البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

جدليات العلم والدين والسياسة ، مقاربة الإشكال من منظورٍ قرآنيٍّ

الباحث :  جهاد سعد
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  13
السنة :  السنة الرابعةــ 1440هـ خريف 2018م
تاريخ إضافة البحث :  October / 23 / 2018
عدد زيارات البحث :  660
تحميل  ( 421.843 KB )
يمضي هذا البحث نحو تظهير منظومة فهمٍ للعلاقة بين العلم والدين والسياسة مؤسّسةً على منظورٍ معرفيٍّ تتكامل فيه هذه العلاقة الثلاثيّة الأبعاد من دون أن يشوبها أيّ تناقض.

يؤسس الباحث رؤيته على المنهجيّة القرآنيّة كمرجعيّةٍ محيطةٍ بالأبعاد المشار إليها، ثم يصل إلى جملة استنتاجات أبرزها تقريره أنّ العلم بلا سياسة خادمٌ للدين، والدين بلا سياسة يشمل كلّ معاني العلم، ويتجاوزه إلى ما لا تصل إليه العلوم البشريّة بغير الوحي.

المحرر

لعبت السياسة على مدى التاريخ بالعلم والدين، حتى أصبح كلّ بحثٍ فلسفيٍّ يتعلّق بماهيّة العلم وغاياته، وحقيقة الدين وأهميته، ملزماً بتحرير المصطلحات من تهويمات السياسة. فالعلم ليس هو «العلمويّة" التي تمثّل أيديولوجيا ترفع العلم فوق الدين، وتُكلّف العلم بمعناه التجريبيّ الأخص بكلِّ الوظائف بما فيها الوظيفة التي قرّرتها سلطة الحداثة الغربيّة للعلم، وهي باختصارٍ شديدٍ إقصاء الدين عن الحياة البشريّة. 

الأبحاث المتأثّرة بهذا التوجّه الحداثوي تُعلي من شأن العلم التجريبيّ المحض وتُدخل الدين إلى مختبرات العلوم البحتة، كما تدخل الأنبياء والأولياء إلى مناهج التحليل النفسي والأنثروبولوجي لتنتهي إلى نتيجةٍ تريدها سلفاً نتيجة، وهي أنّ الدين مرحلةٌ من مراحل التفسير الأسطوري للظواهر الطبيعية، وبناءً على ذلك فإنّ معنى كلمة «تقدم» في سياق تلك النظريّات تعني التخلص من الإيمان لصالح الأيديولوجيا العلموية.

لسنا بصدد إثبات توافق الدين مع العلم التجريبي الذي أصبح صنماً في وثنيّة الحضارة المعاصرة، ولا بصدد إقصاء العلم الذي لن يعود إلى وظيفته الحقيقية إلّا بيد الوحي.

مرجعنا في هذه الفرضيّة هو القرآن الكريم، الذي احتفل بالعلم وبيَّن وظائفه المتعدّدة وأبعاده الإلهيّة والإنسانية، وحرّره من ظلم السياسة وجعله حكماً وحاكماً لا بمعناه التجريبي الخالص بل بمعناه الأعم الذي يشمل عالمي الغيب والشهادة، قال تعالى: بل اتَّبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علمٍ فمن يهدي من أضلَّ اللهُ وما لهم من ناصرين، فأقم وجهك للدّين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون. (االروم: 29_30)

الآيتان من سورة الروم تتحدث عن أهواءٍ قدّمت نفسها على أنّها «العلم» وهي في العمق «أهواء بغير علم»، وعن الدين كفطرةٍ إنسانيّةٍ عميقةٍ لا سبيل إلى اقتلاعها أو تبديلها ولذلك سعى الظالمون «لسترها» وتكفيرها، والكفر كله في اللغة يأتي بمعنى الستر والطمس والجحود بحسب درجاته. والمضي في فهم الآيتين يصل بنا إلى «سلطة علمٍ» تقف في وجه «علم السلطة» عندها يتغير مفهوم «السياسة» ومصداقها فلا تعود «فنّ الممكن» كما يقول كلاوز فيتز بل تصبح «فنّ التمكين» بحسب تعبير القرآن الكريم: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور). (الحج:41).

1_ السياسة من فنِّ الممكن إلى فنِّ التمكين:

إنّ مهمّة العلم والفلسفة والدّين في هذا العصر لا تقتصر على التحرّر من ألاعيب السياسة بل تصل إلى مستوى تحرير السياسة نفسها من مدلولها المعاصر الذي هو ثمرة الممارسة الاستبداديّة للسلطة سواءً كانت سلطة الفرد في الشرق أو المؤسسة في الغرب، فالسياسة لا تهدف في مدلولها القرآني إلى بسط السيطرة بل إلى تمكين «الأمة» من السيطرة على نفسها ببسط العدل الاجتماعي «أتوا الزكاة»، وتمكين الفرد من السيطرة على نفسه بإقامة الصلاة. والأمر بالمعروف ليس إرادة السلطة بل إرادة الأمة لتحسين النوع الإنساني مؤيّدةً بالقيم الإلهية، والنهي عن المنكر ليس تعسفاً في الخضوع بل ترفّعاً إلى مستوى تخلّي المجتمع في سبيل التحلّي والتجلّي. ولكي يرفع القرآن شبهة التسلّط باسم الأمر والنهي ختم الآية بقوله: ولله عاقبة الأمور. فالتمكين سيرٌ من الخلق إلى الحق وارتقاءٌ بأساليب ممارسة السلطة بحيث يكون الحاكم والمحكوم في رحلة التمكين سواء، وضمن هذا الفهم تكون رحلة التمكين عمليّة انسحابٍ تدريجيٍّ للسلطة وصولاً إلى حجمها الوظيفي المطلوب بمقدار الضرورة، أو قل عمليّة قبضٍ للسلطة بدل أن تكون عملية بسطٍ للسيطرة. لو نظرنا إلى السياسة من هذا المنظار سنجد أنّ علينا أن نعكس مسار التاريخ الذي مكّن السلطة وليس الأمة أو الأمم من التمدّد والتدخّل في كلِّ شيءٍ حتى في مسارات العلم ووظائف الدين في المجتمعات، وهذا تماماً عكس ما أراده الأنبياء والأولياء، وسنرى في طيّات هذا البحث كيف أن مهمة العلم أصبحت مقتصرةً على تمكين السلطة من التدخّل حتى في الجينات الوراثيّة والحيوات الشخصيّة والجغرافيا الثقافيّة وأنماط الحياة وطرق التفكير. فالعلم اليوم جاسوس السّلطة وخادمها وكشّافها الباحث عن مناطقٍ لا تزال بعيدةً عن عملية «بسط السيطرة» وهذه المهمة أصابت العلم بازدواجيّة الشخصيّة فهو يعاني من موضوعيّة البحث ولا موضوعية الدوافع والغايات والمسار.

والأمر نفسه أصاب المؤسسة الدينية التي تستخدم اليوم لنشر العصبيات وخلق الإيديولوجيات، وإنتاج الحروب وكأنها حربٌ من المؤسسة الدينيّة «المسيسة» على ماهيّة الدين الفطريّة التي تمثّل وحدة الخلق في الخالق وتوحيد الخلق بتوحيد الخالق... «إما أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق».

فلا عجب إن عجزت «سياسة اليوم» عن فهم حاكمٍ إلهيٍّ كعلي عليه السلام، فكيف يتخلّى حاكمٌ عن سيطرته من أجل عدله؟ وكيف يفصل بسلوكه بين ضرورة السلطة وأضرارها؟ هذا بعيدٌ عن قواميس المستبدين الذين أرادوا لنا أن نفهم السياسة كما يمارسونها، وأن نقيس النجاح السياسي بمقياس القهر والضبط الذي يمارسه الحاكم على رعيّته متجاهلين الفرص التي تخسرها الأمة عندما تخسر قدرتها على المبادرة والاستقلاليّة في التفكير.

