البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

تدبير العلم والأخلاق (تمثيل سوسيولوجي على الحالة العربية ـ اليهودية)

الباحث :  خليل أحمد خليل
اسم المجلة :  الإستغراب
العدد :  4
السنة :  السنة الثانية - صيف 2016 م / 1437 هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 12 / 2016
عدد زيارات البحث :  1013
تحميل  ( 280.930 KB )
تدبير العلم والأخلاق
تمثيل سوسيولوجي على الحالة العربية ـ اليهودية
خليل أحمد خليل[1][*]
نظرياً يُقال التدبير على سياسة العقل والنفس، وبما أنّ كلّ نظرية تصدرُ عن فرضيّة علميّة، يُقرُّها النَّظرُ أو يدحضها، فإنَّّ علمَ الأخلاق يُحيلنا على تكامل الأضداد ـ كالنوايا والأعمال أو كالعبادات والعادات ـ ويضعُنا وجهاً لوجه ـ كما يقول كاتب هذا المقال ـ بين المُهجة (Habitus) والبهجة (Leus)، وبين سحر المعرفة ومطلب الاعتراف.
في هذه المقالة لعالم الاجتماع اللبناني خليل أحمد خليل مقاربة تنظيرية لمفهوم التدبير تأسيساً على صلة العلم بالأخلاق، تليها إجراءات تطبيقية على مسالك الأخلاق السياسية في التجربة السوسيولوجية الناجمة عن النكبة الفلسطينية والاحتلال اليهودي الفلسطيني.
المحرر
هل يتلازمُ العلم والأخلاق في تدبير الذات والآخر، النحنُ والهُم، الشريعة والطبيعة؟..
مثالياً، نخال أنّ في كل تدبير مخاتلة (Astuce)، كما في «تدبير المتوحّد» عند ابن باجه، وبالعكس، كما في «إسقاط التدبير» عند السكندري ـ وهو ما يُعادل «محو الذات» عند الحلاَّج (الطواسين) أمام سحر الجلالة، مقابلة مطلب الاعتراف بالذات عند نيتشه (هكذا تكلّم زرادشت). نيتشه المسحور ليس بزرادشت فارسي (عرفاني) بل بزرادشت يوناني، يصارع لإنتاج القوَّة، بإرادةٍ بشريّة خارقة ومستقلّة عن ماضي الآلهة البدائية وأساطيرها أو اعتقاداتها، وبين محو الذات وفرضها على الآخر. نستجلي الآن، وهنا في هذه المنطقة الحضارية العربية ـ المسلمة، تجدّد الصراع لأجل الاعتراف، إما بإمبراطورية إسلامية سُنيّة، وإما بأمبراطورية إسلامية شيعية، وكلتاهما مؤجّلتان، وقد تُفضيان إلى امبراطوريتين منشودتين (منذ اجتماع السقيفة حتى أيامنا هذه ـ (صفّين العظمى) أو إلى ما توقّعه متنورون لبنانيون: «السنة والشيعة جدولان من نهر واحد» و «ظلّ السنة والشيعة يتجادلون ويتقاتلون حتى صار خليفتهم المندور السامي الفرنسي» (را. محسن الأمين وعبد الحسين شرف الدين، عند صابرين ميرفان، إصلاحية شيعية). المفيد أن نهر الإسلام، الواحد نظرياً، هو متعدد الضِّفاف سياسياً، أي تاريخياً وجغراسيّاً، وأنَّ الخطر يتعاظم كلّما ابتعد المسلمون عن مصادرهم القرآنية، وألهاهم التكاثر والتناحر على الضفاف، عن مخاطر تصحّر الإسلام، كلّما شحَّت ينابيعه وتناحرت أنهاره وروافده ـ إلاّ إذا أمطرت سماءُ الوحي، وعياً يُميّز التدبير من المخاتلة، ويقرِّبُ العلم السياسي، مثلاً، من الأخلاق، حتى لا تتحول السياسة إلى مخاتلة، هي أمُّ الجرائم المسلكية بحق المسلمين والبشرية كافّةٍ.
لغوياً، كلام تبدّل الواقع تغيّرت مجازات الكلماتِ الدالة عليه، وإن ظلت قائمة على مبانيها اللفظية (را. المنافقون، القرآن)، للمثال نذكر النفاق: المشتق من النَّفق، بمعنى ازدواج الوجه أو الرأس أو الإنسان، والدَّال على المخاتلة المطبّقة في علاقات المسلمين الأخلاقيين بالغربيين «العلمويين» (Scientists)، لا سيما في فلسطين، ثم في كل أخواتها أو نظيراتها. ففي محاق الاستشراق (را. إدوارد سعيد، الاستشراق) الذي كشفه بالإنجليزية هذا الباحث المقدسي الفذّ، ظلّ يتصارع في المدار الحضاري العربي الإسلامي الاستغرابُ والاستعراب، وانشطر الواقعُ بين لغتين وأكثر. (أرا. جولييت تمارماوي: اللسانة الاجتماعية، تعريبنا، بيروت، دار الطليعة Loi sociolinguist ما، وقارن برواية «حيفا ليست قرطبةً، لشوقي قسّيس، بيروت، دار التنوير، الرؤى، 2011)، والحال، بأية لغة سنقارب إشكالية العلم والأخلاق، إذا لم نتّخذ معياراً أنثروبولوجياً للصراع من أجل الاعتراف بالذات وبالآخر كذات؟ هنا سنعتمد «جَفْرَ الذات» أعني «الكود الفلسطيني»، إذ نفترض الآن بعد محنة فلسطين (1918 - 2016) أن المعرفة أو العلم مفتاح القُفْل الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وأنّ الاعتراف المطلوب هو من المسائل الأخلاقية الكبرى التي تمسّ ما نسمّيه فلسطين الجديدة (حيث يتعادل الفلسطينيون واليهود على أرض واحدة، لكنها غير مشتركة). فما جدوى اعتراف «فلسطيني» بدولة محتل «إسرائيلي» يخالُ نفسه ذاتاً بلا آخر، وأكثر من ذلك، يواصل محو الآخر لإثبات الذات؟ لقد قاومت «القنبلة المنوية» (التكاثر الفلسطيني) القنبلة النووية (الهيمنة الصهيونية)، ولم يبقَ أمام الإسرائيلي سوى الاعتراف بالفلسطيني. وهذا التحول يستدعي تحويلاً أخلاقياً في التدبير السياسي للمحتل، وفي العقل العلمي السياسي للأمم المتحدة ومجلس أمنها «النووي»، وإلا فإنّ الطرائق المختلفة ستفضي دائماً إلى «تواطؤ الأضداد»، وتالياً، إلى طغيان التغالب على التسالم بين الأمم ودولها، وخصوصاً شركاتها التي ترمز إلى مصالحها.
