البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

أسباب الحروب الصليبيّة ودوافعها

الباحث :  عمار محمّد النهار
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  32
السنة :  خريف 2023م / 1445هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 25 / 2024
عدد زيارات البحث :  1028
تحميل  ( 831.110 KB )
الملخص
إنَّ الحروب الصليبيّة، منذ بدايتها، هي نتاج لمجموعة عوامل متشابكة ومعقّدة إلى أقصى الحدود، وهي ظاهرة بالغة التعقيد، ومِن ثَمَّ فإنَّ أيّ محاولة لتفسيرها في ضوء عامل واحد أو مجموعة عوامل محدّدة، مثل التديُّن العاطفي والحماسة الدينيّة، أو جوع زعماء الصليبيين إلى الأرض، أو الأحوال والظروف الاجتماعيّة التعيسة التي عاش في ظلّها الفلّاحون وفقراء أوروبا، أو أطماع تجّار المدن الإيطاليّة في الحصول على الامتيازات التجاريّة، أو المآرب السياسيّة للبابويّة، أو الطموح الشخصي، وما إلى ذلك، هذه المحاولة سيكون مصيرها الفشل كما رأى قاسم عبده قاسم، وهو أحد أهمّ مَنْ أرَّخ وترجم للحروب الصليبيّة، على الرغم مِن أنَّ هذه العوامل جميعًا كانت بالفعل مِن بين العوامل والأسباب التي أدّت إلى انطلاق الحروب الصليبيّة.

وقد حاولت في هذا البحث أنْ أخوض في المصادر والمراجع والروايات وتفاصيل الأحداث ورؤى المؤرّخين؛ لأُشكِّل منها بحثًا مقبولًا قدر الإمكان، ولأخرج بأقرب صورة ممكنة عن أسباب هذه الحروب ودوافعها، منتهجًا التوسّع بحسب الحاجة، وضامًّا جهدي إلى جهود مَنْ سبقني، وواضعًا هذا البحث مع الأبحاث التي تناولت الموضوع نفسه، ليكون بين أيدي الباحثين والمهتمّين. والله مِن وراء القصد.

كلمات مفتاحية: الحروب الصليبية، التديّن العاطفي، الحماسة الدينية.

مقدّمة:
تتجلّى أهمّية دراسة الحروب الصليبيّة التي دارت بين الغرب والشرق في المدّة بين 490-691هـ/ 1096م-1291م في تمثُّلها في الذاكرة الشعبيّة بشكل كبير؛ إذ مت زالت تُبعث كفكرة يُسمع صداها إلى اليوم، وفي أنَّها مِن أكبر مظاهر العلاقات بين الشرق والغرب، وواحدة مِن أكثر الأحداث الحاسمة في تلك العصور في كلّ مِن أوروبا والمشرق العربي الإسلامي، لذلك نالت اهتمام كثير مِن الكُتَّاب والباحثين.
ومصطلح الحروب الصليبيّة مصطلح حديث، ملأ كتب التاريخ والفكر العربي الإسلامي منذ نهاية القرن التاسع عشر، بل يكاد يكون المصطلح الوحيد الذي يُجمع على استعماله معظم الباحثين في الدراسات الصليبيّة وعلاقات الشرق بالغرب، بينما يندر استعمال المصطلحات الأخرى التي شاعت قديمًا[2].

وعلى الباحث في تاريخ الحروب الصليبيّة أنْ يكون حذرًا وعميقًا حين يبحث في أسباب هذه الحروب التي شكَّلت سلسلة معقّدة وطويلة مِن الحملات العسكريّة؛ ذلك لأنَّ مِن أسبابها ما كان معلنًا، ومنها ما لم يكن معلنًا، ومنها ما كان مباشرًا، ومنها ما لم يكن بشكل مباشر، كما نظرت إليها أطرافها الفاعلة مِن مناظير مختلفة، وتخلّلت ذلك تبريرات وتحليلات ووقائع شابتها الإشاعات والتضليلات والغموض.

وزاد الأمور تعقيدًا أنَّ مَنِ اشترك في هذه الحروب هم مِن كلّ فئات المجتمع الأوروبي المسيحي: مِن الفرسان الذين ينتمون إلى عائلات نبيلة، ومِن الفلاحين والخدم، ومِن العامَّة، ممّا أدّى إلى تشعُّب أسباب هذه الحروب، وبالتالي ساقنا ذلك إلى إجابات معقّدة أيضًا تبقى موضع جدل ونقاش.
وهذا يعني أنَّه ليس ثمّة سبب واحد أو عدّة أسباب موحّدة للحروب الصليبيّة؛ إذ إنَّ عددًا مِن الأسباب يكمن وراء كلّ حملة مِن الحملات الصليبيّة العديدة.

لكنْ أوضح ذرائع انطلاق هذه الحروب كانت قضيّة مدينة القدس، وهي المدينة التي تترسّخ في الذاكرة الدينيّة للكثيرين؛ فاليهود يدَّعون أنَّ الملك سليمان قد بنى الهيكل فيها، ويقول المسيحيّون إنَّ فيها مهد المسيح عليه السلام وفيها صُلب، وهي تشكّل بالنسبة للمسلمين محلّ صعود سيّدنا محمّدs إلى السماء في رحلة الإسراء والمعراج.
ويمكن القول إنَّ أصول هذه الحروب نتجت مِن الأوضاع الدينيّة والاجتماعيّة والفكريّة والاقتصاديّة والسياسيّة التي سادت في غرب أوروبا في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، ورجَّح كثير مِن المؤرّخين الشرقيين والغربيين أنَّها اتّخذت مِن الدين ستارًا لها لتحقيق أهدافها وأطماعها في بلاد المسلمين.

لذلك يرى جوزيف نسيم يوسف، وهو أحد أبرز مَنْ أرَّخ للحروب الصليبيّة، أنَّ الحروب الصليبيّة كانت تهدف منذ البداية إلى التوسّع والاستعمار تحت قناع مِن الدعاية الدينيّة، وأنَّ غرضها الحقيقي هو الاستيلاء على الشرق، وخاصّة فلسطين، بالقوّة المسلّحة، وتأسيس مستعمرات لاتينيّة لها، ثمّ العمل على تعزيز هذه المستعمرات، وتوسيع حدودها، والمحافظة عليها بشتّى الطرق والوسائل، حتّى تكون رأس جسر لأهل الغرب الأوروبي، يستخدمونه لتفتيت وحدة العالم العربي الإسلامي وكسر شوكته؛ ضمانًا لبقاء نفوذهم في المنطقة[3].
والحروب الصليبيّة عبارة ذات مدلول غامض بالنسبة للكثيرين، فالصورة التي تتمثّلها أذهان عامَّة المثقّفين في الغرب الأوروبي عن الحملات الصليبيّة، وهي صورة ليست صحيحة جملة وتفصيلًا، عبارة عن صورة فرسان بواسل، ألهبتهم الحماسة الدينيّة والشوق لتحرير قبر المسيح والأماكن التي شهدت قصّته على الأرض مِن أيدي المسلمين، ويتصوّر الكثيرون أنَّ هؤلاء الفرسان فارقوا الأهل والوطن، وانطلقوا فوق جيادهم يشنّون حربًا مقدّسة ضدّ العرب ذوي البشرة الداكنة الذين يفرّون أمامهم في جبن وتخاذل.

ولم ينشأ المفهوم الشعبي في الغرب عن الحروب الصليبيّة مِن فراغ، وإنَّما نشأ مِن الدعاية التي روَّجتها البابويّة ورجال الكنيسة الكاثوليكيّة ضدّ المسلمين مِن ناحية، والشعر الشعبي الذي تناول الحروب الصليبيّة مِن ناحية ثانية، ثمّ كتابات مؤرّخي الحروب الصليبيّة اللاتين مِن ناحية ثالثة[4].

لكلّ ما ذكرنا، تتبيّن صعوبة الخوض في استكشاف أسباب الحروب الصليبيّة الحقيقيّة ودوافعها، فمَنْ ينظر لها مِن حيث الظاهر تظهر له الأسباب الدينيّة، ومَنْ يدخل إلى تحليل أوضاعها تتوضّح له أسباب أخرى تتعلّق بقضايا سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة، ومَنْ ينظر إلى واقع تفصيلي آخر، فستظهر له أسباب أخرى تتعلّق بالواقع الإقطاعي والاستيطاني وموضوع الهجرة، ومَنْ يبحث في التأثّرات فسيقف على أسباب حضاريّة، وهذا ما جعل هذه الإشكاليّة بالغة التعقيد.

أوّلًا: الأسباب الدينيّة
لعلّ أوضح أسباب للحروب الصليبيّة هي الأسباب الدينيّة؛ إذ جاءت بخطابات واضحة وبأعمال عمليّة جليّة قام بها الصليبيّون وقادتهم، وأخذت هذه الأسباب أشكالًا مختلفة وصورًا متنوّعة، فمنها ما كان بصورة مباشرة، ومنها ما كان بصورة غير مباشرة.

1. الأسباب الدينيّة المباشرة
يمكن الحديث عن هذه الأسباب مِن عدّة جوانب، ومِن هذه الجوانب ما يتعلّق بعمليّة الإحياء الديني التي قامت في أوروبا في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، وبلغت ذروتها في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، فكانت الحرب الصليبيّة انتفاضة كبرى نتجت عن ذلك، وخاصّة أنَّ الحركة الكلونيّة[5] في حقيقة أمرها حركة إحياء ديني بكلّ ما تعنيه الكلمة مِن معنى، ترتَّب عليها عودة البابويّة الى سطوتها القديمة، وإثارة نوع مِن الحماسة الدينيّة في الغرب بوجه عام، الأمر الذي ترتَّب عليه ظاهرة الحجّ الجماعي للأراضي المقدّسة.
وبالتالي، ومِن هذا الجانب، يمكن القول إنَّ الحروب الصليبيّة ليست إلّا استمرارًا لظاهرة الحجّ الجماعي لبيت المقدس، مع حدوث تطوّر في الأسلوب، وهو أنَّ الحجّ أصبح حربيًَّا بعد أنْ كان سلميًَّا[6].
لذلك نرى أنَّ كثيرًا مِن المؤرّخين الذين كتبوا عن الحروب الصليبيّة، أوردوا تفاصيل مهمّة عن ادّعاء البابويّة بأنَّ دوافع وأسباب الحروب الصليبيّة هي الدوافع الدينيّة[7].

وهنا علينا ألّا ننسى أنَّ الحروب الصليبيّة هي وجه مِن وجوه السياسة الخارجيّة للبابويّة، لما تقوم به مِن توجيه رعاياها المخلصين إلى الحرب الكبرى التي تخوضها المسيحيّة ضدّ أعدائها.
وقد أدّت هذه الحركة الدينيّة إلى تقوية مركز البابويّة وإثارة الحماسة الدينيّة في نفوس الناس، الأمر الذي جعل البابويّة تطمح في السيطرة على العالم النصراني عن طريق الكنيسة، وعن طريق ضمّ الكنيسة الشرقيّة واحتلال الأماكن المقدّسة في فلسطين[8].
ومِن جانب ثان؛ تُعدُّ الحروب الصليبيّة فصلًا مِن أهمّ الفصول في تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب، وعدَّها المعاصرون لها في مظهرها الأوّل حروبًا مقدَّسة، وطريق الحاج إلى كنيسة القيامة قبر المسيح، على أنَّ العين الفاحصة للمؤرِّخ لا بدّ أنْ تعدَّها في مظهرها الثاني صورة عن العلاقات بين الشرق والغرب، ولم تكن أقلّ أهمّية عن المظهر الأوّل.

فإذا جرى عدُّ الحروب الصليبيّة حربًا مقدَّسة، فلا بدَّ مِن تفسيرها بمقتضى أفكار العصر الذي تغلب عليه الروح الدينيّة، والتعلّق بالحياة الآخرة.

ويصحّ عدُّ الحروب الصليبيّة مرحلة مِن مراحل الإصلاح الديني للمقاتلين مِن العلمانيين، فإذا وجَّهت الفروسيّة الرجل العلماني للدفاع عمّا هو حقّ، فإن التَّبشير بالحروب الصليبيّة إنَّما وجَّهه أيضًا لمهاجمة ما يعدُّه شرًّا، وهو امتلاك المسلمين لقبر المسيح، لذلك قامت الحروب الصليبيّة بحماية أوروبا مِن الإسلام الذي نهض على يد الأتراك السلاجقة خاصّة[9].
ورأى بعض المؤرّخين أنَّ السبب الديني هو الذي حرَّك البابا جريجوري السابع 466-478هـ/ 1073-1085م ثمّ البابا أوربان الثاني 481-493هـ/ 1088-1099م لإنهاء الدين الإسلامي؛ لأنَّ ما يحمله مِن مبادئ الحريّة الدينيّة والسياسيّة والاجتماعيّة لا تتناسب وأفكار الكنيسة[10].

وذهب مؤرّخون آخرون إلى أنَّ الحروب الصليبيّة كان المقصود بها بالدرجة الأولى مسيحيي المشرق وليس مسلميه؛ لأنَّ هؤلاء المسيحيين رفضوا الانصياع إلى بابويّة روما؛ لأنَّهم -برأيهم- أكثر حضارة وعلمًا مِن جهلاء روما وغيرها مِن مدن أوروبا الغربيّة[11].
وهنا يقول المؤرّخ الفرنسي شاتوبويان: «إنَّ الحروب الصليبيّة كانت فاتحة النهاية للدين المسيحي في أوروبا»، ولكنْ إذا توقّفنا عند هذا القول بدقّة، فسنرى أنَّ الحروب الصليبيّة لم تكن نهاية الدين المسيحي، بل كانت بداية النهاية لسيطرة البابويّة والكنيسة عمومًا على مقدّرات أشياع الدين المسيحي سياسيًّا واجتماعيًّا، فقد تمخّضت هذه الحروب عن شقّ الأوروبيين عصا الطاعة على رجال الكهنوت البابوي والكنسي عمومًا[12].

وكانت الحروب الصليبيّة انعطافًا خطيرًا في تاريخ الغرب الأوروبي، لذا كانت تلك الحملات الصليبيّة التي دارت على نطاق واسع، سواء مِن حيث إطارها الزمني، أو مِن حيث مجالها الجغرافي، أو مِن حيث أعداد المشاركين فيها؛ أوّل حرب يخوضها الغرب تحت راية أيديولوجيّة، إذ كانت الحملة الصليبيّة الأولى مشروعًا كنسيًّا سعت البابويّة مِن خلاله إلى تحقيق الأهداف الكنسيّة المتمثّلة في فرض سيطرتها على المسيحيين في الشرق، وإنهاء الشقاق بين الكنيستين الشرقيّة والغربيّة، وتوحيدهم تحت سيادة البابا[13].

ومِن جانب مشابه؛ كثرت في ذلك الوقت الأقوال والرُّؤى والتَّنبؤات والادّعاءات والخرافات، وأصبح مِن الطبيعي أنْ يدَّعي أيّ شخص رؤية المسيح يأمره بتحرير قبره في بيت المقدس، فيصدِّقه الناس؛ لأنَّ نفوسهم كانت مهيَّأة لقبول مثل هذه الادّعاءات والخرافات[14].
وكان رجل العصور الوسطى يعتقد في قرب القيامة وضرورة الاستغفار، وانتاب الأوروبيين شعور عام بالندم والذنب، نتيجة لما مارسوه مِن حياة بعيدة عن أجواء الأديرة والكنائس، وأقبلوا على أمكنة العبادة ينشدون التكفير عمّا اقترفوه مِن آثام[15].

ولكن كيف لأحد أنْ يعدَّ الحروب الصليبيّة في المشرق العربي الإسلامي حملات حجّ، كما قال أصحاب هذا الرأي، فالصليبيّون جاؤوا بجيوش جرَّارة تحت قيادات سياسيّة ودينيّة، حملت معها مِن السلاح ما حملت، ومِن المعروف أنَّ حملات الحجّ تكون حملات سلميّة لا يحمل فيها الحجاج معهم غير ما يدفع عنهم مخاطر الطريق. وهنا جاءت تفاصيل هذه الحروب لتدلّل أنَّ هذه الحملات ذات الأعداد الكبيرة، وذات الدوافع الدينيّة الواضحة، هي التي دعتنا إلى القول بأنَّ الحروب الصليبيّة كانت استمرارًا لحملات الحجّ الكبرى المألوفة لا يفرّقها عن غيرها سوى كثرة العدد والعتاد [16].
ومِن جانب آخر؛ أرادت الكنيسة استغلال الأعداد الكبيرة المتزايدة في أوروبا بدفعها خارج البلاد، وتهييجها عن طريق تضخيم أخبار المسلمين عبدة الشيطان على حدّ زعمهم، وادّعاء الاضطهاد للحجّاج المسيحيين، وفرض الهدنات المقدّسة بين المسيحيين الأوروببين في معظم أيّام السنة مِن قبل المسلمين، وفرض سيطرة البابويّة فوق الملوك في أوروبا[17].

وإذا انتقلنا إلى أدلّة التحليلات السابقة، فسنجد أنَّه وبحلول القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، كان الغرب الأوروبي يتّجه نحو إرسال حملات كبرى لاسترداد بيت المقدس مِن المسلمين، فلم ينقطع أباطرة الدولة الرومانيّة الشرقيّة عن طلب النجدة العاجلة مِن البابويّة ضدّ السلاجقة المسلمين[18].
وانتهز الإمبراطور البيزنطي فرصة عقد مجمع ديني يرأسه البابا في بياكنزا بشمال إيطالية سنة 489 هـ/ 1095م، فأرسل بعثة مِن القسطنطينيّة لحضور المجمع، فطلبوا مساعدة البابا، وأبلغوه أنَّ السلاجقة لا يهدّدون الدولة البيزنطيّة وحدها، بل يهدّدون المسيحيّة جمعاء، وفي هذا المجمع أعلن البابا فكرة الحروب الصليبيّة[19].

ثمّ انعقد المجمع الديني في كليرمونت في تشرين الثاني سنة 489هـ/ 1095م، وانقضت الأيام التسعة الأولى في مناقشة المسائل الكنسيّة المتعدّدة[20].
وعندما سمع البابا أوربان الثاني أنَّ السلاجقة سيطروا على المناطق الداخليّة مِن أراضي بيزنطة، وأنَّ المسيحيين خضعوا «لشعب متوحِّش هدَّام، هزَّته مشاعر التُّقى والورع، واجتاز مدفوعًا لمحبّة الله الجبال هابطًا إلى أراضي فرنسا»؛ دعا إلى مجلس يُعقد في مدينة كليرمونت، فتقاطرت على المؤتمر جموع مِن الأمراء ورؤساء الكنائس ووفود الملوك[21].
واجتمعوا في الجلسة العاشرة مِن هذا المؤتمر في قصر المدينة، وكان بطرس السائح جالسًا بجانب البابا، وهو الذي فتح الخطاب معدّدًا المصاعب التي يعاني منها أهالي بيت المقدس قائلًا: إنَّه شاهد هناك المسيحيين مقيَّدين بالسلاسل الحديديّة، ورأى قبر المسيح محتقرًا مهانًا، وإنَّ زُوَّاره يتكبَّدون الذُّل[22].

ثمّ ألقى البابا أوربان الثاني خطابًا أثار فيه حماس الجماهير، وأشار إلى ما أسماه بالخطر الإسلامي المحدق بأوروبا مِن جهة القسطنطينيّة، وأعلن أنَّ النصارى في الشرق يعانون مِن ظلم المسلمين، وأنَّ الكنائس والأديرة أصابها الدمار، وحثَّ الحاضرين والأوروبيين عامّة على الانتقام مِن المسلمين[23].
وكان مِن أكبر المحرِّضين على سير الحملة الصليبيّة الأولى: بطرس الناسك، وكان قد عكف على التعبّد في جوار القبر المقدّس، ثمّ قرّر أنْ يُبشِّر في جميع البلدان اللاتينيّة، ويعلن بأنَّ هاتفًا سماويًّا جاء يأمره أن يعلن إلى جميع أمراء فرنسا أنَّ عليهم مغادرة أوطانهم والسفر والتَّعبد في كنيسة القيامة، وأنْ يبذلوا نفوْسهم وجميع طاقاتهم في سبيل تحرير القدس مِن «أبناء هاجر»[24].
وقد وعد البابا «المناضلين في سبيل الإيمان» باسم الربّ العليّ بغفران الخطايا، كما وعد المقاتلين الذين يستشهدون في المعارك ضدّ الكفّار بالثواب الأبدي، ووعدهم بالثروات في الشرق فإنَّها تسيل عسلًا ولبنًا، وقال إنَّ الحملة الصليبيّة تتساوى مع الحجّ في طلب الغفران والتكفير عن الذنوب[25].

وكانت الاستجابة التي لاقاها البابا وبطرس الناسك كبيرة جدًّا، إذ تجمَّع الفرنجة مِن جميع الأطراف، ومعهم أسلحتهم وخيولهم، وتقاطرت الحشود على الطرقات واندفعت بكلّ حماس، وانضمَّ إليها عدد كبير مِن أهالي المدن حتّى فاقت أعدادهم الخيال[26].
ثمّ استقرّ الرأي أنْ يحيك كلّ محارب صليبًا مِن القماش الأحمر على ردائه الخارجي مِن ناحية الكتف؛ِ رمزًا للحركة التي اشترك فيها[27].

ومن ناحية ثانية تُعبِّر عن السبب الديني، ذكر المؤرّخون أنَّ جودفري الرابع هو البطل الرئيس في الحرب الصليبيّة، وقد نسبوا إليه غِيرة دينيّة خاصّة، وشجاعة شخصيّة مدهشة، وكفاءات بارزة كقائد عسكري يتمتّع باحترام جميع العساكر، وشبَّهوه -مِن حيث القوّة والضراوة في القتال والإلهام- بالبطل هكتور في ملحمة هوميروس[28].

وقد تكلّم ابن القلانسي على إعلان الغرب للجهاد ضدّ المسلمين، فقال: «تواصلت الأخبار مِن ناحية القسطنطينيّة وبلاد الفرنج والروم وما والاها بظهور ملك الفرنج مِن بلادهم ... في العَدد الذي لا يحصر والعُدد التي لا تحزر، لقصد بلاد الإسلام بعد أنْ نادوا في سائر بلادهم ومعاقلهم بالنفير إليها، والإسراع نحوها ... واستصحبوا مِن أموالهم وذخائرهم وعددهم الشيء الكثير الذي لا يُحصى»[29].
على أنَّ الصورة الأوضح للوجه الديني تجلَّى في الدعاية الصليبيّة التي أدَّت دورًا بارزًا في استثارة وتحريض الغرب الأوروبي لإرسال هذا الدعم العسكري الكبير للصليبيين في الشرق عقب الاستيلاء على بيت المقدس، وهي دعاية دينيّة تُشكِّل «أصل دينهم» كما عبَّر ابن شداد[30]، ونقل لنا هذه الدعاية الدينيّة المؤرّخ ابن الأثير بقوله: «ثمّ إنَّ الرهبان والقسس وخلقًا كثيرًا مِن مشهوريهم وفرسانهم، لبسوا السواد وأظهروا الحزن على خروج بيت المقدس مِن أيديهم، وأخذهم البطرك الذي كان بالقدس، ودخل بهم بلاد الفرنج يطوفها بهم جميعًا، ويستنجدون أهلها، ويستجيرون بهم، ويحثّونهم على الأخذ بثأر بيت المقدس، وصوَّروا المسيح عليه السلام، وجعلوه مع صورة عربي يضربه، وقد جعلوا الدماء على صورة المسيح عليه السلام، وقالوا لهم: هذا المسيح يضربـه محمّد نبيّ المسلمين، وقد جرحه وقتله، فعظم ذلك على الفرنج، فحشروا وحشدوا حتّى النساء»[31].

وإذا أردنا أنْ نكون دقيقين وواقعيين كما يقول شاكر مصطفى، فيجب أنْ نشير إلى أنَّ الحروب الصليبيّة لم تكن لأسباب دينيّة خالصة، بدليل أنَّ الحملة الصليبيّة الرابعة توجّهت إلى القسطنطينيّة المسيحيّة، كما أنَّ أحد أسبابها الرئيسة، وهو تخليص القبر المقدّس في فلسطين مِن أيدي المسلمين، لم يكن لوحده سببًا رئيسًا، بدليل أنَّ أربعًا مِن الحملات الثماني، قد اتّجهت وجهات أخرى: اثنتان الى مصر، وواحدة الى القسطنطينيّة، والأخيرة الى تونس.

ولم يكن أيضًا أحد أولويّات أسبابها نشر الديانة المسيحيّة في أراضي الإسلام فقط، بدليل أنَّها بقيت مئتي سنة مطوّقة معزولة في المواقع الأولى التي احتلّتها[32].

2. حرب صليبيّة الصليب
تُعدّ تعابير الحروب الصليبيّة والحملة الصليبيّة The Crusades ومشتقّاتها، الأكثر شيوعًا منذ القرن التاسع عشر، بل يكاد يكون المعبِّر الوحيد عن أهداف ومعنى الحروب التي شنّها الغرب المسيحي على المشرق العربي الإسلامي، حتّى لو استعملت عناوين أخرى، فلا يمكن لأحد إلّا أنْ يستخدم كلمة الحروب الصليبيّة - الصليبي في الكتابات والترجمات.
وارتبط المفهوم بالصليب -الذي يتمتّع بقدسيّة في الفكر المسيحي- منذ القرون الأولى لظهور وانتشار المسيحيّة، بعدما كان له دور في تنصير الإمبراطور قسطنطين واعترافه بالمسيحيّة كديانة رسميّة في الإمبراطوريّة الرومانيّة، ثمّ ما قامت به أمُّه هيلانة بإيجاد الصليب المقدّس وبناء كنيسة القيامة، فتحوَّل الى رمز للمسيحيين، فكان لا يغيب عن المراسيم والاحتفالات الملكيّة، وكانت إهانة هذا الرمز هو إهانة للمسيحيين جميعًا.

ثمّ كان الصليب حاضرًا في الصراع الإسلامي البيزنطي، وهو أمر طبيعي للدلالات المعنويّة لمثل هذه الأمور على نفوس الجند، وحافظ الصليب على قدسيّته ورمزيّته حتّى بعد أنْ سيطر المسلمون على الأماكن المقدّسة المسيحيّة، كبيت المقدس وأنطاكية والإسكندريّة[33].