2_ تحرير العلم في القرآن الكريم:

أ_ العلم الخالص:

وردت كلمة «العلم» هكذا بأل التعريف في 28 موضعاً من القرآن الكريم، وكلّما وردت بصيغة «جاءك من العلم» أو «أوتوا العلم» كانت تشير إلى العلم المُنزْل من الله سبحانه وهو وحده العلم الخالص من شوب الهوى وأيادي الشياطين الذي لا سبيل إليه إلّا بالوحي:

قال تعالى: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ)(البقرة: 120) . 

(وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ). (الرعد: 37).

(ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالْسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ). (النحل:27).

(قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا). (الإسراء:107).

وهذا العلم كما هو ظاهرٌ من الآيات لا يدحضه علمٌ آخر، بل المقابل له والبديل عنه هو اتباع الهوى مهما تزيّن هذا الهوى بلبوس العلم أو السلطة، (لَّـكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ) (النساء: 162).

ثم تُقرر هذه الآية أنّ الطريق إلى العلم الخالص المنزل هو الرسوخ في العلم مع الإيمان وبذلك تحكم على أيِّ علمٍ لا يؤدّي إلى الإيمان بالسطحيّة والافتقار إلى العمق، وترسم إلى علم الله طريقين هما التعمّق في العلم والإيمان الذي هو ثمرة التصديق والتسليم بما يأتي به المرسلون.

ونتائج هذا البيان خطيرةٌ منها أنّ هناك أبواباً من العلم ستبقى موصدةً طالما أن البحث العلمي يتبع منهج الفصل بين العلم والإيمان. ومنها تقرير نسبية العلم البشري بصورةٍ مطلقةٍ وهذا ما سنفصله بعد استكمال معاني وأبعاد العلم في القرآن الكريم.

ب- العلم السلطان:

عندما يذكر القرآن الكريم علماً يؤدّي إلى التحكّم أو يَهدف إلى التحكّم فإنّه يسمّيه «سلطانا»، سواءً كان تحكّماً بالأذهان والأفهام، أو تحكّماً بقوى الطبيعة عن طريق اكتشاف السنن الكونية.

قال تعالى: 

(إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). (غافر: 56)

وهنا نكتةٌ لطيفةٌ ينبغي التنبه إليها، وهي أنّ الآية الكريمة ختمت بالأمر بالاستعاذة بالله وعادةً ما تكون الاستعاذة من عملٍ شيطانيّ، فما وجه الصّلة بين المجادلين في أيات الله والحاجة إلى الاستعاذة بالله؟

أولاً: هم لا يملكون برهاناً علميّاً يمكنه أن يتحكّم بالعقل السليم وهو ما يسمّيه القرآن سلطان، فيهربون من ساحة الأفهام إلى ساحة الأوهام، والوهم منطقة عمل الشيطان في النفس لذلك وجبت الاستعاذة من جدالهم بالله السميع لحججهم البصير بما في قلوبهم من غايات وأهواء.

ثانياً: لأن قوّةَ الأوهام لا تأتي إلا من الاستماع إليها فليست مالكةً لقوّة الإقناع وحدها بل ما يساعدها هو هوى النفس وليس العقل السليم.

قال تعالى: 

(وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم). (إبراهيم: 22)

(إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ). (النحل: 99_100) 

(إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى). (النجم: 23).

ليس وراء الوثنيّة القديمة أو الحديثة علمٌ أو برهان، إنما هي مصالحٌ تمّت ترقيتها إلى مستوى الآلهة، وأُضفيت عليها أسماءٌ مبهرةٌ تقمع الأفهام ولا تنيرها، ولكن مهما علا هذا الوهم فإنّه لن يصل إلى مستوى التحكّم الكامل. وقديماً حوّلت تلك المصالح إلى آلهةٍ من تمرٍ أو حجر، أما أسماؤها اليوم فتتعدّد بحسب توسّع مجالات التحكم، ومع تقدم طرق التلاعب باللغة ودلالاتها ترتقي الأسماء وتتوالد ويُصبح مجرّد حفظها وتردادها دليلاً على الثقافة والعلم. هذا في مجال إنتاج أيديولوجيات التسلّط على الأذهان. 

أما في مجال التحكّم بقوى الطبيعة فقد ورد قوله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ). (الرحمن: 33).

المجال في العلوم الطبيعيّة مفتوحٌ باعتبار الاقتراب من حقائق الكون رحلةٌ إلى الله سبحانه الذي خاطب خلقه بلغة التكوين، وعليه فإن العلوم الكاشفة لسنن الطبيعة وأسرارها بريئةٌ من لوثة الشّرك والكفر وينبغي الفصل بين الاكتشاف العلمي البحت، وتحميل الأهواء والأسماء ما لا يحتمله العلم ولا يريده ولا يقصده عن طريق ما أسميناه بالإيديولوجيات العلمويّة. وهنا تنشأ الحاجة إلى «علمٍ يهدي العلم» وهذا ما يسميه القرآن الكريم «بالنور».

ج_ العلم النور:

لم تَرِد كلمة النّور في القرآن الكريم إلّا بصيغة المفرد، مما يعني أنّ النور في القرآن «وجودٌ مشكّكٌ» بحسب المصطلح الفلسفي، أي حقيقةٌ واحدةٌ لها عدّة مستوياتٍ ودرجاتٍ من الظهور والتجلّي والتأثير. وبالمقابل تأتي الظلمات بصيغة الجمع لتعدّد طرق حَجب النّور، فليس للظلمات حيثيّة وجوديّة بل هي فقط «عدم النور». والاستفادة الفلسفيّة من وحدة النور هي أن المستنيرين من كل العالم على اختلاف مقارباتهم لحقائق الكون والوجود ينتهون إلى نورٍ واحدٍ... بعد أن يتجاوزوا درجات ومستويات النور في كلّ مناحي الحيوات ارتقاءً من الحياة البيولوجيّة إلى حياة القلوب والعقول إلى الأعمال التي تبقى حيّة عندما ترفع بالنية الخالصة لوجه الله.

ولمّا كنا بصدد الكلام عن معاني العلم فلا بدّ من بيان حاجة العلم إلى نور الهداية، والسبب في ذلك هو أننا نعرف أن البحث العلمي يمنح الإنسان قدرةً محايدةً تحتاج إلى من يستخدمها بالوجه أو الوجهة النافعة للإنسان، وفي هذا يقول العلماء إنّ العلمَ مصباحٌ والمصباح يمكن استخدامه لقراءة كتابٍ كما يمكن استخدامه لانتقاء المتاع الأفضل عند السرقة.

فهناك مرحلتان هما حصول العلم أولاً، واستخدام القدرة الناتجة عن العلم ثانياً، وإذا ارتقينا في البحث نلاحظ أنّ علم الكلام الإسلامي اعتبر العلم والقدرة والحياة من صفات الذات الثبوتية بخلاف صفات الأفعال، فالله سبحانه ذاتهُ علمٌ وذاتهُ قدرةٌ وذاتهُ حياة، ويمكننا أن نفهم كيف ترتقي هذه الصفات لتكون نوراً واحداً بسيطاً بالمثال التالي:

إن الإنسان يختبر المسافة بين علمه وقدرته ليغيّر حياته عندما يُلاحظ أن ارتفاعه في درجات العلم أو في القدرات الماديّة والمعنويّة يمكّنه من ردم الهوّة تدريجاً بين ما هو عالمٌ فيه وما هو قادرٌ عليه، وهكذا كلّما زادت القدرة أمكنه تطبيق العلم وكلّما طبّق العلم زادت القدرة وبالتالي تغيرت حياته نحو الأفضل. وإذا ارتفعنا في الجدل الصاعد من الإنسان إلى أعلى مراتب العلم والقدرة فإن العلم والقدرة والحياة تصبح شيئاً واحداً في ذاتٍ بسيطة هي ذاتُ الله سبحانه فعلمه سبحانه عينُ قدرته وقدرته عين حياته وكلّها عين ذاته. وإذا عدنا إلى الجدل النازل فإنّ النور الإلهي يتجلّى في عالم الكثرات إلى كلٍّ بقدره وحسبه: قال تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَـزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ). (الحجر: 21).