نحنُ الآن أمام بوصلة الأخلاق التي تؤشر على الاتجاهات الصحيحة لحلّ مشاكل الاستيطان الاستعماري، المُضاعف حالياً بالاستعمار الاستثماري، فضلاً عن قضايا الاستشراق أو الاستغراب، المركزة منذ 1492 (تاريخ طرد آخر عربي، مسلم ويهودي من غرناطة، وغزو أوروبا للقارة الأميركية) على امتلاك الآخر، من أرضه إلى لغته لكن من دون الاعتراف بالآخر الممحو ذاتياً أو جسدياً، فإنّكار الأصل، كما نفهمه في العلوم الإنسانية، هو كُفر بذات الآخر، كندٍّ أو نظير، وهو المحرك الطبيعي لإحياء الذات كذات، وهو يحدّدها بالممانعة (Resilience) وبالمقاومة (Resistance) من أجل الاعتراف أي البقاء.
بوصلة أخلاقية إسلامية
لا معنى بنظرنا لقيام امبراطورية إسلامية حديثة في عصرنا هذا، بدون تصحيح وضع فلسطين الجديدة، نجمة أو بوصلة كل سياسة علمية/ أخلاقية، تُضيِّق هاوية التمذهب السياسي، وتوسّع أخلاقيات الهويّة الإنسانية للمسلمين وغيرهم. لقد فشل التقريب بين المذاهب، ولكنّ لماذا يُعزى فشلُ الطبيعة البشرية إلى الشريعة الإسلامية؟ على ضفتي الإسلام السياسي المعاصر، قامت الرياض مع مجلس التعاون الخليجي العربي وتوابعهما (القاعدة، داعش، الخ) بتشكيل نواة امبراطورية إسلامية (سنيّة) وقاومت، بل حاربت قيام طهران بثورتها الخفيّة (المتجلية حالياً)، المتشكّلة حول إعلان «الحكومة الإسلامية». فما نشهده منذ 2010، يرمي إلى تجفيف ينابيع الإسلام، وإلى تضليل المسلمين بإراقة دمائهم في صحارى سَحَرةٍ واهمين، بما يشي، مثلاً، بإضاعة بوصلة فلسطين، وعليه، سنرى أنّه ما لم يندحر الاستعمار الاستيطاني في فلسطين، فإنّ العروبة لن تتجدّد في مشروع اتحاد عربي ديموقراطي لا مركزي، وقد تبقى مؤجّلة بل معطّلة، امبراطوريات المسلمين بكل مذاهبهم، إلاّ أن الصراع المتفاقم، منذ 2010 بين الثورة الإسلامية الجليلة (تصدير الثورة يعني يقظة المسلمين على قضيتهم المركزية) والثورات المضادة (العراق، سورية، اليمن..) يؤشر موضوعياً على مولد إمبراطورية إسلامية شيعية، عربية ـ إيرانية (مركزها طهران وقواعدها: بغداد، دمشق، بيروت، صنعاء.. ونجمتها الكبرى فلسطين أي القدس الشريف). في المقابل، وعلى ضفاف أخرى، قد تقدم (خلافات) من خلافة القاعدة في صحارى دولة أو دول «إمبراطورية» (امبريالية)، تأمل الرياض وأنقرة أو سواهما أن تكون عاصمة لها، وإنما ستبقى مسألة الإمبراطورية الإسلامية في أفق هذا الصراع، حتى قيام دولة فلسطين الحرة الجديدة، وحتى تواطؤ الأضداد الإقليميين والدوليين على تسويات حاسمة بين المسلمين أنفسهم (اعتراف سنّي/ شيعي متبادل) وبينهم وبين يهود فلسطين، وخصوصاً تسالمهم مع العالم ـ واعتبار كل تغالب خارج الأخلاق الإسلامية، إرهاباً.
فلسطين ليست «إسرائيل»
هل قلتُ لكم إنّ فلسطين ـ فلسطيني ـ هي روح جميع الأمم، وهي معنى أخلاقيات العلوم والديانات والسياسات، من الاستعراب إلى الاستغراب وبالعكس؟ أقول لكم الآن: إبتكرنا صِفر (Zero) العقلنة الأخلاقية (أو تهذيب الأخلاق) وابتكر غربيون فاصلة (Virgule) الاستعمار بالقوة منذ 1492 حتى اليوم (را. Confsenies، et 1492 و Jocques ATTALI) في مونوغرافيا انثروبولوجية، يروي الدكتور شوقي قسِّيس برواية تسجيلية (حيفا ليست قرطبة) ما نترجمه هنا (فلسطين ليست «إسرائيل») ونقرأ من خلال عمله العلمي هذا دلالات تغريب العرب والمسلمين بين غربتين (Deux esciles)، غربة في الوطن (الاحتلال الداخلي) وغربة في العالم (الاستعمار الخارجي).
لغة فلسطين
على خطى محمود درويش، مُجدِّد لغة الهوية الوطنية (را. شاكر النابلسي، مجنون التراب، بيروت، المؤسسة العربية، 1982) يسعى شوقي قسِّيس إلى توطيد لغة فلسطين الوطن وتعزيز روح (معنى) الهوية الوطنية إنطلاقاً من التواصل بين التراب الوطني وروح الأمة العربية، «في وطن مُترجم حتى النخاع ويسيطر عليه قطعان من الأغراب»، وطن مترجم إلى الإنجليزية، ومع ذلك، ظلَّ عربياً، ثم وطن مترجم إلى العبرية «مع إتمام السطو المسلح على فلسطين» وُلِد شوقي فيس في الرامة (حيفا 1947) على إيقاع «ترومبيك يا شويقي، يمشي الراس الراس ـ في المقدمة ـ لا تتعارضونا ما معناش رصاص».لكنّه على إيقاع مقاومة مستمرّة، بكل أشكال الصبر والتضحية، ربط العلم بالأخلاق، وبالتراث النابض والمحيط العربي / الإسلامي، وأضفى على قوة ذاكرته، قوة الفاكرة أو العاقلة المترفعة عن كل تقلبات المحن في فلسطين ومحيطها الفوّار، والمقاوم القادر على التصدي لعدوانية «دولة إسرائيل» كما حصل في لبنان (1978 ـ 2006).