لذلك فإنَّ إشارة البابا أوربان الثاني في خطاب مؤتمر كليرمونت 489هـ/ 1095م إلى التَّوسم بالصليب، هو لإعطاء الجيش حامل الصليب قوّة معنويّة واندفاعًا حماسيًّا للتوجّه إلى بيت المقدس.
ولم تظهر عمليّة التَّوسم بالصليب Crusade إلّا بعد مؤتمر كليرمونت، إذ تحوَّلت إلى ظاهرة لها معناها، وهي التوجّه لقتال المسلمين، ثمّ تطوّرت ظاهرة التَّصلُّب، ممّا جعل مشتقّات كلمة الصليب تستعمل مع الحجّ والحجّاج، فصارت: «الحجّ الصليبي» و«حملة الحجّاج الصليبيّة»[34].

أمّا عن ظهور مصطلح الحروب الصليبيّة - Crusades، فيُعدّ ظهور هذا المصطلح في أواخر القرن السابع عشر في فرنسا نقطة تحوّل مهمّة في الدراسات الصليبيّة، وهو ليس مِن قبيل المصادفة، بل هو استمرار تأثير الحروب في الذاكرة الفرنسيّة، فالحروب بدأت الدعوة إليها في كليرمونت فرنسا، والبابا الذي دعا إليها فرنسي أوربان الثاني، ومعظم المشاركين في الحروب طوال قرنين مِن ملوك ونبلاء وعامّة كانوا فرنسيين.
على كلِّ حال، فإنَّ مبتدع هذا المصطلح الحروب الصليبيّة هو لويس ممبور، وكان فرنسيًّا أيضًا، فأعطى المصطلح عام 1086هـ/ 1675م مغزى دلاليًّا أثَّر في نفوس الأوروبيين لارتباطه بالصليب.
وقد ظهر هذا المصطلح بلغة تقبَّلها الفرنسيّون أوّلًا ثمّ الأوروبيّون ثانيًا، وجاء بتأثير الحركة الأدبيّة الفرنسيّة، وقيام حركة الصالونات الأدبيّة التي مِن ميزاتها استعمال لغة اصطلاحيّة في نقاشاتها تسود فيها العبارات المزخرفة والرموز الأخلاقيّة.
وانتقل المصطلح Croisade الفرنسي بسبب التأثُّر بنموذجه إلى اللغات الأوروبيّة في القرن الثامن عشر، مثل الإنكليزيّة والألمانيّة، ففي إنكلترا تُرجم كتاب ممبور إلى الإنكليزيّة سنة 1098هـ/ 1686م، ومنه دخل المصطلح إليها[35].
وقد أثَّر الصراع الإسلامي المسيحي الأوروبي بتعزيز مكانة المصطلح في نفوس الأوروبيين، وذلك مِن خلال الدور الذي قامت به الدول الأوروبيّة البرتغال - إسبانيا - هولندا - بريطانيا - فرنسا ضدّ المسلمين، سواء في المغرب العربي والجنوب حتّى الهند، إذ حاولت هذه الدول نشر المسيحيّة الصليبيّة بحسب مذاهبها، مع نشر نفوذها العسكري والسياسي، وكان النموذج البرتغالي هو الذي أخذت به الدول الأوروبيّة التي تلتها في أفريقيا، وسمّيت سياستهم وعملتهم crusado لوجود علامة الصليب عليها[36].

وعمليًّا، نأتي إلى البابا أوربان الثاني في مجمع كليرمونت وقضيّة الصراع مع الآخر والصليب، وخطابه في هذا المجمع الذي كان أقوى الخطب شهرة في تاريخ العصور الوسطى، وفيه أثار حماس الجماهير، وأشار إلى ما أسماه بالخطر الإسلامي المحدق بأوروبة، وبعد أنْ نجح بإلهاب حماس المحتشدين مِن آلاف العامّة والنبلاء والرهبان والنسّاك، استقرّ الرأي على أنْ يحيك كلّ محارب صليبًا مِن القماش الأحمر على ردائه الخارجي مِن ناحية الكتف رمزًا للحركة التي اشترك فيها، «وإنَّ كلّ مِن يضع هذا الصليب بغية المشاركة في الحرب المقدّسة، عليه أنْ يتّجه فورًا إلى الشرق، فإنْ تردَّد وعاد دون أنْ يؤدّي واجبه أو أظهر تقاعسًا عن تأدية ذلك الواجب، فإنَّه يتعرّض لعقوبة الحرمان»[37].

يقول فوشيه الشارتري: «كم كان مناسبًا ومفرحًا لنا جميعًا أنْ نرى كلّ هذه الصلبان المصنوعة مِن الحرير والقماش المذهَّب أو غيره مِن الأقمشة الجميلة التي قام بها الحجّاج، سواء مِن الفرسان أو غيرهم مِن العلمانيين والكنسيين، بخياطتها على أكتاف ستراتهم، وقد فعلوا هذا بأمر مِن البابا أوربان الثاني عندما أقسموا على الرحيل»[38].

3. حرب مقدَّسة
الحرب المقدّسة هي إحدى مسمّيات الحرب التي أطلقها الغرب الأوروبي على الإسلام، وذلك منذ القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي تقريبًا.
ويرتبط مفهوم الحرب المقدّسة بالحجّ[39]؛ لأنَّ البابويّة لم تجعل الحجّ مسلَّحًا إلَّا لتحريضها الناس على التوجّه الى فلسطين لتخليصه مِن الكفّار؛ أي المسلمين، وفي خطاب كليرمونت برواية روبرت الراهب الذي قيل إنَّه اشترك في الحملة الصليبيّة الأولى، وشهد الاستيلاء على بيت المقدس بيَّن البابا أوربان الثاني ما تعرّض له المسيحيّون في الشرق مِن قتل وإذلال، ثمّ قال: «فعلى مَنْ إذن تقع مهمّة الانتقام مِن هذا، ومهمّة الخلاص مِن هذا الموقف، إذا لم يكن على عاتقكم أنتم يا مَنْ اختاركم الربّ دون سائر الأمم ليسبغ عليكم نعمة المجد في السلاح، وجسارة في القلب، وقوّة الجسد»، ثمّ ذكَّرهم بأمجاد شارلمان وغيره مِن ملوك الفرنجة، الذين دافعوا عن الكنيسة ونشروا المسيحيّة، فدعاهم لتخليص الضريح المقدَّس مِن أسره في أيدي المسلمين، وبيَّن لهم أنَّ حب الأبناء والبنات والزوجات والوالدين لا يمكن مقارنته بحبّ المسيح الذي يفوقها مئة مرة، ويُنال به الحياة الدائمة، ومِن أقواله الحرفيّة في ذلك: «انطلقوا على طريق الضريح المقدَّس، أنقذوا تلك الأرض مِن ذلك الجنس المرعب واحكموها بأنفسكم؛ لأنَّ هذه الأرض التي تفيض باللبن والعسل _ كما يقول الكتاب المقدَّس _ أعطاها الربّ لبني إسرائيل»[40].

فجاء الخطاب البابوي، المعدّ بذكاء لإقناع الناس بمختلف طبقاتهم، مركِّزًا على نقاط حسَّاسة جدًا بالنسبة للمسيحي، وهي: القبر المقدّس - أخبار الربّ - الحياة الدائمة - خطا المسيح - أعداء المسيح، فكان مقنعًا بعدالة الحرب ومطمعًا في آن واحد ليشعل حقدًا وهوسًا عارمًا تجاه المسلمين الذين تمّ تصويرهم بأبشع صورة، ويظهر الخطاب وكأنه حصيلة تجربة البابويّة الناجحة في مساندة الإسبان ومعهم الفرسان الأوروبيين بحرب الاسترداد على المسلمين في الأندلس[41].
ولأنَّ القدس مثَّلت للبابويّة أهمّ أهدافها الدينيّة والدنيويّة الداخليّة والخارجيّة، فأوهمت الناس بجعل أمر التوجّه إليها أمرًا إلهيًّا مقدَّسًا، كما جاء بخطاب البابا أوربان الثاني إلى المسيحيين الذي نقله فوشيه دي شاتر قائلًا: «لست أنا ولكنَّ الربَّ هو الذي يحثّكم بكونكم قساوسة المسيح أنْ تحضُّوا الناس مِن شتّى الطبقات ... إنَّني أخاطب الحاضرين وأعلن لأولئك الغائبين فضلًا عن المسيح يأمر بهذا أنَّه ستغفر ذنوب كلّ أولئك الذاهبين هناك».

أمّا روبير الراهب، فبيَّن أنَّ البابا خاطب الفرنجة: «يا مَن اختاركم الربّ وأحبّكم كما تجلّى واضحًا مِن خلال أعمالكم الكثيرة»، ودعاهم للعمل على تخليص القدس الأسيرة «لذا فهي تسأل وتصلّي مِن أجل تحريرها، وتناديكم روما لتهبّوا لنجدتها، والحقيقة تسألكم أنتم بصفة أساسيّة لمساعدتها؛ لأنَّ الربّ كما ذكرنا مِن قبل، قد أسبغ عليكم دون سائر الأمم مجدًا فائقًا في السلاح، لذا سيروا على هذا الطريق للتطهّر مِن خطاياكم، وكونوا على ثقة في المجد الخالد لمملكة السماء»[42].

كانت لغة البابا متناغمة مع شعور الحاضرين ومعبّرة عن غاياته لضرب الأعداء، لذا كانت استجابتهم فوريّة بهتافهم «هكذا أراد الله»، وبسرعة حُمل الصليب على الأكتاف، ممّا جعل بعض الباحثين المحدثين يعتقد أنَّها مدبّرة بسبب هذه الاستجابة السريعة.

ولأنَّ التوجّه نحو القدس أمر إلهي، فقد صُبِغ المنفّذون للأوامر بقدسيّة المسيح أو الربّ، وهو أمر نجحت فيه البابويّة، فكانت الحماسة الدينيّة على أوجها، لذا نجد المصنّفات في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي تصف المتوجّهين نحو القدس بـ«جنود المسيح - جيش المسيح - شعب المسيح - المؤمنون - جيش المؤمنين- حملة الصليب - جيش الربّ - قادة الربّ». فضلًا عن ذلك، كانت القدس غاية كلّ مسيحي غربي؛ لأنّها رمز الخلاص، لذلك أولى المؤرّخون المعاصرون لها جلّ اهتمامهم، وإنَّ هذه الحرب تختلف في أسبابها كليًّا عن كلّ الحروب السابقة في أوروبة؛ لأنَّها إلهيّة في كلّ شيء، وكان مفهوم الحرب المقدّسة مرتبطًا بمفهوم الحجّ الذي كان غاية مسيطرة على الفكر الأوروبي أواخر العصور الوسطى[43].
ويظهر أنَّ النظرة المقدّسة للحروب توازت مع سيطرة الكنيسة والفكر الديني على الحياة الأوروبيّة، وصارت تشكّل أعمالًا بطوليّة للمجتمع الأوروبي في العصور الوسطى[44].
وتدلّ قصّة الحربة المقدّسة على إحدى صور الحرب المقدّسة عند الصليبيين، بغضّ النظر عن مدى صحّتها، وقد رواها فوشيه الشارتري، وملخّصها أنَّ فلّاحًا يدعى بطرس بارثولوميو، وجد حربة في حفرة في الأرض تحت كنيسة القدّيس بطرس في 14 حزيران 1098م/ 492هـ بعد سقوط أنطاكية بأحد عشر يومًا، وادَّعى أنَّها كانت ذات الحربة التي أطلقها لونجينس، كما ورد في الإنجيل، فطعنت الجنب الأيمن مِن يسوع المسيح[45].

وقد أبدى الأمير بوهيموند، ومعه معظم القادة الصليبيين، فرحهم بقصّة الحربة، على الرغم مِن أنَّ بوهيموند عرف أنَّها لعبة مِن اختراع الأمير ريموند الذي اختار ذلك الفلّاح المغمور لتمثيلها[46].
وقد أتى المؤرّخ ابن الأثير على ذكر هذه الحربة في كتابه الكامل، يقول: «كان معهم راهب مطاع فيهم، كان داهية مِن الرجال، فقال: إنَّ المسيح عليه السلام كان له حربة مدفونة بالقسيان الذي بأنطاكية، وهو بناء عظيم، فإنْ وجدتموها فإنَّكم تظفرون، وإنْ لم تجدوها فالهلاك متحقّق، وكان قد دفن قبل ذلك حربة في مكان فيه، وعفى أثرها، وأمرهم بالصوم والتوبة، ففعلوا ذلك ثلاثة أيام، فلمّا كان اليوم الرابع أدخلهم الموضع جميعهم، ومعهم عامّتهم، والصنّاع منهم، وحفروا في جميع الأماكن فوجدوها كما ذكر، فقال لهم: أبشروا بالظفر»[47].

والجدير بالذكر أنَّ الصليبيين أنفسهم، شكّكوا في قصّة الحربة المقدّسة، وشاع بينهم أنَّ القصة مِن اختراع ريمون السان جيلي[48].

4. الحجّ إلى القدس
أولى مشكلات البحث في تاريخ الحركة الصليبيّة تتمثّل في المصطلح ومدلولاته المختلفة التي تؤدّي إلى الفوضى، لا سيّما إذا كان المصطلح ذاته يحمل تناقضًا بين دلالته اللغويّة وحقيقته التاريخيّة، فلقد ارتبط اسم هذه الحركة بالصليب بعد حوالي قرن ونصف قرن مِن دوران عجلة أحداثها، فالناظر في مجرياتها يجد مزيجًا مِن القسوة والوحشيّة الذي يتناقض مع الصليب رمز الفداء والتضحية بالنفس في سبيل الآخرين[49].

فإنَّ وضع تعريف بسيط لظاهرة تاريخيّة معقّدة وممتدّة في رحاب الزمان والمكان مثل الحروب الصليبيّة، أمر قد يجرّدها مِن الكثير مِن دلالتها التاريخيّة ومضامينها الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة، فالكُتَّاب اللاتين ظلّوا حتّى القرن السابع الهجري/ الثالث عشر يستخدمون كلمة per-egrinus معناها الحاج، للدلالة على الصليبي وعلى الحاج المسلّح معًا، وطوال المدّة السابقة استخدمت مصطلحات وكلمات عديدة للدلالة على الحملة الصليبيّة، مثل الحرب المقدّسة أو الرحلة العامّة وحملة الصليبيين[50].
وكان عنوان الحجّ إلى القدس ومرادفاته هو النسبة الغالبة على المصنّفات التاريخيّة للأوروبيين في القرنين السادس والسابع الهجريين/ الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، ممّن شاركوا في الحروب أو مدوّنو روايات المشاركين، لا سيّما مؤرّخي الحملة الأولى كما يسمّيها الكُتَّاب في العصر الحديث.

وقد كتب عنها اثنان وثلاثون مؤرّخًا، منهم أحد عشر مؤرّخًا كتبوا بعنوان تاريخ القدس مثل توديبود Tudebod، وبلدريك أسقف دول Baldric bishop of Do، وثلاثة كُتَّاب كتبوا بعنوان حملة بيت المقدس مثل باثولف نانجيجوBatholf de Nangiejo ، وألبرت أوف أكس Albert of Aix، وذكر الحجّاج أو أعمال الحجّاج منهم مؤلِّف كتاب أعمال الفرنجة وحجّاج بيت المقدس، وريموند أوف أجيل Raymond of Agile، وفولشردي شارتر Fulcher de Chartres، وتغلب مصطلحات تعبِّر عن دور ظاهرة الحجّ في الفكر الأوروبي الوسيط على العناوين مثل: الحجّ، والرحلة، والرحلة العامّة، وحملة الصليب، ولأهمّية الحجّ وارتباطه بمدينة بيت المقدس كونها الجنّة الأرضيّة، توجَّب دراسة وإظهار أهمّيتها في عقيدة الكاثوليك آنذاك[51].

وقد تطوّرت أهمّية القدس مع ظهور أفكار جديدة، منها أنَّ الأماكن التي شهدت حياة المسيح واستشهاده أو حتّى استشهاد أحد القدّيسين تتمتّع بقوّة روحيّة تساعد على محو الذنوب، ويمكن تقسيم مراحل تطوّر ظاهرة الحجّ الأوروبي حتّى بداية الحروب الصليبيّة لأربع مراحل[52]:
المرحلة الأولى: كان الحجّ في القرون المسيحيّة الأولى حتّى مرسوم ميلان 313م نادرًا، لأنَّه لم يكن فرضًا دينيًّا، فضلًا عن الظروف التي يعانيها المسيحيّون عمومًا مِن اضطهاد أثناء الحكم الروماني.
المرحلة الثانية: بعد الاعتراف بالمسيحيّة ديانة رسميّة في الدولة الرومانيّة في عهد الإمبراطور قسطنطين 307-337م، دعم هذا الإمبراطور الديانة الجديدة في مركز الدولة روما وفي موطن الديانة بيت المقدس، إذ عملت والدته القدّيسة هيلانة على بناء كنيسة القيامة سنة 328م، وكشفت عن مقدّسات أخرى، ممّا أدّى إلى ازدياد رحلات الحجّ الى فلسطين.
المرحلة الثالثة: تبدأ مِن الفتح العربي الإسلامي القرن الأوّل الهجري/ السابع الميلادي بدءًا مِن معركة اليرموك 13هـ/ 634م وتحرير بيت القدس 14هـ/ 635م، إذ فرض العرب المسلمون سيطرتهم على بلاد الشام، ثمّ بعد ذلك سيطروا على مصر وشمال أفريقيا وبعض جزر البحر المتوسّط، ممّا جعل المسلمين مهيمنين على البحر المتوسّط، وهذه التطوّرات أثَّرت في الحجّ، لكنَّها لم تقطعه، إذ ذكرت بعض الرحلات التي تعود إلى هذه المدّة.
المرحلة الرابعة: وهي مرحلة عصر الحجّ الأكبر القرنين الرابع - السادس الهجري/ العاشر - الثاني عشر الميلادي، إذ حدثت تطوّرات مهمّة في أوروبة والبحر المتوسّط في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، منها تطوّر التجارة وظهور المدن التجاريّة، وقد ساعدها على هذا التطوّر انحسار دور المسلمين في البحر المتوسّط. فكان لهذه التطوّرات آثار إيجابيّة على تنقّل الحجّاج بيسر نوعًا ما إلى الأراضي المقدّسة في فلسطين، وكانوا غالبًا يفضّلون الطريق البري عبر القسطنطينيّة.

وارتبط التطوُّر الآخر بتبلور ارتباط الحجّ بالتكفير والتوبة عند الكنيسة الكاثوليكيّة، وكانت القدس واحدة مِن أربعة مواقع كان يؤمّها المسيحيّون الكاثوليك، وتعزّزت عمليّة الحجّ بالمكانة الدينيّة والتاريخيّة لهذه المدينة في الفكر المسيحي والتطوّر الداخلي للكنيسة الكاثوليكيّة، وسعت البابويّة لتتبوَّأ منصب السيادة الدينيّة والدنيويّة نظريّة السموّ البابوي والصراع مع الكنيسة الشرقيّة للسيطرة على العالم المسيحي، وهذا كلّه جعل القدس تحتلّ مكانةً متفوّقة على روما نفسها.
جعلت هذه الأفكار الحجّ ظاهرة مميّزة في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، واسعة النطاق تشمل الملوك والأمراء والرهبان وعامّة الناس مِن بقاع متعدّدة في أوروبة.

إنَّ البابوية أدركت واستغلّت مثل هذه المشاعر بحكم طموحها الكبير، لتظهر مدى نفوذها على المجتمع الأوروبي الغربي، فكانت خطبة البابا أوربان الثاني في المجمع الكنسي بكليرمونت خير تعبير عن هذا الإدراك، فوجَّه الناس لتخليص القبر المقدّس، فأثار ذلك حماس المجتمع الأوروبي بمختلف طبقاته؛ لما تمثِّله هذه الدعوة مِن السير على خطا المسيح والتكفير عن الذنوب، والحصول على الخلود الأبدي بالوصول إلى القدس.

وبما أنَّ كلّ زيارة لبيت المقدس هي حجّ، والقائمين بها حجّاجًا، لذا عند قراءة أيّ كتاب عاصر الأحداث منذ كليرمونت وما بعدها مثل كتاب: أعمال الفرنجة وحجّاج بيت المقدس تُعدّ فيه كلمة حاج هي المعبّر عن كلّ مسيحي متَّجه لزيارة بيت المقدس، حتّى المحاربين منهم، بل وُصف الحجّاج المسلّحين بأنَّهم شعب المسيح.
وانعكس تأثير ظاهرة الحجّ في المجتمع الغربي القروسطي، والنزعة الدينيّة الغالبة على الفكر الأوربي القروسطي ومنه الفكر التاريخي، فجاءت الكثير مِن العناوين الحجّ - أعمال الحجّاج - القدس التي تعبّر عن فلسفة العصر ونظرتها إلى التاريخ، على أنَّ له بداية هي مولد المسيح، وله نهاية هي نزوله لتحقيق مملكة الله في الأرض القدس، وهو أمر يفسِّر الاندفاع الشعبي العارم لتلبية دعوة البابا أوربان الثاني؛ إذ اعتقد الناس أنَّ في التوجّه إلى بيت المقدس الحجّ السعادة الأبديّة ليكونوا سكّان مدينة الله بتأثير أفكار سان أوغسطين، والأفكار الأخرويّة الألفيّة التي تقول: إنَّ نهاية العالم ستحلّ بعد الألفية الأولى لميلاد المسيح، وذلك بنزول السيّد المسيح إلى الأرض لتأسيس مملكة الله[53].

وبين يدي مخطوط كتاب: الحجّ إلى بيت المقدس، قدَّمه لي مترجمه: الدكتور أحمد غسان سبانو، ونجد فيه أنَّ حركة الحج بدأت في العالم المسيحي خلال القرن الثاني الميلادي، ولكنْ ليس لدينا مِن أخبار مترابطة حول هذه الحركة حتّى عام 333م، وعندما كتب أحد الرواد مِن بوردو يوميّات رحلته، ذكر عددًا مِن الأماكن المقدّسة التي لم تزل مِن أهداف الحجّ بالنسبة لحجّاج المملكة اللاتينيّة بعد ثمانية قرون مِن كتابتها.

وهكذا فإنَّ كتاب: الحجّ إلى بيت المقدس بعد عام 493هـ/ 1099م، يخدمنا بصفته عيِّنة تمثّل مرحلة في عمليّة طويلة مستمرّة، وهي عيِّنة واضحة المعالم نظرًا لأنَّ لدينا نصوصًا واسعة المدى يرجع تاريخها إلى سنوات طويلة ما بين 493-583هـ/ 1099-1187م، وهي تفوق في أهمّيتها جميع النصوص التي كتبت في المدّة السابقة.

ولقد افترض أصحاب النصوص السابقة أنَّ الأماكن المقدّسة هي نفسها الأماكن التي زارها الحجّاج منذ زمن طويل، وكانت هذه الفرضيّة صحيحة. ولكنَّ حركة الحروب الصليبيّة مع ما صاحبها مِن الجيوش التي احتلّت بيت المقدس وحياة المملكة اللاتينيّة التي لم تكن لتفترق عن الاحتلال اللاتيني للأرض المقدّسة، كلّ هذه العوامل سبَّبت بعض التغيّرات[54].

وتُظهر نصوص كتاب: الحجّ إلى بيت المقدس، أنَّه عندما غزا الجنود الصليبيّون بيت المقدس عام 493هـ/ 1099م، واستولوا على المسجد الأقصى، كان لديهم كثير مِن الأعمال التي كانت مبنيّة أصلًا على القصص التوراتيّة التي لها علاقة بالمعبد، وهي كثيرة، لذلك سنلخّص أبرزها ممّا ورد في العهد الجديد وما حضر مِن التوراة:

_ دخول يواقيم وحنَّه إلى المعبد خصوصًا لتقديم مريم العذراء المقدّسة.
_ إعلان الملاك جبريل لزكريّا أنَّه سوف يُنجب ولدًا وهو يوحنّا المعمدان.
_ تقديم المسيح في المعبد ونبوءة سيمون.
_ جلوس المسيح بين الفلاسفة.
_ طرد المسيح للمرابين مِن المعبد.
_ عفو المسيح عن المرأة الزانية.
_ شفاء بطرس ويوحنّا للرجل الأعرج في البوابة الجميلة.

وتُصَوِّر نصوص الكتابات التفصيلات المتشعّبة التي تتعلّق بكلّ شيء عن الحجّاج في أيام بدايات الحروب الصليبيّة وخلالها، وتقدم وصفًا شاملًا للمداخل والمخارج في بيت المقدس، والجسور والبوابات التي كان يستخدمها الحجاج، والطرق وخزّانات المياه والبرك في الحرم الشريف، والصخرة وقبّة الصخرة ووصفهما، وكيف كان يظنّ الصليبيّون أنَّ الذي بناها هو إمبراطور روماني بيزنطي، وابتداءً مِن عام 500هـ/ 1106م فصاعدًا أصبح اللاتين واليونان يعتقدون أنَّ الذين بنوها هم الوثنيّون والمسلمون، وكان هناك تشويش في التعبير حول الوثنيين والمسلمين، فقد ظنَّ بعض الكتّاب في المملكة اللاتينيّة أنَّه وقبل عام 493هـ/ 1099م كان المسلمون في قبّة الصخرة يعبدون صنمًا يمثّل النبي محمّدs[55].

ونأتي إلى خطاب البابا وقضيّة الحج، فليس لدينا تفاصيل خطبة البابا أوربان الأصليّة التي تفوَّه بها في مجمع كليرمونت، ولكنْ نعلم أنَّه قد أشار في بعض مقاطعها إلى قضيّة الحجّ إلى بيت المقدس، وهو يستشهد بماثيو 16-24 الذي يقول: «إذا كان هناك رجل يرغب في اتّباع خطواتي فعليه أنْ ينكر ذاته ويحمل الصليب ويتبعني»، ومِن المحتمل أنَّ هذه الأقوال قد سبّبت ارتداء كلّ الحجّاج الصليب بشكل منتظم، وكان بعضهم يحمل الصلبان الخشبيّة مِن بلاده إلى بيت المقدس، وكانوا يضعون هذه الصلبان على جبل الجمجمة وذلك تشبّهًا بالمسيح.

ولقد تشوّشت أفكار الحجّاج في هذه المدّة عندما ذكروا لهم أنَّه قد حدثت محاكمتان للمسيح خُلّدت ذكراهما على جبل صهيون، الأولى عندما مَثَل المسيح أمام أنّاس Annas وكيافاس Caiphas، والثانية عندما مَثَل أمام بيلاطوس.
أمّا الفرسان الهيكليّون، فإنَّ لديهم وجهة نظر مختلفة حول مكان المحاكمتين، فالدليل الثاني يذكر بركة الخراف بالشكل الآتي:
إنَّ هذه البركة هي المكان الذي يخبر فيه الحجّاج والزوَّار أنَّ خشبة الصليب بقيت وقتًا طويلًا، ولكنَّ فرسان المعبد يظهرون لك بركة أخرى ويقولون إنَّها بركة الخراف.
هذا وإنَّ بركة الخراف الموجودة حاليًا، وهي الخزَّان المثّلث الواقع أسفل القسم الشمالي مِن كنيسة القدّيسة حنَّه، هذه البركة ليست بذات شأن، بل هناك بركة أكبر إلى الشمال مِن سور المعبد، وهي تدعى بركة إسرائيل، وهذه البركة أفضل مِن تلك[56].