يفسّر هذا المدخل تعدّد تجليات النّور في القرآن الكريم، ولكن الفكرة الجامعة لها، هي أنّ العلم نورٌ والهداية الإلهيّة نورٌ على نورٍ أو نور استخدام القدرة الناتجة عن نور العلم.

وبما أن الطواغيت على اختلاف أنواعهم يحولون دون اتصال نور الفطرة بنور الهداية فإنهم يضيفون إلى ظلمات «ستر الفطرة» عند الذين كفروا، ظلمات تحول دون الاستخدام الصحيح لنور العلم. وهذه آيةٌ جامعةٌ تشير إلى أن الحالة الأصليّة للإنسان نورانيةٌ ولكنّ حجابَ الكفر يعينُ الطواغيت على إخراج الإنسان من حالته الأولى ليسبح في بحور الظلمات. 

قال تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة_ 257). 

وفي الآية التالية نلاحظ ستراً من نوعٍ آخر، وهو إخفاء الحقائق المعلومة لأنّها تهدّد سلطة الأحبار والرهبان، فالقرآن هو أول من أطاح بالسلطة الكنسيّة والحبريّة قبل ما سمي «بعصر الأنوار»، وأشار إلى أنّ التماديَ في حجب العلم الخالص سيؤدّي إلى النزاع فيما يؤدي «نور الهداية» إلى سبل السلام الهادية إلى الصراط المستقيم. الصراع هنا بين علمٍ ناقصٍ وعلمٍ خالص، وبين مصالح وسلطات يتمسّك بها أهل الكتاب فتؤدّي إلى الحروب وبين كتابٍ مبينٍ يهدي إلى سبل السلام في الأنفس والآفاق. 

(يا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ﴿15 المائدة 5﴾ يهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ﴿16 المائدة﴾

ثم تتطور طرق كتم العلم وحجب النور فينشأ إعلامٌ ضدّ العلم، يُخفي تحت عنوان أنه يُبدي، فيتصدى أحبار وكهنة الهياكل الإعلاميّة لإطفاء النور «بأفواههم» وهنا يصوّر القرآن معركة الإعلام التي تشن على الوعي فتهدف إلى «تزوير الوعي» أو «شل الوعي» أو «كي الوعي» على اختلاف طرق وتقنيات الإعلام المعادي للنور الإلهي.

(يريِدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (32 التوبة 9).

وهنا لا بدّ من ملاحظةٍ بالغة الأهمية نتذكر فيها موقف كنيسة القرون الوسطى من العلم ومن النظريّات العلميّة المخالفة لما اعتمدته من نظريات، ثم نعبر إلى المؤسسة السلفيّة الوهابية التي تتمسك بالأرض المسطحة، وذلك التأسيس الخبيث للعداء بين «التدين» وحقائق العلم ونظرياته حتى أصبح البسطاء من أتباع تلك المدارس «يخافون على الله» من العلم، والحال أن الله يدعوهم للتقرّب إليه بالمزيد من العلم وكشف الحجب والأستار والتعمّق في البحث لأنه السبيل الأقوم إلى ذروة الإيمان والخضوع والخشوع: (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ). (فاطر: 28).

(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (35 النور 24).

3_ نسبيّة العلم البشري مقابل العلم الربّاني الخالص:

قلنا أنه علمٌ خالصٌ من هوى النفس وأيادي الشياطين، ولكن حتى لو أحسنّا النية ونظرنا إلى العالِم أو الفيلسوف الذي يتجرّد طالباً الحقيقة النقيّة، فإنّ ما يخبرنا به تاريخ الفلسفة وتاريخ العلم يشير إلى أن ذاك العالِم المخلص، سيصطدم بنسبيّة الفهم البشري التي لا تولِّد حتى بعد الجهد إلا علماً ناقصاً في مقابل العلم الخالص: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) ( الإسراء_85).

أ_ تاريخ الفلسفة:

 يقول اتيان غيلسون في كتابه القيم «وحدة التجربة الفلسفيّة»: كيف يمكن فعلاً أن نثق بالفلسفة، إذا كان ما قاله بيتاغوراس من زمنٍ بعيدٍ صحيحاً، أن كلّ فرضيّةٍ فلسفيّةٍ يمكن أن تُدحض بنفس السهولة التي أثبتت فيها، حتى بنفس الفرضيّة ذاتها؟... هنا من جديدٍ قد نشعر بإغراء اللجوء إلى التأثيرات التاريخيّة كشرحٍ ممكن للمدّ الصوفي الذي انتشر في القرنين الرابع عشر والخامس عشر.

وما هو المدّ الصوفي إن لم يكن استبدال رحلة العقل برحلة النفس والقلب، ومزج العبادة بالتفكّر، واستجلاء صفحة القلب لتصبح مرآةً لتجليات الباري في النفس والآفاق، كلّ التجربة الفلسفيّة في الغرب والشرق انتهت إلى العرفان الفلسفي أو العملي، وهذا يحتاج إلى تفصيل يخرج عن نطاق هذا البحث ولكن باختصارٍ شديد:

 لم تتوقف الفلسفة بعد ابن رشد (520هـ_ 595هـ)، بل قدّمت طلباً للجوء عند مدرسة التصوّف الفلسفي والعرفاني عند ابن عربي المعاصر (558هـ_ 638هـ). ثم أكملت الهجرة بنصّها الأصلي من الأندلس إلى غرب الغرب وشرق الشرق، وانتهت في الغرب كما يخبرنا غيلسون إلى نزعةٍ صوفية، فيما التقت شرقاً بالحكمة الإشراقية مع السهروردي وميرداماد والشيرازي، وهذا الأخير يشكّل قمة اللقاء بين دقة الفقه، وعمق الفلسفة المشائيّة والإشراقية، ورحابة العرفان. 

وهذا الاندماج الرحب والتكامل العقلاني بين الفلسفة واللاهوت أو علم الكلام من جهة، والسير القلبيّ الإشراقيّ العرفانيّ من جهةٍ أخرى، هو النتيجة التي توصّل إليها غيلسون في رحلته الممتعة في تاريخ الفلسفة، كما رأينا علماء وفلاسفة غربيون آخرون يؤيدون هذا التكامل كلّ من موقعه واختصاصه نذكر على سبيل المثال لا الحصر: إريك فروم الفيلسوف والعالم النفساني، وعالم الأحياء الكسيس كاريل، والفيلسوف المسلم رجاء غارودي وهذا الأخير أيضاً يشكّل نسخةً فريدةً حيث كانت حياته رحلةً فلسفيّةً انتهت إلى البعد الكوني والعالمي للإيمان في رحاب النظرة العرفانية للعالم.