في فلسطين يُطلق على المذود اسم «طوالة» وعلى أسطوانات الفونوغراف « كوانات». أمّا جفت الزيتون فهو « ما تبقى من حبّ الزيتون بعد عصره واستخراج الزيت منه (حيفا ليست قرطبة، 38): فيما يُقال الجفت في لبنان، مثلاً، على بارودة بفُتحتين. كان «قضاء الحاجة» أو «راحة النفس» يتمُّ في الخلاء، قبل استدخال المرحاض (بيت الخلاء أو التواليت) إلى البيوت الحديثة؛ وكان في كل بيت « عليّة» يسموَّنها «سدَّة».لكنْ نتساءل الآن مع جيل ما بعد شوقي قسيس: هل تكفي لغة الأهل بالأمس لحفظ أرض الوطن في الغد؟ يقولُ قسيس: « أمّا اليوم فقد عزلت شاشاتُ التلفاز الناسّ في بيوتهم وأبعدت بعضَهم عن بعض. وقد فرضت العولمةُ التوجه الماديَّ على أكثر الناس؛ وهو توجه لا يدين إلّا بمبدإ تحصيل المال والثراء الموهوم. كذلك سيطر انتماء مذهبي مريض على البعض، فأصبح الدين ولاؤهم للطائفة وتخلّوا عن حقوق وواجبات الجيرة. وعن الانتماء إلى المكان وإلى العروبة. أصبح الدين هو الهوية، وأصبح الجار أو الزميل يُصَّنف كمسلم أو مسيحي أو كدرزي، لا كإبن بلد وأخ في الجوار وفي العروبة» (حيفا، م.س. 52). في فلسطين، تصارعت لغة العروبة مع لغة الاستغراب البريطاني، المصحوبة بلغة الاستيطان الصهيوني منذ 1948 حتى اليوم. وظلَّت العربية على علاّتها، لغة المقاومة أو الثورة الخفية للشعب الفلسطيني الذي جعل قضيته أرضه ووطنه أغلى من كل تضحية. أكمل شوقي قسِّيس دراسته في دار المعلمين (السمينار الروسي) في الناصرة، وكان والداهُ حاصلين على شهادة الثانوية العامة (الماتريك). أمّا إسحق شلوقيّش اليهودي البلغاري: الساكن في قرية ماييم» بالقرب من حيفا، فكان يتردد على بيت جدّ شوقي للتجسس وأخذ المعلوماتـ.. ولعلَّ كلَّ بلدة في فلسطين كان لها إسحقها» (م.ن. 61)، إلى أنْ تبدّى بعد الاحتلال في ثياب الجنود، بلونها الخاكي (الكاكي[2] Kaki قبل ظهور الجينز الأزرق، وهذا لون السوبرمان، غرباً). «ولكن الخوف من اللون الخاكي ما زال مسيطراً عليك» (م.ن.،58).
أما لماذا «حيفا ليست قرطبة» بلغة قسيس، أو «لماذا فلسطين ليست إسرائيل» بلغتنا، فلأنَّ السياق التاريخي للصراع من أجل الاعتراف، مختلف بين غرب أوروبا وشرق المتوسط؛ وكذلك لأنّ فلسطين هي مفتاح عقد الشرق الأوسط برّمته، طالما أنّ الحروب تدور حواليها، ولكنْ دونها.
قرطبة أو الأندلس ليست حيفا أو فلسطين، لأنّ «حروب الاسترداد» Reconqusto الأسبانية إنتهت سنة 1492 بطرد آخر عربي، مسلم ويهودي، من غرناطة، وبعودة الأندلس بكاملها إلى المملكة الاسبانية التي اندرجت بدورها في مسارات الغزو الأوروبي الغربي الاستيطاني للعالم، وبتنصير منْ بقيَ على الأرض الأندلسية المُستعادة، وحتىبقتل معظمهم، على إيقاعات نهضات أوروبية متفاوتة، وثورات صناعية وعلميَّة متُقاطِرة ومتواصلة، مع حروب أوروبية أمبريالية (أمبراطورية) ذات خلفيَّات رأسمالية ودينية (را. جورج قرم، المسألة الدينية في القرن الواحد والعشرين، تعريبنا، بيروت، دار الفارابي 2009)، ثم حروب عالمية، ساخنة وباردة، حتى إنتحار القّمة في الاتحاد السوفياتي (1991).
أما لماذا « حيفا ليست قرطبة» فلأن فلسطين، التي عرفت « عثمنة الزَّمن» أو التاريخ، على غرار أقطار عربية أخرى، شهدت تحوّلاً منعطفيّاً من « ولاية عثمانية» إلى « مستعمرة بريطانية» وآلَ تطور الصراع على أراضيها التاريخية، إلى جريمة الاعتراف بدولة لليهود الأغراب، وجريمة الإنكار والنّفي للشعب الفلسطيني، العربي بكلِّ أطيافه الدينية. فكانت «إسرائيل» ثاني دولة دينية يُقيمها الانجليز في غرب آسيا، بعد دولة اللاجئون في وطنهم، بتراب فلسطين، فتكاثروا على ضفاف نهر الدم الفلسطيني المتدفق، مقاومة، منذ 1918 و حتى اليوم، وتمسكوا بلغتهم العربية ( رغم التغريب الإنجليزي والعبري) وبأخلاقيات شريعتهم الإسلامية والمسحية وحتى الموسوية، وقرنوها بالتعلّم، واتخاذ العلم الحديث وسيلة لاكتشاف العالم والانتشار فيه، مع ربط فلسطين العربية المحتلة بمحيطها العربي الفوّار والواعد. الحاصل أن الفلسطيني، بهويته العربية وبأخلاقياته التراثية والعلمية، أُكرِه زوراً، في لحظة من انقلاب ميزان القوى لغير صالح العروبة Panarabisme، والجامعة الإسلامية (Panislamisme)، على الاعتراف بدولة «إسرائيل» (اتفاق أوسلو) وهذه لم تعترف بدولته حتى الآن. إلاّ أن الإكراه السياسي المقرون بتواطؤ الأضداد العربية والإقليمية والدولية، لم يُفض إلى تماهي المسلوب الفلسطيني بسالبه «الإسرائيلي»، بل على العكس، أفضى إلى موجات متقطعة من الممانعة و المقاومة أو الانتفاض ضد المحتّل.