إنَّ ثمانية نصوص مِن النصوص التسعة عشر التي ذكرها كتاب الحجّ إلى بيت المقدس، ما هي إلّا دلائل مرشده أو أوصاف لزيارة الأراضي المقدّسة، وهناك أربع نصوص تذكر الشكل الذي ثبتت بموجبه جميع الأماكن المقدّسة في بيت المقدس، أمّا النصوص الخمسة الباقية فتقول إنَّ الحجّاج يشكرون الله الذي أعطاهم القدرة والأمان في رحلتهم بحرًا أو برًّا، ولكنَّ السفر هو أحد العناصر الرئيسة في مواسم الحجّ.

وفي النصوص تأكيد على أنَّ بيت المقدس هي أقدس مكان، ويذكر ثيودريك ذلك بطريقته الخاصّة: «إنَّها أقدس مكان؛ لأنَّه قد أضاءها ونوَّرها وجود إلهنا وسيّدنا يسوع المسيح وأمّه الطيّبة، وإنَّ جمع البطارقة والأنبياء والرسل قد عاشوا هناك وعلَّموا وبشّروا واستشهدوا هناك»[57].

إبادة المسلمين:
كانت الحروب الصليبيّة حركة استعماريّة استيطانيّة تهدف إلى احتلال المشرق العربي الإسلامي، وخاصّة فلسطين، واستيطانه، وتهجير سكّانه ليحلّ محلّهم العنصر الفرنجي الصليبي؛ فالحروب الصليبيّة كانت حرب إبادة، وإنَّ الدعوة لإبادة المسلمين قد قال بها البابوات، كما قال بها القدّيس برنارد -راعي دير كليرفو، أحد أكبر الدعاة للحروب الصليبيّة- عندما عدَّ «أنَّ قتل الكافر ليس قتلًا لإنسان، بل هو إبادة للشرّ، وأنَّ قتل الوثني هو مجد مسيحي، ففي هذا القتل يجري تمجيد المسيح»، وقد اتّضحت رؤيته لاستيطان تلك الأراضي بضرورة استحواذ المسيحيين الكاثوليك عليها، فالأرض المقدّسة لا تكون مأهولة إذا كانت غير مأهولة بشعب الربّ، فهو الشعب الوحيد الجدير بالاهتمام، وعلى ذلك فقد دعا برنارد إلى طرد المسلمين مِن فلسطين وتفريغ الأرض المقدّسة مِن سكّانها[58].
لقد جرى تصوير الحروب الصليبيّة على أنَّها عمليّة تطهير كبرى، فقد حثّ البابا أوربان الثاني المسيحيين على السعي بأقصى الجهود إلى «تطهير المدينة المقدّسة ومجد القبر المقدّس»، وإحلال العنصر المسيحي في الأرض المقدّسة بدلًا مِن المسلمين، إذ أشار جيوبرت إلى أنَّ البابا قال: «لا يمكن أنْ يحدث هذا التطهير ما لم تحلّ المسيحيّة محلّ الوثنيّة»[59].
ولم يكن هدف الصليبيين كما يسمّون أنفسهم، أو الفرنجة كما سمَّاهم العرب، تحقيق مكاسب اقتصاديّة أو ماديّة أو الطمع في خيرات الشرق بالدرجة الأولى؛ لأنَّ بلادهم بجميع المقاييس أغنى مِن بلاد المشرق، وإنَّما كان الهدف الرئيس المعلن توجيه ضربة قاضية للإسلام وإبادة السكّان بالكامل أو تحويلهم إلى النصرانيّة، وتصفية أيّ أثر للإسلام في مصر والشام حيث القوّة الحقيقيّة له، تمامًا مثلما حصل في الأندلس فيما بعد، حيث لم يُبق الصليبيّون أثرًا لمسلم واحد في كلّ الأندلس، وما كان لأوروبة أنْ تهاجم الشرق الإسلامي على مدى مئة عام طمعًا في قمحة أو زيتونة، وإنَّ الصليب الذي اتّخذوه شعارًا لهم يغني عن أيّ تفسير[60].

وقد وفَّر البابا أوربان الثاني -المحرِّض الأوّل للحروب الصليبيّة- على الباحثين عناء تبرير هذه الحروب عندما قال في خطابه في المجمع الكنسي في مدينة كليرمونت: «إنَّ مهد عقيدتنا وموطن ربّنا وأمّ الخلاص يستولي عليه الآن شعب مِن غير ربّ، إنَّه ابن لجارية مصريّة، وهو يفرض شروطًا قاسية على أبناء المرأة الحرَّة، وبذلك تكون الأمور قد انعكست، إنَّ ما كتب هو: اطرد الجارية وابنها، لقد دنَّس عرق السراسنة _ المسلمون العرب _ الشرّير الذي يدين بمعتقدات خرافيّة نجسة، الأماكن المقدّسة حيث ارتكزت أقدام ربّنا، لقد دخل الكلاب إلى الأراضي المقدّسة وجرى تدنيس المقدَّسات»[61]، لقد كانت تعاليم البابا هذه ومعه بطرس الناسك نبراسًا للصليبيين، ساروا على هديه فيما ارتكبوه مِن مجازر بحقّ الشرق، إرضاءً للربّ ولممثّله الرسمي على الأرض.

وعندما سقطت القدس وأُبيد سكّانها مِن المسلمين واليهود في المجزرة الجماعيّة الرهيبة المشهورة، قال رئيس أساقفة صور رجل الدين والمحبّة والسلام: «إنَّ هذا يوم مقدّس، وسيكون اليوم الذي يجب أنْ يروى فيه كلّ ما قد تنبّأ به الرسول، وذلك في سبيل مجد المسيحيّة وعظمتها»[62].

وذكر ابن العديم أنَّ الصليبيين عندما حاصروا حلب سنة 518هـ/ 1124 م، بقيادة ملك القدس بلدوين، نبشوا قبور المسلمين خارج الأسوار، وأخذوا توابيتهم، وأحرقوا الموتى، وربطوا بعضهم بالحبال وسحبوهم أمام المسلمين وهم يقولون:
_ هذا نبيكم محمّد.
_ وآخر يقول: هذا عليّ.

وأخذ بعضهم مصحفًا شريفًا مِن بعض المشاهد وقال: «يا مسلمين، أبصروا كتابكم، ثمّ ثقبه وشدّه بخيط وجعله في مؤخّرة البرذون غير العربي مِن الخيل والبغال يُروِّث عليه، وكلّما أبصر الروث على المصحف صفّق بيديه وضحك زهوًا وسرورًا»[63].

ويقدّم فوشيه الشارتري مثالًا عن الكيفيّة التي يجري بها هذا التطهير، فقد أشار إلى سعي البابا لطرد المسلمين مِن فلسطين، وكتب أنَّ البابا أوربان الثاني حثّ في كليرمونت الفرسان والمشاة المسيحيين إلى «أنْ يسارعوا لسحق هذا الجنس الخسيس مِن أراضينـا»[64].

وهكذا وبحلول أواخر القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي كانت الحروب الصليبيّة قد كفَّت عن أنْ تكون حركة مِن أجل تحرير الأرض المقدّسة، وأصبحت بدلًا مِن ذلك «حركة لإبادة المسلمين»[65]، ولتحقيق ذلك اتّبع الفرنج خلال احتلالهم سياسة تهدف إلى تفريغ الأرض مِن سكّانها الأصليين، سواء كان ذلك بالقتل أو التهجير أو الطرد، وتوطين المستوطنين القادمين مِن الغرب الأوروبي مكانهم[66].
فالباحث المتأمّل لواقع الحركة الصليبيّة يدرك مِن فوره أنَّها ذات طابع عنصريّ تعصّبي ضدّ مِن هو غير مسيحي كاثوليكي، لذلك فلا عجب أن ارتبط بها طابع دمويّ لا يُنكر أثره، وقد ظهر هذا الطابع في المذابح والمجازر الجماعيّة التي ارتكبها الصليبيّون ضدّ أعدائهم المسلمين، وخلال ذلك تمّ قتل عشرات الآلاف مِن السكّان، وجاء ذلك وسط موجة عارمة مِن الكراهية والعداء والرغبة في القتل بكلّ مِن لا يدين بالمسيحيّة الكاثوليكيّة[67].

ومِن أمثلة هذه المذابح ما حدث على مدى الطريق مِن أنطاكية إلى بيت المقدس مرورًا بالبارة ومعرّة النعمان، ووصلت إلى ذروتها في المذبحة المروّعة التي اقترفها الصليبيّون في بيت المقدس 492هـ/ 15-25 يوليو 1099م، ففي أعقاب استيلاء الفرنجة الصليبيين على بيت المقدس قتلوا عشرات الآلاف مِن المسلمين[68].
وقام الصليبيّون بتحويل مسجد قبّة الصخرة إلى دير أطلقوا عليه اسم: دير معبد السيّد، كما أضافوا إلى المبنى مذابح وأماكن للتعميد، فضلًا عن النقوش اللاتينيّة البارزة على جدار المبنى.

كما أحدث الصليبيّون العديد مِن التغييرات العمرانيّة في مدينة القدس، سواء عن طريق بناء الكنائس والأديرة والأبراج والأسوار أو عن طريق تغيير استخدامات بعض الأبنية الدينيّة الإسلاميّة.

لم يقتصر هذا الإجراء الصليبي على مدينة بيت المقدس، بل شهدته معظم مدن فلسطين، مثل سبسطية حيث حُوِّل فيها مشهد زكريّا إلى كنيسة، والخليل التي حُوِّل فيها المسجد الإبراهيمي إلى كنيسة عرفت باسم: سانت إبراهام، وعكّا التي حُوِّلت «مساجدها كنائس»[69].

ثانيًا: الأسباب السياسيّة:
من الممكن تجزئة الأسباب السياسيّة إلى النقاط الآتية:
1. دور البابويّة والكنيسة السياسي:
لقد أسهمت التطوّرات الداخليّة في أوروبة في شرعنة الحرب، ومنها الدور الذي قامت به الكنيسة الغربيّة بعد سقوط روما سنة 476م، ومحاولة فرض هيمنتها أو استمالة القوى الفعّالة إلى جانبها للدفاع عنها، فصوّرت للناس أنَّ الحرب المشروعة هي حرب لا تتنافى مع المبادئ المسيحيّة، ثمّ شعرت البابويّة بخطر التقدّم الإسلامي في أوروبة في شبه جزيرة إيبيريا الأندلس وفي جنوب إيطاليا ووسط فرنسا.

وإزاء هذه المخاطر الخارجيّة، نادى البابا ليو الرابع 233-240هـ/ 847م -855م والبابا يوحنّا الثامن 258-268هـ / 872م-882م للدفاع عن المسيحيّة، وأنَّ كلّ مَنْ يموت في سبيل الكنيسة سوف ينال ثوابًا مِن السماء وتغفر ذنوبهم، وهو أمر أتى بنتائج كبيرة جدًّا لصالح البابويّة مِن جهة وأوروبة مِن جهة أخرى، إذ لم يوقف التهديد الإسلامي على ممتلكات البابويّة في إيطاليا وعلى المملكة الكارولينجيّة، بل تراجع المسلمون مِن أراضٍ كانوا يعدّونها إسلاميّة، مثل الأندلس وصقلية وجزر البحر المتوسّط الغربيّة، ممّا فسح المجال لتقوية وهيمنة المدن الإيطاليّة التجاريّة والبحريّة في البحر المتوسّط[70].
وازدادت طموحات البابويّة السياسيّة قوّة في منتصف القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي بمجيء بابوات مصلحين، أسهموا بقيام إصلاحات داخليّة مهمّة، أدّت إلى تقوية الكنيسة، فنافست الإمبراطوريّة في الهيمنة على شؤون غرب أوروبة، فضلًا عن اهتمامهم بالحروب على المسلمين، ممّا مهّد الطريق أمام البابا أوربان الثاني ليوجّه جهود البابويّة المؤثّرة نحو فلسطين[71].

وهناك مؤرّخون عدُّوا النداءات البيزنطيّة سببًا للحركة الصليبيّة، إذ كان وضع الإمبراطوريّة حرجًا مِن جرّاء توسّع السلاجقة في آسيا الصغرى بعد معركة ملاذكرد التي انتصر فيها السلاجقة على الجيش البيزنطي، ممّا دفع بالإمبراطور ميخائيل السابع أنْ يستنجد بالبابا جريجوري السابع، وعندما تولّى ألكسيوس حاول أنْ يوقف المدّ السلجوقي وطلب أكثر مِن مرّة مساعدة أوروبة[72].

ولا نعتقد مطلقًا أنَّ إعلان أوربان الحرب المقدّسة، كما زعم المؤرّخون الأوروبيّون إثر فورة دينيّة عاطفيّة فقط، فالقرار اتّخذه أوربان بعد دراسة مطوّلة عميقة وضع فيها حسابات الربح والخسارة، حتّى اختياره مدينة كليرمونت جنوب شرق فرنسا كان مقصودًا، إنَّ البابا أراد أنْ يسير بمخطّط جريجوري إلى نهايته، فيمدّ سلطانه البابوي على سائر أوروبة والمشرق، وليست إشارته لبيت المقدس وتصوير عذاب واضطهاد المسيحيين في المشرق الإسلامي إلّا ورقة عرف أنَّها رابحة في لعبته الذكيّة مع دهماء أوروبة، بل إنَّ عددًا مِن المؤرّخين يرون أنَّ الحروب الصليبيّة كان المقصود بها بالدرجة الأولى مسيحيي المشرق وليس مسلميه؛ لأنَّ هؤلاء المسيحيين رفضوا بكلّ قوّة الانصياع إلى بابويّة روما عدا عن كونهم أكثر حضارة وعلمًا مِن جهلاء روما وغيرها مِن مدن أوروبة الغربيّة[73].

2. مدلولات الفرنجة والصليبيين
يرتبط بالسبب السياسي ما يتعلّق بمصطلحي: الفرنجة والصليبيين، إذ استعمل العرب والمسلمون مصطلح الفرنجة بمعنيين: عام يشمل كلّ سكّان أوروبة خارج الدولة البيزنطيّة، ومعنى خاصّ على أغلب منطقة شمال الأندلس تحديدًا.

ويظهر أنَّ الكُتَّاب المسلمين كانوا على دراية بموطن الفرنجة جزء مِن فرنسا حاليًّا الذي أقاموا به أولًا في عهد كلوفس حوالي 466-511م، بعد ذلك اتّسع نفوذهم مع اتساع الإمبراطوريّتين اللتين أقامهما الفرنجة الميروفنجيّة والكارولنجيّة واستمرارهما زهاء خمسة قرون 481-983م/ 373هـ، لكنْ بقي موطنهم ومركزهم فرنسا حاليًّا.
وعرف المسلمون في الشرق الفرنجة أكبر قوّة سياسيّة مهيمنة على وسط وجنوب أوروبة، لذا تمّ تعميم هذا المصطلح على كلّ الأوروبيين عدا البيزنطيين، وهو تصوير واقعي كان يقرّ به حتّى الأوروبيين أنفسهم، لذا عندما غزا الفرنجة بلاد الشام 490هـ/ 1099م لم يكن مِن الصعب تمييزهم مِن الأقوام الأوروبيّة المعروفة مثل الروم أو الصقالبة والبلغار، فتمّ تحديدهم وتمييزهم بوضوح؛ لأنَّ عمليّة التمايز بين الأقوام جغرافيًّا ظاهرة موجودة في المصادر العربيّة والإسلاميّة، فيقال: رومي - حبشي - فارسي - تركي - صقلبي - فرنجي.

وأخذ المصطلح يتعزّز في الفكر العربي الإسلامي، وخاصّة أنَّ بلاد الفرنجة قبيل الحروب الصليبيّة وما بعدها، بدأت تؤدّي دورًا مهمًّا سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا في منطقة البحر المتوسّط وسواحله الإسلاميّة، ولم يدرك المسلمون التغيّرات التي أصابت أوروبة التي جعلت الفرنجة يأخذون المبادرة مِن الروم، وكذلك التغيّرات الداخليّة الكبرى على مختلف الصعد؛ لأنَّ مصادر معلوماتهم كانت تعتمد على ما كتبه أسلافهم عن هذه الأقوام بعد نمو القوميّة في أوروبة وتماسّهم مع المسلمين في القرن التاسع الهجري/ القرن الخامس عشر الميلادي وما بعده، فبدأت تظهر تعابير مزدوجة تجمع بين الإفرنج كصفة عامّة لأوروبة مع صفة الدولة التي يسمّونها طائفة مِن الفرنج يقال لهم الفرنسيس طائفة مِن الإنكليز مِن الفرنج فرنج إفرنسة.
واستمرّ مصطلح الفرنجة أو الإفرنج حتّى بداية القرن العشرين، وفي نهاية القرن العشرين عادت بعض الدراسات إلى استعمال مصطلح الفرنج كمحاولة للردّ على الحملات الصليبيّة؛ كونها ظاهرة متعدّدة الأبعاد، أحدها البعد الديني الذي أكّد عليه الأوروبيّون.
كانت هذه نظرة كُتَّاب الشرق الإسلامي، فكانت بيزنطة الروم كقوّة رئيسة، ثمّ نافسها الفرنج في منطقة البحر المتوسّط التي هي منطقة اهتمام عربيّة إسلاميّة، لذلك كان هناك تمايز قومي ثقافي بين القوّتين، وزاد مِن نظرة التمايز الغزو الفرنجي الصليبي للأراضي الإسلاميّة؛ لأنَّ الصلة صارت مباشرة ومتواصلة بين القوى الثلاث، فضلًا عن إدراك المسلمين ضعف بيزنطة المستمرّ وقوّة الفرنج المتصاعدة[74].

ويمكن أن نلخِّص أنَّ الخطَّ البياني للمعلومات العربيّة الإسلاميّة الجغرافيّة والتاريخيّة كانت تسير في تصاعد عن أوروبة والفرنجة، وحصل التطوّر الكبير فيها في كتب الموسوعات، فمثلًا كتاب صبح الأعشى في صناعة الإنشا للقلقشندي، يضمّ في معلوماته لمحة جغرافيّة عن أهمّ المدن في أوروبة وأقوامها، ومنهم الفرنجة، وصلتهم بالبلاد الإسلاميّة، كذلك أهمّ السلع التجاريّة التي تصدّرها وأهمّ النباتات التي تزرعها، حتّى المخاطبات السياسيّة بين حكّامهم والحكّام المسلمين كانت متعدّدة، وهذا يمثّل إدراكًا للتغيّرات السياسيّة التي حدثت في أوروبة.

وإنَّ الاهتمام بالمعلومات المعاصرة لم يجعل المسلمين غافلين عن دراسة تاريخ الفرنجة، وهو أمر انفرد به المسعودي قبل الحروب الصليبيّة. أمّا بعد الحروب، فبيَّن الهمداني أصولهم وعلاقتهم بالمسيحيّة وبيت المقدس وسيطرتهم على بعض مدن الشام، ثمّ ابن خلدون الذي ذكر تفاصيل أكثر مِن غيره عنهم، سواء أصولهم، والقليل مِن أحوالهم الداخليّة، وعلاقاتهم مع المسلمين[75].
ميزان القوى قبيل الحروب الصليبيّة، وتطوّرات الأحداث وظروفها:
يوضِّح الأسباب السياسيّة للحروب الصليبيّة بشكل أكبر: ميزان القوى وحال العالم والقوى الفاعلة قبيل هذه الحروب.

فلقد تعدّدت الآراء حول تعريف الحركة الصليبيّة، ويرجع ذلك إلى الزاوية التي نظر منها المؤرّخون إليها، فرأت مجموعة مِن المؤرّخين أنَّ الحروب الصليبيّة تمثّل حلقة مِن حلقات الصراع الطويل بين الشرق والغرب، وهو الصراع التقليدي الذي ظهر بجلاء في الصراع بين الفرس واليونانيين، ثمّ بين الفرس والإمبراطوريّة الرومانيّة والبيزنطيّة[76].

وبتحليل تفاصيل الأوضاع العامّة قبيل الحروب الفرنجيّة الصليبيّة، سنجد أنَّ أهمّ سبب مِن أسبابها هو السبب المتعلّق بميزان القوى قبيل هذه الحروب أو تطوّرات الأحداث وظروفها، وهو ميزان متعلّق بالقوى الناشطة آنذاك على مسرح الأحداث، وهي: الخلافة العباسيّة 132-656هـ/ 749-1258م، والقوى الموجودة في بلاد الشام، والخلافة الفاطميّة 297-567هـ/ 909-1171م، والسلاجقة 429-590هـ/ 1038-1194م.

ونشطت مِن الطرف الآخر القوّة البيزنطيّة، فلقد سيطرت الإمبراطوريّة البيزنطيّة خلال القرن الأوّل الهجري/ السادس الميلادي على معظم الأراضي المجاورة للبحر المتوسّط، بما فيها جنوب شرقي أوروبة وآسيا الصغرى تركيا حاليًّا وفلسطين وسوريا وإيطاليا وأجزاء مِن إسبانيا وشمالي أفريقيا، ثمّ فتح العرب المسلمون فلسطين في القرن الأوّل الهجري/ السابع الميلادي، ثمّ فتح السلاجقة الأتراك آسيا الصغرى وفلسطين وسوريا في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، وهزموا البيزنطيين في معركة ملاذكرد في آسيا الصغرى عام 464هـ/ 1071م، وأسروا إمبراطورهم رومانوس[77].
لذلك فإنَّ مَنْ يتأمّل أحوال المسلمين السياسيّة في المشرق العربي الإسلامي عشيّة وصول الحملة الصليبيّة الأولى إلى بلاد الشام في أواخر القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، سيلاحظ ما كان عليه المسلمون مِن ضعف وانقسام وتمزّق، ممّا أطمع الغرب الأوروبي ببلادهم[78].

ونظرة إلى العالمين الشرقي والغربي آنذاك، تبيّن لنا أهمّ القوى السياسيّة والحربيّة التي أدّت دورًا فعّالًا في أحداث المنطقة قبيل الغزو الصليبي لها، هي كما يأتي:

3. الغرب الأوروبي قبيل الحروب الصليبيّة:
حتّى قبيل بداية الحملات الصليبيّة، لم تكن أوروبة -كما نعرفها اليوم- دولًا مستقرّة أو شعوبًا متميّزة، بل كانت مجرّد مناطق إقطاعيّة متخلِّفة بالقياس إلى ما وصلت إليه حضارة العالم البيزنطي وحضارة العالم العربي الإسلامي مِن قوّة وازدهار[79].

فشكَّل القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي بالنسبة للغرب الأوروبي بداية مدّة امتدّت ثلاثة قرون، تُمثِّل مرحلة الإبداع في تاريخ العصور الوسطى، إذ أخذت -خلال تلك المدّة- المؤسّسات السياسيّة والاقتصاديّة والدينيّة والاجتماعيّة تتشكَّل، حتّى صارت الأساس الذي قامت عليه النهضة الأوروبيّة[80].
وكان الغالب على مجتمعات أوروبة الطابع الريفي أو المظهر الإقطاعي، وكان الأوروبيّون يعيشون تحت رحمة الطبيعة، فالأرض المزروعة ما تزال ضئيلة المساحة بالقياس إلى مناطق البراري والغابات، وعاش الفلّاح الأوروبي في كوخ صغير حياة أدنى مِن حياة الحيوان، حياة فقر وبساطة، معتمدًا على إنتاج حقله، وعلى ملابس كان يصنعها مِن جلود حيواناته.

وكانت السنوات العشر التي سبقت الدعوة إلى الحملة الصليبيّة الأولى سنة 1095م/ 496هـ سنوات قاسية على سكّان أوروبة، خصوصًا شمال فرنسا وغرب ألمانيا، إذ شهدت تلك السنوات سلسلة تكاد تكون متَّصلة مِن الفيضانات والمجاعة[81].

4. الإمبراطوريّة البيزنطيّة
أسّست الإمبراطوريّة البيزنطيّة سنة 395م في القسم الشرقي مِن الإمبراطوريّة الرومانيّة في عهد الإمبراطور أركاديوس 377-408م، وعجزت تلك الإمبراطوريّة عن صدِّ الفاتحين العرب المسلمين التي انتزعوا منها سورية ومصر وشمالي أفريقيا، كما بلغوا حدود عاصمتها القسطنطينيّة عدّة مرات.

وقد بلغت هذه الدولة أوج قوّتها وازدهارها في عهد السلالة المقدونيّة في المدّة مِن 253هـ/ 867 م إلى 449هـ/ 1057م، وكان بينها وبين الدولة الحمدانيّة في حلب صراع مستمرّ، ثمّ دخلت في صراع شديد كبير في القرنين الخامس والسادس الهجريين/ الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين مع دولة السلاجقة التي كانت تشكِّل آنذاك الجناح العسكري لدولة الخلفاء العبّاسيين[82].

5. دولة السلاجقة
تنازعت خلافتان على العالم الإسلامي هما: الخلافة الفاطميّة في مصر، والخلافة العباسيّة في بغداد، وظهرت خلال ذلك على مسرح الأحداث قوّة الأتراك السلاجقة، وذلك خلال النصف الثاني مِن القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي؛ أي قبيل وصول الصليبيين إلى بلاد الشام.

وبغضّ النظر عن تفاصيل الأحداث والصراعات؛ كانت الدولة البيزنطيّة الضحيّة الأولى لدولة السلاجقة، إذ نفَّذ السلاجقة غزوات ناجحة ضدّ الأراضي البيزنطيّة وانتصروا على البيزنطيين في إقليم إيبريا الإبخار وطرابيزون شمال شرق تركية الحاليّة وأرضروم أكبر مدن تركيّة في الأناضول.
وفي العام 446هـ/ 1054م قاد السلطان طغرل بك 429–455هـ/ 1038–1063م السلاجقة بنفسه إلى الأراضي البيزنطيّة، فغزا أرمينية، ودمَّر ما صادفه مِن قرى ومزارع فيما بين بحيرة فان وأرضروم، وفرض الحصار على ملاذكرد، ولكنَّ الجيوش البيزنطيّة لم تمكِّنه مِن الاستيلاء عليها، فانسحب إلى مدينة الري.