نعود إلى غيلسون لنقتبس منه الصورة التكامليّة التي لخّص فيها العلاقة بين الفلسفة واللاهوت بقوله: أسهل طريقةٍ بالنسبة للاهوتيين في الدفاع عن موضوعهم أن يبيّنوا أن الفلسفة ليست قادرةً على الوصول إلى نتائجٍ مقبولةٍ عقلياً حول أيِّ مسألةٍ تتعلّق بطبيعة الإنسان ومصيره. من هنا جاء شكّ الغزالي بالفلسفة التي حاول إصلاحها، كما الحال عادة، من خلال التصوّف الديني. فالله الذي يعجز العقلُ عن إدراكه، يمكن كنهه بالتجربة الروحية؛ والعالم الذي لا يستطيع العقل الإنساني أن يفهمه، يمكن التعالي فوقه والتحليق عالياً بصحبة روح النبي. لا حاجة للقول، إن الفيلسوف بما هو فيلسوفٌ ليس ضدّ التصوّف؛ ما لا يحبّه الفيلسوف هو التصوّف الذي يفترض أن هدم الفلسفة شرطٌ ضروري. فإذا كانت الحياة الصوفية - وهذا يبدو صحيحاً - واحدةً من الحاجات الدائمة للطبيعة الإنسانية، فلا يجب احترامها فحسب، بل يجب حمايتها من الهجمات المتكرّرة للعقول السطحية. مع ذلك، يصحّ قولنا إن المعرفة الفلسفية حاجةٌ ثابتةٌ للعقل الإنساني وأن هذه الحاجة أيضاً يجب أن تحترم. هذا الأمر بالنسبة إلينا في غاية الصعوبة، ولكن في نفس الوقت شديد الأهمية، ففي خضمّ هذه المشاكل، علينا أن نحافظ على كلِّ هذه الأنشطة الروحيّة التي تُجلّ الطبيعة الإنسانيّة وتعظّم حياة الإنسان. فنحن لا نكسب شيئاً إذا دمّرنا شيئاً لننقذ آخر. فإمّا أن يستمرّا معاً أو يسقطا معاً. إذاً، فالتصوّف الحقيقي لا يوجد مطلقاً بلا بعض اللاهوت، واللاهوت السليم ينشد دائماً دعماً فلسفياً؛ لكن الفلسفة التي لا تفسح بعض المجال على الأقل للّاهوت، هي فلسفةٌ قصيرة النظر، إذاً كيف نسمّي ما لا يسمح بمجرّد احتمال وجود تجربةٍ صوفيةٍ لاهوتاً؟

كان الشعور الملتبس بهذه العلاقات الضروريّة حافزاً للّاهوتيين من أجل التعامل بطريقةٍ أقلّ تطرّفاً مع التفكير الفلسفي. فعوضاً عن محاولة القضاء عليه من خلال التشكيك بكتابات الفلاسفة، رأى بعض رجال الدين أنه من الأفضل تطويع، وإذا جاز التعبير، تدجين الفلسفة من خلال دمجها باللاهوت. أعتقد أننا سنرتكب خطأً كبيراً إذا بحثنا عن خطّةٍ مخادعةٍ أو غادرةٍ وراء هذه الخطوة. فعندما حاول رجال اللاهوت، بصرف النظر عن معتقداتهم، إعادة صوغ الفلسفة لتتناسب مع معتقداتهم، كانوا مدفوعين لهذا الفعل بقناعةٍ خالصةٍ أنّ الفلسفة في ذاتها شيءٌ ممتاز، وأنها جيدةٌ، وأن السماح باندثارها أمرٌ مخزٍ. من جهةٍ أخرى، وحيث يفترض أن توجد الحقيقة الموحاة، الحقيقة المطلقة، تكون الطريقة الوحيدة لإنقاذ الفلسفة بإثبات أن ما تعلِّمه يتماهى في حقيقته مع ما في الدين الموحى. فالأنساق المختلفة التي يمكن إيجاد مصدرها المشترك في هذا الموقف هي دائماً جليلة القدر ومؤثّرة، وأحياناً عميقة، ونادراً جداً تكون فاقدةً للأهمية. وبسبب جديّة مقصدها، وشجاعتها في التعامل مع المسائل الميتافيزيقية، كانت هذه التعاليم في الغالب مصدراً لتقدّم الفلسفة. فهي تشبه الفلسفة، وتتحدّث مثل الفلسفة، وأحياناً تُدرَس وتُدرَّس في المدارس باسم الفلسفة: مع ذلك في الواقع، إنها ليست أكثر من تعاليمٍ لاهوتيّةٍ بلباسٍ فلسفي. فلندعو هذا الموقف «لاهوتانية» Theologism ونرى كيف يعمل.

أقول: وهذا ما انتهى إليه صدر الدين الشيرازي عندما قال: «العقل أصل النقل، فالقدح في العقل، لأجل تصحيح النقل، يقتضي القدح في العقل والنقل معاً»... و«تبّاً لفلسفةٍ تكون قوانينها غير مطابقةٍ للكتاب والسنّة». 

أما هنري كوربان فيتحدث عن دور القرآن الكريم في طرح التحديات أمام العقل الفلسفي الإسلامي ويصحح النظرة الغربيّة لمسار الفلسفة الإسلامية في الشرق بقوله:

«ثمة زعم لاقى نصيباً من الرواج في الغرب ومؤداه ألاّ فلسفة ولا تصوُّف في القرآن، وأن الفلاسفة والمتصوفين لا يدينون للقرآن بشيء. ولسنا نبغي في هذا المقام مناقشة ما يجده الغربيون في القرآن، أو ما لا يجدونه، ولكن في أن نعلم ما وجده المسلمون أنفسهم فعلاً فيه».

من هنا تبدو الفلسفة الإسلامية عند كوربان كعمل مفكرين ينتمون إلى جماعة دينيّةٍ قبل كلِّ شيء، جماعة يخصها التعبير القرآني باسم أهل الكتاب، ويُراد منه ـ  في تصور كوربان ـ الإشارة إلى مجتمعٍ له كتابٌ مقدّس، وديانته مبنيّةٌ على كتابٍ منزلٍ من السماء، أُوحي إلى نبي، ومجتمع تعلّمه من هذا النبي.

وإذا كان يراد بأهل الكتاب عموماً اليهود والنصارى والمسلمين، فهذا يعني أنّ ما يعمّ هذه الجماعات مشكلة تطرحها عليها الظاهرة الدينية الأساسية التي تشترك فيها، ألا وهي ظاهرة الكتاب المقدس التي تجعل المهمّة الأولى والأخيرة هي فهم المعنى الحقيقي لهذا الكتاب الذي هو القرآن الكريم عند المسلمين.

وعلى هذا الأساس يرى كوربان أنّ من غير السليم العودة -حسب قوله- بترسيمة الحياة الروحيّة، وحياة التأمل الفلسفي في الإسلام إلى أولئك الفلاسفة المتهلينين الآخذين بالهلينية.

ثانياً: يرى كوربان أن أعمال ابن رشد فيلسوف قرطبة أعطت بترجمتها اللاتينية ما يسمى في الغرب بالرشديّة التي طغت على السينويّة اللاتينية، أما في الشرق فقد مرّت الرشديّة مروراً غير ملحوظ، ولم تُعرف فيه مدرسة ابن رشد، ولم يُنظر إلى نقد الغزالي للفلسفة على أنه وضع حدًّا للسنة التي ابتدأها ابن سينا، ولا حتى فهمت انتقادات الغزالي على حقيقتها التي غالباً ما فسّرها مؤرخو الفلسفة الغربيون على أنها كانت بمثابة ضربةٍ قاضيةٍ للفلسفة.

وقد عزب عن بال هؤلاء كذلك، ما كان يحدث في الشرق حيث مرَّت مؤلفات ابن رشد دون أثرٍ ملحوظ، فلا دار في خلد نصير الدين الطوسي أو الميرداماد أو هادي السبزواري ما تعلقه تواريخ الفلسفة عند الغربيين من أهمية ومعنى على ذلك النقاش الجدلي الذي دار بين الغزالي وابن رشد، بل إننا إذا أوضحنا لهم ذلك لأثار الأمر دهشتهم كما يثير دهشة خلفهم اليوم.

ويوافق جعفر آل ياسين في كتابه عن صدر الدين الشيرازي، أن الفلسفة الإسلامية استأنفت نشاطها بعد ابن رشد في مدرسة أصفهان وبلغت الأوج مع الحكيم الشيرازي.

أقول: ولكنّها استأنفت نشاطها باتجاهين، حيث تلّقف توما الأكويني في الغرب المباني الرشديّة ليستخدمها لنفس الغرض الرشدي وهو مصالحة العقل مع النقل، وأكملت الفلسفة طريقها في الشرق الأصفهاني لتلتقي مع الإشراق والعرفان والحكمة المتعالية.