عقل الأمم و « الأغراب»
ينطوي عقلُ الأمم على أخلاقيات الشعوب وعلومها؛ وهو بذلك موصول بلعبة الأمم والعروش التي تدور فصولها في المحيط العربي والإسلامي لفلسطين، المنكوبة ثانية بهزيمة 1967 (سقوط غزّة والضفة تحت احتلال إسرائيلي تهويدي) وبغزو إسرائيل سنة 1982 لأراضي لبنان وطردها منها سنة 2000 ومحارتها سنة 2006. لكنَّ فلسطين هذه لن تخسر صراعها مع «الأغراب» ما دام شعبها يُقاومُ وفقاً لمنطق عقل الأمم، وما دامت شعوبُ المنطقة تُقاوم غزوات أغرابٍ زيّنوا العروبة والأسلمة معاً، وعاشوا فساداً وتدميراً في البيئة العربية والإسلامية الممانعة جذرياً لتهديد فلسطين أو صهينتها.
في هذا الأفق المعرفي المفتوح والمتأصّل، يذكرنا شوقي قيّس بمركزية القضية الفلسطينية عربياً وعالمياً، ويشدّد على أن مستقبل السلام في فلسطين ومحيطها سيتحدّد في ضوء الصّراع بين عقل الأمم و «الأغراب». ذاك أن احتلال أغراب لفلسطين، بـ»كبّ» بعض سكانها على حدودها (الأردن، سورية، لبنان) أو قتل أكثرهم بدم بارد، لم يُفضِ إلى غير تثبُّت المقيمين هناك بما بقي عندهم من تراب وتراث وأخلاق، وبما اكتسبوا من علوم حديثة تساعدهم على مقاومة غزو الأغراب، داخل فلسطين ( حيث يتعادل عدد السكان الأصليين حالياً وعدد الإسرائيليين) وفي العالم (حيث يفوق الانتشارُ الفلسطيني عدداً، الانتشار اليهودي): المهّم في الأمر هو أنَّ مَنْ بقي من العرب من أهل الجليل ـ بدروزه ونصاراه ومسليمة ـ ما زال رابضاً على صدورهم كالجدار، وما زال يصنع الأطفالَ، جيلاً ناقماً وراء جيل» (حيفا ليست قرطبة، 76).
الحاصل أنّ تغيير الأسماء لن يغيّر الأشياء: فجيل حيدر (من سرادفات الأسد). هو مثل فلسطين» نسلُ نبيٍّ ونبيّة». وأنَّ هوّية الوطن لا تُصان، كما الحياة، إلاّ بمقاومة دائمة للموت (والاحتلال موت قاتل). وكل مقاومة تبدأ بلغة أهلها، وإن شابتها مفردات غربية، إذ إنّ الاستعمار الثقافي مهما طغى وبغى، لن يُطيح بالاستعمال المحلي أو ما نسمّيه ثقافة الحال العربية (العروس بلبنة – وهي رغيف من خبز الصاج ملفوف كأسطوانة وفي داخله لبنة مع الزيتون – لن تتحوّل إلى سندويش) ولكنه بحكم التطور التثاقفي في عصر الأنسنة والتواصل، يستضيف مفرداتٍ معرّبة إلى لغة الأهل. والتعريب قديم عند العرب، قبل الإسلام (مغربات يونانية، فارسية إلخ)، ومستمر حتى يومنا إلى جانب لغة القرآن وثقافات العرب، المسلمين وغير المسلمين (راديو، فونوغراف، بطارية...) على تفاوتٍ بين اللهجة البداوية واللهجة الفلّاحية (الحضرية)، كما في القطين أو التين المجفّف (الدحروب والشريحة في لبنان: (.. أبجد هوّز. بدّي إتجوّز. بنت مليحة. من ترشيحا، برطل شريحة...»). وماذا يضرّ شوقي، العربي، إذا أُضيفَ الأوتوموبيل (الترومبيل) إلى حصانه؟
في اللغة، الاستعمال يُحيي ويميت الكلمات والعادات؛ ولكنْ في التعليم يكم العلمُ والأخلاف؛ أمّا في السياسة الاستغرابية فإنّّ المحتّلين يخالون أن الاستعمار، وصنوَه الاستثمار، يُحيي الأمم ويميتها. وهذا من وهم قتل الإنسان للإنسان (Hamicide) بكل ألوانه: قتل الأب، الأم، الأخ، الطفل؛ المؤسس لقتل الشعوب، والمُفضي إلى جرائم الإنسانية، ضد المبدإ الإنساني Principe du thrapique حيث يدلّ لفظ (Anthropos) اليوناني على المرأة والرجل معاً ( وهو معنى الإنسان عند العرب). ويُقال في المأثور العربي:» لكل جواد كَبْوة ولكل سيف نَبْوة»، ما جعل جاك ريسلر، الآكاديمي السويسري، يلاحظ في « الحضارة العربية، تعريبنا؛ بيروت، دار عويدات، 200) أن الجواد العربي الذي كبا سنة 1258 مع سقوط بغداد، إنما أطال لَبْوَته، لأن العربَ عموماً، والمسلمين خصوصاً، فقدوا مفهومَ التقدّم أو التطوّر المستقبلي المتجدّد، لصالح سلفيات آبائهم وأجدادهم. والحال، كلّما اقترن التصحُّر العلمي بالتحجّر الثقافي أو الأخلاقي، أفضى التدبير السياسي، في عصر العقل، إلى حكومات «بلا عقل». فهل هذه هي حال بعض الحكّام العرب المعاصرين، منذ اعتمادهم سياسة « لايقلُّ الأعرابَ إلاَ الأعراب»، فَضْلاً عن « الأغراب»؟ إنّ «إسرائيل» وما يواكبها من قواعد عسكرية أجنبية في هذه المنطقة المنكوبة – لا بالنفط – بل برؤوسٍ حكومية «انتحارية» – يؤكّد على ضرورة إعمال العقل العلمي وأخلاقياته، فلا يُعود جوادُ العرب يكبو، ولا سيفهم ينبو.