ولمَّا تولَّى حكم السلاجقة ألب أرسلان 455–465هـ/ 1063–1072م بعد وفاة طغرل بك، نهج السلاجقة نهجًا جديدًا تجاه الإمبراطوريّة البيزنطيّة؛ إذ استهدفوا الاستيلاء على أراضيها بدلًا مِن مجرّد القيام بغارات للسلب والنهب، وبالفعل وفي سنة 456هـ/ 1064م استولى ألب أرسلان على إقليم أرمينية ذي الموقع الإستراتيجي المهمّ.

ثمّ كانت المعركة الكبيرة الشهيرة ملاذكرد 464هـ/ 1070م، وفيها ألحق الأتراك السلاجقة هزيمة منكرة بالجيش البيزنطي بقيادة الإمبراطور رومانوس الرابع 461-464هـ/ 1068-1071م[83].

وفي عام 464هـ/ 1071م، استولى السلاجقة على معظم آسيا الصغرى، وواصلوا زحفهم حتّى أصبحوا على مقربة مِن بوابات القسطنطينيّة، ووقعت القدس تحت حكمهم عام 470هـ/ 1077م، لذلك كان أحد الأسباب التي أدَّت إلى الحروب الصليبيّة نداءات الأباطرة البيزنطيين طلبًا للمساعدة نتيجة لهذه الأحداث والتطوّرات، وخوفًا مِن إزعاج الحجّاج المسيحيين، فتشجَّعت البابويّة، وقدَّمت العروض للمساعدة.

ثمّ بلغت الدولة السلجوقيّة أوج عظمتها واتّساعها في عهد السلطان ملكشاه 465–485هـ/ 1072–1092م الذي خلف أباه ألب أرسلان، وصارت تمتدّ مِن بحيرة خوارزم شمالًا إلى حدود اليمن جنوبًا، ومِن حدود الصين شرقًا إلى سواحل البحر المتوسّط غربًا، ثمّ بدأت هذه الدولة تسير في طريق التداعي والانهيار بعد وفاة ملكشاه 485هـ/ 1092م؛ أي قبيل وصول الصليبيين إلى بلاد الشام بسنوات معدودة[84].

لذلك كلّه طلب الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس كومنينوس 474-512هـ/ 1081-1118م عام 489هـ/ 1095م المساعدة مِن بابا الكنيسة الرومانيّة الكاثوليكيّة البابا أوربان الثاني في قتاله ضدّ الأتراك السلاجقة، فوافق البابا على طلبه[85].

6. المشرق العربي
في النصف الثاني مِن القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي كان العرب المسلمون موزَّعين في ولائهم السياسي بين الخلافة العباسيّة في بغداد والخلافة الفاطميّة في القاهرة، فبالإضافة إلى الصراع المستمرّ بين الخلافتين، فإنَّ أحوالهما الداخليّة كانت مرتبكة بالقدر الذي جعل مِن بلاد الشام مجالًا واسعًا لهذا الصراع، وأدّى بالنتيجة إلى انقسام بلاد الشام إلى عدّة إمارات صغيرة متصارعة، على رأس كلّ إمارة حاكم مستقلّ، وكانت مشاعر الحقد بين هذه الإمارات السياسيّة الصغيرة سببًا في العداء السياسي والعسكري الذي كان حائلًا دون توحُّدها في مواجهة الغزو الصليبي[86].

7. الخلافة العباسيّة
فقدت الدولة العباسيّة هيبتها منذ أواخر القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، ودبَّ فيها الضعف والانحلال، وصار الخلفاء العباسيّون مغلوبين على أمرهم في بغداد، وأشبه بألعوبة في أيدي العناصر التركيّة التي غدت صاحبة السلطة الفعليّة.

وظهرت في عصر العباسيين فرق كثيرة: كالإسماعيليّة والمعتزلة والزنادقة، ممَّا أدَّى إلى انقسام المسلمين، وظهرت عدد مِن الدول المستقلّة، ثمّ سقطت، وقامت دويلات على أنقاضها، وأهمّ هذه الدويلات: البويهيّون 334-447هـ/ 945-1055م، ثمّ إنَّ نفوذ البيت البويهي أصيب بضعف شديد بعد وفاة عضد الدولة البويهي 324-372هـ/ 936-983م بسبب القتال الذي نشب بين أبنائه حول ممتلكات أبيهم، وبذلك سقطت دولة بني بويه سنة 447هـ/ 1055م[87].

8. الخلافة الفاطميّة
كان قيام الدولة الفاطميّة في حدِّ ذاته حدثًا فريدًا في التاريخ العربي الإسلامي، إذ إنَّ نجاح الحركة الفاطميّة في إقامة خلافة لها في بلاد المغرب عام 296هـ/ 908م جاء بعد محاولات فاشلة وطويلة قاموا بها منذ قيام الدولة الأمويّة للظفر بالخلافة. وتقدّم الفاطميّون سنة 358هـ/ 969م بقيادة جوهر الصقلي 312-381هـ/ 924-991م نحو الفسطاط، فاستعد الإخشيديّون 323-358هـ/ 934-969م لقتاله، والتقى الجيشان بالقرب مِن الفسطاط في معركة انتهت بانتصار جوهر، وبذلك زال نفوذ الإخشيديين والخلافة العباسيّة مِن مصر. ومنذ أواخر القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، طرأت أحداث على الدولة الفاطميّة تسبَّبت في إضعافها، إذ اضمحلّ سلطانها وعظم نفوذ الوزراء، وأصبح في أيديهم أمر تعيين الخلفاء، وكان لتنافس رجال الدولة الفاطميّة على منصب الوزارة واستعانة بعض الطامعين في هذا المنصب بحكّام الدول المجاورة أثر سيّئ في حالة مصر الداخليّة، الأمر الذي مهَّد السبيل للقضاء عليها[88].

9. بلاد الشام
كانت بلاد الشام هي الأخرى تعاني الاضطراب والفوضى، ذلك أنَّ الحمدانيين 317-394هـ/ 929-1003م في عهد سيف الدولة 333-356هـ/ 944-967م دخلوا في صراع مع كلّ مِن الإخشديين في الجنوب والبيزنطيين في الشمال، وزاد مِن الفوضى التي تعرَّضت لها بلاد الشام سيطرة القبائل اليمنيّة على جنوب بلاد الشام ووسطها، أمّا القبائل القيسيّة فقد سيطرت على شمال الشام والجزيرة.
وعندما ضعفت الخلافة العباسيّة شهدت الإمبراطوريّة البيزنطيّة ظهور أسرة قويّة هي الأسرة المقدونيّة 253-448هـ/ 867 -1056م خلالها وصلت الإمبراطوريّة البيزنطيّة أقصى اتساع لها منذ الفتوحات الإسلاميّة والتي حقّقت انتصارات كبيرة على حساب المسلمين والبلغار والروس، إذ استولى نقفور على المصيصة مِن ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم وطرطوس وأنطاكية، ولكنَّ الفاطميين تمكّنوا مِن استرجاع دمشق.

ويرى بعض المؤرّخين أنَّ جهود الأباطرة البيزنطيين لاسترجاع الشام، بما فيها مِن أماكن مقدّسة، كانت حلقة متقدّمة مِن حلقات الحروب الصليبيّة التي قامت بها أوروبة ضدّ العرب المسلمين لاسترجاع الأراضي المقدّسة في أواخر القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي.

ومهما يكن، فقد ظهر الانقسام والتفتّت في أوصال الجبهة الإسلاميّة في منطقة الشرق الأدنى، الأمر الذي كان له أكبر الأثر في نجاح الحملة الصليبيّة الأولى، واستقرار الصليبيين أمدًا طويلًا في بلاد الشام[89].

فالحروب الصليبيّة تمثّل إفرازًا مِن الغرب الأوروبي، وهي نتاج طبيعي ومنطقي تمامًا للأوضاع التي كانت سائدة هناك، غير أنَّ ذلك ينبغي ألّا يوقعنا في تناقض أساسه النظر إلى الطرف الإسلامي وكأنَّه ملتقى ساذج لصدمة الغزو الصليبي، أو تصوير الأمر وكأنَّ المبادرة التاريخيّة في الصدام كانت لدى الصليبيين مِن الغرب الأوروبي، وأنَّ المسلمين كانوا مجرّد ساكني النطاق الجغرافي الذي حلَّ به الغزاة، على أنَّ الأحداث التي وقعت على الجانب الإسلامي كانت بمثابة البداية الحقيقيّة لاستنفار الغرب الأوروبي[90].

ثالثًا: السيطرة على القدس
إنَّ هدف السيطرة على بيت المقدس ظهر واضحًا في تصريحات كلّ مِن آثار الحروب الصليبيّة، فمثلًا كان مِن أكبر المحرّضين على سير الحملة الصليبيّة الأولى بطرس الناسك، وكان قد عكف على التعبّد في جوار القبر المقدّس، وبعدما عانى كثيرًا مِن سوء المعاملة على أيدي التركمان والمشارقة بزعمه، عاد لموطنه ولم يستسلم للهزيمة، فقد قرّر أن يُبشِّر في جميع البلدان اللاتينيّة، ويعلن بأنَّ هاتفًا سماويًّا جاءه يأمره أنْ يعلن إلى جميع أمراء فرنسا أنَّ عليهم مغادرة أوطانهم والسفر والتَّعبُّد في كنيسة القيامة، وأنْ يبذلوا نفوسهم وجميع طاقاتهم في سبيل تحرير القدس مِن أبناء هاجر[91].

ومِن أجل أنْ يشجّع البابا الجموع على الاشتراك في الحرب، وعد المشتركين بالحرب الصليبيّة المناضلين في سبيل الإيمان باسم الربّ العليّ بغفران الخطايا، فضلًا عن أنَّ ممتلكات الصليبيين ستوضع تحت حماية الكنيسة ورعايتها طوال مدّة غيابهم، كما وعد المقاتلين الذين يستشهدون في المعارك ضدّ الكفّار بالثواب الأبدي في الجنّة السماويّة فـ «القدس إنَّما هي محور الكون، منطقة فائقة الخصب بالمقارنة مع المناطق الأخرى جنّة ثانية»[92].
كما قال البابا: «إنَّني أخاطب الحاضرين، وأعلن للغائبين، وعلاوة على ذلك فإنَّ يسوع المسيح يأمر بما يأتي: كلّ مَنْ يذهب إلى هناك سوف تغفر له خطاياه إذا ما واجه حتفه زاحفًا في البرّ أو عابرًا البحر أو مقاتلًا الكفّار، إنَّني أمنح ذلك لكلّ مَنْ يذهب مستمدًّا القوّة مِن السلطة التي وضعها الله فيَّ»[93]. كما قال لهم: «إنَّ مَن لهم الحزن والفقر هنا في الأرض سيكون لهم الفرح والغنى هناك في السماء»[94].

وقد عدَّ البابا أنَّ الحملة الصليبيّة تتساوى مع الحجّ في طلب الغفران والتكفير عن الذنوب. وهكذا صار الاشتراك بالحملة الصليبيّة بمثابة رحلة حجّ تكفيريّة واستشهاديّة في آن، وقد صار مقصدها بيت المقدس كأكبر دافع ديني وراء الحركة الصليبيّة[95].

لقد أثارت دعوة البابا أوربان الثاني حركة شعبيّة ضخمة ترتبط في التاريخ عادة باسم بطرس الناسك، فالمصادر التاريخيّة التي عاصرت الأحداث التي جرت منذ كليرمونت 488هـ/ 1095م حتّى سقوط بيت المقدس 493هـ/ 1099م لم تذكر شيئًا مِن حجّ بطرس إلى أورشليم، باستثناء أنا كومينيا التي تقول: إنَّ بطرس فشل في رحلة قام بها للتعبّد في الضريح المقدّس، فأعدّ خطّة ماهرة لكي يعود إلى القدس بصحبة جيش كبير، ونجح في هذا[96].

فقد كان زعيم الحملة الشعبيّة يُعدُّ بمثابة التجسيد الحيّ للروحانيّة الشعبيّة، بل إنَّه كان يعدُّ بمثابة نبيّ هذه الحركة ومبشّرها الأوّل، وكان آلبرت الآيكسى[97] الذي عاش في هذه الأرجاء هو صاحب أقدم نصّ مكتوب عن هذه الأسطورة، وتقبّلها وليم الصوري وزاد عليها، وأوضح في نصّه كيف تضخّمت أسطورة بطرس الناسك بعد حوالي مئة سنة مِن أحداث الحملة الصليبيّة الأولى[98].

كما أنَّ هناك رواية لجبوبرت النوخبتي التي تكشف مراحل تطوّر هذه الأسطورة[99].
بكلّ الأحوال، قرّر بطرس الناسك أنْ يبشّر في جميع البلدان اللاتينيّة، ويعلن بأنَّ هاتفًا سماويًّا جاءه يأمره أنْ يعلن إلى جميع أمراء فرنسا أنَّ عليهم مغادرة أوطانهم والسفر للتعبّد في كنيسة القيامة وتحرير بيت المقدس، فلاقى نجاحًا كبيرًا، وتجمّع الفرنجة مِن كلّ الأطراف ومعهم أسلحتهم وخيولهم وتدفّق الجميع مِن كافّة الجهات تدفّق السيول والروافد على النهر العظيم[100].

وعمليًّا؛ في السادس مِن يونيو سارت القوّات الصليبيّة مِن الرملة فوصلت أمام القدس في السابع مِن حزيران 493هـ/ 1099م.

كان الفصل الأخير مِن قصّة الحملة الصليبيّة الأولى هو الحصار الذي فرضه الصليبيّون على مدينة القدس على مدى خمسة أسابيع مِن 7 حزيران حتّى 15 تمّوز، حيث اقتحموا المدينة، فسقطت في أيديهم، واندفعوا كالسيل الجارف يقتلون ويذبحون، ووضعوا السيف في المسلمين على اختلاف أعمارهم وجنسهم[101].
وفي هذا الجوّ الموحش الذي بلغه الصمت الرهيب وتغلغلت إليه الروائح الكريهة الصادرة عن المنازل المحترقة والأجساد العفنة، اجتمع الصليبيّون في كنيسة القيامة، وتردّدت عبارة: نحمدك يا الله[102].

وقد عقد الصليبيّون اجتماعًا لديوان المشورة العسكريّة، ثمّ أصدروا حكمًا بقتل كلّ مسلم باق داخل المدينة، فارتكبوا فظائع مهولة استمرّت أسبوعًا كاملًا، جعلت المؤرّخ الغربي مكسيموس مونروند يصفها بالإبادة السكانيّة، إذ لم يوفّروا قتل أيّ مقدسي أيًا كانت ديانته، ولم يميّزوا بين رجال ونساء ولا شباب ولا شيوخ، بل تعمَّدوا قتل كثير مِن أئمة المسلمين وعلمائهم وعبَّادهم وزهَّادهم[103].

وعبَّر مؤرّخو الحروب الصليبيّة الغربيين والشرقيين عن الفظائع التي ارتكبها الصليبيّون في بيت المقدس، أمثال ريموند دي سان جيل، وابن الجوزي، وابن كثير[104].

واختلف الرواة في تحديد عدد القتلى؛ فقدَّرهم البعض بمئة ألف نسمة، وآخرون قدَّروهم بعشرين ألف نسمة، ولكنَّ الأغلبية قدَّروهم بسبعين ألف نسمة[105].

فكانت النتيجة «أنْ انقلبت المدينة في أيام قليلة مِن ديانة إلى أخرى، ومِن شرائع إلى غيرها، ومِن مراسيم وعوائد إلى أخرى، ومِن سكّان إلى غيرهم»[106].

وحسب الأرقام التي أوردتها المصادر الصليبيّة والعربيّة القديمة يمكن القول: إنَّ عدد المسلمين الذين ذُبحوا بيد الصليبيين منذ خروجهم مِن القسطنطينيّة وحتّى احتلال بيت المقدس تجاوز نصف مليون إنسان، فيهم الكثير مِن النساء والأطفال والرُضَّع، ووصف عدد مِن المؤرّخين بإسهاب الطرق الوحشيّة التي اتّبعها الصليبيّون في إزهاق أرواح تلك الأنفس البريئة بشكل تقشعر له الأبدان، ويُروى أنَّ جماجم المسلمين وأذرعهم التي امتلئت بها شوارع وأزقة مدينة القدس، بقيت عدّة أيام دون أن يتمكّن الصليبيّون مِن إزالتها لكثرتها، وكادت تهدّد بانتشار الوباء في المدينة بعد تفسّخها، كلّ ذلك يدعو المرء ليتساءل عن نوع القلوب التي كان يحملها هؤلاء القوم[107].
بعد هذا انعقد مجلس لانتخاب أحدهم ليكون ملكًا على بيت المقدس، وبعد مجادلات ومعارضات تمّ انتخاب أربعة وهم: غودافرو ورايموند ودوق نورمانديا وتنكريد. وأخيرًا عيَّنوا لجنة مِن الكهنة وغيرهم عددها عشرة لأجل أنْ ينتخبوا واحدًا مِن الأربعة المذكورين، فانعقدت اللجنة وقرّرت انتخاب القائد غودافرو، ولمّا أرادوا تتويجه ليكون ملكًا على بيت المقدس، أبى أنْ يلبس التاج قائلًا: لا يمكنه أنْ يضع على رأسه تاجًا مِن ذهب مرصّعًا بحجارة كريمة في بلد تُوِّج فيها السيّد المسيح بإكليل مِن شوك، وأبى أن يُلقَّب بملك القدس بل بحامي قبر المسيح[108].

ومِن جانب آخر يتعلّق ببيت المقدس، نجد قضيّة التشجيـع على الهجـرة الغربيّة إلى القدس، وكان لأخبار النجاح الذي حقّقته الحملة الصليبيّة الأولى أثره في تشجيع عناصر أوروبيّة جديدة للقدوم رغبة منهم في تدعيم الوجود الصليبي في المملكة الصليبيّة مِن ناحية، وفي الحصول على المكاسب المادّية مِن ناحية ثانية، لذلك بدأت جماعات الصليبيين تشقّ طريقها صوب الشرق مِن فرنسا وإنجلترا وإيطاليا وغيرها مِن دول غرب أوروبا[109].
وقد اتّبع ملوك المملكة الصليبيّة سياسة تهدف إلى تشجيع الهجرة الأوروبيّة إلى فلسطين، وذلك بطرق عدّة، أبرزها عن طريق إصدار مراسيم تشجيع وتسهيل هجرة المسيحيين الأوروبيين إلى فلسطين والاستيطان فيها[110].

لذلك هاجر كثيرون إلى القدس، وقد منحهم الملك بلدوين جزءًا كبيرًا مِن مدينة بيت المقدس، حيث أقاموا في شمال شرق المدينة، فيما كان يعرف باسم الحيّ اليهودي سابقًا[111].

وكي يشجّع الهجرة بشكل أكبر، قام بلدوين الثاني بالطلب مِن البطريرك بتزويد المدينة بشكل أوفر بالمواد التموينيّة، كما أصدر في أوائل سنة 514هـ/ 1120م قرارًا بإعفاء سكّان المدينة مِن الضرائب المفروضة على السلع التي كانوا يتاجرون فيها، وألغى ضرائب أخرى عديدة، فحقّق مِن وراء هذه السياسة تشجيع الهجرة وزيادة سكّان المدينة[112].
ولقد استمرّت عمليّات الهجرة الجماعيّة مِن الجنسيّات الأوروبيّة كافّة، والتي تقدّر بعشرات الآلاف، تضمّ مقاتلين وتجّارًا وحجّاجًا وأصحاب مهن؛ ففي سنة 521هـ/ 1127م أرسل الملك بلدوين الثاني هيو دي بانيز إلى الغرب الأوروبي لحثّ الأوروبيين على التوجّه إلى المملكة الصليبيّة للمشاركة في محاربة المسلمين والاستيطان في المملكة، وقام القدّيس برنارد رئيس دير كليرفور بمساعدة هيو مِن أجل تحقيق غرضه بتشجيع العناصر الأوروبيّة بالهجرة إلى القدس، إذ أخذ يدعو أهل الغرب للانضمام إلى جماعة فرسان الداوية، حيث انتقل هيو مِن فرنسا إلى إنجلترا، وجمع الهبات، وحشد الفرسان، واستمرّ هيو دي بانيز في جولته الأوروبيّة حتّى سنة 524هـ/ 1129م، واستطاع أنْ يضم عددًا كبيرًا مِن الفرسان إلى جماعته[113].

وكان مِن نتائج تلك الهجرات أنْ فرضت آثارها السلبيّة على سكّان المناطق المحتلّة، إذ جرى تفريغ سكّاني لبعض المناطق؛ نتيجة النزوح القسري للسكّان إلى مناطق أكثر أمنًا يسيطر عليها المسلمون، وهو الأمر الذي أدّى إلى تغيير في البناء الديموغرافي في كثير مِن المناطق التي يسيطر عليها الفرنج، بحيث تحوّلت الأقليّة إلى أكثريّة، وبعد أنْ كانت فلسطين إسلاميّة الطابع تحوّلت إلى مملكة لاتينيّة الطابع[114].

وقد عمل الصليبيّون على تثبيت أنفسهم في القدس بعد احتلال الأراضي المقدّسة عبر ثلاث طرق:

الأولى: بناؤهم لعدد مِن الأديرة والكنائس.
الثانية: حاولوا اكتشاف جثث القدّيسين، إذ كانت الأرض المقدّسة مليئة بهذه الآثار، وقد وجدوا بقايا بعض الجثث في بعض الأماكن، مثلًا اكتشفوا عظام البطاركة في الخليل ووجدت مسامير الصليب بزعمهم.
الثالثة: بدَّلوا طبوغرافيّة بيت المقدس بشكل بسيط أوّلًا، باستيلائهم على الحرم الشريف، بينما كان هذا التبديل والتغيير أعظم أثر في بعض النواحي، إذ أحدثوا بعض التغييرات في كنيسة القيامة مثلًا[115].
رابعًا: الإقطاع - الاستيطان - الهجرة والتهجير

كان لهذه الأهداف الثلاثة الإقطاع - الاستيطان - الهجرة والتهجير أثرها البارز لأنْ تكون مِن أهمّ أسباب الحروب الصليبيّة، والأسطر الآتية تبيّن ذلك.

1. الإقطاع:
إنَّ الروح الإقطاعيّة بدت واضحة في حملة الفرسان، وهم الحملة النظاميّة مِن الحرب الصليبيّة الأولى، وكان قد تمّ الاتفاق على تحديد يوم الخامس عشر مِن شهر أغسطس 490هـ/ 1096م موعدًا لخروج هذه الحملة، وبعد أنْ أتمّ الفرسان استعدادهم خرجوا في عدّة جيوش قسّمت على أساس التقسيمات الجغرافيّة واللغويّة، وتمّ الاتفاق بينهم على تحديد مكان اللقاء في الشرق، كما اتّفقوا على أنْ يقود كلّ منهم جيشًا بمفرده، وألّا يسير على نفس الطريق الذي سار عليه الآخرون حتّى لا تواجههم مشكلة التموين[116].

ومِن قادة هذه الجيوش: هيوج العظيم أخ الملك فيليب ملك فرنسا أوّل الذين عبروا البحر، وبعده بوهيموند أمير أبوليا، ثمّ جودفري دوق اللورين، ثمّ ريمون كونت البروفنسال، وكذلك أديمار أسقف بوى. وكانت القسطنطينيّة نقطة التجمّع حيث التقت الجيوش الصليبيّة معًا في ربيع سنة 491هـ/ 1097 [117].
وقد جرى تنظيم حملة الفرسان، وهو الشطر المعروف بحملة الأمراء، وإعداده إعدادًا رتيبًا، والواقع بأنَّ الشطر الخاصّ بالأمراء في الحملة الصليبيّة الأولى تتألّف مِن عدّة حملات، لكلّ منها طابعها المميّز الذي لازمها وميّز نشاطها في الشرق، وبعبارة أخرى: إنَّ الروح الإقطاعيّة بدت واضحة في حملتهم هذه، إذ تولّى زعامتها عدّة أمراء، لكلّ منهم اتّجاهاته وجنده وسياسته الخاصّة، ممّا جعل تلك الحملة في حقيقة أمرها عبارة عن حملات، وربّما عملت أحيانًا في جهات متعارضة[118].
وقد واجهت حملة الفرسان، ومنذ البداية، مشكلة التموين، إذ لم يكن بوسعهم أنْ يغامروا بالخروج دونما تنظيم أو استعداد، مثلما فعلت جماهير الحملات الشعبيّة، وقد اعتمدوا على الصدقات والتبرّعات، ولجأ بعضهم إلى رهن أملاكه لدى الأديرة والكنائس، على حين لجأ البعض الآخر إلى ابتزاز اليهود[119].

فمثلًا لجأ جودفري إلى ابتزاز اليهود، وصرَّح بأنَّه سينتقم لدمّ المسيح منهم قبل أنْ يذهب إلى الحملة الصليبيّة، فسارع كالوتيموس رئيس جماعة ماينز اليهوديّة بالكتابة إلى هنري الرابع الألماني، والذي كان هو السيّد القطاعي لجودفري، يطلب منه منع جودفري مِن اضطهاد اليهود، وفي الوقت نفسه لجأ اليهود إلى خطّ دفاعهم التقليدي، فقدّم يهود ماينز وكولون خمسمئة قطعة ذهبيّة إلى جودفري على سبيل الرشوة، وعندما كتب هنري الرابع ملك ألمانيا 446-500هـ/ 1054-1106م إلى كبار الإقطاعيين مِن العلمانيين والكنسيين يطلب منهم ضمان سلامة اليهود في أراضيهم، أجابه جودفري -الذي كان قد نجح في ابتزاز اليهود وضمان التمويل لحملته- بأنَّه لم يفكّر قطّ باضطهاد اليهود، وهكذا كشفت الحملة منذ بدايتها عن موقف مشابه لموقف الحملة الشعبيّة[120].
وقد أدّى نظام الإقطاع الصليبي الفرنجي إلى نجاح تجربة الفرنجة في توفير الأمن للمستوطنين، وتقليص حدّة المقاومة الإسلاميّة، وتقديم الامتيازات، سواء فيما يتعلّق بتوزيع الأراضي إلى المستوطنين بعد مصادرتها مِن أصحابها الشرعيين، أو فيما يتعلّق بالإعفاءات الضريبيّة، وقد علّق الصوري على ذلك بقوله: «كانت النتيجة أنْ بدأ الذين يقيمون في المنطقة المجاورة يضعون ثقة كبيرة في هذه القلعة إضافة إلى القلعتين الأخريين، كمـا وقامـت حولهـا ضـواح كبيـرة وكثيـرة، وسكنت أعـداد كبيرة مِن الأسـر هناك، إضافـة إلى مزارعي الحقـول أيضًا، وأصبحت المنطقـة أكثر أمنًا»[121].

