها الكبير بقصد استثمارها والإكثار من إنتاجها، وهذا ما ساهم في انخفاض سعر الغلال عند إرسال المحصول الأفريقي إلى أسواق روما وإيطاليا[46].

يرى بعض المؤرّخين أنّ السرّ في احتلال نوميديا عام 46ق.م من قبل الرومان ثمّ موريتانيا يكمن في الاعتبارات السالفة الذكر، إذ كان على الرومان التوسّع في الاستيلاء على الأراضي الأفريقيّة ووضعها أمام الاستثمارات الرومانيّة بدون أدنى تحفّظ، كما كان من واجب الدولة الرومانيّة أن تعمل على توفير الأمن في هذه الأراضي، وتسهّل على المؤسّسات الرومانيّة عمليّة الاستثمار وإنجاز مهامها على أكمل وجه وبشكل مرض للحكومة الرومانيّة[47].
كما اتّبعت سلطات الاحتلال الروماني مع أصحاب الأراضي الشرعيين سياسة تتوافق ومتطلّبات فكرها الاستعماري، فانتزعت منهم الأراضي عنوة، وقامت بترحيل القبائل الكثيرة من الأراضي الخصبة التي ترنو عين المستعمرين إليها، وهذا ما حدث مع قبائل كثيرة في الجنوب النوميدي مثل قبيلة موزولاملي، والتي قام الجيش الروماني بتشتيت أفرادها إلى أقاليم سهبيّة فقيرة، وكذلك فعل مع قبيلة نوميديا بإقليم مداوروش وحيدره التي نقلت وطردت من أراضيها إلى مناطق أخرى في جنوب الولاية الأفريقيّة، وكذلك قبيلة النبجني التي كانت تقطن جنوب الولاية الأفريقيّة فقام الاستعمار الروماني بتشتيت شملها وتوزيع أراضيها على المستثمرين الرومان[48].

وقام الاستعمار الروماني في ولاية أفريقيا بتقسيم الأراضي التي استولى عليها من القبائل عنوة إلى قسمين:
القسم الأول: بقي بيد القبائل الأفريقيّة (وهي الأراضي الأقلّ جودة في إنتاجها) التي كانت تقيم عليها كيانها المتداعي، ذلك الكيان الذي ما لبث أن انهار بفعل ابتلاع المؤسّسات الزراعيّة الاستعماريّة لليد العاملة الموجودة داخل الحدود.
القسم الثاني : وهو من أخصب وأوسع الأراضي الأفريقيّة حيث قسم إلى مساحات كبيرة، وأخذت عائلة الإمبراطور منها ما رغبت، باعتبار هذه الأراضي أخذت بقوّة السلاح من أصحابها وتحت لواء الإمبراطور، كما أخذت العائلات الأرستقراطيّة من طبقة الشيوخ ما طاب لها من هذه الأراضي الخصبة لاستغلالها تحت نظام الحيازة، بالإضافة إلى ذلك قام الإمبراطور الروماني بمنح جزء من هذه الأراضي إلى جنوده القدماء ليقيموا عليها مستعمراتهم الخاصّة، وربّما تمكّن قسم من أعيان الأهالي من أخذ قسم من هذه الأراضي واستثمارها نيابةَ عن الإمبراطور الروماني[49].
وكانت الصفة القانونيّة للأراضي الرومانيّة الواقعة خارج إيطاليا تتمثّل في كونها ملكًا للشعب الروماني، ويحدّد القانون الروماني هذه الأراضي بأنّها أراضي الأعداء المهزومين[50]. بهذا الوصف تدخل الأراضي في المغرب القديم ضمن أملاك الدولة الرومانيّة، وهي عبارة مرادفة لأملاك الشعب مع بعض الاستثناءات القليلة، كأراضي المدن الحرّة التي تحالفت مع الرومان أثناء حربها ضدّ دولة قرطاجة وخاصّة في الحرب البونيّة الثالثة التي أسقطت الدولة.
ونختم هذه السياسة الزراعيّة الرومانيّة الاستعماريّة، أنّه بمصادرة هذه الأراضي من أصحابها الأصليين أصبحت أراضي الولاية الأفريقيّة -التابعة لروما- عنصرًا مهمًّا من عناصر الاستثمارات التي نشطت بالقيام فيها طبقة من الأثرياء الرومان الكبار، الذين وصفهم المؤرّخ ليون هومو بالإمبرياليين[51].