المكان وتدبير الزمان
تكمن مشكلة العرب المعاصرين ومعظم المسلمين، في كون حكامّهم يقدّمون حلولاً لفظية لأمور واقعية، تحتاج إلى معالجات علمية – تقنية وإلى تدابير أخلاقيّة مناسبة. فامتلاك الكلمات (الأسماء، الشعارات – والشَّعار هو من الشِّعْرِ) لا يغني عن تدبير المكان بعين الزّمان. أمّا عينُ الوهم فقد جعلت العربي أو المسلم يخال أنَّه «قناع عابر» في مكان ليس له – مكان يعزوه إلى آخر أكبر، كما في السحر والاندهاش – فيستعيض عنه بطوبى (V-Topie) أو لإمكان، جنة في آخرة، أو جنّات في غرب. والحال، هل المستعمِر وخصوصاً المستوطن، كما في فلسطين، «رجل لا ينتمي إلى المكان»؟ «خبيبي، روخ من هون.. هاي أرضي ميشاني أنا... روخ على بيتك» (حيفا ليست قرطبة؛157). لكنَّ الاستيطانَ ليس لفظاً يُحُلّ بلفظ مضاد (القذّافي ولعبة «إسراطين»)، بل هو تحدٍ واقعيّ لا يُجابه بغير تدبير الزّمان – كما فعل مؤسس أول أمبراطورية عربية، معاوية ولو على حساب مجال عليّ، ثم الحسين، حين أعلن « نحنَ الزّمان، مَنْ رفعناه ارتفع ومَنْ وضعناه إتضّع...».
إنّ ما حدث في فلسطين (احتلال واقتلاع وإنشاء مستوطنات، قرى ومدن) ليست لفظاً ولا وهماً، وكذلك حال الفلسطينيين هناك وفي العالم، فهؤلاء هم قوّة في كل مكان، وإنّما يحتاجون إلى تدبير زمانهم بما يتلاءم مع خطورة الصراع من أجل البقاء والاعتراف، فالحروب المتمادية في العالمين العربي والإسلامي، إنما تُخاض غربياً، بقوى أمبراطورية، ولا مجال لمواجهتها عربياً أو إسلامياً إلاّ بتوجه إمبراطوري، يتّخذ من أرض فلسطين هدفاً دائماً للتدبير المكزماني، حتى لا تستشري ظاهرة «يبوتسات اليهود» وتتحول إلى «فلسطينات أسيرة» كما تفعل القاعدة (منذ 1981) وأخواتها (تنظيم داعش، النصرة) في غير جبهة أفرو ـ آسيوية. والحال، ما معنى فلسطين الجديدة في قاموس الشعارات العربية والإسلامية، إنّ لم يربط المكان بالزمان، ويربط الإنسان بالصراع من أجل الاعتراف به مواطناً في أرضه (لاحظ، مثلاً، ظاهرة «البدون» في الكويت، وقبلهم «قيد الدّرس» أو «مكتومي النفوس» في لبنان وسواه). بدون اعتراف العرب والمسلمين ببعضهم أولاً، وبمكزمانهم (Espace – Teups) ثانياً، سيظل الفلسطيني يرحل وفي قلبه «غصة المكان» أينما كان، وكذلك هي حال العرب والمسلمين، المهاجرين بل المهجّرين من مكانهم إلى لا مكان، وهم في سحر مستمر، قوامه الاندهاش بانتقال الجثّة إلى جنَّة، وكأن الجنَّة لا مكان لها على أرضهم! وبعد، ما نفع زيتونة يذهبُ زيتُها وزيتونها إلى غير مُدبِرها؟ وما معنى فلسطين الجديدة إنّ لم يتنعّم سكّانها بحوقهم الإنسانية، وسط محيط متجدّد، بعد هذا الدّمار الهائل؟ في فلسطين المحتلة «يتحدّثون مع بعضهم البعض ومع صاحب الدكان لغة لا تفهمها.. كلام رسمي وجاف بلغةٍ أو لغاتٍ لا تفهمها.. في الشارع أيضاً يتكلّم الناسُ لغةً لا تفهمها.. وكُدّتَ تنفجر لأنك تسمع كلاماً لا تفهمه» (م.ن. 182 ـ 183).
باختصار،إنّه شعور الاغتراب العربي: «المكانُ ليس لكَ، والناس لا يتكلّمون لغتك، وهم ليسوا من أهلك، هل هو ما هو لك ينحص فقط في بلدك وفي كروم الزيتون والأماكن التي يصل إليها الحصان؟» (م.ن. 184)، حتى حيفا التي خالها شوقي قسِّيس بخلاف قرطبة، غذّت نار خوفه «وأقنعتك أنّ ما تخافه ويُقلقك كلّما ذهبت إليها ليس وهمياً، بلإنّه شيء حقيقي، فقد تبتلعك تلك المدينةُ يوماً فتبقى طول الحياة في مكانٍ لا تعرف لغته.. لا يفهمك ولا تفهمه.. حيفا ليست لك.. إنها للأغراب.. المدينة هي المكان الذي لا يتكلّم لغتك» (م.ن. 184 ـ 185)، المكان الذي لم تعد نعرفه، والذي لا يعترف بك، فهل فلسطين وطن موقوف للأغراب؟ مؤجَّل، ومضنون به على أهله؟ هي كذلك جزئياً، ولكنها غير ذلك في أماكن أخرى (الناصرة، هذه المدينة ما زالت تحكي لغتك) يقول محمود درويش: «والأرض تورث كاللغة».
