البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

تقلب القيم؟.. (الأخلاق واحدة لا تتجزأ)

الباحث :  جان جوزف غو - Jean – Joseph Goux
اسم المجلة :  الإستغراب
العدد :  4
السنة :  السنة الثانية - صيف 2016 م / 1437 هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 13 / 2016
عدد زيارات البحث :  933
تحميل  ( 302.954 KB )
تقلّب القيم؟..
الأخلاق واحدةٌ لا تتجزّأ
جان جوزف غو Jean – Joseph Goux[*] [1]
إذا كنا نتساءل اليوم عن قيم مستقبلية، فهذا يعني أننا عزفنا عن الارتكاز على مسلّمات ثابتة، وعلى معتقدات راسخة، وعلى قوانين الجمال والحق والخير المطلقة المحفورة بحروف لا تُمحى. إنّ هذا التشكيك ـ الذي يُعتبر في الوقت نفسه مسؤولية ضخمة، هو حديث العهد في تاريخ الحضارات. كان فولتير يقول: «لا توجد إلاّ أخلاق واحدة، كما لا يوجد إلاّ علم هندسي واحد»، ولا نظن بأنّ كانط كان ليعارض هذه الفكرة.
القيم في موضع الاتهام
إذا كان عصر التنوير الذي لا نزال ندين له بأفضل ما لدينا، عصرَ إعادة النظر والاعتراضات والثورات، فإنّه لم يكن عصر العدميات. ذاك أنّه من وراء المظالم والقوانين السيئة والعلوم اللاهوتية التي حُوِّلت عن مجراها وأفسدت، كان فلاسفة أمثال فولتير وروسّو (Rousseau) يلمحون أيضاً شمولية مستترة. فوراء الانحرافات الطارئة التي كانت تقوم بها المجتمعات السيئة، كان يوجد كما يظنون، قانوناً كونياً وطبيعاً يرعى شؤون البشرية بأكملها منذ الأزل وإلى الأبد، وما علينا إلاّ استعادته من جديد سليماً مشرقاً كما كان على الدوام، وتخليصه من انحرافات الطغيان والجهالة التي تشوّه صورته.
لذا فإنّ المطالبة بهذا القانون الطبيعي – وهو غير مكتوب في أي مكان بل محفور في طبيعة الإنسان الثابتة، متخطيّاً بذلك العقائد الاعتباطية والخادعة ـ هي التي يصعب علينا تكرارها، أو لا نريد تكرارها. من هذه الناحية، وبالرغم من القيم التي ننادي بها والتي نسمّيها «كليّة» (الحرية، المساواة، حقوق الإنسان الخ.)، فإنّ الرابط الذي يشدّنا إلى محرّكي التحرر في عصر التنوير قد انقطع. لقد انقطع هذا الرابط لأن هاجس إزالة الأوهام سيطر على تفكيرنا، ولأن التشكيك الدائم أفقدنا اليقين والحماس، بقدر ما أكسبنا الوضوح، بل الارتياب. إنّ كبار العاملين على إزالة الأوهام يقولون لناإنّه لا يوجد في السماء ولا في قلوب البشر قوانين ثابتة متشابهة لدى كل الناس صالحة في كل زمام ومكان. وما نعتبره أعمالاً مطلقة ومتسامية مصدرها السماء أو الطبيعة، ليست سوى وجهات نظر للإنسان، وتفضيلات نسبية، واختيارات ذاتية لا تعبّر إلاّ عن منظور إنساني جداً، وليس سوى الوهم الميتافيزيقي وحده ما يجعلنا نعتبرها قيماً مطلقة.
أن التفسير المقلل من شأن القيم يدّعي كشف الآليات الغامضة التي أوصلت إلى إرساء هذه القيم. أليس الخير والشر وسائر المُلزمات الأخلاقية الكبرى قناعاً مثالياً تتستّر خلفه بكل وقار غرائز التملك والسيطرة الأكثر حقارة، والأكثر مادية؟ ألا يشكّل دافع المصلحة الفردية أو الجماعية المصدر الخفي لأعمالنا؟ أليست إرادة القوة السياسية أو الاقتصادية لهذه الطبقة أو تلك، أو لهذه الأمة هي الأساس الخفي لإرساء القيم التي تقدّم نفسها، وعن الخطأ، على أنّها كونية لكي تبسط سلطانها بشكل أفضل؟إنّه شك مقلق ينخر ما كان يُظن أنّه مطلق ومقدّس، وقد شكّل هاجساً لمفكري القرن التاسع عشر الأكثر رفضاً للتقاليد والأكثر وضوحاً في الرأي.