هكذا أسهم نظام الإقطاع الفرنجي في زيادة الرقعـة الاستيطانيّة فـي فلسطين، وتعاونت المملكة مع الكنيسة في زيادة الحركة الاستيطانيّة؛ إذ استغلّ رجال الدين المنح والهبات التي قدّمت لهم لإقامة القرى الزراعيّة الفرنجيّة، وقد حصل كلّ مستوطن على 240 فدّانًا مِن الأرض يبني على جزء منها ويزرع الباقي، وبالمقابل توجّب عليه دفع ضريبة سنويّة، وكان المستوطنون أحرارًا في مغادرة المستوطنة عندما يشاؤون؛ لأنَّهم لم يحصلوا على الأرض وفقًا للشروط الإقطاعيّة في تمليك الأرض، بل بكونها ممتلكات وراثيّة يحقّ لهم بيعها أو رهنها أو التصرّف فيها حسب إرادتهم، إذ كانوا يدفعون الإيجار عنها.
فالمتأمّل في كتابات يعقوب الفيتري التاريخيّة في شتّى الاتّجاهات بصفة عامّة، والاتّجاه الاقتصادي والاجتماعي بصفة خاصّة، يقف على حقيقة ما طرأ على الحركة الصليبيّة مِن تغيّرات عند مطلع القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، ويكشف القناع عن حقيقة الدوافع الإقطاعيّة الصليبيّة مِن أجل السيطرة على الأرض، واستعمارها وتفريغها مِن أهلها الأصليين، واستغلال مواردها الطبيعيّة بإقامة المستوطنات والقلاع.

ويرتبط بما نقول، القانون الذي تمّ تشريعه لوراثة الإقطاع، إذ إنَّ إقطاعات المملكة الصليبيّة كانت تُبذل للمقطع وسلالته مِن الورثة المباشرين وغير المباشرين، وكان هذا التشريع يهدف إلى استغلال الأرض وتوظيف الموارد الماليّة للمملكة، كما شجّع هذا التشريع عمليّة هجرة الأوروبيين إلى المناطق الصليبيّة والاستيطان فيها، خاصّة وأنَّ أوروبة شهدت في القرن السادس الهجري/ الحادي عشر الميلادي ازديادًا سكانيًّا تسبَّب في حدوث اضطرابات اجتماعيّة، سواء في الريف أو في المدن، إذ أسهمت الزيادة السكانيّة في المناطق الريفيّة بإمداد المدن بعدد كبير مِن السكّان، واستمرّت هذه الهجرة الداخليّة مِن الريف إلى المدن طيلة مدّة الوجود الصليبي في فلسطين، والتي دامت ما يقرب مِن قرنين، ولقد كانت الحروب الصليبيّة والهجرة الأوروبيّة صوب المملكة الصليبيّة وغيرها مِن الإمارات الصليبيّة في الشرق منفذًا لتصريف الفائض والزيادة السكانيّـة في أوروبة[122].

وكنتيجة، وفي الناحيتين الاجتماعيّة والسياسيّة، أحدثت الحروب الفرنجيّة الصليبيّة هزَّة عنيفة في الغرب الأوروبي، فمِن ناحية بناء المجتمع ساعدت هذه الحروب على إضعاف النظام الإقطاعي وحلِّه، وهو النظام الذي قامت على أساسه الحياتين الاجتماعيّة والسياسيّة بل والاقتصادّية في ذلك العصر في الغرب الأوروبي.
والمعروف أنَّ النظام الإقطاعي في الغرب اعتمد على قاعدة ضخمة مِن الأقنان والرقيق الذين قاموا بفلاحة الأرض لسادتهم مِن الفرسان والأمراء، ولكنَّ الحروب الفرنجيّة الصليبيّة فتحت الباب على مصراعيه لهؤلاء الأقنان ورقيق الأرض لكي يتخلّصوا مِن أوضاعهم، ويتركوا الأرض التي ارتبط بها آباؤهم وأجدادهم بحجّة المشاركة في النشاط العسكري. وكان السيّد الإقطاعي لا يستطيع أن يمنع الفلّاحين مِن الخروج لخدمة الدين والكنيسة، فوجد مُلَّاك الأرض أنفسهم فجأة أمام عجز خطير في الأيدي العاملة، بعد أنْ استوعبت الحملة الفرنجيّة الصليبيّة الأولى وحدها أكثر مِن عشرة آلاف قنّ، تركوا الأرض التي يقومون بفلاحتها واتّجهوا إلى الشرق بحثًا عن حياة جديدة. وهكذا اضطرّ كبار الأمراء والسادة الإقطاعيين إلى البحث عن رجال أحرار يقومون بفلاحة أرضهم، ممّا أدّى إلى تصدّع الجهاز الإقطاعي وانقراض طبقة الأقنان والرقيق تدريجيًّا مِن المجتمع الأوروبي الغربي[123].

2. الاستيطان والتغيير الديموغرافي
إنَّ مِن أوضح أسباب الحروب الصليبيّة: القضايا التي تتعلّق بالاستيطان الصليبي والتغيير الديموغرافي، إذ تعتمد عمليّة الاستيطان على مجموعة مِن الركائز التي تسهم في نجاحها، وتجعلها حقيقة واقعة على الأرض، وتتمثّل هذه الركائز في مجموعة مِن القوى؛ هي القوى العسكريّة والقوى الاقتصاديّة والماليّة، وتوفّر عنصر السكّان والأرض التي يستوطن عليها المستعمرون، ولا شكَّ أنَّ هذه الركائز تحتاج إلى الدعم والمساندة مِن الظهير الأوروبي.
ولقد احتلَّت الأرض حيِّزًا كبيرًا في الصراع الإسلامي الفرنجي، وتعود أصول هذا الصراع إلى نشوء الحركة الصليبيّة؛ ثمّ أخذ يتبلور مع شدّة التضارب بين الحضارتين واقتناع كلّ مِن طرفي الصراع الإسلامي والفرنجي بأنَّه وحده صاحب الحقّ التاريخي في أرض فلسطين.
ومِن هذا المنطلق، كانت الحروب الصليبيّة في نشأتها وأهدافها مرتبطة بالأرض المقدّسة والمنطقة العربيّة وبالأهداف الاستعماريّة الاستيطانيّة[124].

ولقد كان تحوّل فلسطين إلى كيان صليبي هدفًا يراود الحركة الصليبيّة، وقد جرى التلميح إلى المخطّطات الصليبيّة في كليرمونت، ويمكن أنْ نتبيَّن مِن قراءة نصوص الروايات التي أوردها المؤرّخون حول خطبة البابا في كليرمونت أنَّه كان يدعو إلى حملة مقدّسة هدفها فلسطين اعتمادًا على نصوص في الأناجيل المسيحيّة، وذلك بهدف تحرير الكنيسة الشرقيّة مِن ربقة المسلمين، وتخليص الأرض المقدّسة مِن سيطرتهم، هذه الأرض التي وصفها أوربان الثاني بأنَّها ميراث المسيح لمَّا قال: «لذا ... فإنَّني، بل إنَّ الله وليس أنا، يحثّكم يا جنود المسيح أن تحضُّوا الرجال ... أنْ يسارعوا لسحق هذا الجنس الخسيس مِن أراضينا، ويمدّ يد العون للسكّان المسيحيين»[125].

وبالتالي شكّلت الأرض على الدوام أحد أهمّ أهداف الغزو الصليبي بشكل عام وغزو فلسطين بشكل خاص؛ بصفته مشروعًا إقطاعيًّا استيطانيًّا قوامه استقدام المهاجرين الأوروبيين وإحلالهم في الأراضي العربيّة والفلسطينيّة محلّ أصحابها الأصليين؛ فقد جاء على لسان البابا في كليرمونت ما نصّه: «أنقذوا تلك الأرض مِن ذلك الجنس المرعب، واحكموها بأنفسكم؛ لأنَّ هذه الأرض التي تفيض باللبن والعسل كما يقول الكتاب المقدّس أعطاها الربّ ملكًا لبني إسرائيل».

وكان الفرنج يهدفون إلى غزو الأراضي الإسلاميّة في الشرق؛ لأنَّ الأرض ضروريّة كأساس مادّي للحكم، وقد تطلّب الاستيطان الفرنجي الدائم في فلسطين الحصول على المزيد مِن الأراضي، ولضمان الاتصال مع الظهير الأوروبي كان على الفرنج أنْ يوطّدوا سيطرتهم ونفوذهم علـى الساحل الفلسطيني والسوري.

لقد كان الاستيلاء على الأرض في بلاد الشام عامّة، وفلسطين خاصّة، الشرط الضروري المسبق لاستيطان الأنحاء المختلفة مِن بلاد الشام؛ لذلك أحاطت الأيديولوجيا الصليبيّة الأرض بهالة مِن القداسة؛ كما رفعت هذه الأيديولوجيا مهمّة تخليص الأرض المقدّسة إلى مستوى الفريضة الدينيّة، فالبابا في كليرمونت دعا إلى حملة مقدّسة هدفها الأوّل فلسطين اعتمادًا على نصوص وردت في الإنجيل، لتخليص الأرض المقدّسة مِن سيطرة المسلمين، هذه الأراضي التي وصفها الكتاب المقدّس بأنَّها الأرض التي تفيض باللبن والعسل، كما وصفها أوربان الثاني بأنَّها ميراث المسيح، لذا طالب الجموع المحتشدة بقوله: «يجب أنْ تدافعوا بالسلاح عن حريّة أرض الآباء حقًّا وعدلًا»[126].
وهذا كلّه يدلّ على وجود خطّة صليبيّة ممنهجة ومدروسة لتغيير ديموغرافيّة المدينة المقدّسة، ويؤيّد ذلك أنَّ هذه الحالة استمرّ عليها الصليبيّون قرابة تسعين عامًا، ولم يُسمح للمسلمين بالعودة إلى بيت المقدس أو دخولها إلّا لتقديم بعض الخدمات التجاريّة[127].
وعلى ذلك يمكن القول بأنَّ الحركة الصليبيّة كانت في جوهرها حركة استيطانيّة قام بها الغرب الأوروبي ضدّ الشرق الإسلامي، وقد أيّد هذا القول بعض المؤرّخين الغربيين أمثال جروسيه، الذي عدَّها حركة استيطانيّة استعماريّة قدِمت مِن الغرب إلى الشرق بقوله: «إنَّ الحروب الصليبيّة أدّت إلى أوّل توسّع استعماري للغرب المسيحي في الشرق العربي».

وعدَّها المؤرّخ برنارد لويس «حركة استعماريّة هدفها التوسّع الاستعماري الغربي في الشرق»، في حين حكم عليها تريفليان في كتابه مختصر تاريخ إنجلترا بأنَّها «حركة اتّساع خارجي قامت بها أوروبة المسيحيّـة ضدّ العرب».
وتحدّث المؤرّخ هنري وليم كارلز ديفز في كتابه أوروبة في العصور الوسطى عن الحروب الصليبيّة تحت عنوان: الاستعمار الأوروبي، قائلًا: «إنَّ الشغل الشاغل للحكّام اللاتين في الثمانين سنة التي أعقبت تأسيس المستعمرات الأوروبيّة في الأرض المقدّسة هو توسيع حدود تلك المستعمرات وتدعيمها تحت تاج بيت المقدس»[128].

ويرى جوزيف نسيم أنَّ الحركة الصليبيّة كانت تهدف منذ البداية إلى التوسّع والاستعمار تحت قناع مِن الدعاية الدينيّة، وأنَّ غرضها الحقيقي هو الاستيلاء على فلسطين بالقوّة المسلّحة، وتأسيس مستعمرات لاتينيّة لها ثمّ العمل على تعزيز هذه المستعمرات، وتوسيع حدودها، والمحافظة عليها بشتّى الطرق والوسائل حتّى تكون رأس جسر لأهل الغرب الأوروبي يستخدمونه لتفتيت وحدة العالم العربي وكسر شوكته ضمانًا لبقاء نفوذهم في المنطقة[129].
وقد عنون يوشع براور كتابًا كاملًا باسم الاستيطان الصليبي في فلسطين، وذكر أنَّ استيطان الفرنجة في منطقة الشرق العربي كان «بمثابة أولى المحاولات التي تهدف إلى تأسيس مملكة استيطانيّة في هذه المنطقة». ويرى بلدوين مارشال أنَّ السنوات التي أعقبت تأسيس الدويلات الثلاث في أنطاكية وطرابلس وبيت المقدس «كانت سنوات رخاء، واكتمل نضج تطوّرها كمستعمرات أوروبيّة غربيّة»[130].

وكما قال بعضهم: »إنَّه كأنَّ أوروبة اقتلعت وجاءت إلى الشرق، فقد جاء الصليبيّون ليقيموا، وجاؤوا معهم بالخدم والعبيد والأتباع والرحّالة والأدباء والشعراء ورجال الكنيسة والنساء والأولاد»[131].
وممّا يدلّ على أنَّ الفرنج الصليبيين غيَّروا مِن ديموغرافيّة القدس؛ ما قام به صلاح الدين الأيوبي مِن إجراءات مضادّة بعد تحرير القدس، ولننظر ماذا فعل:

_ حرّر صلاح الدين يوسف بن أيوّب بيت المقدس يوم الجمعة 27 رجب 583هـ/ 2 تشرين الأول 1187م، ولم يعامل الصليبيين بالمثل، وإنَّما أظهر معهم تسامحًا يُضرب المثل به[132].
وبعد ذلك انتقل إلى معالجة كارثة التغيير الديموغرافي التي قام بها الصليبيّون، فقام بما يأتي:
_ اتّفق مع الصليبيين على دفع فدية محدّدة تختلف بين الرجل والمرأة والطفل، وقبل صلاح الدين أنْ تدفع السلطات الصليبيّة مئة ألف دينار عن جميع الفقراء العاجزين عن دفع الفدية، ثمّ تمّ افتداء سبعة آلاف نسمة بثلاثين ألف دينار.
_ بدأ بترحيل الصليبيين عن بيت المقدس بطرق سلميّة، وضمن لهم سلامة الرحيل إلى صور وطرابلس وأنطاكية وبقيّة قلاعهم التي لم تسقط بعد.
_ ضمن صلاح الدين أنَّ المدينة أصبحت شبه خالية مِن السكان.
_ أطلق عددًا مِن المشاريع العمرانيّة والاجتماعيّة لإعادة بيت المقدس إلى حالته الطبيعيّة الحقيقيّة السابقة، وصفته العربيّة الإسلاميّة.
_ بدأ بعمليّة الإسكان مِن خلال عشرة آلاف كانوا قد جاؤوا معه[133].
_ تدفّق الناس إلى المدينة وسط فرحتهم الكبيرة بالنصر، فأتوها «رجالًا وركبانًا مِن كلّ جهة»[134].

_ جلب صلاح الدين عددًا مِن القبائل العربيّة وأسكنهم المدينة وما حولها، فأسكن بني سعد في الحيّ الذي عرف فيما بعد باسمهم حارة السعديّة، وكلَّفهم بحراسة باب الخليل، وسكن بنو الحارث عند القلعة خارج المدينة في خان الزيت، وأسكن بني زيد عند عقبة الشيوخ مِن جهة الشمال قرب باب الساهرة في مكان عُرف بحارة بني زيد، وأسكن قبائل بني مرّة مِن جهة الغرب الشمالي في سوق الفخر[135].
_ شجَّع صلاح الدين عددًا مِن الذين جاهدوا معه على السكن في المدينة، مثال ذلك المغاربة، الذين زادت أعدادهم في بيت المقدس عقب الفتح الصلاحي للمدينة، إذ أعطاهم صلاح الدين الأيّوبي ميزات عديدة، فجعل أحكامهم إليهم ولم يجعل يدًا لأحد عليهم.
ونظرًا لأهمّية هؤلاء المغاربة وكثرتهم أوقف عليهم الملك الأفضل نور الدين علي الابن الأكبر لصلاح الدين الأيوبي عام 589 هـ/ 1193م البقعة التي اعتادوا على الإقامة فيها، وعُرف المكان فيما بعد بحيّ أو حارة أو محلّة المغاربة[136].
_ ثمّ سمح صلاح الدين للمسيحيين الساكنين ببيت المقدس بالبقاء فيه، بل أعاد للأقباط الأماكن التي اغتصبها منهم الصليبيّون[137].
_ وسمح لليهود أيضًا بالإقامة ببيت المقدس، وذلك ضمن مخطّطه لإعادة إسكان المدينة، فلم يكن اليهود في ذلك الوقت يشكّلون خطرًا على الطابع الإسلامي للمدينة، بسبب أعداهم القليلة جدًّا، إذ ذكر الرَّحَّالة اليهودي بنيامين التطيلي حوالي عام 567هـ/ 1171م، أنَّ عددهم بلغ حوالي 200 يهودي يقيمون في حيّ مجاور لبرج داود، أما الرَّحَّالة اليهودي الآخر بتاحيا الراتسبوني الذي زار بيت المقدس قبيل الفتح الصلاحي للمدينة، فذكر أنَّه لا يوجد في المدينة إلّا يهودي واحد، هو إبراهيم هلتسيفغ[138].
_ بادر صلاح الدين نحو تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي.
_ بعد كلّ ذلك انطلق نحو برنامج عمراني شامل تضمَّن تشييد المساجد، والمدارس، والخانقاوات، والزوايا، ودور الحديث، ودور القرآن، ومكاتب الأيتام، والبيمارستانات، والسبل، والمطاهر، والربط[139].
وبالنتيجة، وللمرّة الأولى منذ الفتح الإسلامي لبلاد الشام، أصبح للصليبيين إمارات أوروبيّة خالصة في بلاد الشام بإدارتها ونظامها وعقائدها، بحيث يمكن القول إنَّ مدنًا أوروبيّة أقيمت في المشرق واستوطنها الصليبيّون.

3. الهجرة والتهجير
يرى فريق مِن المؤرّخين، وعلى رأسهم المؤرّخ كنج، أنَّ الحركة الصليبيّة ليست في حقيقة أمرها سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة الهجرات الكبرى التي صاحبت انهيار الإمبراطوريّة الرومانيّة في الغرب عام 476م، وذلك أنَّ سقوط الإمبراطوريّة الرومانيّة، أعقبته موجات مِن الهجرات تفاوتت في مداها واتّجاهها وأثرها.

يضاف الى ذلك أنَّ تدفّق الهجرات داخل الإمبراطوريّة ترتَّب عليه قيام مجتمع جديد دعمه الجرمان بدماء جديدة وحيويّة دافقة، ظهر أثرها في معظم الهجرات التي اتجهت إلى إنجلترة وصقلية وجنوب إيطالية وشمال أفريقية[140].
والتاريخ مليء بحركات الهجرة وانتقال الشعوب مِن مكان إلى آخر، ومِن هذه الحركات العديدة ما اتّخذ طابعًا سلميًّا معتدلًا، ومنها ما اتّخذ طابع الغزو العنيف الذي يستهدف تشريد أهل البلاد وحرمانهم مِن حقوقهم وأراضيهم، ومهما تتعدّد الأسباب الظاهريّة لتلك الهجرات، فإنَّ الاتجاه الحديث يحاول دائمًا أنَّ يفسِّرها في ضوء العامل الاقتصادي، ومِن المبالغة نسب جميع الهجرات الكبرى في التاريخ إلى العامل الاقتصادي، فهناك أمثلة لحركات ضخمة شاركت في بعثها وتوجيهها عوامل أخرى دينيّة وفكريّة واجتماعيّة وسياسيّة، فضلًا عن العوامل الاقتصاديّة، ومِن هذه الحركات الحركة الصليبيّة، والواقع أنَّه لا توجد حركة في تاريخ العصور الوسطى أحقّ بالدراسة لكشف حقيقتها وإبراز معالمها مِن الحركة الصليبيّة[141].

وكدليل واضح، فإنَّه مع سقوط القدس، بدأت جماعات الصليبيين تشقّ طريقها صوب الشرق مِن فرنسا وإنجلترا وإيطاليا وغيرها مِن دول غرب أوروبة، وتؤكّد المصادر أنَّ عددًا كبيرًا مِن هؤلاء القادمين الجدد كانوا مِن النساء والأطفال وغير المقاتلين، ممّا يجعل هذه الحركة هجرة أكثر مِن كونها حملة عسكريّة[142].
وكتطبيق عملي، نجد أنَّ الحملة الصليبيّة الأولى رافقها عمليّات تهجير وهجرة لعدد كبير مِن السكّان؛ كما حدث تفريغ سكّاني لبعض المناطق والمدن، وهرب سكّان المناطق التي تعرّضت للعدوان إلى مناطق أخرى أكثر أمنًا؛ فتؤكّد معظم المصادر التاريخيّة المتوفّرة بشكل واضح أنَّ موجات كبيرة مِن اللاجئين طُردوا وهُجِّروا مِن مدنهم وقراهم أثناء العمليّات العسكريّة للقوات الصليبيّة لاحتلال الأراضي المقدّسة، كما عبَّر ابن القلانسي، حتّى كادت فلسطين تخلو مِن سكّانها الأصليين الذين تفرّقوا في البلاد، كما عبَّر الرَّحَّالة ابن جبير[143].

ونقف على اعتراف واضح مِن أحد الصليبيين، هو المؤرّخ فوشيه الشارتري، وذلك بقوله: «كان المواطنون الشرقيّون قد ولّوا الأدبار لمّا سمعوا الشائعات بمقدمنا، ولم يبق إلّا أولئك الذين فاقوا الهباب سوادًا فتركناهم، وعاملناهم باحتقار»[144].
وكانت النتيجة أنْ أدَّت العمليّات العسكريّة الصليبيّة الهادفة لاحتلال فلسطين إلى ارتكاب المذابح والمجازر الجماعيّة، وإلى هجرات متتالية لما أحدثته مِن هول وفزع للكثيرين مِن سكّان القرى والمدن، ممّا أدّى إلى ضياع الأرض، فضلًا عن ظهور مشكلة اللاجئين التي اكتظّت بهم بعض المدن الإسلاميّة[145].

ويضاف إلى ذلك أنَّ القوات الصليبيّة اتّبعت سياسة تهدف إلى مصادرة عقارات وممتلكات السكّان المنقولة وغير المنقولة، وفقًا لـ قانون الغزو The Law of Conquest الذي أصبح منذ مدّة باكرة جزءًا مِن تشريع المملكة الصليبيّة. ووفقًا لقانون الغزو، فإنَّ القائد الصليبي الذي يرفع رايته فوق أيّ موضع أو قرية أو منزل أو فرن، يصبح هذا الموضع ملكًا خالصًا له لا ينازعه فيه أحد[146].
ووصف الشارتري هذا القانون -عند حديثه عن المذبحة التي ارتكبها الفرنج في بيت المقدس- بقوله: «وبعد هذه المذبحة العظيمة دخلوا بيوت المواطنين يمتلكون ما وجدوا فيها، وقد رتَّبوا ذلك بحيث أنَّ أوّل مَن يدخل بيتًا، سواء كان بيت غني أو فقير، فلن يعارض بذلك أيّ إفرنجي، وله أنْ يسكن ويمتلك ذلك البيت أو القصر وكلّ ما فيه كما لو كان بيته حقًا، وهكذا تبادلوا القرار بحقّ الاستملاك، وبهذه الطريقة أصبح كثير مِن فقراء الفرنجة أغنياء»[147].
ليس هذا فحسب، بل الأخطر مِن ذلك هو قيام الصليبيين بإنشاء مستعمرات استيطانيـّة، وذلك عن طريق إحلال مستوطنين جدد مِن شتّى أنحاء الغرب الأوروبي، إذ قاموا في هذه المستوطنات بتأسيس مجتمعات زراعيّة أوروبيّة في الشرق، ولقد ساعدت هذه المستوطنات على جذب المهاجرين الأوروبيين للقدوم إلى فلسطين والاستيطان فيها، وعمل هؤلاء المستوطنون الجدد على تعمير بعض القرى التي كان قد هجّرها أهلها، أو أجبروا على إخلائها.

وبالتالي بدأت سياسة استيلاء الصليبيين على بعض المدن والأرياف الفلسطينيّة بمدّة وجيزة، وجرى تنفيذها على مختلف المستوطنات، سواء مِن قبل ملوك المملكة الصليبيّة والأمراء الإقطاعيين، أو مِن قبل رجال الدين اللاتين وجماعات الفرسان الدينيّة أو الجاليات التجاريّة الإيطاليّة[148].

وحين زار ثيودريش فلسطين، ذكر أنَّ الصليبيين قد أنشؤوا عددًا مِن المدن والقرى الجديدة في أنحاء الأرض المقدّسة، وقد أورد بنفينستي قائمة بالمستوطنات البشريّة التي أقامها الفرنجة بعد الاحتلال الفرنجي الصليبي لفلسطين، ذاكـرًا مساحتهـا وأعداد السكّـان فيهـا؛ إذ ذكـر أنَّ مجموعهـا قد بلـغ حوالـي ثمانين مستوطنة، في حين ذكر براور أنَّ عدد المستوطنات الصليبيّة قد وصل إلى حوالي مئة مستوطنة، وشملت هذه المستوطنات الصليبيّة مدنًا، وقرى، وقلاعًا وحصونًا صغيرة[149].

خامسًا: الأسباب الاقتصاديّة
يتراءى لنا أنَّ السبب الاقتصادي هو سبب أساسي مِن أسباب الحروب الصليبيّة، ومِن الممكن التدليل على ذلك بعدّة أمور، منها:
_ حالة التكاثر البشري التي سادت أوروبة، وما نتج عنها مِن تردّي الأحوال الاقتصاديّة، والتراجع في الموارد والإنتاج.
_ تزايد القوى الحربيّة، وكثرة عدد الفرسان دون عمل أو إقطاع[150].
_ خطاب البابا أمام الجموع، وتعبيره عن الأوضاع الاقتصاديّة المتردّية التي كانت تعيشها أوروبة آنذاك، ثمّ إنَّه حاول إثارة الرغبة والإغراءات لمَّا قال إنَّ أورشليم القدس «هي فردوس المباهج، وهي الأرض التي تدرّ لبنًا وعسلًا»[151].
_ ظهور حركة اقتصاديّة في أوروبة تبحث عن الموارد، قادتها مجموعة مِن المدن في جنوب أوروبة، وخاصّة في سواحل إيطالية، كالبندقيّة وجنوا ونابولي، فأخذت هذه المدن تتاجر مع الشرق بالخشب والحرير والتوابل والحبوب والذهب. وقد حرَّضت هذه المدن التجاريّة على الحملات الصليبيّة، واستغلت في الوقت نفسه هذه الحملات والهجرة الغربيّة معها، إلى حرب بحريّة اقتصاديّة ضمن البحر المتوسّط، إلى جانب الحروب البريّة في الشام وصقلية والأندلس[152].
_ وكان للباعث الاقتصادي أثره الأكبر في تحريك القوى البحريّة الإيطاليّة ـ وبخاصّة الثلاثة الكبار جنوا والبندقية وبيزا ـ نحو المشاركة في الحروب الصليبيّة، وتقديم مساعداتها البحريّة بالشام، مقابل ما حصلت عليه مِن امتيازات واسعة في موانئ الشام ومدنه. ولم يلبث التجّار الأوروبيّون ـ مِن إيطالية ومرسيليا وإسبانية ـ أنْ قاموا بنشاط تجاري واسع بين الشرق والغرب، فأسّسوا لأنفسهم مراكز وأحياء ثابتة في عكّا وصور وصيدا والسويديّة واللاذقيّة وغيرها، ومِن هذه المراكز احتكروا تصدير حاصلات الشرق إلى الغرب الأوروبي.
وقد أدَّت سيطرة الأوروبيين على معظم شواطئ الشام في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي إلى تدفّق تلك البضائع بواسطة القوافل ـ عن طريق بلاد العرب والعراق ـ على دمشق، ومنها إلى موانئ الشام الساحليّة حيث كانت تشحنها السفن إلى الغرب[153].