ومن هنا فإن تأمل المسار الذي سلكته الفلسفة في الغرب يعيننا على اكتشاف إضافات الشيرازي على الصيرورة الكلية للفلسفة.

أنظر إلى هذه الصورة برحابةٍ، وتأمّلٍ كيف تتحول الفلسفة والدين والعرفان إلى ألوان الطيف التي تندمج لإظهار النور الإلهي الواحد فلا النص يعطّل العقل ولا العقل يعطّل النص، هنا يتسع معنى العلم فيصبح «نوراً» يهدي العلم التجريبي ويكمل الطريق حين تحترق اقدام التجربة كما سنوضح تفصيلاً في تاريخ العلم وفلسفته.

ويبقى السؤال: لماذا مارست السياسة الغربيّة المعاصرة عمليات الفصل والتفسيخ بحجبها الظلمانية فأقصت الدين وحاربته، ثم أعلنت موت الفلسفة، وقزّمت أبعاد العلم إلى مجرّد أداة؟

والجواب: ليس من مصلحة السلطة الحاكمة في العالم اليوم أن يُطلق العنان لكلّ أبعاد الإنسان، الذي أرادته عبداً يفكّر ضمن مساحة سيطرتها، ويستهلك ما تنتجه شركاتها، ويموت في حروبٍ ونزاعاتٍ تُضعف من قدرة البشريّة على التمرّد على هيكلها وأصنامها في وثنيّةٍ معاصرةٍ تتاجر «بالأسماء» وتُحوّل حتى القيم إلى منتجٍ يتم تصنيعه.

وصلت جرأة الوثنيّة المعاصرة إلى تنظيم الحروب بين القيم نفسها، فالحريّة التي صنمها الغرب تحارب اليوم العدالة في كلّ العالم، وتكرّس الاستبداد بكلّ أشكاله لخدمة ثقافة السوق.

إنها «حريةٌ أن تفعل ما تريد طالما أنك تفعل ما يريدون» كما يقول نعوم تشومسكي، «وفي ثقافة السوق الحريّة هي التي تضطهد» كما يقول غارودي. 

والمفكر موظفٌ ينتج ما حدّدته له السياسة فإذا أرادت حروباً كتب عن «صدام الحضارات» وإذا أرادت هيمنةً ناعمةً كتب عن «القوة الناعمة». فلا فلسفة ولا دين ولا قيم تعبّر عن تكامل الأدوار ووحدة القيم ورحابة العلم... 

قال تعالى: (ومن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم) (البقرة: 257)، (لا انفصام لها) فلا توحيد يعادي الإنسان، ولا حريّة تحارب العدالة، ولا عدالة تحدّ من الحريّة، ولا دين يعطّل العقل، ولا فلسفة تتنكّر للدين، ولا علم يسير بلا هدى الإيمان والفكر والعرفان... (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور). (النور: 40) 

ب_ تاريخ العلم من اليقين إلى الشك:

يقول إمري لاكاتوش: «إن فلسفة العلم من دون تاريخه خواءٌ، وتاريخ العلم من دون فلسفته عماء» والصياغة هي تطبيقٌ لقول إيمانويل كانط في «نقد العقل المحض»: إن المدركات الحسيّة من دون تصوّراتٍ عقليّةٍ عماء، والتصوّرات العقلية من دون مدركاتٍ حسيّةٍ خواء» ويضيف إيمانويل في مقدمة الطبعة الثانية لكتابه: «أن العالم (بكسر اللام) لا يعرف من الطبيعة إلا ما يفرضه عليها». 

 والعلم «لا يفكر بذاته» كما يقول هيدغر، ولذلك أقول: إن «العلمويّة» أو فلسفة العلم تتصدى للتفكير في العلم عنه، والفكروية أو الإيديولوجيا عندما تبني منظومةَ مفاهيمٍ و«تفكر» فإنها «تغير» لأنها أضافت العقل والنفس والتاريخ والسلطة إلى الحقيقة.

إن تاريخ العلم كما يقدّمه توماس كون وغاستون باشلار وجورج ستانسيو وروبرت أغروس ويمنى الخولي، ما هو إلا رحلة من اليقين إلى الشك، عندما هرب الغرب من البحث الفلسفي رافضاً اللاهوت الكنسي، ولجأ إلى العلم التجريبي بحثاً عن اليقين، وعاش هذا الاعتقاد الراسخ بقدرات العلم مجده في القرن التاسع عشر، ثم بدأ انهيار النماذج الإرشاديّة مطلع القرن العشرين مع نظريّة الكوانتم لماكس بلانك 1900م والنظريّة النسبية لآينشتاين 1905م وتزعزعت أركان فيزياء نيوتن التي كانت كتاب الفيزياء المقدس.

لم يؤد الأمر إلى انهيار اليقين العلمي فقط بل أدّى إلى تغيير مفهوم العلم وآليات التقدم فيه، فلم يعد العلم: اكتشافاً لحقيقة الأشياء، بل أصبح: مجرّد نشاطٍ تقدّميٍّ لحلّ المشكلات، أما آلية تقدمه فهي: الشك بكلِّ ما هو قائمٌ أو ما يسمى اليوم عند كارل بوبر: مبدأ إمكانية التكذيب، فكلّ نظريةٍ علميّةٍ هي قابلةٌ للدحض بآلياتٍ علميّةٍ جديدةٍ وفي إطار نموذجٍ إرشاديٍّ آخر. وهكذا يُكرّر بوبر في منتصف القرن العشرين في العلم ما قاله بيتاغوراس في الفلسفة قبل المسيح عليه السلام. 

أما تاريخ الفلسفة فهو تاريخٌ فشل «العقل المحض» في التحكم بحقائق العالم، وطموح المفكر أن يصبح عالماً عقليّاً مضاهياً للعالم الكوني، فيما أصبحت العقلانيّة المستنيرة تعني التخفف من ادعاء اليقينية العلمية لحساب نظريّات التقدم العلمي.

أولاً_ نقد التماميّة:

لا يمكننا أن نقارب مسألة المعرفة والإدراك، إلّا من خلال جمع ما جادت به العلوم على مدى العصور، فالمدخل إلى نظريّة المعرفة هو البحث في إمكانها أولاً وعلى أيِّ نحو، يعني علاقة الذهن البشري بالواقع الخارجي... واختلاف المدارس العلميّة بين تجريبيّةٍ ووضعيةٍ.. والفلسفية بين المشائيّة والعرفانيّة والكلاميّة نابعٌ أصلاً من ادعاء كلٍّ منها من أنّها الطريقُ الأقوم للوصول إلى الحقائق المفيدة للاطمئنان الذي يفيد بدوره إمكانية العمل على أساسها.

وإذا جمعنا مسارات العلم التجريبي والفلسفة الوضعية فإن النتيجة لن تُعجب الحكيم العظيم أرسطو، فهناك من كلا الناحيتين وعلى نحو مستقل إثبات، بأنّ المعرفة فيما يتعدّى المحسوسات الفيزيائية أي في كلِّ ما هو حيٌّ أو متصورٌ «ليست مطابقةً للواقع» بل إنها في العلوم الدقيقة حتى في الفيزياء أيضاً ليست مطابقة للواقع ولكنّها كافيةً للعمل على ضوئها لأن نسبة الخطأ تكون في هذه الحالات ضئيلةً جدا.

الأمر يمكن تقريبه إلى الذهن بعلم البصريات فنسبةٌ كبيرةٌ من الناس لديها «قصر في النظر» بالمعنى الحرفي ولكنه لا يؤثر على أعمالها اليومية أو يمنعها من الحركة الطبيعية...