منذ ذلك الحين أصبح مفهوم «القيمة» حاضراً في كل مكان. وقام سعي لوضع القيم في موضع الاتهام، وللقيام بانقلابات وتحوّلات، وبالأخص لخلق قيم جديدة بعد أن تم الإقرار بذاتية الإنسان البروميثيوسية [2]، يضاف إليها طاقة اعُتبرت حتى هذا التاريخ متصلة فقط بالله الكليّ القدرة: الخلق من عدم. فالإنسان، أو الفرد هو خالق وحر، يتّكئ على العدم ليجزم في ما هو خير وما هو شر، مع كل ما يحتمل ذلك من مخاطر وشكوك، وفي غياب أي قياس مُطلق. إنها حريّة غير مشروطة لا تفترض أي ارتباط بالطبيعة، ولا بالتاريخ، ولا بالسماء في أي منحى تجاوزي. إنها حرية باعثة للقلق لدى الشخص المقتلع من جذوره، ولدى الفرد المقيم في عزلته.
إضفاء البعد الجمالي على القيم Estétisation
حين كان سارتر (Sarter) ممثّل الوجودية المُلحدة يُلام على أن مفهومه للحرية المنبثقة من العدم من أجل خلق قيم دون أساس طبيعي أو تجاوزي يمكن أن يوقعنا في خطر المجانيّة، كان يلجأ في إجابته إلى تجربة الرسم عند بيكاسّو (Picasso): حين يمارس بيكاسّو الرسم، فإنّه لا يخضع لأية قاعدة مسبقة، ولا لأية فكرة ثابتة عن الجمال، ولا لأي مثال دائم عن فن الرسم، ومع ذلك “حين نتكلم على لوحة لبيكاسو، لا نقول أبداً أنّها مجانية”.إنّه لا يرسم كيفما كان وأي شيء كان، بل هو متشدّد. ما من شك في أنّه يبتدع مقاييس خاصة به،لكنّه يلتزم بها هو نفسه، إلى أن يحصل على نتيجة ترضيه بالكامل فهو صانع قيم[3].
إنه أمر ذو مغزى أن يلجأ سارتر في اعتراضه على المجّانية إلى إعطاء مثال الفنان، وبالتحديد ذاك الذي يُعتبر رائد الرسم التكعيبي. هكذا أصبح الفنان النموذج الأرفع للعمل الإنساني، وبالتحديد أيضاً الفنان الطليعي، ذاك الذي يكسر القواعد القائمة للفن من أجل أن يُبدع بلا قيد، حتى لو أدّى ذلك إلى تشويه الواقع المرئي، وإلى الخضوع للمتطلبات الذاتية مهما كانت غير متوقعة. إننا نشهد منذ نيتشه ما يمكن أن نسمّيه إضفاء بُعد جمالي على الأخلاق. من جهته يتكلم فوكو على الحياة كعمل فني، فيما يراها دولوز ابتداعاً للقيم. فأبعد من المعرفة والمقدرة، لا بد إذن من عملية فنية، إرادة فنية تمنع أية محاولة عقلانية ومعيارية من أن تجمّد المفاهيم الكبرى التفسيرية أو أن تثبّت القيم.
إن إضفاء البعد الجمالي على القيم مدعاة للربية خاصة أن الفن المعاصر، إنّ لم يفتقر إلى الابتكارات والتحديات البسيطة، يجتاز على ما يبدو أزمة اعتراف به وتبرير، ومرحلة ضيق شديد تُرجعنا بدروها إلى خطر المجّانية. أن المفارقة تكمن في أن النظر إلى الفن كمرجعية حاضر في كل مكان، في الوقت الذي لا يجد الفن نفسه أي مبدأ مقرّر سلفاً لكي يبني عليه غائيته، وهو يمتحن بسخرية في أغلب الأحيان تفاهته أو ارتباكه. لم يعد هناك بالفعل مقاييس جمالية ثابتة للوقوف بوجهها بحدة، ولقد مر ما يقارب القرن على الزمن الذي شوّه فيه بيكاسّو وجه «الباكية»[4]، وعرض فيه مرسال دوشان (Marcel Duchamp) «المبولة العامة»، أو كتب فيه تريستان تزارا ( Tristan tzara) قصيدة جمع أبياتها كيفما شاءت الصدفة من قبعة مملوءة بالكلمات. منذ ذلك الحين لم تتوقف محاولات التهديم المدهشة ـ ولنا اليوم مثال على ذلك في أقزام ستارك[5]، في مجال التصميم.