خاتمة
قامت سلطات الاحتلال الروماني في كلّ من ولايتي مصر والمغرب العربي (شمال أفريقيا) باتّباع سياسة زراعيّة جائرة في مصادرة أراضي الفلاحين الخصبة الصالحة للزراعة، وخاصّة القمح، لتغذية عاصمة الإمبراطوريّة الرومانيّة روما، ممّا انعكس سلبًا على حياتهم المعيشيّة، فأمسوا غرباء في بلادهم.
ولم تسلم الأراضي التابعة للمعابد المصريّة من السياسة الرومانيّة الجائرة في المصادرة لصالح السلطات الرومانيّة الحاكمة.
لقد دفعت هذه السياسة الزراعيّة الرومانيّة إلى فرض ضرائب ثقيلة أرهقت كاهل المواطنين، فتمّردوا في ثورات عارمة قمعت بالحديد والنار بوحشيّة تامّة.
ولم يراع الرومان سنوات الجفاف والأزمات الماليّة من أجل التخفيف عن كاهل المواطنين في هاتين الولايتين، بل اتّبعوا معهم أساليب قاسية في جمع الضرائب.
كانت السفن الرومانيّة تمخر موانئ مصر والمغرب العربي محمّلة بالقمح لإطعام سكّان العاصمة الرومانيّة، على حساب سكّان هاتين الولايتين، دون مراعاة سنوات الجفاف والقحط والكوارث التي قد تتعرّض لها.
بالتأكيد كانت السلطات الرومانيّة الحاكمة تعتمد على بعض المواطنين الأصليين في هاتين الولايتين وتسخيرهم في خدمتها (وهم قلّة قليلة)، حيث كانوا عملاء وأذنابًا للمستعمر على أبناء بلادهم، وضدّ مصالح أوطانهم.

لائحة المصادر والمراجع
أحمد، عبد اللطيف: مصر والإمبراطوريّة الرومانيّة في ظلّ الأوراق البرديّة.
الشيخ، حسين: مصر تحت حكم اليونان والرومان، دراسات في تاريخ الحضارة القديمة، جامعة الإسكندريّة، كليّة الآداب 1997.
جلغول، عبد القادر: مقدّمات في تاريخ المغرب العربي القديم والوسيط، الجزائر، دار الحداثة 1986.
جغلول، عبد القادر: التغيّرات الاجتماعيّة والاقتصاديّة في المغرب أثناء الاحتلال الروماني، الجزائر، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب 1984.
زغيري، أحمد: المقاومات المغاربيّة القديمة ضدّ الاحتلال الروماني في نوميديا، المغرب 2020-2021.
زيدان، جرجي: خلاصة تاريخ اليونان والرومان، مصر مؤسّسة هنداوي للتعليم والثقافة، بون تاريخ.
سيّد أحمد علي، الناصري : تاريخ الإمبراطوريّة الرومانيّة السياسي والحضاري، الطبعة الثانية، دار النهضة العربيّة مصر 1963.
شنتيني، محمّد البشير: أضواء على تاريخ الجزائر القديم، بحث ودراسات، الجزائر، دار الحكمة 2013.
فترف، دوستو: تاريخ الإمبراطوريّة الرومانيّة الاجتماعي والاقتصادي، الجزء الأوّل، ترجمة زكي علي، محمّد سليم سالم، مصر، مكتبة النهضة المصريّة، بدون تاريخ.
نافتالي، لويس: الحياة في مصر في العصر الروماني، ترجمة الدكتورة آمال الروبي، مراجعة محمّد حمدي إبراهيم، الطبعة الأولى 1997، مصر، عين للدراسات والبحوث الاجتماعيّة والإنسانيّة.
محمّد الهادي، الشريف: تاريخ تونس من عصور ما قبل التاريخ إلى الاستقلال، الطبعة الثالثة، تعريب الشاوش محمّد وعجيبة محمّد، تونس، مؤسّسة دار السراس، بدون تاريخ.

المراجع الأجنبية
Chapot, Victor: L’Egypte Romaine, histoire de la nation egyptienne, tome 3, Paris, sans date.
Julien, Charles André: Histoire de l’Afrique du Nord des origine à la coquetearabe, Tome 1, Payot Paris 1986.
L, Hamo: L’Italie primitive et le début de l’impérialisme romaine, Paris 1953.
Picord: La civilisation de l’Afrique romaine, Paris 1959.