فلسطين شُعاع بلا قناع
«إسرائيل» غدّة سرطانية، قناع لأرض فلسطين التي ما انفكَّ زيتونها يشعُّ، رغم مظالم الغرب الأميركي وبعض العرب والمسلمين المتأمركين، فبعد سحب الاعتراف بإسرائيل، وإعلان الاعتراف بفلسطين، دعا الإمامُ الخميني إلى حكومة إسلامية، وأقامها على أنقاض نظام متغرّب، فكان شعارُ «الموت لأميركا.. الموتُ لإسرائيل» محددا لتوجّهات الثورة الإسلامية الخفيّة، في إيران ومحيطها العربي والإسلامي، الشيعي/ السنّي بلا تمييز، ففي روح الأمة، لا يستوي عرشُ الطاووس وعرش الله، ولا تستوي أرض فلسطين، وشعاعها القدس، وخريطة إسرائيل وقناعها أميركا، وفي فلسطين أراد شوقي قسّيس وأبناء جيله أن يعرفوا ماذا تعني كلمة إسرائيل ومَن هم الرجال الأربعة الذين يقنّعون خريطتها المعلّقة في غرفة مدير المدرسة: «عرفت خلالها أنّ «العريس» هو هرتسل» وأنّ الثلاثة الآخرين هم «بن غوريون» و «بن تسفي» و «حاييم وايزمن» (قرطبة ليست حيفا، 193)، وعرف أيضاً أن زيتون الرامة / فلسطين هو شعاع أرضها وأهلها، وأن «زيتون إسرائيلب» قناعٌ على وجه «المعلمة الحمارة»، ثم تساءل: «إن كانت إسرائيل دولة فهل فلسطين أيضاً دولة؟»، لقد انتمى شوقي قسّيس إلى نخبة ملتزمة بأخلاقية ثورية، وذات أهداف سياسية كبرى، عربية وإنسانية، علمية وعلمانية (دنيوية، بمعنى العلمانية البريطانية (British Secularism) لا بمعنى اللايكية اللاتينية، حيث _Latic) يُقال على نقيض الإكليروس (Clerge) و (Clersc) أي المتعلّم الديني ـ كما في خوجة أو خواجة، عندنا: الخواجة الشيخ نصير الدين الطوسي، مثلاً).
وبعد، اكتشف الفلسطيني المقيم «هناك» أنّ المكان وطنه، وأن «من خاف من شيء تسلط عليه ولو كان سنّوراً» فظاهرة الخوف «حالة مرضية تمنع من يقع ضجتها من أن يقول أو يفعل ما يُمليه عليه واجبه أو الموقف، لا لسبب إلاّ لخوفه من الخصم، هذا الخوف هو الذي دفع بالمعلمة إلى تغيير كلمة فلسطين في تلك الأنشودة لتصبح «إسرائيل» وذلك لأنها تخاف أن تُتّهم بعدم اعترافها بدولة اليهود» (م.ن. 198) ويُعزى الخوف من فرعون أو قيصر، إلى غياب من يتصدَّى له: «اعلم أنَّ قيصر لا يستطيع أن يكون ذئباً لو لم ير الرومان حوله كالنعاج، ولا يمكنه أن يكون أسداً لو لم يكنْ الرومانُ فريسة».
وخلص كاشيوس في مسرحية «يوليوس قيصر» لشكسبير، إلى تفضيل الموت على الحياة في خوف من شيء هو مثلي أنا (199)، وهنا معنى للمأثور الإسلامي الشيعي «هيهات منّا الذلّة! السلَّة ولا الذلّة» أي سلّ السيوف ولا الإذعان، الخوف هو أكبر وأخطر عدو للإنسان؟ و»مقدرة خصمك على إيذائك تتناسبُ تناسباً طردياً مع درجة خوفك منه».
(200)، الحاصلُ المفيدُ هو أنّ على الفلسطيني أن يواجه «الإسرائيلي» لا أن يهرب منه.
فالهربُ، كمؤشر على الخوف، هزيمة و «الهريبة» ليست أصلاً من «المراجل» أو البطولات (را. فؤاد اسحق الخوري، إمامة الشهيد : قيادة البطل).
حرية لا أبارتهايد
عندما تولد في أرض ظلال وأنوار، وتراودك أسماءٌ وأقنعة، لا خيار لك في أن تكون شعاعاً يخترقُ قناعاً ولو من «وصواص» قناع إسرائيلي، إذ لا بد للشعاع من البحث، بنور العلم والأخلاق، عن نور العالم أو نور الله، وُلد شوقي قسِّيس سنة 1947 (كما ذكرنا) في ظلّ حكومة فلسطين،لكنّه عندما حصل وزوجته نادرة منا على الجنسية الأميركية وجواز السفر الأميركي سنة 1991، كتبوا «مكان الولادة «إسرائيل» بدلاً من فلسطين، ما يشي بتغليب القناع على الشاعاع، وبلا خوف، أعاد للأميركيين جوازهم، مع رسالة قال فيها: «أنتم تكذبون عن عمد لأهداف سياسية قذرة، ولا أرغب في أن أكون شريكاً لكم في كذبكم، إنّ لم تضعوا المعلومة الصحيحة في الجواز حسب شهادة الميلاد فخذوا جوازكم (وادهشوه) فأنا لا أريد9» (203) فكان له ما أراد، وكان له كلام آخر مع الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، حين زاره في مكتبه المزين بصورة لجمال عبد الناصر: «من قال لك، سيدي الرئيس، إنني أريد سلاماً مع اليهود؟ لا أحمد يمكنه أن يتصالح مع الأبارتهايد والاحتلال والاستيطان، في الواقع، مقاومة الاحتلال والسعي إلى تقويض كل أنواع الأبارتهايد هو واجب كل إنسان، ولأنني من ضحايا دولة اليهود كقوة احتلالية، فإنّ هدفي هو الحرية والعيش بكرامة، أمّا السلام مع إسرائيل فهو ليس ـ ولن يكون ـ هدفاً من أهدافي» (206) بعد سنوات، ظهر كتاب كارتر، فلسطين: حرية لا أبارتهايد، فأثار غضب الصهاينة الأميركيين والإسرائيليين على حد سواء،لكنّه أكد على أنّه كل ممانعة أو مقاومة تبدأ بكسر جدار الخوف الخفي:
(حب السلام إذا تجاوز حدّه أفضى إلى موتٍ بغير سلام.
الشاعر اللبناني، رشيد سليم الخوري، مذكور في «حيفا ليست قرطبة» 209.