يصدق هذا الأمر في كلّ أبحاث الحواس، ولكن المكتشف الآن هو أن المخ بسبب حالةٍ نفسيةٍ معينةٍ يمنعنا غالباً من معرفة الأمور على حقيقتها، يعني أنه ليس مجرد مرآةٍ تعكس الواقع فكلمة واقعٍ هنا تشتمل على ما يأتي من الخارج وما ينبع من الداخل، والصورة التي تتشكّل في النهاية مزيجٌ من حالة النفس بكلِّ ما تختزنه من أهواءٍ وأحاسيسٍ وتمنياتٍ وشهواتٍ... وصحوة العقل وسلامة النشاط الفيزيولوجي للمخ.

وبدون إطالةٍ هذا المزيج هو ما «نعرفه» هو الصورة المرسومة عن الواقع في أذهاننا بريشة المؤثرات الخارجيّة والحالات النفسيّة والتنبه العقلي والنشاط الفيزيولوجي، ونحن متفاوتون في علاقتنا بالواقع نتيجة هذا التفاوت في المؤثرات. يعني عندما تريد أن تتعرّف على الواقع فالنتيجة هي أنت والواقع، فعلمنا دائماً ناقصٌ أو مشوبٌ بخطأ أو أضافت إليه النفس من عالمها شيئا.

ولكن هل هذا النقص عيب؟ الظاهر من الأبحاث أنه ضرورةٌ بل العيب هو ادعاء التمامية والعلم المحيط، فالشعور بالتمامية ثم إضفاء القدسيّة على ما هو قائمٌ من نظريات علميّةٍ يجمّد العلم ويمنع التقدم. نلاحظ هذا الأمر بوضوح فيما اكتشف عن دور «السلب» و«الإيجاب» في إنجاز عمليات الإدراك والتفكير وفي مسارات الفلسفة والعلم كما يشرح لنا نبيل علي في كتابه القيم: «الثقافة العربية وعصر المعلومات»:

(أ) السلب والمخ البشري: والآن إلى وظائف المخ البشري، التي تؤهل صاحبه للتكيّف مع مطالب حياته وبيئتها وواقعها، وجميعها أمورٌ تجعل من التعامل مع «السلب» أمراً أساسياً، حيث يمكن القول إن الوجود برمته هو قسمةٌ ما بين الموجب والسالب. يساهم عنصر السلب في وظائف المخ على اختلاف مستوياتها: الدنيا والوسطى والعليا. في مستواها الأدنى، تعمل الخلايا العصبية، وحدة البناء الأساسية للمخ، بمبدأ الإثارة والإحباط، وأداء الوظائف الذهنيّة الأوليّة ـ  بالتالي- هو حاصلُ تفاعل ثنائيّة الإيجاب والسلب تلك: موجب الإثارة وسلب الإحباط. وقد ثبت عملياً أن عدد الخلايا العصبيّة المحبطة أو المطفأة _ باستخدام المصطلح الكهربي ـ  يفوق في أي وقت وبكثير ـ  الخلايا المثارة أو المتوهّجة. إنه ـ  بقول آخر ـ  اقتصاد الفسيولوجي يعمل على ترشيد استخدام الموارد البيولوجيّة. 

تمثل معالجة المخ للمعلومات ـ سواءً تلك التي تُغذّى إليه عبر الحواس، أو التي تنتقل إليه من الذاكرة ـ الآلية الأساسية التي يعتمد عليها المخ البشري في تأدية وظائفه الوسطى. ولنسمع ما يقوله لنا ـ  في هذا الصدد ـ  ميشيل واتانكا عالم اللسانيات الأعصابية، حتى يتبين لنا الدور الحاسم الذي يلعبه عنصر السلب في تأدية وظائف المخ الوسطى، يقول واتانكا: «إن قدرة العقل على معالجة المعلومات تعتمد بصورةٍ أساسيةٍ على «فقد» المعلومات لا الاحتفاظ بها». فقدرة العقل على التجريد ـ مثلاً ـ تعتمد على حذف التفاصيل، من أجل إبراز الجوهر واستخلاص المغزى من شواش الضوضاء التي تغفله. إن الفقد الذي نعنيه هنا هو عملية الاختزال التي تصوغ المعلومات الغفل في هيئة بُنى وأنماطٍ مفهوميّة. فالمفاهيم ـ  كما هو معروف ـ هي لبنة المعمار الفكري التي يمكن لها أن تتفاعل فيما بينها لتوليد المعرفة الجديدة، ويا لها حقاً من خاصيّةٍ فريدةٍ لمخنا البشري، تلك التي تحيل السلب: فقداً واختزالاً، إلى الانتظام: بناءً وأنماطاً، لتزيد بذلك من قيمة المعلومات وتفاعلها، وهي تلك الخاصية الذهنية نفسها التي يحلم بها مهندسو الذكاء الاصطناعي في محاولتهم إضفاء نوعٍ من الذكاء على آلتهم الصماء، فهم منشغلون حالياً بكيفيّة إكسابها «فضيلة النسيان»، حتى يمكنها التعامل مع الواقع وخارجها بمنطقٍ إحصائيٍّ. وأخيراً، وفي ذروة أدائه الإبداعي، وهو يبادر ويخترع ويكتشف، يزداد تعامل المخ البشري مع عنصر السلب، فالإبداع من منظور علم النفس هو وليد ذلك التوازن الدقيق بين الالتزام بالقواعد وانتهاكها. إقامة الفروض وتفنيدها، وتحطيم البنى من أجل إعادة بنائها. إنه ـ أي الإبداع ـ  ناتج رحلة التضاد الرائع التي ينتقل خلالها العقل ما بين التركيب بالتحليل تارة، والتحليل بالتركيب تارة أخرى. وقبل أن ننهي حديث السلب والمخ البشري، هل لنا أن نسأل ونتساءل مرةً أخرى: هل يحق لأحدٍ بيننا ـ  مربياً كان أو داعيةً ـ  أن يحرم تلك العجينة الورديّة، كما يطلق عليها أهل الفرنسية، ذات بلايين الخلايا العصبية من حقّها في أن تلهو دوماً بموجبها وسالبها، لتنأى بنفسها عن أحاديّة الفكر ودوجمائيته وإستاتيته؟ وهل من تعارض بين ذلك والمهمة الأساسية التي أوكلها إلى الإنسان خالقه الأعظم؟ ونقصد بها «الإبداع» ولا شيء سواه. 

(ب) السلب والفلسفة: يمكن القول ـ  بصفة عامة ـ  إن تاريخ تطوّر الفلسفة منذ عهد أرسطو وأفلاطون هو سلسلةٌ متعاقبةٌ للتأرجح بين الانحياز إلى الإيجاب، كما نلحظه في فكر فلاسفةٍ مثل سبينوزا وبرجسون، والانحياز إلى السلب كما في فلسفة هيجل التي قامت على التضاد الديالكتيكي، وفلسفة نيتشه القائمة على نسف ما قبلها ومداومة البداية من الصفر. وهي الفلسفة التي استلهمها ـ  كما أشرنا سلفاً ـ  فكر ما بعد الحداثة القائم على مبدأ «التباين»، على النقيض من فكر الحداثة القائم على مبدأ «التطابق». إنه هذا التأرجح بين مثاليّة العقل في سعيه إلى فرض إرادته وتشوقه إلى رؤية حلمه واقعاً، وبين ارتداده صاغراً يؤّرقه الشك، مُقراً بضعف النفس وحقائق الواقع وقوانين الكون. وفي تأرجحه هذا، وعلى الرغم منه، يظلّ الفكر يسلك مساره الحلزوني المتصاعد نحو الأعمق والأصدق والأشمل والأجدى، مؤكداً قدر الإنسان المحتوم في سعيه الحثيث للإمساك باليقين الذي سيظل يفلت منه دون لحاقٍ أو اكتمال. وقد قيل في علاقة السلب مع الفكر، وما أكثر ما قيل، إن سقراط هو أكثر الناس حكمةً لأنه أكثرهم جهلاً، ومن لم يشك لم ينظر لدى الغزالي، وقيل حديثاً «من لم ينتقد لا يعتقد».