اعتماد نظام البورصة في القيم
هذه الخشية من المجانية أو العبثية لها منفعة أخرى، أُطلقُ عليها اسم «نظام البورصة في القيم»، وهو أمر لا يتناقض بكل حال مع إعطاء جمالية للقيم سبق أن تكلّمتُ عليه. أن القيم الاقتصادية ليست من نمط القيم الجمالية والأخلاقية أو الروحية ذاته، ولكن كلمة قيمة اكتسبت معناها الدقيق أولاً في إطار النشاط الاقتصادي، ومن المؤكد أن التوجّه الذي يسعى لتحويل القيمة إلى أمر ذاتي ومتغيّر، أي ما ليس بمطلق وثابت، انطلق من عالم الاقتصاد والمال.
كان رجال الاقتصاد الكلاسيكيون يعتقدون منذ آدم سميث (Adam Smith) أن العمل والجهد اللازم لإنتاجهم يمكن أن يحدّد مقياساً كونياً لقيمة السلع التي يتبادلونها في السوق. وكانوا يعتقدون أنهم يمتلكون، بالقياس على وقت العمل اللازم للإنتاج، نوعاً من القانون الكليّ يضبط بشكل دقيق تقريباً تبادل السلع. إلاّ أنّه بدءاً من عام 1870 أدّى احتساب السعر الفعلي والقابل للمراجعة ـ كما هي الحال في سوق متقلّبة ومؤقتة، تخضع للعبة العرض والطلب غير الثابتة وغير المتوقعة ـ إلى مفهوم آخر للقيمة. ولم يعد الجهد هو الذي يحدّد القيمة، وإنما الاندفاع الذاتي الناجم عن الحاجة أو عن الرغبة في هذه السلعة أو تلك وفي وقت معيّن.
ويقول لنا الاقتصاديون الكلاسيكيون الجدد فيما يخص تحديد قيمة السلع، أن رغبة المستهلك ومتعته هي التي تؤخذ في الحسبان، وليس وجهة نظر المنتج؛ إنها وجهة نظر الانشراح في الاستهلاك، وليس وجهة نظر الجهد في التصنيع. إنّ السوق في صيغتها البديهية، أي صيغة التنافس الكلّية التي يتذرّع بها الاقتصاديون الكلاسيكيون الجدد، تشبه بشكل أساسي مزاداً علنياً أو حركة البورصة، حيث يكون تحديد السعر الآني وليد عوامل مختلفة (رغبة ذاتية، حماس آني، رهان احتمالي)، من خلال لعبة العرض والطلب، دون أن تكون هناك قاعدة ثابتة أو قانون كلّي ودائم يمكننا من خلاله تفسير تحديد السعر الذي يتوافق عليه فريقا التبادل. أن النزوة الأكثر جنوناً يمكن أن تكون عاملاً يوازي التفكير الأكثر تركيزاً. هكذا تحل محلّ تثبيت القيمة الذي كان يُظن أنّه موضوعي وبعيد عن الذاتية، على الأقل في اتجاهاتها ـ، قيمة شخصية، ولكنها في كل الأحوال عابرة ومؤقتة، ولا تستجيب على ما يبدو لأي قانون منظِّم يتجاوز عمليات السوق إلى ما هو أبعد من الموازنة الدائمة بين العرض والطلب. لم يعد يُنظر إلى القيمة من منظار المعيار الثابت، وإنما من خلال الحدث الآني. أن التحول القائم على إرضاء الرغبات، وعلى الذاتية أخذ بعين الاعتبار في النظرية الاقتصادية، ومن حينها إلى اليوم لم يتوقّف عن السيطرة على تلك النظرية.