الحاضر لا يغيب
في مهب النفط واحتلال فلسطين، صارت القيمة «عملة قديمة» و «هناك» حلّ الشاقل محل الليرة الفلسطينية، وصار الحضور والغياب على قياس العملة (إذ لم يعد إنسان بروتاغوراس مقياساً لكل شيء): «يا حاضر بغياب العملة.. حضورك غايب مثل غيابك.. معك ليرة بتسوى ليرة.. القيمة عملة قديمة.. مش من هون الإنسانية (الأخلاق والعلم) ولا لها بالدنيا مطرح.. الحق مش ع التمثيلية.. الحق عالناس العالمسرح» (أسعد سابا، طانيوس شاهين، مذكور عند خليل، الشعر الشعبي اللبناني، بيروت الطليعة، 1975).
مع الاحتلال، وهو نفي للإنسان من أرضه، ظهر «قانون الحاضر الغايب» فصودرت الأرضُ وصلب العربي الفلسطيني على تراب وطنه، لكنّ نهر الدم الفلسطيني أثبت مع أيام المقاومة أن الحاضر لا يغيب، حتى وإنْ غُيِّب بقوة السلاح والمال.
في «دولة اليهود» طُبِّق قانون الحاضر غايب لمصادرة «الأموال المتروكة»، وصارت فلسطين شكوى في مجلس أمن أو دعوى أمام قضاء إسرائيلي، وصار الفلسطيني المهجّر بقوة السلاح متّهماً بترك أرضه، ومحكوماً على حضوره بالغياب: «اكتشفت حكومة الاحتلال أن والدك كان في لبنان أثناء الحرب عام 1948، فحاولت الاستيلاء على حصته من أملاك جدك.. وذلك لأن والدك مُصنّف في عرفهم كحاضر غائب، هو موجود، لكن قانونهم لا يعترف بوجوده بل يعتبره غائباً، وأملاكه حلال عليهم» (حيفا ليست قرطبة، 217)، الحاصل أن والد شوقي قسّيس ربح دعوى حضوره على أرضه، وأن أصحاب البلاد تحوّلوا بين عشية وضحاها إلى «أولية تعيش في ظل دولة هاجرت إليكم من ظلمات الغرب» (م.ن. 219).
وفي فضاء الحضور الفلسطيني، المُغيَّب إسرائيلياً وأميركياً، تأكد أن العلم بلا أخلاق ينسفلُ سياسياً، وأن قنابل الاحتلال صاغها «عبقري سافل» وأن المقاومة هي السبيل إلى جعل الشعارات تدبيراً، وليس شعراً فقط: «لا تشريد ولا تهويد.. عن أرضنا ما منحيد. لا سالب ولا مسلوب.. سلمنا سلم الشعوب» (228)، في المقابل، دأبت مفتشة المعارف اليهودية العراقية (العربية) على الادعاء «ماكو فلسطين عيني، أكو إسرائيل.. هاظا الجبل يسمونه جبل الأربيه (الأسد)، مو جبل حيدر)، ردّ عليها مدير المدرسة :» يا سيدتي! تزييف الحقائق هي مهنتكم»، كان ذلك يوم تلاشي ظلّ عبد الناصر الأخضر عن مصر والعالم العربي، يوم 28/9/1970.
المهجر ليس وطناً
المهجر منفى أو غربة ليس وطناً، حتى مع لذة نصوص تذكارية، لا تشكّل بديلاً من التلذّذ بنكهة الوطن العطرة، فالمهاجر الفلسطيني، صنو المهجّر بالقوة، لا يشفى من الأمل بالعودة إلى وطنه، مشفوعاً من بعيد بقوّة الذاكرة، ومن قريب بقوّة مقاومات الشعب الفلسطيني المقيم، سجيناً في وطنه، وأما إحراج السجين الفلسطيني «المهجر أو الوطن» فصار يُترجم إلى إحراج المقاوم «الفرار أو الردّى»، «الشهادة أو النصر» الخ ومن بعيد/ قريب أدرك الفلسطيني أن إسرائيل اسم لاحتلال كولونيالي بغيض.. وأن التطهير العرقي جريمة حرب.. وأن الوطن ـ جغرافية وتاريخاً ـ اسمه فلسطين،لكنّه أدرك أيضاً أن وطنه مصادر، إذ صدر الحكم عليه بأنّ يرطن بالأيديش والعبرية.. قد حشوا رأسه في قُبّعة أوروبية.. قد تُرجم حتى النخاع» 247 حتى إنّ الكلمات العربية شُوِّهت «هناك» لتصبح عبرية.
وهذا ما جعل شوقي قسِّيس وجيله يدرك أن الصراع في فلسطين قومي، غرب ضد شرق.. يهود أوروبيون ضد عرب شرق أوسطيين، وليس صراعاً طبقياً كما ادّعى شيوعيون (272)، كما يدرك «أن الإنسان المتدين والمحافظ على الشعائر الدينية ليس بالضرورة متعصّباً أو طائفياً» (286).
أما جامعة تل أبيب فكان الطلاب العرب يسمّونها «جامعة الشيخ موّنس» طالما أن حرمها الجامعي أقيم على أنقاض تلك القرية الفلسطينية، وأما الاغتراب الفلسطيني المؤقت، فيبدو أنّه قد صار اغتراباً مزدوجاً، في الوطن وفي المهجر: «يُفرّقنا العالمُ اليعربي ويجمعنا العالمُ الأجنبي» المشكلة أننا: نبقى أجانب في العالمين» (302)، قبل 1400 سنة، كانت فلسطين جزءاً من امبراطورية معاوية، التي يُخال أنّها مهد القومية العربية، والآن، يرى شوقي قسِّيس أنّه نشأ في وطن ترجمه «علوج أوروبا» حتى النخاع، وأحاطوه بأسلاك مكهربة» فلا تواصل مع عمقكم الحضاري إلاّ من خلال المذياع ـ قبل أن تأتي الشاشات الفضية اللعينة» (308). رغم هجرته إلى أميركا ظلّ شوقي قسِّيس مسحوراً بالمدن العربية «التي تسكن فيك وتستولي على كل خلية في جسمك» (310) ولكنه يتوجّع على شوك الوطن كالحساسين: «نحن نبكي الوطن الذي سرقوه منا، ثم نبني لهم فيه مستوطنات..» (328)، «تكاد تجزم مما رأيتَ أن عدد المستوطنين من الكلاب في المستوطنتين (كمون، مخمونيم) يفوق عدد الآدميين» (338).