_ ونرى سببًا آخر يتعلّق بالجانب الاقتصادي، وهو ما يسمّيه الغرب بنهضة القرن الثاني عشر، وهو ليس سوى محاولة مِن القوى البشريّة الأوروبيّة لإيجاد مخرج لها مِن الضائقة الاقتصاديّة العامّة، فكان نتيجة ذلك ظهور حركة الاصلاح الديني التي تحاول أنْ ترضي الله[154].
_ ثم إنَّ أحد التفسيرات الاجتماعيّة الاقتصاديّة لأحد أسباب الحروب الصليبيّة؛ أنَّ البابويّة كانت ترغب في التخلّص مِن المجرمين الأوروبيين[155] وإرسالهم إلى الشرق، بحجّة تكفير الذنوب، فانخرط الآلاف منهم في الحركة الصليبيّة على امتدادها الزماني والمكاني، فصارت بلاد الشام وسواحلها مرتعًا خصبًا لأعمالهم الإجراميّة، وأدّت أعمالهم إلى توتير الأمن العام في معظم الأوقات، حتّى في أوقات السلم بين المسلمين والصليبيين[156].
وإنَّ أعمال السلب والنهب التي حدثت مِن هؤلاء تشير إلى دلالات كثيرة، اقتصاديّة ودينيّة واجتماعيّة، فأُسر الفلّاحين التي تفوق الحصر في آلاف الضياع، حملت ممتلكاتها، ومنهم النساء والأطفال، على عربات ثقيلة تجرّها الثيران والخيول، وشقّوا طريقهم صوب الشرق، منهم مَنْ عدَّها أمرًا إلهيًّا، ومنهم مَنْ رآها فرصة لتحرير أنفسهم مِن الفقر والعبوديّة ورقّ الأرض[157].

وقد تحرّكت هذه الجموع في ربيع سنة 490هـ/ 1096م؛ أي بعد نصف عام فقط مِن خطبة كليرمونت، صانعة تاريخ طلائع الفلاّحين التي سبقت حملة الفرسان الصليبيّة الكبرى، فانضمّت أسر الفلّاحين إلى بعضها البعض، وتزايدت أعداد الجماعات المتّجهة صوب حوض الراين بحيث صارت فرقًا وجيوشًا، وتحرّك البعض دونما قيادة[158].

لكنْ سرعان ما تعرّضت مسيرة الكنيسة المقاتلة، التي تصاحبها التراتيل المقدّسة، والتي بدأت كتعبير عن شعور ديني، إلى أحداث شوَّهت صورتها، إذ ارتكبت واحدة مِن أكبر فظائع النهب والسلب والقتل في التاريخ تلك المذابح الدمويّة التي أجهزت على الجماعات اليهوديّة في حوض الراين، وهي جماعات يعود تاريخ بعضها إلى عصر الإمبراطوريّة الرومانيّة، فكانت النتيجة أنْ تلاشت جماعات يهوديّة بأسرها، كما لاقى آلاف اليهود حتفهم؛ لأنَّهم رفضوا التعميد المسيحي.
وهنا تجب الإشارة إلى حقيقة أنَّ اليهود يتحمّلون جزءًا مِن مسؤوليّة ما حدث لهم، إذ كانت الجماعات اليهوديّة تسيطر على شؤون المال والتجّار في أوروبة الوسطى، وكانوا يقرضون المال لأبناء الطبقة الإقطاعيّة، وكانت للديون الثقيلة الأثر الكبير في إذكاء العداوة الكامنة في نفوس المسيحيين.

ثمّ استمرّت هذه الجموع ترتكب أعمال السلب والنهب والإجرام في كلّ مكان مرّوا به[159].
وما يهمنا مِن إيراد بعض تفاصيل مسير الصليبيين، أنَّ بطرس الناسك أطلق عليهم اسم: لصوص، وهذا يعطي وجهًا اقتصاديًّا معيَّنًا للحملة، فلو نظرنا إلى مشهد آخر مِن الحملة الأولى الشعبيّة، فسنرى أنَّه بسبب الطمع والفوضى وقع الصليبيّون في شباك كمين أعدّه الأتراك السلاجقة وأجهزوا على الحملة الشعبيّة، وقُتل والتر المفلس، وتمكّن بطرس الناسك مِن النجاة والهرب إلى القسطنطينيّة، وأخذ يشكو بمرارة مِن الصليبيين لعدم إطاعتهم أوامره، وصار يسمّيهم لصوصًا[160].

سادسًا: الأسباب الحضاريّة
يمكن تفسير أحد أسباب الحروب الصليبيّة بربطه بالعامل الحضاري؛ كونه صراعًا بين حضارتين مختلفتين، وليس إلى عوامل دينيّة فقط.
ويرى أنصار هذا الرأي أنَّ النزاع بين الشرق والغرب كالبركان، يهدأ حينًا ويثور حينًا آخر، حتّى اشتدّت ثورته في نهاية القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، ووجد منفسًا له في الحروب الصليبيّة، وزاد مِن حدّة هذا الصراع الخلاف الديني بين الإسلام والمسيحيّة[161].
وعدَّ عدد مِن المؤرّخين إشعاع المبادئ الإسلاميّة والتحضّر العربي الإسلامي مِن العوامل التي حرّكت البابا جريجوري السابع ثمّ البابا أوربان الثاني للتفكير ثمّ للإعداد للحروب الصليبيّة، إذ أرادوا إنهاء الدين الإسلامي بكلّ ما يحمله مِن تعاليم سماويّة منطقيّة؛ لأنَّ هذه الحضارة كانت العدو الحقيقيّ للبابويّة، وبالتالي فالدين الإسلامي وما يحمله مِن مبادئ الحريّة الدينيّة والسياسيّة والاجتماعيّة يُعدّ مِن الأسباب المهمّة التي أشعلت نار الحروب المقدّسة[162].

في حين، وعلى النقيض مِن مفهوم الكنيسة، نرى كثيرًا مِن المؤرّخين يؤكّدون على أهمّية الشرق كمعبر مِن معابر الحضارة العربيّة الإسلاميّة، وإنَّ هذه الحروب كانت العامل الوحيد الذي مِن الممكن أنْ يؤدّي إلى تقدّم أوروبة[163].
لذلك كان القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي هو الأهمّ في نقل مظاهر وعناصر الحركة العلميّة مِن «دار الإسلام» إلى أوروبة؛ لأنَّ هذا القرن شهد مرحلة الحروب الصليبيّة، فخلال هذه الحروب حصلت عمليّة تماسّ إجباري، على مستوى واسع، بين المجتمع العربي الإسلامي مِن جهة، وحشود مِن الأوروبيين الغزاة مِن جهة ثانية، وقد حصل هذا التماس في بلاد الشام بالذات حيث أنشأ الصليبيّون إمارات أوروبيّة مستقلّة في كلّ مِن الرها، وأنطاكية، وطرابلس الشام، ومملكة مسيحيّة في القدس، وبالرغم مِن حالة العداء التي كانت تفرض العديد مِن المعارك والمناوشات الحربيّة، فقد قامت علاقات واقعيّة بين الطرفين، وخاصّة في أوقات المهادنة، على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي.
يقول مؤرّخ الطب المعروف الدكتور لوسيان لوكليرك في رصد هذه الظاهرة: «هناك تفكيران عصفا بأوروبة في القرن الثاني عشر: الأوّل ديني متعصّب دفع الأوروبيين للقيام بالحروب الصليبيّة، والثاني متعطّش للعلم دفعهم للتفتيش عن منابعه لدى العرب المسلمين، وهذان التيّاران سارا بالتوازي إلى أقاصي العالم الإسلامي».
ونحن، مِن جهتنا، إذا كنّا نحترم هذا القول وصحّته وحسن نيّة قائله، فإنَّنا نرى أنَّ هذين التيّارين لم يسيرا بالتوازي _ كما يقول لوكليرك _ وإنَّما تبع أحدهما الآخر، أو بالأحرى خلق أحدهما الآخر، إذ إنَّ الحملات الصليبيّة الأولى فتحت عيون العالم الأوروبي على كنوز الحضارة العربيّة الإسلاميّة، وخلقت لديه نهمًا علميًّا للحصول على مثيل لها أو تقليدها.

وهكذا يمكننا القول: إذا كان القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي قد شهد انتقال بعض مظاهر الحركة العلميّة العربيّة إلى أوروبة عبر بوّابتي الأندلس وجنوبي إيطاليا، فإنَّ القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، الذي حصلت فيه الحملات الصليبيّة الأولى وإنشاء الممالك والإمارات الصليبيّة، شهد عمليّة انتقال مشابهة عن طريق ثغور بلاد الشام المحتلّة أنطاكية، طرابلس، بيروت، صور، عكا، عسقلان ...[164].

لكنْ ينبغي أن نشير إلى أنَّ الصليبيين وإنْ كانت استفادتهم مِن علوم العرب والمسلمين أقلّ ممّا يجب؛ لأنَّ الجيوش الصليبيّة جاهلة ولم تكن تبالي بالمعارف، كما يقول غوستاف لوبون، فإنَّهم اقتبسوا مِن الحضارة العربيّة الإسلاميّة في ميدان العمران والصناعة والنظم الاجتماعيّة والسياسيّة أكثر منها في ميداني الفكر والفن، واقتبسوا الشورى وتحرير العبيد وحقوق المرأة والعلاقات الدوليّة وأمثالها[165].
وبالتالي كانت الحروب الصليبيّة أكبر لقاء جماعي في التاريخ بين الشرق والغرب، فقبل تلك الحروب، كان اللقاء والاتِّصال بالغرب مقصورًا على حجَّاج بيت المقدس والتجّار والطلبة والرَّحَّالة، ومَنْ إليهم، ولكنْ عندما جاء الفرنج إلى المشرق، كانوا كأنَّ أوروبة اقتُلعت وجاءت إلى الشرق[166].
وفي هذا المجال يذكر المستشرق جيبون أنَّ عصر العلم العربي يتوافق مع أكلح عصر مِن حوليّات أوروبة وأكثرها جهلًا، وأنَّ انتعاش العلم الغربي كان بسبب تأثير المعرفة العلميّة العربيّة على أمم غربي أوروبة، وبسبب الترجمة السريعة لمؤلّفات العرب العلميّة، ونقلها مِن اللغة العربيّة إلى اللغة اللاتينيّة.
ودائمًا ما يثبت الباحثون أنَّ تأثّر الثقافة والعلوم الغربيّة بالثقافة والعلوم العربيّة، حدث عبر الأندلس وجنوبي فرنسة صقليّة وجنوبي إيطاليا، وأنَّ هذا الاتصال تمَّ في عصور مختلفة، لا سيّما في القرون الثلاثة: الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر للميلاد/ السادس والسابع والثامن للهجرة [167].

ولكنَّهم لم يعطوا أثر الحروب الفرنجيّة الصليبيّة في نقل الحضارة حقّها مِن البحث كما ينبغي.
فمن الثَّابت علميًّا أنَّ الغرب الأوروبي ظلَّ طيلة الشطر الأوّل مِن العصور الوسطى حتّى القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر للميلاد غارقًا في غمرة مِن التأخّر الحضاري، في الوقت الذي كان العرب في المشرق والمغرب منذ القرن الأوّل الهجري/ السابع الميلادي ينعمون بمستوى حضاري رفيع.

كذلك أثبتت الأبحاث الحديثة أنَّ ثمَّة حركة إفاقة شاملة دخل فيها المجتمع الأوروبي في عصر الحروب الصليبيّة، وأنَّ هذه الحركة شملت جميع نواحي الحياة في الغرب، حتّى أطلق عليها هاسكنز اسم «النهضة الأوروبيّة في القرن الثاني عشر».
وعندما بحث المؤرِّخون عن أسباب هذه النهضة وبواعثها، لم يستطيعوا مطلقًا إغفال أثر الحروب الصليبيّة، بحكم ما تمّ خلالها مِن اتصال قويّ بين الأوروبيين مِن ناحية والعرب مِن ناحية أخرى، ممّا ساعد على انتقال كثير مِن مظاهر الحضارة العربيّة الإسلاميّة إلى الغرب الأوروبي.
فلقد أثَّر العرب بالصليبيين في نواحٍ عديدة، وذلك لم يتمّ بسرعة، وإنَّما بدأ ينتشر ويؤثّر بعد انقضاء السنوات الأولى مِن الغزو الصليبي، ومِن المؤكَّد أنَّ السنوات الأولى مِن هذا الغزو كانت مرعبة سوداء بسبب سيطرة رجال الدين الأوروبيين على مجريات الحرب[168].

ويخبرنا المؤرّخ الفرنجي فوشيه الشارتري، الذي أرّخ للحملة الأولى، عن مدى تأثّر الصليبيين بالحياة الجديدة، إذ قال: «الآن صرنا نحن الذين كنّا غربيين: شرقيين، ومَن كان منَّا إيطاليًّا فرنسيًّا أصبح في هذه البلاد: جليليًّا أو فلسطينيًّا، والذي كان مِن مواطني مدينة رمس تقع شمال شرق فرنسا أو الشارتري أصبح الآن: صوريًّا أو أنطاكيًّا، لقد نسينا الأماكن التي وُلدنا فيها»[169].

الخاتمة
ظهرت لنا أهمّية دراسة الحروب الصليبيّة لتركُّزها في الذاكرة الشعبيّة إلى اليوم، ولأنَّها تاريخيًّا مِن أبرز مظاهر العلاقات بين الشرق والغرب، لذلك لم يكن مِن اليسر البحث في تفاصيل أسبابها ودوافعها، بسبب تشعُّب العلاقات والقوى والأحداث، وتداخل الأسباب مع بعضها البعض، وربَّما تكاملها في أحوال عديدة.
ولقد جاءت الأسباب الدينيّة لهذه الحروب واضحة ظاهريًّا، وتجلّى ذلك مِن خلال عمليّة الإحياء الديني التي قامت في أوروبة، وإثارة البابويّة للحركة والحماسة الدينيّة مِن أجل أنْ تحقّق أهدافها المتنوّعة، وظهور رجالات أظهروا غيرة دينيّة حادّة، وترتَّب على كلّ ذلك ظاهرة الحجّ الجماعي للأراضي المقدّسة.
وكان الصليب حاضرًا في هذا الصراع الصليبي الإسلامي، لما له مِن دلالات عند المسيحيين، إذ استقرّ رأي المحرّضين على هذه الحروب، وعلى رأسهم البابا أوربان الثاني، على أنْ يحيك كلّ محارب صليبًا مِن القماش الأحمر على ردائه الخارجي مِن ناحية الكتف رمزًا للحركة التي اشترك فيها.
وبالتالي جُعلت هذه الحروب مقدَّسة، وهذا مسمَّى مِن مسمّيات الحرب التي أطلقها الغرب الأوروبي على الإسلام، وذلك منذ القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي تقريبًا، وارتبط مفهوم هذه الحرب المقدّسة بالحجّ، لذلك أوهمت البابويّة الناس بجعل أمر التوجّه الى القدس أمرًا إلهيًّا مقدَّسا، وتوازت هذه النظرة المقدّسة للحروب مع سيطرة الكنيسة والفكر الديني على الحياة الأوروبيّة، وصارت تشكّل أعمالًا بطوليّة للمجتمع الأوروبي في العصور الوسطى.

وكانت ظاهرة الحجّ بادية في أسباب هذه الحروب، فكان عنوان الحجّ إلى القدس ومرادفاته هو النسبة الغالبة على المصنّفات التاريخيّة للأوروبيين في القرنين السادس والسابع الهجريين/ الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، ممّن شاركوا في الحروب أو مدوّنو روايات المشاركين، لا سيّما مؤرّخي الحملة الأولى، وارتبط الحجّ بالتكفير والتوبة عند الكنيسة الكاثوليكيّة، لذلك شجّعت عليه البابويّة بهذا المعنى، وصارت كلمة حاج هي المعبِّر عن كلّ مسيحي متَّجه لزيارة بيت المقدس، حتّى المحاربين منهم، بل وُصف الحجّاج المسلّحين بأنَّهم شعب المسيح.
وجرى تصوير الحروب الصليبيّة على أنَّها عمليّة تطهير كبرى ضدّ المسلمين وإبادتهم، فقد حثّ البابا أوربان الثاني المسيحيين على السعي بأقصى الجهود إلى تطهير المدينة المقدّسة وإحلال العنصر المسيحي فيها بدلًا مِن المسلمين، فتمّت الدعوات إلى طرد المسلمين مِن فلسطين وتفريغ الأرض المقدّسة مِن سكّانها، لذلك ارتبط بهذه الحروب الطابع الدموي الذي ظهر منذ بداية المشروع الصليبي، فتكرّرت المذابح والمجازر الجماعيّة، وقتل الصليبيّون عشرات الآلاف مِن السكّان، أوضحها ما حدث خلال احتلالهم لمدينة القدس.

وظهرت الأسباب السياسيّة للحروب الصليبيّة مِن خلال طموحات البابويّة السياسيّة، ومحاولة تقوية الكنيسة لمنافسة الإمبراطوريّة في الهيمنة على شؤون غرب أوروبة، وللتهيئة لمحاربة المسلمين.
وقد ساعدت التطوّرات الداخليّة في أوروبة في شرعنة الحرب، فبعد سقوط روما سنة 476م، حاولت الكنيسة الغربيّة فرض هيمنتها وتصوير الحرب أنَّها مشروعة.

وارتبط بالسبب السياسي مفهوم مصطلحي: الفرنجة والصليبيين، ومدى معلومات العرب المسلمين بموطن الفرنجة وقوّتهم السياسيّة، وتمييزهم لمختلف الأقوام الروميّة والحبشيّة والفارسيّة والتركيّة والصقالبيّة والفرنجيّة، ثمّ دور الفرنجة المهمّ سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا قبيل الحروب الصليبيّة القريب مِن المناطق الإسلاميّة، وكيف بدأت أوروبة تشهد تقدّمًا على حساب العرب والمسلمين، سواء في الأندلس على الجانب العسكري والسيطرة على تجارة البحر المتوسّط على الجانب الاقتصادي.
ثمّ كان مِن الأسباب السياسيّة النداءات البيزنطيّة للبابويّة جرّاء توسّع السلاجقة في آسيا الصغرى بعد معركة ملاذكرد التي انتصر فيها السلاجقة على الجيش البيزنطي.

وثبت أنَّ مِن أهمّ أسباب الحروب الصليبيّة ميزان القوى قبيلها المتعلّق بالقوى الناشطة آنذاك على مسرح الأحداث، وهي: الخلافة العباسيّة، والقوى الموجودة في بلاد الشام، والخلافة الفاطميّة، والسلاجقة، والبيزنطيين، وقد أدّت هذه القوى في العالمين الشرقي والغربي دورًا فعّالًا في أحداث المنطقة قبيل الغزو الصليبي، كان له أبرز الأثر في حدوث الحروب الصليبيّة.

وكان هدف السيطرة على بيت المقدس باديًا بأسباب الحروب الصليبيّة، وظهر واضحًا في تصريحات كلّ مَنْ أثار هذه الحروب، وخاصّة البابا وبطرس الناسك، وغُلِّف ذلك بغلاف عاطفي ديني مقدَّس، وقد ارتبط بذلك قضيّة التشجيـع وبطرق شتّى على الهجـرة الغربيّة إلى القدس، خاصّة بعد النجاح الذي حقّقته الحملة الصليبيّة الأولى، وقد عمل الصليبيّون على تثبيت أنفسهم في القدس بعد احتلال الأراضي المقدّسة بطرق مختلفة.
وظهر مِن أسباب الحروب الصليبيّة قضايا الإقطاع _ الاستيطان _ الهجرة والتهجير، فالروح الإقطاعيّة بدت واضحة في حملة الفرسان، ولم يوفّر الصليبيّون جهدًا في تعزيز ذلك وبطرق وقوانين متنوّعة عديدة.

وكانت الحروب الصليبيّة، في نشأتها وأهدافها، مرتبطة بالأرض المقدّسة والمنطقة العربيّة، وبالأهداف الاستعماريّة الاستيطانيّة والتغيير الديموغرافي، وبالتالي شكّلت الأرض على الدوام أحد أهمّ أهداف الغزو الصليبي بشكل عام، وغزو فلسطين بشكل خاصّ؛ بصفته مشروعًا إقطاعيًّا استيطانيًّا، قوامه استقدام المهاجرين الأوروبيين وإحلالهم في الأراضي العربيّة والفلسطينيّة محلّ أصحابها الأصليين؛ وقد جاء التصريح بذلك على لسان البابا في مجمع كليرمونت، وأيّد بروز هذا السبب عدد مِن المؤرّخين الغربيين، أمثال جروسيه، وبرنارد لويس، وهنري وليم، كارلز ديفز، ويوشع براور.
وقد رأى عدد مِن المؤرّخين أنَّ الحروب الصليبيّة ليست سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة الهجرات الكبرى التي صاحبت انهيار الإمبراطوريّة الرومانيّة في الغرب عام 476م، وارتبط بالهجرة عمليّات التهجير للسكّان منذ الحملة الصليبيّة الأولى، وارتكاب المجازر بحقّهم، ومصادرة عقاراتهم، وإحلال المهاجرين الغازين مكانهم؛ حتّى كادت فلسطين تخلو مِن سكّانها الأصليين الذين تفرّقوا في البلاد.
وظهرت الأسباب الاقتصاديّة للحروب الصليبيّة مِن وجوه عدّة، منها حالة التكاثر البشري التي سادت أوروبة، وتزايد القوى الحربيّة، وكثرة عدد الفرسان دون عمل أو إقطاع، وخطاب البابا أمام الجموع عن الأوضاع الاقتصاديّة المتردّية التي كانت تعيشها أوروبة.

ومِن الأسباب ظهور حركة اقتصاديّة في أوروبة تبحث عن الموارد، قادتها مجموعة مِن المدن التي صارت تحرّض على الحروب الصليبيّة، وقد حرّك الباعث الاقتصادي القوى البحريّة الإيطاليّة نحو المشاركة في هذه الحروب.

وقد أدّت نهضة القرن الثاني عشر في أوروبة إلى محاولة القوى البشريّة الأوروبيّة إيجاد مخرج لها مِن الضائقة الاقتصاديّة العامّة.
ولعلَّ السبب الحضاري كان حاضرًا في الحروب الصليبيّة، كوجه مِن وجوه الصراع بين حضارتين أو ثقافتين مختلفتين، وزاد مِن حدّة هذا الصراع الخلاف الديني بين الإسلام والمسيحيّة، وظهر لدى بعض الرؤى أنَّ الحضارة العربيّة الإسلاميّة كانت العدو الحقيقي للبابويّة، في حين ظهرت آثار اللقاء الغربي بالمشرق العربي الإسلامي واضحة في جوانب علميّة وفنيّة كثيرة.
وفي ختام الكلمات، نؤكّد على أنَّ أسباب الحروب الصليبيّة جاءت نتاجًا لمجموعة عوامل متشابكة ومعقّدة، وأنَّه لا يمكن تفسيرها في ضوء عامل واحد أو مجموعة عوامل محدّدة، وهذا يعطي صعوبة في الوصول إلى رؤية كاملة ودقيقة عن هذه الأسباب، ممّا يعطيها أبعادًا كثيرة ومتشعّبة لا يجوز إهمالها أو التغاضي عنها.