لقد تنبّه بول فاليري، وهو القارئ المتيقّظ لوالراس[6] مؤسس الاقتصاد الكلاسيكي الجديد في فرنسا، إلى هذا المنعطف، واستشف بعده الفلسفي. ففي نصّ يعود إلى نهاية الثلاثينات، - أي خلال عقد من الزمن دُمغ بأزمة من أشد أزمات القيم المالية هولاً التي عرفها الغرب، وباختلال عميق في القيم الأخلاقية والسياسية ـ، يستعير فاليري نموذج تحديد قيمة السلع في البورصة ليحلّل كافة النشاطات الإنسانية. ففي المجال الأخلاقي والجمالي، كما في المجال الاقتصادي، لا يوجد معيار مطلق لقياس القيم بشكل ثابت. أن المجتمع بإنتاجاته المادية والروحية هو سوق كبير يتقلّب فيه كل شيء تبعاً لمبادئ البورصة، فترتفع قيمة السلع وتنخفض في وقت قصير. ويتابع فاليري ساخراً: «هناك سلعة اسمها «الفكر» كما توجد سلعة اسمها النفط أو القمح أو الذهب»، وهي للأسف لا تتوقف عن الهبوط[7]. ما هو احتمالي وذاتي وعابر، يحلّ مكان أية فكرة مبنية على الثبات والتجاوز والديمومة. إنّ منطق الموضة الذي كان يأتي في إطار الاعتباطية ويتعزّز بإجماع أو بتجاوز عابر لم يكن يشمل سوى مظاهر ثانوية من الوجود، وهو يجتاح اليوم كل شيء.
ومنذ الثمانينات، واليوم أكثر من أي وقت مضى، أصبح حدس فاليري واضحاً أكثر. وخير ما يميّز هذه الوضعية هو عدم قابلية العملة للتحويل. منذ زمن بعيد لم تعد العملة خاضعة للوزن: أننا نكتبها، ونحوّلها كمعلومة وكإشارة، فتسلك عبر الشبكات الإلكترونية العالمية مروراً بمصارف أصبحت صناديقها خاوية. كان هناك في الماضي عالم يُنظر فيه إلى العملة كسلعة، وإلى العمل كقيمة، حيث كان الذهب ينتقل بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ بعدها أتى عصر انتقال الرموز التي كانت تكتسب قيمتها بقدر ما تمثّل من ذهب؛إنّه اليوم رمز العملة غير القابلة للتحويل، الرمز المتنقّل والذي لا يكتسب قيمته إلاّ من الاعتماد الذي يلاقيه، ومن شبه الاجماع ـ الذي يُمارس أو لا يمارس ـ على طلبه. يبدو أن كل القيم، وليس فقط القيم الاقتصادية، قد اجتيحت بنوع من النسبية والنسبوّية، وهي خاضعة لظواهر التضخم والارتفاع والهبوط المفاجئ والانخفاض.
إنّ هذا النظام القائم على الرمز غير القابل للتحويل، - والذي هو في تفتيش دائم عن واقع مُرجأ باستمرار، وعن قيمة في السوق المالية مرتبطة بالتقلبات غير المتوقعة -، هو الذي ينحو إلى اجتياح ثقافتنا، أو على الأقل إلى أن يكون العنصر الأبرز والأكثر ظهوراً. إنّ ما نراه بالذات، وكذلك المعلومة التي تصلنا، يخضعان للمنطق نفسه، الذي هو منطق كرة الثلج، ومنطق التضخم الذي يمكنه أن يجعل الواقع يفقد معناه. هناك تماسك بين الطفرات الإعلامية والطفرات المالية. فمن خلال مؤشرات عالمية متعددة، سريعة التغيّر، تتقرّر المراهنات في السوق المالية، بما لها من مفاعيل مُعدية. وهكذا بدل أن نعيش تاريخاً يأخذ كامل وقته في التشكّل، مع بروز واضح لاتجاهاته، يُفرض علينا تاريخ محموم، مهتزّ، يحمل في داخله شيئاً قابلاً للتصدّع.
إن عالم المال والمضاربات هو عالم تخترقه رموز آنية، حيث تلخّص تقلبات الأسعار، والفوارق بين الانخفاض والارتفاع أعداداً واسعة من النشاطات الإنسانية المتداخلة. إنّ العمل الإنتاجي الضخم للشركات في العالم بأسره يبدو كأنه تحوّل إلى مقامرة دائمة تتسم بالمراهنة اللاعقلانية في أقصى حدودها، كما لو أن جدية المشاريع والإنجازات في انتاج السلع قد تحوّلت إلى حمّى كتلك التي تُصيب المقامرين في الكازينو. في أسفل الهرم الصبر والجهد، وفي أعلاه ضربات الحظ.