 (ج) السلب وتاريخ العلم: في «بنية الثورات العلمية» أوضح لنا توماس كون أن رحلة تقدم العلم هي نفسها رحلة أخطائه، جاعلاً من «سلب» الخطأ شرطاً لعملية العلم، فلا يعدّ العلم علماً ـ  كما أوضح لنا كارل بوبر ـ  إلا إذا كان قابلاً للتنفيذ، يحمل في جوفه بذرة تخطئته، ويرفض كارل بوبر كذلك وضعيّة مدرسة فيينا التي ترفض أن يندرج في نطاق العلم إلا ما يمكن إثباته علمياً. فالعلم في رأيه ليس رهينة الإثبات، بل يتقدم من خلال إقامة الفروض ومداومة نقضها، أو الإثبات بالسلب كما يطلق عليه، ويقصد به إثبات الشيء باستحالة إثبات ما يناقضه. فالمعرفة كما يقول لنا هي وليدة التجربة والخطأ، وخطأ النظرية ـ  كما يقول لنا لاكاتوش ـ  لا يعني بالضرورة رفضها ما إن نكتشف الخطأ، بل يجوز لنا الاحتفاظ بها خاطئةً كما هي، حتى يتم إحلال أخرى صحيحة محلها أو لنقل أقلّ خطأ. بقولٍ آخر: إن النظريات لا يُحكم عليها بميزان الصواب والخطأ، بل ما يهم هو أن نظلّ نبحث عن حقائقٍ جديدةٍ لتعضيدها أو لتقويضها. لقد أثبت تاريخ العلم أن مسار تطوره يتّسم بدرجةٍ عاليةٍ من عدم الخطية، فهو ـ  كما أوضح باشلار، وأوردت يُمنى الخولي ـ  يسير عبر عقبات وقهرها، كلّ عقبةٍ تُقهر تتبعها قطيعةٌ معرفيّةٌ مع الفكر القديم انطلاقاً صوب الجديد، وترى يُمنى الخولي في «سلب» القطيعة المعرفيّة هذا تجسيداً رائعاً وبلورةً متألّقةً لفعل الإنجاز والإبداع وإضافة الجديد والانتقال إلى مرحلة أعلى.

أقول: دعوى الإحاطة الشاملة لم تعد من العلم أصلاً، وما نجهله وما نعلمه وما ننساه وما نستحضره ونجرّبه يؤكّد حاجتنا إلى نور العلم الخالص، كما يفتتح مجالاً للعقل للتعامل مع المُنزل من الآيات كحقائقٍ كونيّةٍ تحتاج إلى إعمال العقل فيها واكتشافها باستمرارٍ في مسيرةٍ تواكب فيها آيات التكوين كتاب التدوين.

أصبحت يد العلم تشير إلى الغيب بعدما كانت قابضةً على العقل بسلطة الحداثة المادية، وهذا ما يسمّى اليوم بالمنظور الجديد للعلم.

ثانياً: العلم في منظوره الجديد.

بكثافةٍ ولطافةٍ يشرح لنا عالمين كبيرين رؤية العلم الجديدة في القرن العشرين بعد تفنيد أخطاء ومحدوديّة النظرة المادية القديمة التي هيمنت على القرن التاسع عشر. روبرت أغروس وجورج ستانسيو يقدمان لنا عصارة أبحاثهم في كتاب «العلم في منظوره الجديد» وهذه خلاصة ما توصّلوا إليه:

حتى الآن ركّزنا في حديثنا على أوجه التضاد بين النظرة العلميّة القديمة والنظرة العلميّة الجديدة في مجالات المادة والعقل والجمال والله وعالم النفس والعالم والماضي. ونحن الآن على استعدادٍ للموازنة بين هاتين النظرتين بوصفهما وحدتين كاملتين. ونتوقع من أيِّ نظرةٍ كونيّةٍ أن تكفل ثلاثة عناصر: الرحابة والوحدة والنور: فمن رحابتها نتوقع أن تحتفظ بوفرة ما نخبره ونحسّ به، ومن وحدتها أن تحقق الانسجام بين الأشياء بطريقةٍ بسيطة، ومن نورها أن يجعلنا نفهم أشياءً هي لولاه غامضة.

وفي كلٍّ من هذه الفئات الثلاث تقصر النظرة القديمة عن النظرة الجديدة. فمن حيث الرحابة تتّسم النظرة القديمة بضيق الأفق، ذاهبة إلى أنه لا سبيل إلى معرفة أيِّ شيءٍ ما خلا المادة وخواصها. وهي تواجه عناءً في التوفيق بين القيم الأخلاقية والجمالية والفكرية والغاية والله. ويشتكي ايرون شرودنغر في كتابه «العقل والمادة» (Mind and Matter) من الصورة الهزيلة التي يقدّمها «عالم العلم». ولكن إذا تدبّرنا كلماته أدركنا أنه إنما يتحدّث عن النظرة القديمة. يقول. «لقد أضحى «عالم العلم» من الإيغال الرهيب في الموضوعيّة بحيث لم يعد يترك مجالاً للعقل ولأحاسيسه المباشرة. وعالمُ العلم مجردٌ من كلِّ ما كان معناه مرتبطاً على وجه الحصر بالذات المتأمّلَة والمدركة والواعية. وأنا أعني بالدرجة الأولى القيم الأخلاقيّة والجمالية، بل أيّ قيمٍ أخرى من أيِّ نوع، أي كلّ ما له صلة بمعنى ونطاق الموضوع بأكمله.

ويوافق روجر سبري على أن ماديّةَ النظرة القديمة ضيّقةُ الأفق قائلاً: «الوعي وحرية الإرادة والقيم، ثلاث شوكاتٍ قديمةٍ العهد في جنب العلم، وقد أثبت العلم المادي عجزه عن معالجتها حتى بصورة مبدئية لا لمجرد كونها عسيرة المركب فحسب، بل لأنّها تتعارض تعارضاً مباشراً مع النماذج الأساسية. ولقد اضطر العلم إلى التخلّي عنها، بل إلى إنكار وجودها، أو إلى القول إنها تقع خارج نطاقه. هذه العناصر الثلاثة تشكّل، عند السواد الأعظم من الناس بالطبع، بعض أهم الأشياء في الحياة. وعندما ينكر العلم أهميتها، بل وجودها، أو يقول إنّها خارج نطاقه، فلا بدّ للمرء من أن يتساءل عن جدوى العلم».

.... أما فيما يتعلّق بالدين فالظاهر أن مستقبل النظرة الجديدة يوحي بالعودة بثقافتنا إلى الإيمان بوجود الله الواحد، وبإعادة التأكيد على الجانب الروحي من طبيعة الإنسان. وأخيراً، وعلى صعيد الفنون، تزيل النظرة الجديدة من علم النفس وعلم الكونيات أسباب النفور والعبثية، مستعيضةً عنهما بالغائيّة والله والجمال والعناصر والروحيّة وكرامة الإنسان. وهكذا نجد للفنون مرةً أخرى ما يستحقّ أن تمجّدَه وللشاعر ما هو جديرٌ بأنشودته: إن الكون هو المكان الطبيعي للإنسان.

 لقد تعمدنا أن نعرض ما توصل إليه العلم بلسان العلماء لأننا لسنا بصدد إثبات أيِّ شيءٍ بل بصدد رصد المسار الطبيعي للفلسفة والعلم، الذي أفضى إلى حاجة الإنسان إلى رؤيةٍ للعلم تتمتع بالرحابة والوحدة والنور كما بيَّنّا في النظرة القرآنية لمعاني وأبعاد العلم.

4_ جرائم السياسة بحق العلم والدين:

إنّنا في المشرق العربي والإسلامي، لم نعرف الحداثة إلّا من خلال الاستعمار في المرحلة الأولى، والأنظمة الاستبدادية في المرحلة الثانية، مما عزّز لدينا الاعتقاد بأن الحداثة هي عبارةٌ عن تنميةٍ في مركزها الغربي، وتخلفٍ في الأطراف. وحتى ثورة المعلومات والاتصالات التي يفترض فيها أن تكسر بعض القيود، رأيناها تخدم نظام العولمة الأمنية وتعميم الصور النمطية المصنّعة هناك.