في الوطن، كما في المهجر، لا بهجة بلا مُهجة، والحال، ما لذّة محو الذات؟ شوقي قسِّيس يتكلم بوضوح تام عن عملية هدم ذاتي، عملية تنكّر للذات العربية والفلسطينية، عملية تنكّر للوطن، عملية تخل شبه كامل عن اللغة، عملية تخلّ كامل عن العادات والتقاليد والتراث التي تميّز الأمم من بعضها (341)، عملية التنكّر للذات والتخلي عن الجذور:
ـ اختفاء اللباس العربي التقليدي،
ـ اختفاء الطرابيش الحمراء الخ.
لكن اختفاء المكان الفلسطيني هو الأخطر، لأنّه يفضي إلى انتفاضة ضد الذات، إذا لم تنجح الثورة الفلسطينية في كسر الإرهاب الأوروبي، الذي يعني أساساً «إخفاء الفلسطيني» وتجريده من أرضه واسمه وكسمه ومأكله ولباسه.. ومع هذا الإخفاء العام لفلسطين «سيطر منطقُ السوق واختفت النكهة» وزيادة في النكاية «انتفض الأميركيون مؤخّراً على خضار وفواكه البلاستيك المسممة» (350)، وحتى السماء عقّموها بطائرات حربية حاقدة فلم نعد تشاهد أي طير من أي نوع يحلق في السماء أو يحطّ على أحد السطوح: «ولا تجد مفرا من أن تربط بين خلو الجو من الطيور وبين ظاهرة العنف المتفشية في المنطقة بأسرها، مع ما يتبعها من عدم احتمال الآخر وتشنج واقتتال لأتفه الأسباب.. أنت لا تلوم الأهل لأن نفايات الغرب المسممة قد سُكِبَتْ على رؤوسهم..) (357).
قولبة الشعوب
يشي هذا الأنموذج الفلسطيني عن تدبير العلم والأخلاق، من خلال علاقات الشرق بالغرب، بنزهة الصراع الأمبراطوري الموهوم، سواء بين العرب أنفسهم أو بين المسلمين (سنة وشيعة). الذي يحدث هو أن التكنولوجيا الغربية «الساقطة» تسعى إلى فرض هيمنة النمط الرأسمالي " الذي يعمل على تسطيح الأفكار وفرض الأنموذج الأوحد للعولمة الساعية إلى قولبة الشعوب والقضاء على كينونتها وتفرّدها" (358). وإذا كان لا غضاضة في اقتناء أحدث ما أنتجته تكنولوجيا العصر (أحدث أنواع الهواتف، مثلاً)، فإنَّّ تدبير العلم لا معنى له وبلا تدبير الأخلاق (تدبير الأبدان بالأديان)، وتالياً ينتظر الفلسطينيون، ومعهم العرب والمسلمون، أن يأتيهم من الغرب نسمةٌ تُسّر القلب. وإلاّ فإنّ المصاب الفلسطيني سيتعاظم، بعد ما صار غريباً. ولقد يوّلد لدى عرب ومسلمين ما يُسمى "كراهية الوطن"، إنطلاقاً من " كره الذات" أو "فوبيا المحو": هذا الوضع الثقافي المتدّني والعدمية القومية وعدم الانتماء إلى المكان والتخلي عن الجذور موجود، وبدرجات متفاوتة، عند الجيل الجديد وعند آباء وأمّهات هؤلاء الشّبان والفتيات على حدٍ سواء" (370- 371).
الأمل
ويبقى الأمل. فالوطن، كالمعرفة والحرية، كالسلطة، يؤخذ ولا يُعطى، يكتسب بالعلم، لا بالوهم. وما دمنا عاجزين عن إتقان لغتنا فسنبقى مختلفين عن الحداثة أيضاً...(ذلك أن أي محاولة للالتحاق بركب التكنولوجيا والحداثة من دون اللغة، تُبقينا على هامش هذه التكنولوجيا كمجتمع استهلاكي فقط (373). أصبح الدين (الطائفة والمذهب) هو الهوية، بعد جفاف الانتماء إلى المكان والقوم. فهل بقي للعلماني العربي أو المسلم معنى؟ نعم، إذا رأيتَ في الآخر الديني، ابن بلد، صديقاً، وأنه هو أنتَ، وأنتَ هو (382). وبعد، يتساءل شوقي قيّس: " هل علينا أن نقترب كي نقترب من الوطن؟" (389). ففي الوطن، أقلية واعية ومنتمية إلى المكان، ولم تتخل عن ذاتها وجذورها. وأما الإحباط فهو عابر، قناع مؤقت، لا بدّ لشعاع التدبير العلمي / الأخلاقي من اختراقه، ومن إنتاج الأمل بحلول لآفات المجتمع، وإعادة تشكيل السلطة، بعد احتراق الغابات ونمو البذور الجديدة، كما حدث في تحرير جنوب لبنان " هذا المجتمع الصغير، المتكامل والمتجانس والمتآخي مذهبيّاً وسياسياً، هذا المجتمع لن تقدر قوّة الدّمار الإسرائيلية ومَنْ يساندها من الأنظمة العربية المعادية على كسره" (حيفا ليست قرطبة، 412) – أمّا لماذا تغطّ هذه الشعوب من المحيط إلى الخليج في نوم عميق، ولا تفعل شيئاً لتملك زمام أمرها؟ وذلك لأنّه " حصل وضع تحالفتْ في الأنظمةُ العربية القمعية والعنفية مع أكبر قوتين عسكريتين في المنطقة، أميركا وإسرائيل" (415). وهكذا لا أمل باسترداد فلسطين ومحيطها، بدون مقاومة صارمة لهاتين القوتين، والانتصار عليهما، ولو برمزية " موتهما". في فلسطين التاريخية يشكّل اليهود حالياً أقلّ من نصف السكان، "غرباً" في الشرق إلى الأبد، ولا يمكنها أن تبقى دولةً لليهود فقط على أرض غالبية سكانها من العرب، ناهيك بمحيطها العربي والإسلامي الفوّار، على حرائق وحروب تديرها شركات أميركا والغرب، لعلّها تقضي يوماً إلى مولد اتّحاد عربي أو إسلامي جديد، ميزانه العلمُ والأخلاق.
[1]*ـ عالم اجتماع لبناني. وبروفسور سابق في الجامعة اللبنانية.
[2] - يقال الكاكي، في جبل لبنان على الخرما.