من الواضح أن عالماً تصبح فيه للقيم تسعيرة، يُخشى ألا يقدّم سوى قيم عبثية، وغير مستقرة، مرتبطة بشكل أساسي بظروف البحبوحة والرخاء، أو أكثر من ذلك أيضاً بالتمييز بين الغنى والفقر؛ إنّه عالم ينقصه أي بُعد شمولي. مع ذلك فإنّ المشهد المحموم والفوضوي للبورصة، وللموضة أو لوسائل الإعلام، ليس ربما إلاّ قشرة خارجية برّاقة لا تستأثر، وبالرغم من تأثيرها، بالنواة الصلبة للظواهر التاريخية والاجتماعية الكبرى.
وكما نُبرز غالباً التعارض بين الاقتصاد التقديري أو الفرضي والاقتصاد الواقعي، وهو تعارض يحتاج بكل حال إلى إعادة نظر، فإنّه توجد أيضاً حالة من عدم الاستقرار، وحتى من الهشاشة عائدة للقيم الجمالية والأخلاقية، التي ليس لها ربما سوى مفعول الطفرة. إنّ حصول أحداث كبيرة غير متوقعة، مثل شبح الحرب والقحط يعيد بسرعة ترتيب هرمية القيم التي كان المنحى الافتراضي يسعى إلى تبديدها، كما يسعى الاقتصاد الواقعي البطيء في حركة تحوّله، وغير القابل للتصدّع إلى «تصحيح» الظواهر المفرطة في السوق التي توصف ب أنّها لا عقلانية.
علاقة معقّدة بين الحرية والتقلّب
كان فلاسفة عصر التنوير يمتلكون موارد تنقصنا. كان باستطاعتهم الرجوع إلى طبيعة بشرية ثابتة ودائمة، لا تتأثّر بالتبدلات الناجمة عن الأعراف أو الانفعالات الآنية أو المتاجرة. هكذا كان هلفيسيوس (Helvetius) وكوندورسي (Condorcet) وفولتين ينظرون إلى التقلّب. إنّه، كما يقول هلفيسيوس، أحد تجليات ذوق العصر الذي «يستبدل باستمرار أمراً مضحكاً قديماً بأمر مضحك جديد»[8]. ليس من السهل علينا اليوم تبديد شكوكنا.
فإذا كان اعتماد نظام البورصة في القيم، كما يوحي بذلك فاليري، يلوّث كل قيمنا ويتحوّل إلى نمط تتجلّى من خلاله القيم في عالمنا، سواء كانت قيم الفن أو الأخلاق أو السياسة، فإنّنا نخسر أيضاً كل المرجعيات المعيارية التي كانت تحمل التحرر أحياناً، والتي تؤمّنها فكرة الطبيعة البشرية أو القانون الطبيعي. إنّ الموضة بالمعنى الحاد للكلمة، أي الوقع الإعلامي الصاخب أيضاً أو الظرف المالي الضاغط، وكل ما يتعلّق بالمزايدة وتحديد السعر الآني، لم تعد أمراً هامشياً، وإنّما تحوّلت إلى النمط الوحيد للعيش، في عالم سِمته التجميل التسويقي للقيم الذي ينحو باتجاه سيطرة العابر والمتقلب.
لكن لا بد لنا من الاعتراف بأنّ هذا التجميل وهذا الانتشار لنموذج البورصة الذي يبدو وكأنّه يحرم القيم من أي أساس، يشكّلان الرد وهما يستتبعان حرية واسعة، وتحرراً غير محدود في نظام حياة اجتماعية يعتمد على الديمقراطية كمبدأ أساس، وحيث لا يفرض مُسبقاً أي أمر يتعلّق بالتوجّهات الممكنة للرغبة الإنسانية وللتجديد المُبدع. إنّ المقولة المعروفة لرجل الاقتصاد جان – باتيست ساي (Jean – Baptiste Say) “ العرض يسبق الطلب” تؤذن بانبلاج عالم هو عالم اليوم، عالم حيث يتصوّر حتى المقاول ـ وهو أكثر توتّراً من الشاعر الأكثر سريالية ومبتدعٌ لابتكارات غير متوقعة تستثير الرغبة عبر إحداث الصدمة والتمايز والمفاجأة ـ يتصور نفسه على نموذج النشاط الفني. إنّ إضفاء الطابع الشبابي الأنتروبولوجي على القيم السائدة ـ وهو أمر يتخطّى التصابي الإيديولوجي، يجد في ذلك منبعه.