قائمة المصادر والمراجع
_ المصادر
ابن الأثير، علي بن أبي الكرم ت 630هـ: الكامل في التاريخ، تحقيق: عمر تدمري، بيروت، دار الكتاب العربي، ط1، 1997م.
ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي ت 597هـ: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، تحقيق: محمّد عبد القادر عطا، مصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلميّة، ط1، 1992م.
ابن العديم، عمر بن أحمد 660 هـ: زبدة الحلب مِن تاريخ حلب، تحقيق: سامي الدهان، دمشق، ط2، 2006م.
ابن جبير، محمّد بن أحمد الكتاني ت614هـ: تذكرة بالأخبار في اتفاقيّات الأسفار، علّق عليه: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلميّة، بيروت، ط1، 2003م.
ابن خلدون، عبد الرحمن ت 808هـ: مقدّمة ابن خلدون مع التاريخ، ضبط المتن ووضع الحواشي: خليل شحادة، بيروت، دار الفكر، 2001م.
ابن شداد، بهاء الدين ت632هـ: النوادر السلطانيّة والمحاسبة اليوسفيّة، دار المنار، القاهرة، ط1، 2000م. + مطبعة محمّد صبيح، القاهرة، مصر، 1346هـ، تصحيح: محمّد الرخاوي.
ابن كثير، إسماعيل بن عمر ت 774هـ: البداية والنهاية، تحقيق، عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر، ط1، 1998م.
أبو شامة، شهاب الدين أبو محمّد ت 655هـ: الروضتين في أخبار الدولتين النوريّة والصلاحية، والذيل، قدّم له وعلّق عليه: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلميّة، بيروت، ط1، 2000م.
أبو يعلى حمزة، ابن القلانسي ت 555هـ: ذيل تاريخ دمشق، مطبعة الآباء اليسوعيين، بيروت، ط1، 1908م.
آنا كومنينا ت 546هـ/ 1153م: الأليكسياد، ج6، مِن خلال الموسوعة الشاملة في تاريخ الحروب الصليبيّة، تأليف وتحقيق وترجمة: سهيل زكّار، دمشق، دار الفكر، 1995م.
أودو أوف دويل: رحلة لويس السابع إلى الشرق، ج7، الموسوعة الشاملة في الحروب الصليبيّة، ترجمة: سهيل زكّار، دار الفكر، دمشق، ط1، 1993م.
البنداري، الفتح بن علي الأصفهاني ت 643 هـ: تاريخ دولة آل سلجوق، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط3، 1980.
الحسيني، صدر الدين بن علي ت 622هـ: أخبار الدولة السلجوقيّة، اعتناء: عبّاس إقبال، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط1، 1984.
ريمون دي سان جيل ت 499هـ/ 1105م: تاريخ الفرنجة، ج6، مِن خلال الموسوعة الشاملة في تاريخ الحروب الصليبيّة، تأليف وتحقيق وترجمة: سهيل زكّار، دمشق، دار الفكر، 1995م.
سايولف، رحلة الحاج سايولف لبيت المقدس والأرض المقدّسة 1102-1103م، ترجمة: سعيد البيشاوي، دار الشروق، عمّان، ط1، 1997م.
سبط ابن الجوزي، يوسف ت 654 هـ: مرآة الزمان في تاريخ الأعيان، تحقيق: مسفر الغامدي، السعوديّة، جامعة أم القرى، معهد البحوث العلميّة وإحياء التراث الإسلامي، مركز إحياء التراث الإسلامي، مكّة المكرمة، 1987م. + مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانيّة بحيدر آباد الدكن، الهند، ط1، 1951م.
السمعاني، عبد الكريم بن محمّد ت 571هـ: الأنساب، وضع حواشيه محمّد عبد القادر عطا، دار الكتب العلميّة، بيروت، 1998.
ابن الطوير، أبو محمّد المرتضى عبد السلام ت 617هـ: نزهة المقلتين في أخبار الدولتين، تحقيق: أيمن فؤاد السيّد، النشرات الإسلاميّة، شتوتغارت، 1992.
فوشيه الشارتري ت 521هـ/ 1127م: تاريخ الحملة على القدس 1095-1127م، ترجمة: زياد العسلي، عمّان، دار الشروق، ط1، 1990م.
القلقشندي، أحمد بن علي ت 821هـ: صبح الأعشى في صناعة الإنشا، المؤسّسة المصريّة العامّة للتأليف والترجمة والنشر، القاهرة.
المقريزي، أحمد بن علي ت 845 هـ: السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق: محمّد مصطفى زيادة، سعيد عبد الفتاح عاشور، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1934-1973م.
المؤرّخ المجهول: يوميّات صاحب أعمال الفرنجة، ج6، مِن خلال الموسوعة الشاملة في تاريخ الحروب الصليبيّة، تأليف وتحقيق وترجمة: سهيل زكّار، دمشق، دار الفكر، 1995م.
مؤلّف مجهول: أعمال الفرنجة وحجّاج بيت المقدس كتب الكتاب حوالي 489-493هـ/ 1095-1099م، ترجمة: حسن حبشي، القاهرة، 1958.
ابن ميسر، محمّد بن علي ت 677هـ: أخبار مصر، تحقيق: أيمن فؤاد السيّد، المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقيّة، القاهرة، 1981م.
وليم الصوري ت 582هـ/ 1186م: الحروب الصليبيّة 1094-1184م، ترجمة: حسن حبشي، القاهرة، مؤسّسة الأهرام للنشر، 1991م.
وليم الصوري: تاريخ الحروب الصليبيّة، ترجمة: سهيل زكّار، دار الفكر، بيروت، 2003م.
يوحنا فورزبورغ ت 525هـ/ ١١٣٠م: وصف الأراضي المقدّسة في فلسطين، ترجمة: سعيد البيشاوي، دار الشروق، عمّان، 1997م.

المراجع
أحمد غسان سبانو: الحجّ الى بيت المقدس، نصوص تاريخيّة مِن العصور الوسطى، جمع وترجمة وتحليل، مخطوط غير منشور.
أحمد مختار العبادي: في التاريخ العباسي والأندلسي، دار النهضة العربيّة، بيروت 1972.
أرنست باركر: الحروب الصليبيّة، ترجمة: السيّد الباز العريني، بيروت، دار النهضة العربيّة، ط2، 1967م.
أنس المحمّد: الحياة الاجتماعيّة في القدس في عصر المماليك على ضوء وثائق الحرم القدسي الشريف، رسالة ماجستير، إشراف الدكتور عمّار النهار، جامعة دمشق، 2010م.
السيّد الباز العريني: تاريخ أوروبة في العصور الوسطى، دار النهضة العربيّة للطباعة والنشر، بيروت، 1968.
السيّد الباز العريني: مؤرّخو الحروب الصليبيّة، دار النهضة العربيّة، القاهرة، 1962.
أمجد الهندي: دور العرب في تقدّم علوم الطبّ، دار سعاد الصباح، بيروت، ط1، 1998م.
بنيامين التطيلي: الرحلة، ترجمة: عزار حداد، بغداد، 1949م.
بول هازار: الفكر الأوروبي في القرن الثامن عشر مِن منتسكيو إلى لسينج، ترجمة: محمّد غلاب، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1959.
توماس ماستناك: السلام الصليبي، ترجمة: بشير السباعي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط1، 2003م.
تيسير بن موسى: نظرة عربيّة على غزوات الإفرنج مِن بداية الحروب الصليبيّة حتّى وفاة نور الدين، الدار العربيّة للكتاب، 1983.
ثيودريش: وصف الأماكن المقدّسة في فلسطين، ترجمة: سعيد البيشاوي، رياض شاهين، دار الشروق، عمّان، الأردن، ط1، 2003م.
جلال حسني سلامة: الاستيطان الصليبي في الأراضي المقدّسة 1099-1187م/ 492-583هـ أطروحة دكتوراه غير منشورة، كليّة البنات للآداب والعلوم والتربية، جامعة عين شمس، القاهرة، 2004م.
جوانفيل، القديس لويس، حياته وحملاته على مصر والشام، ترجمة وتعليق: حسن حبشي، دار المعارف، القاهرة، 1968.
جوزيف نسيم يوسف: العرب والروم واللاتين، دار المعرفة الجامعيّة، الإسكندريّة، 1989م.
جوزيف نسيم يوسف: الوحدة وحركات اليقظة العربيّة إبّان العدوان الصليبي، مؤسّسة شباب الجامعة، الإسكندريّة، 1988م.
جوزيف نسيم يوسف: في تاريخ الحركة الصليبيّة، دار المعرفة الجامعة، الإسكندريّة، 1989.
جوناثان رايلي سميث: الحملة الصليبيّة الأولى وفكرة الحروب الصليبيّة، ترجمة: محمّد فتحي الشاعر، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، القاهرة، ط2، 1999.
حبيب زيّات: الصليب في الإسلام، الكنيسة البولسيّة، بيروت، ط2، 2005.
حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، بيروت، دار الجيل، القاهرة، مكتبة النهضة المصريّة، ط14، 1996م.
رواية روبير الراهب عن مجمع كليرمونت، رواية جيويرت النوجنتي عن مجمع كليرمونت، ترجمة: قاسم عبده قاسم، نصوص ووثائق.
رياض شاهين، حسام الآغا: الاستيطان الصليبي فـي فلسطين، الجامعة الإسلاميّة، غزّة، فلسطين، 2007.
ريموندأجيل: تاريخ الفرنجة غزاة بيت المقدس، ترجمة: حسين محمّد عطيّة، دار المعرفة الجامعيّة، الإسكندريّة، ط1، 1990م.
زكي النقاش: العلاقات الاجتماعيّة والثقافيّة بين العرب والفرنج خلال الحروب الصليبيّة، بيروت، 1958م.
ستيفن رنسيمان: تاريخ الحروب الصليبيّة، ترجمة: الباز العريني، بيروت، دار الثقافة، 1967م.
سعيد الحريري: الأخبار السنيّة في الحروب الصليبيّة، القاهرة، الإعلام العربي، ط3، 1985م.
سعيد عبد الفتاح عاشور: الحركة الصليبيّة، القاهرة، المكتبة الأنجلومصريّة، ط4، 1997م.
سعيد عاشور: أضواء جديدة على الحروب الصليبيّة، القاهرة، دار القلم، 1964م.
سعيد عاشور: الحركة الصليبيّة صفحة مشرقة في تاريخ الجهاد العربي في العصور الوسطى، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصريّة، ط2، 1971م.
سمير صالح حسن العمر: الحروب الصليبيّة تطوّر المصطلح والمفهوم، جامعة الكوفة، كليّة الآداب.
سهيل زكّار: تاريخ الحروب الصليبيّة، دار الفكر، دمشق 1990م.
شاكر مصطفى: موسوعة دول العالم الاسلامي ورجالها، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ط1، 1993م.
طه أبو عبية: الحضارة الإسلاميّة دراسة في تاريخ العلوم الإسلاميّة، بيروت، دار الكتب العلميّة، ط1، 2004م.
عارف العارف: المفصّل في تاريخ القدس، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، ط2، 2005م.
عبد الجليل عبد المهدي: المدارس في العصرين الأيوبي والمملوكي، مكتبة الأقصى، عمّان، 1981م.
عبد الهادي التازي: أوقاف المغاربة في القدس، مطبعة فضالة، المحمديّة، المغرب، 1981م.
عبد الله الربيعي: أثر الشرق الإسلامي في الفكر الأوروبي خلال الحروب الصليبيّة، الرياض، 1994م.
عبد المعين الشوّاف: دمشق بين سقوط الفاطميين وظهور الأيوبيين، أطروحة دكتوراه، جامعة دمشق، 2008.
عبد المنعم ماجد: العلاقات بين الشرق والغرب في العصور الوسطى، مكتبة الجامعة العربيّة، بيروت، 1966.
عزيز سوريال عطية: الحروب الصليبيّة وتأثيرها على العلاقات بين الشرق والغرب، ترجمة: فيليب صابر سيف، القاهرة، دار الثقافة، ط2.
عمّار النهار، فوزي مصطفى: تاريخ العصر العباسي والأندلسي، مطبعة جامعة دمشق، 2011، 2012م.
فرديناند شيفل: الحضارة الأوروبيّة في القرون الوسطى وعصر النهضة، ترجمة: منير بعلبكي، بيروت، 1952.
قاسم عبده قاسم: أثر الحروب الصليبيّة على العلم العربي، سكانيًّا، اجتماعيًّا، سياسيًّا، موسوعة الحضارة العربيّة الإسلاميّة، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1995م.
قاسم عبده قاسم: الحملة الصليبيّة الأولى، نصوص ووثائق تاريخيّة، عين للدراسات والبحوث الإنسانيّة والاجتماعيّة، 2001م.
قاسم عبده قاسم: الخلفيّة الأيديولوجيّة للحروب الصليبيّة، ذات السلاسل للطباعة والنشر، الكويت، ط2، 1988.
قاسم عبده قاسم: ماهية الحروب الصليبيّة، عين للدراسات والبحوث الإنسانيّة والاجتماعيّة، 1993.
قصي الحسين: موسوعة الحضارة العربيّة، العصر المملوكي والعثماني، بيروت، دار البحار، 2004م.
كامل العسلي: معاهد العلم في بيت المقدس، مطبعة جمعيّة عمال المطابع التعاونيّة، عمّان، 1981م.
كلود دلماس: تاريخ الحضارة الأوروبيّة، ترجمة: توفيق وهبة، منشورات عويدات، بيروت، 1970.
المجلّة الجزائريّة للدراسات والأبحاث، العدد 1، مج5، 2022م، بحث: العناصر الهامشيّة المنحرفة خلال عصر الحروب الصليبيّة، اللصوص نموذجًا: أشرف صالح محمّد سيد.
محمّد عبد الحافظ النقر: التغيّرات الإداريّة والعمرانيّة والسكانيّة في مدينة القدس في فترة الصراع الإسلامي الإفرنجي أعمال مؤتمر بلاد الشام، جامعة اليرموك، إربد، الأردن، ط1، 1999م.
محمّد صالح منصور: أثر العامل الديني في توجيه الحركة الصليبيّة، جامعة قاريونس، بنغازي، 1996.
محمّد مؤنس عوض: الحروب الصليبيّة، السياسيّة، المياه، العقيدة، عين للدراسات والبحوث، القاهرة، ط1، 2001م.
محمّد مؤنس عوض: الحروب الصليبيّة، العلاقات بين الشرق والغرب، عين للدراسات والبحوث الإنسانيّة والاجتماعيّة، ط1، 2000م.
محمّد نور الدين أفاية: الغرب المتخيّل صورة الآخر في الفكر العربي الإسلامي الوسيط، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ، ط1، 2000.
محمود سعيد عمران: تاريخ الحروب الصليبيّة، دار المعرفة الجامعيّة، 2000م.
محمود محمّد الحويري: بناء الجبهة الإسلاميّة المتّحدة وأثرها في التصدّي للصليبيين، القاهرة، دار المعارف، ط1، 1992م.
مصطفى وهبة: موجز تاريخ الحروب الصليبيّة، المنصورة، مكتبة الإيمان، ط1، 1997م.
مكسيموس مونروند: تاريخ الحروب المقدّسة في المشرق المدعوّة حرب الصليب، ترجمة: مكسيموس مظلوم، طبع أورشليم في دير الرهبان الفرنسيسكانيين، 1865م.
ميخائيل زابوروف: الصليبيّون في الشرق، ترجمة: إلياس شاهين، موسكو، دار التقدم، 1986م.
نقولا شحادة الخوري: تاريخ كنيسة أورشليم الأرثوذكسيّة، مطبعة بيت المقدس، 1925م.
هاني مبارك وشوقي أبو خليل: دور الحضارة العربيّة الإسلاميّة في النهضة الأوروبيّة، دمشق، دار الفكر، ط1، 1996م.
يوشع براور: الاستيطان الصليبي في فلسطين، مملكة بيت المقدس، ترجمة: عبد الحافظ البنا، عين للدراسات والبحوث الاجتماعيّة والإنسانيّة، القاهرة، ط1، 2001م.
يوشع براور: عالم الصليبيين، ترجمة وتعليق: قاسم عبدة قاسم ومحمّد خليفة حسن، عين للدراسات والبحوث الإنسانيّة والاجتماعيّة، القاهرة، 1999.
Prawer, Jusha: The Sattlement Of the Latins In Jerusalem, Speculum 1952.Vol 27.
British School of Archaeology, the Architectare of Islamic Jresalam An Exhibition Prepared on the Occasion of the World of Islam Festival, London, 1976. Jerusalem, 1976.
Geddie, Williom, Chambers twelve century Dictionary London – 1959.
Greatz , Heinrich: History of the jews , London, 1982.
rant, A،J. A hisroty of Europe, The Middle age vol: II, London – 1927.
Wright، John kirt land. the geographical Lore of the time of the crusade - American Geographical society, New York - 1925.