---------------------------------------------
[1]*. أستاذ تاريخ المغرب العربي في جامعة دمشق.
[2]- أحمد، عبد اللطيف: مصر والإمبراطوريّة الرومانيّة في ظلّ الأوراق البرديّة، ص1-3.
[3]- الشيخ، حسين: مصر تحت حكم اليونان والرومان، دراسات في تاريخ الحضارة القديمة، جمهورية مصر العربيّة، جامعة الإسكندريّة، كليّة الآداب 1997، ص54.
[4]- الشيخ: المرجع السابق، ص55.
[5]- عبد اللطيف: المرجع السابق، ص5.
[6]- الشيخ: المرجع السابق، ص55.
[7]- عبد اللطيف: المرجع السابق، ص7.
[8]- الشيخ: المرجع السابق، ص56.
[9]- Chapot, Victor: L’Egypte romaine, histoire, De la nation égyptienne, tome 3, pp. 242- 243.
[10]- الشيخ: المرجع السابق، ص60.
[11]- الشيخ: المرجع السابق، ص61-62.
[12]- زغيري، أحمد: المقاومات المغاربيّة القديمة ضدّ الاحتلال الروماني في نوميديا، المغرب 2020-2021م، ص40.
[13]- قرطاجة: مدينة فينيقيّة بناها بحّارة من مدينة صور اللبنانيّة عام 814 ق. م، وقويت هذه المدينة وأسّست إمبراطوريّة شملت شمال أفريقيا الحاليّة وإسبانيا والحوض الغربي للمتوسّط، لمزيد من المعلومات، انظر وهيب أبي فاضل موسوعة التاريخ والحضارة.
[14]- زيدان، جرجي: خلاصة تاريخ اليونان والرومان، مؤسّسة هنداوي للتعليم والثقافة، مصر 2021، ص20.
[15]- نوميديا: دولة بربريّة قامت في الجزائر الحاليّة والمغرب العربي وكانت تنافس قرطاجة وروما في الحوض الغربي للمتوسّط، استطاع الرومان استمالتها في حربهم ضدّ دولة قرطاجة فقدّمت لهم المساعدة، ولكن الرومان لم يحفظوا لهم الجميل فكانت الدولة النوميديّة هدفهم الثاني في شمال أفريقا بعد قضائهم على دولة قرطاجة عام 146ق.م.
[16]- محمّد الهادي، الشريف: تاريخ تونس من عصور ما قبل التاريخ إلى الاستقلال، الطبعة الثالثة، تعريب الشاوش محمّد وعجينة محمّد، تونس، دار السراس للنشر والطباعة، د.ت.
[17]- زاما: مدينة نوميديّة هَزم فيها القائد الروماني سيبيونال إميلي القائد القرطاجي هانيبال وأجبر دولة قرطاجة على الاعتراف بهزيمتها، لمزيد من المعلومات، انظر عبد القادر بن جغلول، مقدّمات في تاريخ المغرب العربي القديم، الجزائر، دار الحداثة 1986م.
[18]- زغيري: المرجع السابق،46.
[19]- زيدان: المرجع السابق، 42-43.
[20]- سيّد أحمد علي الناصري: تاريخ الإمبراطوريّة الرومانيّة السياسي والحضاري، الطبعة الثانية، دار النهضة العربيّة، مصر 1963، ص67-68.
[21]- جغلول، عبد القادر: مقدّمات في تاريخ المغرب القديم والوسيط، الجزائر، دار الحداثة 1986، ص13.
[22]- شنتيتي، محمد البشير: أضواء على تاريخ الجزائر القديم، بحوث ودراسات، الجزائر دار الحكمة 2013، ص70-71.
[23]- الشيخ : المرجع السابق، ص61.
[24]- الشيخ : المرجع السابق، ص63.
[25]- الشيخ : المرجع السابق، ص64.
[26]- Chapot, Op. Cit, p.240
[27]- الشيخ : المرجع السابق، ص65.
[28]- Chapot, Op. Cit, pp.312, 313.
[29]- الشيخ : المرجع السابق، ص66.
[30]- Chapot, Op. Cit, p.318.
[31]- نافتالي، لويس: الحياة في مصر في العصر الروماني، ترجمة آمال الروبي، مراجعة محمّد حمدي إبراهيم، عين للدراسات والبحوث الاجتماعيّة والإنسانيّة، ط1، مصر 1997م، ص49.
[32]- نافتالي، لويس: مرجع سابق، ص49.
[33]- جغلول، عبد القادر: التغيّرات الاجتماعيّة والاقتصاديّة في المغرب أثناء الاحتلال الروماني، المؤسّسة الوطنيّة للكتاب، الجزائر 1984م، ص33-34.
[34]- فترف، دوستو: تاريخ الإمبراطوريّة الرومانيّة الاجتماعي والاقتصادي، الجزء الأوّل، ترجمة زكي علي ومحمّد سليم سالم، مكتبة النهضة المصريّة بدون تاريخ، ص476
[35]- جغلول، مرجع سابق، ص38.
[36]- Julien, Charles André: Histoire de l’Afrique du Nord, tome 1 des origine à la conquete arabe, payot, Paris 1986, p.104.
[37]- Julien., Op. Cit, p.184.
[38]-جغلول، مرجع سابق، ص37.
[39]- Julien., Op. Cit, p.108.
[40]- جغلول، مرجع سابق، ص52.
[41]- جغلول، مرجع سابق، ص55.
[42]- دستو، مرجع سابق، ص482.
[43]- جغلول، مرجع سابق، ص62.
[44]- الشيخ، مرجع سابق، ص77.
[45]- نافتالي، مرجع سابق، ص75.
[46]- جغلول، مرجع سابق، ص66.
[47]- شنتيتي، مرجع سابق، ص137، 138.
[48]- روستوف، مرجع سابق، ص375.
[49]- Julien., Op. Cit, p.247.
[50]- Picord: La civilisation de là l’Afrique romaine, Paris 1959, p.66.
[51]- L, Homo: L’Italie primitive et le début de l’impérialisme romaine, Paris 1953, p.318.