في الختام، يمكننا أن نلحظ مفارقة تُعبّر عن هذا التوتر الذي يمكن أن يصيب قيمنا الذاهبة في اتجاهين متناقضين، أحدهما مثقلٍ بالمعاني والثاني سمته العبثيّة. فمن جهة نترك مكاناً أو يجب أن نترك مكاناً يتسع أكثر فأكثر للتحالف مع الطبيعة، لعلاقة الشراكة – وليس للسيطرة الأحادية الجانب – التي يريدها الإنسان وينبغي عليه أن يقيمها مع الكوكب، وللاعتراف بأننا جزء سريع العطب في المحيط الحيوي وأن الحفاظ على حياتنا كنوع لم تعد مؤمّنة. يوجد أو لا بد أن يوجد تزاوج بين الإنسان والطبيعة ضمن صيغة توحّد جديدة تتخطّى في الوقت ذاته علاقة التوجّس والتقديس القديمة، كما تتخطى التعالي المستجد الذي يعتبر الطبيعة مادة يجب استغلالها إلى أقصى حد. بهذا المعنى، وبطريقة مبهمة وجديدة، نعيد إدخال مفهوم الطبيعة في معادلاتنا الأخلاقية. إنّ فكرة الحفاظ على الحياة على الأرض تفرض مسؤولية إزاء الأجيال وعلاقة مع المستقبل ومع الذرّية تضرب جذورها عميقاً في التزام سحيق وغامض. لكن هناك من ناحية أخرى الصعوبة في تخليص القيم من هشاشتها المفرطة والمدمّرة، كونها مرتبطة بتقلبات محدودة الأجل، وفي إيجاد قاعدة تمكّننا من الارتكاز على قوانين لا يمكن كتابتها أو صياغتها، تحافظ في الوقت ذاته على حريتنا وضماننا.

[1]*ـ مفكِّر وفيلسوف فرنسي معاصر، أستاذ في عدة جامعات أميركية وفرنسية.
ـ هذه المقالة المختارة مستلّة من كتاب الباحث الفرنسي جان جوزيف غو تحت عنوان: القيم إلى أين؟ إصدار منظمة اليونسكو 2004، ترجمة دار النهار، بيروت، طبعة بيت الحكمة، تونس 2005.
[2] - نسبة إلى بروميثيوس، سارق النار في الميتولوجيا اليوناينة. مؤسس الحضارة البشرية الأولى. اختطف النار المقدسة من السماء ونقلها إلى البشر (المترجم).
[3] - أنظر جان ـ بول سارتر: «الوجودية مذهب إنساني»
[4] - (الباكية) هي لوحة للفنان الاسباني الشهير بابلو بيكاسو (1881 – 1973) رسمها عام 1937 كصرخة ألم ضد العذابات التي تسبّبت بها الفاشية؛ وهو اعتمد فيها ألواناً صارخة وأشكالاً هندسية غير متناسقة وتكعيبات، كما لجأ إلى تراكم المستويات وتشويه الوجه لإبراز الأسى الذي تعاني منه البشرية (المترجم).
[5] - فيليب ستارك (Stark) مصمّم معاصر، من إحدى ابتكاراته تصميم بعض أثاث المنازل، من كراسي وطاولات ومقاعد، على شكل أقزام (المترجم).
[6]- ليون والراس (Walras (1910 – 1834، اقتصادي فرنسي. أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة لوزان. سعى لبناء نظرية اقتصادية توفّق بين المنافسة الحرّة والعدالة الاجتماعية، وبناء على معادلات رياضية حاول إيجاد نموذج متكامل يقوم على التوازن بين الأسعار والسلع المتبادلة (المترجم).
[7] - انظر مقالة “حرية الفكر” لبول فاليري
[8] - انظر كتاب “في الفكر” لهلفيسيوس
Claude Adrien HELVETIUS، De L’Esprit، Discours11،chapitre19، Paris، Durand، 1758