-----------------------------------
[1]*- أستاذ في قسم التاريخ _ كليّة الآداب _ جامعة دمشق، مدير ورئيس تحرير مجلّة تاريخ دمشق المحكَّمة.
[2]- انظر: سمير صالح حسن العمر: الحروب الصليبيّة تطوّر المصطلح والمفهوم، جامعة الكوفة، كليّة الآداب، ص109.
[3]- انظر: جوزيف نسيم يوسف: الوحدة وحركات اليقظة العربيّة إبّان العدوان الصليبي، مؤسّسة شباب الجامعة، الإسكندريّة، 1988م، ص8.
[4]- انظر: قاسم عبده قاسم: الحملة الصليبيّة الأولى، نصوص ووثائق تاريخيّة، عين للدراسات والبحوث الإنسانيّة والاجتماعيّة، 2001م، ص5-13.
[5]- جماعة كلوني مِن الحركات التي بدأت حركة الإصلاح الديني، نسبة إلى دير كلوني، إذ أسّست أديرة جديدة كان الهدف منها إعادة الرهبنة إلى أصولها وإحياء المثل العليا للرهبنة.
[6]- محمود سعيد عمران: تاريخ الحروب الصليبيّة، دار المعرفة الجامعيّة، 2000م، ص13.
[7]- انظر عن ذلك: سعيد عبد الفتّاح عاشور: الحركة الصليبيّة، صفحة مشرقة في تاريخ الجهاد العربي في العصور الوسطى، القاهرة، مكتبة الأنجلو مصريّة، ط2، 1971م، ج1، ص27-34.
[8]- عبد الله الربيعي: أثر الشرق الإسلامي في الفكر الأوروبي خلال الحروب الصليبيّة، الرياض، 1994م، ص23.
[9]- أرنست باركر: الحروب الصليبيّة، ترجمة: السيّد الباز العريني، بيروت، دار النهضة العربيّة، ط2، 1967م، ص9-13.
[10]- تيسير بن موسى: نظرة عربيّة على غزوات الإفرنج مِن بداية الحروب الصليبيّة حتّى وفاة نور الدين، الدار العربيّة للكتاب، 1983، ص45، 46.
[11]- ابن موسى: نظرة عربيّة على غزوات الإفرنج، ص51.
[12]- ابن موسى: نظرة عربيّة على غزوات الإفرنج، ص45.
[13]- رواية روبير الراهب عن مجمع كليرمونت، رواية جيويرت النوجنتي عن مجمع كليرمونت، ترجمة: قاسم عبده قاسم، نصوص ووثائق، ص14، 15.
[14]- عاشور: الحركة الصليبيّة، ج1، ص22.
[15]- ستيفن رنسيمان: تاريخ الحروب الصليبيّة، ترجمة: الباز العريني، بيروت، دار الثقافة، 1967م، ج1، ص180-182.
[16]- انظر الربيعي: أثر الشرق الإسلامي في الفكر الأوروبي خلال الحروب الصليبيّة، ص27 _ 29. عاشور: الحركة الصليبيّة، ج1، ص22.
[17]- شاكر مصطفى: موسوعة دول العالم الإسلامي ورجالها، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ط1، 1993م، ص690 وما بعد.
[18]- عاشور: الحركة الصليبيّة، ج1، ص129، 130.
[19]- عاشور: الحركة الصليبيّة، ج1، ص131، 132. عمران: تاريخ الحروب الصليبيّة، ص21.
[20]- عاشور: الحركة الصليبيّة، ج1، ص132.
[21]- انظر ميخائيل زابوروف: الصليبيّون في الشرق، ترجمة: إلياس شاهين، موسكو، دار التقدم، 1986م، ص43. فوشيه الشارتري ت 521هـ/ 1127م: تاريخ الحملة على القدس 1095-1127م، ترجمة: زياد العسلي، عمّان، دار الشروق، ط1، 1990م، ص31. عاشور: الحركة الصليبيّة، ج1، ص131، 132.
[22]- سعيد الحريري: الأخبار السنيّة في الحروب الصليبيّة، القاهرة، الإعلام العربي، ط3، 1985م، ص20.
[23]- الربيعي: أثر الشرق الإسلامي في الفكر الأوروبي خلال الحروب الصليبيّة، ص25، 26.
[24]- آنا كومنينا ت 546هـ/ 1153م: الأليكسياد، ج6، مِن خلال الموسوعة الشاملة في تاريخ الحروب الصليبيّة، تأليف وتحقيق وترجمة: سهيل زكار، دمشق، دار الفكر، 1995م، ص10-11.
[25]- يوشع براور: الاستيطان الصليبي في فلسطين، مملكة بيت المقدس، ترجمة: عبد الحافظ البنا، عين للدراسات والبحوث الاجتماعيّة والإنسانيّة، القاهرة، ط1، 2001م، ص34، 35. زابوروف: الصليبيّون في الشرق، ص45.
[26]- آنا كومنينا: الأليكسياد، ج6، ص11.
[27]- آنا كومنينا: الأليكسياد، ج6، ص11. عاشور: الحركة الصليبيّة، ج1، ص134-136. براور: الاستيطان الصليبي في فلسطين، ص38 _ 40. عمران: تاريخ الحروب الصليبيّة، ص26.
[28]- زابوروف: الصليبيّون في الشرق، ص60. تكوّنت حول جودفري أسطورة بعد نجاح الحملة الصليبيّة، وكان وليم الصوري هو الذي نقل لدينا الصورة الكاملة لهذه الأسطورة.
[29]- ابن القلانسي، أبو يعلى حمزة ت 555هـ: ذيل تاريخ دمشق، مطبعة الآباء اليسوعيين، بيروت، ط1، 1908م، ص297.
[30]- ابن شدّاد، بهاء الدين ت 632هـ: النوادر السلطانيّة والمحاسبة اليوسفيّة، دار المنار، القاهرة، ط1، 2000م، ص99.
[31]- ابن الأثير، علي بن أبي الكرم ت 630هـ: الكامل في التاريخ، تحقيق: عمر تدمري، بيروت، دار الكتاب العربي، ط1، 1997م، ج10، ص69. وانظر: ابن شدّاد: النوادر السلطانيّة، ص98، 99. ابن خلدون، عبد الرحمن ت 808هـ: مقدّمة ابن خلدون مع التاريخ، ضبط المتن ووضع الحواشي: خليل شحادة، بيروت، دار الفكر، 2001م، ج5، ص379.
[32]- مصطفى: موسوعة دول العالم الإسلامي ورجالها، ص690 وما بعد.
[33]- الباز العريني: تاريخ أوروبة في العصور الوسطى، دار النهضة العربيّة، بيروت، 1968، ص73-76. حبيب زيات: الصليب في الإسلام، الكنيسة البولسيّة، بيروت، ط2، 2005، ص10. سمير العمر: الحروب الصليبيّة تطوّر المصطلح والمفهوم، ص129.
[34]- سمير العمر: الحروب الصليبيّة تطوّر المصطلح والمفهوم، ص129، 130. مؤلّف مجهول: أعمال الفرنجة وحجّاج بيت المقدس، كتب الكتاب حوالي 489-493هـ/ 1095-1099م، ترجمة: حسن حبشي، القاهرة، 1958، ص7. زيّات: الصليب في الإسلام، ص34. جوانفيل، القدّيس لويس، حياته وحملاته على مصر والشام، ترجمة وتعليق: حسن حبشي، دار المعارف، القاهرة، 1968، ص311-312.
[35]- سمير العمر: الحروب الصليبيّة تطوّر المصطلح والمفهوم، ص130-132. فرديناند شيفل: الحضارة الأوروبيّة في القرون الوسطى وعصر النهضة، ترجمة: منير بعلبكي، بيروت، 1952، ص54-56. زابوروف: الصليبيّون في الشرق، ص14. قاسم عبده قاسم: ماهية الحروب الصليبيّة، عين للدراسات والبحوث الإنسانيّة والاجتماعيّة، 1993، ص12. بول هازار: الفكر الأوروبي في القرن الثامن عشر مِن منتسكيو إلى لسينج، ترجمة: محمّد غلاب، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1959، ص198-199.
[36]- سمير العمر: الحروب الصليبيّة تطوّر المصطلح والمفهوم، ص132، 133. زابوروف: الصليبيّون في الشرق، ص14.
Geddie، Williom, Chambers twelve century Dictionary London – 1959 p254.
[37]- المؤرّخ المجهول: يوميّات صاحب أعمال الفرنجة، ج6، مِن خلال الموسوعة الشاملة في تاريخ الحروب الصليبيّة، تأليف وتحقيق وترجمة: سهيل زكار، دمشق، دار الفكر، 1995م، ج6، ص78. آنا كومنينا: الأليكسياد، ج6، ص11. الشارتري: تاريخ الحملة على القدس، ص31-35. براور: الاستيطان الصليبي في فلسطين، ص38-40. الحريري: الأخبار السنيّة في الحروب الصليبيّة، ص20.
[38]- الشارتري، تاريخ الحملة على القدس، ص37، 38. وانظر: سميث، جوناثان رايلي: الحملة الصليبيّة الأولى وفكرة الحروب الصليبيّة، ترجمة: محمّد فتحي الشاعر، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، القاهرة، ط2، 1999، ص49.
[39]- سنتحدّث عن الحجّ في فقرة مستقلّة.
[40]- انظر سمير العمر: الحروب الصليبيّة تطوّر المصطلح والمفهوم، ص112-113. السيّد الباز العريني: مؤرّخو الحروب الصليبيّة، دار النهضة العربيّة، القاهرة، 1962، ص28 – 51. قاسم عبده قاسم: الخلفيّة الأيدولوجيّة للحروب الصليبيّة، ذات السلاسل للطباعة والنشر، الكويت، ط2، 1988، ص42. والمقصود هنا ببني إسرائيل مِن كلام البابا: المسيحيّون لا اليهود؛ لأنَّ المسيحيّة نزلت لهداية اليهود، قال تعالى في حقّ سيّدنا عيسى: {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ}. سورة آل عمران، الآية 49.
[41]- انظر سمير العمر: الحروب الصليبيّة تطوّر المصطلح والمفهوم، ص113-114. محمّد نور الدين أفاية: الغرب المتخيّل صورة الآخر في الفكر العربي الإسلامي الوسيط، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2000، ص142-143. قاسم: الخلفيّة الأيديولوجيّة للحروب الصليبيّة، ص16. جوزيف نسيم يوسف: في تاريخ الحركة الصليبيّة، دار المعرفة الجامعة، الإسكندريّة، 1989، ص46.
[42]- انظر سمير العمر: الحروب الصليبيّة تطوّر المصطلح والمفهوم، ص114. قاسم عبده قاسم: الحملة الصليبيّة الأولى، نصوص ووثائق تاريخيّة، ص75-79.
[43]- انظر سمير العمر: الحروب الصليبيّة تطوّر المصطلح والمفهوم، ص114-115. يوشع بروار: عالم الصليبيين، ترجمة وتعليق: قاسم عبدة قاسم ومحمّد خليفة حسن، عين للدراسات والبحوث الإنسانيّة والاجتماعيّة، القاهرة، 1999، ص35-37. ابن موسى: نظرة عربيّة على غزوات الإفرنج على غزوات الإفرنج، ص51.
Grant، A،J. A hisroty of Europe, The Middle age vol:II, London – 1927, p291.
[44]- انظر سمير العمر: الحروب الصليبيّة تطوّر المصطلح والمفهوم، ص115.
[45]- الشارتري: تاريخ الحملة على القدس، ص58، 59. كما وردت عند المؤرّخ المجهول، ص140-142.
[46]- ابن موسى: نظرة عربيّة على غزوات الإفرنج، ص76.
[47]- ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج8، ص419.
[48]- قاسم: الخلفيّة الأيديولوجيّة للحروب الصليبيّة، ص167. باركر: الحروب الصليبيّة، ص35.
[49]- قاسم: ماهية الحروب الصليبيّة، ص13.
[50]- قاسم: الحملة الصليبيّة الأولى، ص8.
[51]- سمير العمر: الحروب الصليبيّة تطوّر المصطلح والمفهوم، ص109، 110. الحريري: الأخبار السنيّة في الحروب الصليبيّة، ص14. العريني: مؤرّخو الحروب الصليبيّة، ص22 _ 45. قاسم: الخلفيّة الأيديولوجيّة للحروب الصليبيّة، ص43.
[52]- Wright, John kirt land: the geographical Lore of the time of the crusade - American Geographical society .New York - 1925. pp261- 62.
[53]- عبد المنعم ماجد: العلاقات بين الشرق والغرب في العصور الوسطى، مكتبة الجامعة العربيّة، بيروت، 1966، ص83 وما بعد. سميث: الحملة الصليبيّة الأولى وفكرة الحروب الصليبيّة، ص50–61. سمير العمر: الحروب الصليبيّة تطوّر المصطلح والمفهوم، ص110-112. رنسيمان: تاريخ الحروب الصليبيّة، ج1، ص63-79. العريني: تاريخ أوروبة في العصور الوسطى، ص41 -51. قاسم: الخلفيّة الأيديولوجيّة للحروب الصليبيّة، ص23 وما بعدها. محمّد صالح منصور: أثر العامل الديني في توجيه الحركة الصليبيّة، جامعة قاريونس، بنغازي، 1996، ص185.
[54]- أحمد غسان سبانو: الحجّ الى بيت المقدس، نصوص تاريخيّة مِن العصور الوسطى، جمع وترجمة وتحليل، مخطوط غير منشور، ص6-8.
[55]- سبانو: الحج الى بيت المقدس، نصوص تاريخيّة مِن العصور الوسطى، جمع وترجمة وتحليل، ص56-60.
[56]- سبانو: الحج الى بيت المقدس، نصوص تاريخيّة مِن العصور الوسطى، جمع وترجمة وتحليل، ص87-91.
[57]- سبانو: الحج الى بيت المقدّس، نصوص تاريخيّة مِن العصور الوسطى، جمع وترجمة وتحليل، ص96-97.
[58]- وليم الصوري ت 582هـ/ 1186م: تاريخ الحروب الصليبيّة، ترجمة: سهيل زكّار، دار الفكر، بيروت، 2003م، ج2، ص758-759. أودو أوف دويل، رحلة لويس السابع إلى الشرق، ج7، الموسوعة الشاملة في الحروب الصليبيّة، ترجمة: سهيل زكّار، دار الفكر، دمشق، ط1، 1993م، ج7، ص13-14. زابوروف: الصليبيّون في الشرق، ص172-173. توماس ماستناك: السلام الصليبي، ترجمة: بشير السباعي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط1، 2003م، ص176. رياض شاهين، حسام الآغا: الاستيطان الصليبي فـي فلسطين، الجامعة الإسلاميّة، غزّة، فلسطين، 2007، ص5، 6.
[59]- رواية جيوبرت عن مجمع كليرمونت، ترجمة: قاسم عبده، نصوص ووثائق، ص83. رياض شاهين، حسام الآغا: الاستيطان الصليبي فـي فلسطين، ص6.
[60]- عبد المعين الشوّاف: دمشق بين سقوط الفاطميين وظهور الأيوبيين، أطروحة دكتوراه، جامعة دمشق، 2008، ص378.
[61]- سهيل زكّار: تاريخ الحروب الصليبيّة، دار الفكر، دمشق 1990م، م1، ص170.
[62]- زكّار: تاريخ الحروب الصليبيّة، م1، ص171.
[63]- ابن العديم، عمر بن أحمد ت 660هـ: زبدة الحلب مِن تاريخ حلب، تحقيق: سامي الدهان، دمشق، ط2، 2006م، م2، ص224.
[64]- الشارتري: تاريخ الحملة على القدس، ص36.
[65]- ماستناك: السلام الصليبي، ص172-173.
[66]- رياض شاهين، حسام الآغا: الاستيطان الصليبي فـي فلسطين، ص7.
[67]- رياض شاهين، حسام الآغا: الاستيطان الصليبي فـي فلسطين، ص6، 7.
[68]- ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق، ص134-136. ريموند أجيل: تاريخ الفرنجة غزاة بيت المقدس، ترجمة: حسين محمّد عطيّة، دار المعرفة الجامعيّة، الإسكندريّة، ط1، 1990م، ص120. الشارتري: تاريخ الحملة، ص58-68. رياض شاهين، حسام الآغا: الاستيطان الصليبي فـي فلسطين، ص6-7.
[69]- سايولف: رحلة الحاج سايولف لبيت المقدس والأرض المقدّسة 1102-1103م، ترجمة: سعيد البيشاوي، دار الشروق، عمّان، ط1، 1997م، ص30-42. يوحنا فورزبورغ ت 525هـ/ ١١٣٠م: وصف الأراضي المقدّسة في فلسطين، ترجمة: سعيد البيشاوي، دار الشروق، عمّان، 1997م، ص51. محمّد عبد الحافظ النقر: التغيّرات الإداريّة والعمرانيّة والسكانيّة في مدينة القدس في فترة الصراع الإسلامي الإفرنجي أعمال مؤتمر بلاد الشام، جامعة اليرموك، إربد، الأردن، ط1، 1999م، ص8-15. رياض شاهين، حسام الآغا: الاستيطان الصليبي فـي فلسطين، ص14-15.
[70]- انظر سمير العمر: الحروب الصليبيّة تطوّر المصطلح والمفهوم، ص113-114. أفاية: الغرب المتخيّل صورة الآخر في الفكر العربي الاسلامي الوسيط، ص142- 143. قاسم: الخلفيّة الأيديولوجيّة للحروب الصليبيّة، ص16. يوسف: في تاريخ الحركة الصليبيّة، ص46.
[71]- انظر سمير العمر: الحروب الصليبيّة تطوّر المصطلح والمفهوم، ص114. قاسم: الحملة الصليبيّة الأولى، ص75-79.
[72]- الربيعي: أثر الشرق الإسلامي في الفكر الأوروبي خلال الحروب الصليبيّة، ص31-32. عاشور: الحركة الصليبيّة، ج1، ص129-130. حسن ابراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، بيروت، دار الجيل، القاهرة، مكتبة النهضة المصريّة، ط14، 1996م، ج4، ص232. وقد توفّي جريجوري السابع سنة 1085م، وخلفه فكتور الثالث الذي حكم بين 1086-1087م، وبعدها انتُخب الراهب الكلوني أودو دي لاجني كردينال أوسيتا عام 1088م، واتّخذ اسم أوربان الثاني.
[73]- عاشور: الحركة الصليبيّة، ج1، ص131. ابن موسى: نظرة عربيّة على غزوات الإفرنج، ص51.
[74]- السمعاني، عبد الكريم بن محمّد ت 571هـ: الأنساب، وضع حواشيه محمّد عبد القادر عطا، دار الكتب العلميّة، بيروت، 1998، ج3، 114. سمير العمر: الحروب الصليبيّة تطوّر المصطلح والمفهوم، ص125-126. ابن موسى: نظرة عربيّة على غزوات الإفرنج على غزوات الإفرنج، ص51.
[75]- انظر القلقشندي، أحمد بن علي ت 821هـ: صبح الأعشى في صناعة الإنشا، المؤسّسة المصريّة العامّة للتأليف والترجمة والنشر، القاهرة، ج5، ص137، 485. سمير العمر: الحروب الصليبيّة تطوّر المصطلح والمفهوم، ص122-124. كلود دلماس: تاريخ الحضارة الأوروبيّة، ترجمة: توفيق وهبة، منشورات عويدات، بيروت، 1970، ص15.
[76]- عمران: تاريخ الحروب الصليبيّة، ص13.
[77]- انظر محمود محمّد الحويري: بناء الجبهة الإسلاميّة المتّحدة وأثرها في التصدّي للصليبيين، القاهرة، دار المعارف، ط1، 1992م، ص10 وما بعد.
[78]- الحويري: بناء الجبهة الإسلاميّة المتّحدة وأثرها في التصدّي للصليبيين، ص10.
[79]- مصطفى وهبة: موجز تاريخ الحروب الصليبيّة، المنصورة، مكتبة الإيمان، ط1، 1997م، ص9.
[80]- قاسم: ماهية الحروب الصليبيّة، ص57.
[81]- وهبة: موجز تاريخ الحروب الصليبيّة، ص10.
[82]- وهبة: موجز تاريخ الحروب الصليبيّة، ص14.
[83]- ابن الأثير: الكامل في التاريخ، مجمل الجزء 8. وانظر: الحويري: بناء الجبهة الإسلاميّة، ص21.
[84]- انظر البنداري، الفتح بن علي الأصفهاني ت 643هـ: تاريخ دولة آل سلجوق، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط3، 1980، ص21-46. الحسيني، صدر الدين بن علي ت 622هـ: أخبار الدولة السلجوقيّة، اعتناء: عبّاس إقبال، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط1، 1984، ص18-21. وانظر: ابن الأثير: الكامل في التاريخ، مجمل الجزء 8. ابن خلدون: مقدّمة ابن خلدون مع التاريخ، مجمل جزء 5. عمّار النهار، فوزي مصطفى: تاريخ العصر العباسي والأندلسي، مطبعة جامعة دمشق، 2011، 2012م، ص65-80. براور: الاستيطان الصليبي في فلسطين، ص12. الحويري: بناء الجبهة الإسلاميّة، ص25.
[85]- وهبة: موجز تاريخ الحروب الصليبيّة، ص12.
[86]- وهبة: موجز تاريخ الحروب الصليبيّة، ص12. الحويري، بناء الجبهة الإسلاميّة، ص26.
[87]- عمار النهار، فوزي مصطفى: تاريخ العصر العباسي والأندلسي، ص13-115. أحمدّ مختار العبادي: في التاريخ العبّاسي والأندلسي، دار النهضة العربيّة، بيروت 1972، ص163. عزيز سوريال عطيّة: الحروب الصليبيّة وتأثيرها على العلاقات بين الشرق والغرب، ترجمة: فيليب صابر سيف، القاهرة، دار الثقافة، ط2، ص39. الحويري: بناء الجبهة الإسلاميّة، ص10
[88]- انظر: ابن ميسر، محمّد بن علي: أخبار مصر، تحقيق: أيمن فؤاد السيّد، المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقيّة، القاهرة، 1981م، ص61. ابن الطوير، أبو محمّد المرتضى عبد السلام ت 617هـ: نزهة المقلتين في أخبار الدولتين، تحقيق: أيمن فؤاد السيّد، النشرات الإسلاميّة، شتوتغارت، 1992، ص5. الحويري: بناء الجبهة الإسلاميّة، ص14، 15.
[89]- الحويري: بناء الجبهة الإسلاميّة، ص11-26. عمّار النهار، فوزي مصطفى: تاريخ العصر العبّاسي والأندلسي، ص90-95.
[90]- محمّد مؤنس عوض: الحروب الصليبيّة، العلاقات بين الشرق والغرب، عين للدراسات والبحوث الإنسانيّة والاجتماعيّة، ط1، 2000م، ص35.
[91]- آنا كومنينا: الأليكسياد، ج6، ص10، 11.
[92]- زابوروف: الصليبيّون في الشرق، ص44.
[93]- المؤرّخ المجهول: يوميّات صاحب أعمال الفرنجة، ج6، ص36.
[94]- زابوروف: الصليبيّون في الشرق، ص45.
[95]- انظر: براور: الاستيطان الصليبي في فلسطين، ص34، 35.
[96]- آنا كومنينا: الأليكسياد، ج6، ص11.
[97]- جمع مدوّنته التاريخيّة عن الحملة الصليبيّة ومملكة بيت المقدس اللاتينيّة حتّى سنة 1120م مِن شهود العيان. انظر: قاسم: الحملة الصليبيّة الأولى، ص100.
[98]- للاطّلاع على هذه الرواية انظر: وليم الصوري: الحروب الصليبيّة 1094-1184م، ترجمة: حسن حبشي، القاهرة، مؤسّسة الأهرام للنشر، 1991م، ج1، 90 - 94.
[99]- للاطلاع على هذه الرواية انظر نصّ الرواية والترجمة العربيّة كاملة عند قاسم: الحملة الصليبيّة الأولى، ص98-99.
[100]- آنا كومنينا: الأليكسياد، ج6، ص11. عمران: تاريخ الحروب الصليبيّة، ص26.
[101]- براور: عالم الصليبيين، ص46-47. الحويري: بناء الجبهة الإسلاميّة، ص55، 56. الحريري: الأخبار السنيّة، ص48.
[102]- براور: عالم الصليبيين، ص47.
[103]- ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج8، ص425. مكسيموس مونروند: تاريخ الحروب المقدّسة في المشرق المدعوّة حرب الصليب، ترجمة: مكسيموس مظلوم، طبع أورشليم في دير الرهبان الفرنسيسكانيين، 1865م، ص172. نقولا شحادة الخوري: تاريخ كنيسة أورشليم الأرثوذكسيّة، مطبعة بيت المقدس، 1925م، ص70.
[104]- ريمون دي سان جيل ت 499هـ/ 1105م: تاريخ الفرنجة، ج6، مِن خلال الموسوعة الشاملة في تاريخ الحروب الصليبيّة، تأليف وتحقيق وترجمة: سهيل زكّار، دمشق، دار الفكر، 1995م، ص295. ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي ت 597هـ: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، تحقيق: محمّد عبد القادر عطا، مصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلميّة، ط1، 1992م، ج17، ص47. ابن كثير، إسماعيل بن عمر ت 774هـ: البداية والنهاية، تحقيق، عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر، ط1، 1998م، ج16، ص166.
[105]- قدَّر سبط ابن الجوزي وغيره عدد القتلى بـ 100000، بينما قدَّرهم ابن الأثير ومونروند وغيرهما بـ 70000. انظر سبط ابن الجوزي، يوسف ت 654 هـ: مرآة الزمان في تاريخ الأعيان، تحقيق: مسفر الغامدي، السعوديّة، جامعة أم القرى، معهد البحوث العلميّة وإحياء التراث الإسلامي، مركز إحياء التراث الإسلامي، مكّة المكرمة، 1987م، ج1، ص324. ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج8، ص425. مونروند: تاريخ الحروب المقدّسة، ص175.
[106]- مونروند: تاريخ الحروب المقدّسة، ص175-176.
[107]- ابن موسى: نظرة عربيّة على غزوات الإفرنج، ص78-79.
[108]- الحريري: الأخبار السنيّة، ص48.
[109]- الشارتري: تاريخ الحملة على القدس، ص111. زابوروف: الصليبيّون في الشرق، ص127. قاسم: أثر الحروب الصليبيّة على العالم العربي، ص233.
[110]- الصوري: تاريخ الحروب الصليبيّة، ج1، ص472.
[111]- الصوري: تاريخ الحروب الصليبيّة، ج1، ص560-561. الشارتري: تاريخ الحملة على القدس، ص109-110. النقر: التغيّرات الإداريّة والعمرانيّة والسكانيّة في مدينة القدس في فترة الصراع الإسلامي الإفرنجي، ص16.
[112]- الشارتري: تاريخ الحملة على القدس، ص189. الصوري: تاريخ الحروب الصليبيّة، ج1، ص588.
[113]- الصوري: تاريخ الحروب الصليبيّة، ج1، ص576-577. الشارتري: تاريخ الحملة على القدس، ص194. قاسم عبده قاسم: أثر الحروب الصليبيّة على العالم العربي، سكانيًّا، اجتماعيًّا، سياسيًّا، موسوعة الحضارة العربيّة الإسلاميّة، ج3، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1995م، ص228-233.
[114]- قاسم: أثر الحروب الصليبيّة على العالم العربي، ص225-35.
[115]- سبانو: الحجّ الى بيت المقدس، نصوص تاريخيّة مِن العصور الوسطى، جمع وترجمة وتحليل، ص94-95.
[116]- قاسم: الحملة الصليبيّة الأولى، ص138-139. عاشور: الحركة الصليبيّة، ج1، ص145.
[117]- الشارتري: تاريخ الحملة على القدس، ص40. براور: عالم الصليبيين، ص42.
[118]- عاشور: الحركة الصليبيّة، ج1، ص145.
[119]- قاسم: الحملة الصليبيّة الأولى، ص139.
[120]- قاسم: الخلفية الأيديولوجيّة للحروب الصليبيّة، ص149.
[121]- جلال حسني سلامة: الاستيطان الصليبي في الأراضي المقدّسة 1099-1187م/ 492-583هـ، أطروحة دكتوراه غير منشورة، كليّة البنات للآداب والعلوم والتربية، جامعة عين شمس، القاهرة، 2004م، ص730.
[122]- قاسم: الخلفيّة الأيديولوجيّة للحروب الصليبيّة، ص74، 75. براور: الاستيطان الصليبي في فلسطين، ص93-100.
[123]- الحركة الصليبيّة: سعيد عاشور، ج2، ص1006-1010.
[124]- الشارتري: تاريخ الحملة على القدس، ص36. قاسم: نصوص، ص11.
[125]- الشارتري: تاريخ الحملة على القدس، ص36.
[126]- رواية روبير الراهب عن مجمع كليرمونت، رواية جيويرت النوجنتي عن مجمع كليرمونت، ص79-81. رياض شاهين، حسام الآغا: الاستيطان الصليبي فـي فلسطين، ص4.
[127]- Prawer, Jusha: The Sattlement Of the Latins In Jerusalem, Speculum 1952.Vol 27 P.494.
أنس المحمّد: الحياة الاجتماعيّة في القدس في عصر المماليك على ضوء وثائق الحرم القدسي الشريف، رسالة ماجستير، إشراف الدكتور عمّار النهار، جامعة دمشق، 2010م، ص30.
[128]- رياض شاهين، حسام الآغا: الاستيطان الصليبي فـي فلسطين، ص4-5. جوزيف نسيم يوسف: العرب والروم واللاتين، دار المعرفة الجامعيّة، الإسكندريّة، 1989م، ص103، 104.
[129]- رياض شاهين، حسام الآغا: الاستيطان الصليبي فـي فلسطين، ص4، 5. جوزيف نسيم يوسف: الوحدة وحركات اليقظة العربيّة إبّان العدوان الصليبي، ص8.
[130]- رياض شاهين، حسام الآغا: الاستيطان الصليبي فـي فلسطين، ص4، 5. براور: الاستيطان الصليبي في فلسطين، ص83.
[131]- زكي النقاش: العلاقات الاجتماعيّة والثقافيّة بين العرب والفرنج خلال الحروب الصليبيّة، بيروت، 1958م، ص146- 153.
[132]- ابن شدّاد، بهاء الدين ت632هـ: النوادر السلطانيّة والمحاسن اليوسفيّة، تصحيح: محمّد الرخاوي، مطبعة محمّد صبيح، القاهرة، مصر، 1346هـ، ص66.
[133]- ابن شدّاد: النوادر السلطانيّة والمحاسن اليوسفيّة، ص67. المقريزي، أحمد بن علي: السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق: محمّد مصطفى زيادة، سعيد عبد الفتاح عاشور، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1934-1973م، ج1، ق1، ص122. سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانيّة بحيدر آباد الدكن، الهند، ط1، 1951م، ج8، ق1، ص399.
[134]- المقريزي: السلوك، ج1، ق1، ص97.
[135]- عارف العارف: المفصل في تاريخ القدس، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، ط2، 2005م، ص285.
[136]- عبد الهادي التازي: أوقاف المغاربة في القدس، مطبعة فضالة، المحمّدية، المغرب، 1981م، ص6.
[137]- العارف: المفصل في تاريخ القدس، ص760.
[138]- Greatz , Heinrich: History of the jews, London, 1982, vol lll, P475.
بنيامين التطيلي: الرحلة، ترجمة: عزار حداد، بغداد، 1949م، ص99.
[139]- انظر كامل العسلي: معاهد العلم في بيت المقدس، مطبعة جمعيّة عمال المطابع التعاونيّة، عمّان، 1981م. عبد الجليل عبد المهدي: المدارس في العصرين الأيوبي والمملوكي، مكتبة الأقصى، عمّان، 1981م.
British School of Archaeology, the Architectare of Islamic Jresalam An Exhibition Prepared on the Occasion of the World of Islam Festival, London, 1976. Jerusalem, 1976.
[140]- عمران: تاريخ الحروب الصليبيّة، ص13.
[141]- سعيد عبد الفتاح عاشور: أضواء جديدة على الحروب الصليبيّة، القاهرة، دار القلم، 1964م، ص7-8.
[142]- الشارتري: تاريخ الحملة على القدس، ص111. زابوروف: الصليبيون في الشرق، ص127. قاسم: أثر الحروب الصليبيّة على العالم العربي، ص233.
[143]- ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق، ص136. ابن جبير، محمّد بن أحمد الكتاني ت614هـ: تذكرة بالأخبار في اتفاقيّات الأسفار، علق عليه: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلميّة، بيروت، ط1، 2003م، ص238. رياض شاهين، حسام الآغا: الاستيطان الصليبي فـي فلسطين، ص7.
[144]- الشارتري: تاريخ الحملة إلى القدس، ص109.
[145]- رياض شاهين، حسام الآغا: الاستيطان الصليبي فـي فلسطين، ص9.
[146]- ريموندأجيل: تاريخ الفرنجة غزاه بيت المقدس، ترجمة: حسين محمّد عطيّة، دار المعرفة الجامعيّة، الإسكندريّة، ط1، 1990م، ص235. رياض شاهين، حسام الآغا: الاستيطان الصليبي فـي فلسطين، ص13.
[147]- الشارتري: تاريخ الحملة على القدس، ص76.
[148]- براور: الاستيطان الصليبي في فلسطين، ص107. رياض شاهين، حسام الآغا: الاستيطان الصليبي فـي فلسطين، ص14.
[149]- ثيودريش: وصف الأماكن المقدّسة في فلسطين، ترجمة: سعيد البيشاوي، رياض شاهين، دار الشروق، عمّان، الأردن، ط1، 2003م، ص122-225. براور: الاستيطان الصليبي في فلسطين، ص499. رياض شاهين، حسام الآغا: الاستيطان الصليبي فـي فلسطين، ص40 _ 42، وانظر تفاصيل قيام هذه المستوطنات وأعدادها وظروفها في المرجع نفسه، ص42-51.
[150]- مصطفى: موسوعة دول العالم الإسلامي ورجالها، ص690 وما بعد.
[151]- الربيعي: أثر الشرق الإسلامي في الفكر الأوروبي، ص34. عاشور: الحركة الصليبيّة، ج1، ص34-37.
[152]- مصطفى: موسوعة دول العالم الإسلامي ورجالها، ص690 وما بعد.
[153]- عاشور: الحركة الصليبيّة، ج2، ص999.
[154]- مصطفى: موسوعة دول العالم الاسلامي ورجالها، ص690 وما بعد.
[155]- تراكم هؤلاء الأفراد على هامش المجتمع كبؤر للسلب والنهب.
[156]- انظر: المجلّة الجزائريّة للدراسات والأبحاث، العدد 1، مج5، 2022م، بحث: العناصر الهامشيّة المنحرفة خلال عصر الحروب الصليبيّة، اللصوص نموذجًا: أشرف صالح محمّد سيّد، ص655-668، وقد دار مدار البحث حول هذه القضية.
[157]- براور: الاستيطان الصليبي في فلسطين، ص36.
[158]- انظر آنا كومنينا: الأليكسياد، ج6، ص11. براور: الاستيطان الصليبي في فلسطين، ص38. رنسيمان: تاريخ الحملات الصليبيّة، ج1، ص180-181.
[159]- انظر عمّا سبق: المؤرّخ المجهول: يوميّات صاحب أعمال الفرنجة، ج6، ص79. براور: الاستيطان الصليبي في فلسطين، ص38 _ 40. قاسم: الخلفيّة الأيديولوجيّة للحروب الصليبيّة، ص128. عاشور: الحركة الصليبيّة، ج1، 138. قاسم: ماهية الحروب الصليبيّة، ص114.
[160]- آنا كومنينا: الأليكسياد، ج6، ص16. قاسم: ماهية الحروب الصليبيّة، ص115-116. وقد ظهر زعيم آخر مِن زعماء العامّة اسمه والتر الملقّب بالمفلس، وهو أوّل مَن انطلق برحلة الحجّ 1096م، وسار على خطاه قسّ ألماني يدعى جوتشولك، وآخر اسمه فولكمار، وقد ارتكب جيشاهما مِن الأهوال والفظائع والنهب والسلب ما جعلت جيش المجر يمزّق عصابات فولكمار، وبعدها بأقلّ مِن يومين، فتك بعصابات جوتشولك. وقد أورد وليم الصوري رواية عن هذه العصابات، منها عصابة الكونت أميخو، وانضمّ إليهم وليم النجّار وعدد مِن النبلاء المتعطّشين للدماء في فرنسا وألمانيا، وقد ارتكبوا أبشع الجرائم. انظر الصوري: الحروب الصليبيّة، ج1، ص112-134. آلبرت الآيكسى مِن خلال الترجمة العربيّة الكاملة عند قاسم: الحملة الصليبيّة الأولى، ص105-122. عاشور: الحركة الصليبيّة، ج1، ص137. قاسم: الخلفية الأيديولوجيّة للحروب الصليبيّة، ص133-135.
[161]- عمران: تاريخ الحروب الصليبيّة، ص13.
[162]- ابن موسى: نظرة عربيّة على غزوات الإفرنج، ص45-46.
[163]- الربيعي: أثر الشرق الإسلامي في الفكر الأوروبي، ص40-41.
[164]- أمجد الهندي: دور العرب في تقدّم علوم الطب، دار سعاد الصباح، بيروت، ط1، 1998م، ص170-171.
[165]- أبو عبية: الحضارة الإسلاميّة دراسة في تاريخ العلوم الإسلاميّة، بيروت، دار الكتب العلميّة، ط1، 2004م، مج2، ص954، 955. وانظر هاني مبارك وشوقي أبو خليل: دور الحضارة العربيّة الإسلاميّة في النهضة الأوروبيّة، دمشق، دار الفكر، ط1، 1996م، ص54-56.
[166]- انظر زكي النقاش: العلاقات الاجتماعيّة والثقافيّة بين العرب والفرنج خلال الحروب الصليبيّة، ص146- 153. عبد المعين الشوّاف: دمشق بين سقوط الفاطميين وظهور الأيوبيين، ص378.
[167]- قصي الحسين: موسوعة الحضارة العربيّة العصر المملوكي والعثماني، بيروت، دار البحار، 2004م، ص203.
[168]- سعيد عاشور: الحركة الصليبيّة، القاهرة، المكتبة الأنجلومصريّة، ط4، 1997م، ج2، ص999.
[169]- الربيعي: أثر الشرق، ص44، 45.