على المستوى الأمني لا توجد «فجوة رقميّة» بين العرب والغرب، فقد تمكنت الأنظمة من فتح ملفٍ للأجنّة في البطون، وازدهرت كاميرات «الديجيتال» للمراقبة هنا وهناك، وتسببت بمزيدٍ من التهديد للحريات الشخصيّة هناك والمزيد من المصادرة لما تبقى من حريات هنا... ولهذا السبب بالذات أعتقد أن الأمن عندنا يمكنه أن يتطوّر عن الأمن عندهم، بسبب غياب القيود القانونية والمجتمع المدني الفعّال في ديارنا.

يكمن أصل المشكلة في عدم تقديرنا لمعنى السلطة والتقليل من أهميتها دائماً لصالح العلم، والحقّ أنّ العلمَ فشِل في التحوّل إلى سلطة، ولكنّ السلطة نجحت في التحوّل إلى علم.

ساهم المتحمّسون لمواكبة الحداثة في وقوعنا بهذا الفخ، وبِنيّةٍ طيّبةٍ نقلوا لنا علوم الغرب لنتقدم، ولكننا رأينا العلم يزيدنا «قابليةً للاستعمار»، ويفتح شهيتنا على الاستهلاك والتنميط، وفقاً لأجندةٍ سلطويّةٍ تبيّن أنّها كامنةٌ لا في حسِّ المؤامرة بل في آليّة اشتغال العقل الغربي، الذي وعى مبكّراً ضرورة تعزيز الطبيعة النفعيّة للعلم على حساب الطبيعة الإنسانية.

حدثت الثورات العلمية هناك تحت ضغط الحروب الساخنة والباردة، وكان المطلوب من كلِّ نظريّةٍ فيزيائيّةٍ أن تتحوّل إلى قنبلةٍ أو قذيفةٍ أومنظارٍ ليليٍّ أو شبكة تجسّسٍ... ومن تلك البداية تربّعت الفيزياء على عرش العلوم، وما إن بزغ فجر القرن العشرين، حتى توالت الاكتشافات المذهلة، وانفجرت قنبلة الفيزياء فاجتاحت فلسفة العلم، وأخضعت كلّ بحثٍ علميٍّ لنتيجةٍ فيزيائية، يعني للعنف الفيزيائي.

لا شكّ أنّ النزعة الإنسانية التي صبغت الثورات: الإنكليزية والأميركية والفرنسية، كانت من ضحايا ذلك الانفجار، إذ ما معنى أن نتحدث عن قوّةِ القانون في مقابل قوّة المدفع والدبابة والطائرة، اللقاء بين القوتين كان لمصلحة الفيزياء أيضاً فتحوّلت النزعة الإنسانية من دافعٍ حاكمٍ إلى صبغةٍ تُغلّف العنف الفيزيائي بالعنف الرمزي والمصطلح الأخير لبيير بورديو.

بحسب توماس كون: تحدث الثورة العلمية عندما يتغير النموذج الإرشادي الذي يعمل في حقله المجتمع العلمي، وبحسب التاريخ السياسي والعلمي كانت السلطة السياسية هي المحدّد الأساسي للنموذج الإرشادي، بل إن بسط السلطة والسيطرة كان النموذج الإرشادي الوحيد الذي يولّد للعلم نماذجه الإرشاديّة، وخلف الموضوعية البحتة التي تتمتع بها العلوم الطبيعية، كانت أيديولوجيا السلطة هي المحدّد الأساسي للاتجاه الذي يجب أن ينمو فيه العلم.

لا أريد أن أردّد هنا ما قررته: جماعةٌ مرموقةٌ من المفكرين والعلماء في موجة ما بعد الحداثة، أمثال ميشال فوكو وإدوارد سعيد، وبيار بورديو، وجان فرنسوا ليوتار، ونعوم تشومسكي وطلال أسد، وإلى حدٍّ أبعد أرنست غلنر وفريتس شتيبات، ولكن ألفت النظر إلى أهميّة ما قالوه في العلاقة بين العلم والسلطة، والذي يمكن تلخيصه بإيجاز مخلٍّ أحياناً عبر القول: بأن العلم وألعاب اللّغة والسرديات، كلّ ما هو كلمة وكلّ ما هو شيء في الفضاء الغربي، تحوّل مع نمو تجربة الدولة إلى حقلٍ من حقول السلطة، أو بحسب التعبير الأنثروبولوجي الحديث: تحوّل إلى فعاليّةٍ من فعاليات السيطرة، تفسّر آليات اشتغال السلطة.

ويعود هذا الأمر ـ كما أوضح لنا المفكر اللبناني نظير جاهل، والمفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري ـ يعود إلى الارتباط الوثيق بين الحضارة الغربية والتجريد الهيغلي لفكرة الدولة المطلقة التي أصبحت أعلى المقدسات، ثم أن الدولة استغنت عن مشروعيّةٍ مستمدّةٍ من خارجها بفكرة السيادة الدوغمائية المقفلة التي تستمد المشروعية من ذاتها لا من غيرها.

تابع هذا المسار ستجد أن القانون الوضعي يعرّف الدولة بأنها: «التشخيص القانوني لأمة ما.»

وهذا التعريف الذي يختزل الأمة في الدولة، يمهّد لاختزال الأمّة والدولة في السلطة،التي تحوّل الوجود الهيولاني التجريدي للدولة إلى مادّةٍ وصورة، والجهد العلمي المركّز لصياغة نظريات السلطة في الغرب والذي شهد اهتماماً خاصاً وتطوراً لافتاً ناتجٌ في الأصل عن حاجةٍ ملحّةٍ لردم الهوّة بين الدولة ـ الإله وفيزياء السلطة التي تصدم وتغيّر وتقولب.

فليس من الغريب على هذا السياق أن تكلّف السلطة الحاكمة علم الفيزياء بإمامة بقية العلوم ليتمدد تحت اسم هندسة، فتوجد الآن هندسةٌ لغويّةٌ وهندسةٌ وراثيّةٌ وهندسةٌ زراعيةٌ، بالإضافة للهندسة الصناعية والإلكترونية والمدنية والمعمارية والمعدنية والبيئية....وليست المسألة مسألة مؤامرةٍ بقدر ماهي منحى واتّجاه وسياق يفضي بطبيعة نموّه إلى هذه النتائج، وفي كلِّ علمٍ من هذه العلوم يوجد ما يتجاوز تطوير الطبيعة إلى تغيير الطبيعة..

بالمقابل نجد العلم في رحاب القرآن الكريم عمليّة تحريرٍ مستمرةٍ من جاهليّة الأهواء وظلم الطغاة، إنه سلطةٌ قائمةٌ بذاتها تعود إليها وتحتكم عندها كلّ السلطات. ويؤسس الفهم القرآني للعلم لإمامة الثقافة والقيم في كلّ مجالات الحياة، ويشبّه العالِم الخادم للطاغية «بالكلب»، قال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الأعراف: 175 _ 176)... لاحظ «فانسلخ منها» وكأن تلك الآيات ملازمةٌ للحمه ودمه وهويته ووظيفته كإنسانٍ عالمٍ، فما إن «ينسلخ»، منها حتى يتحول إلى «حيوانٍ وفيٍّ للسلطة «يلهث ملبيا خدماتها طلباً للمكانة عندها، وهنا فرق كبير بين أن تنصت إلى صوت الفطرة والطبيعة ويأتي جهدك العلمي ملبياً لهذا النداء الإلهي في الخلق، مهما تعارضت نتائج البحث مع إرادة الحكام، وبين أن تعيش وهم القدرة على إنشاء علومٍ لتغيير الحياة وليس فقط لتطويرها وفقاً لنموذجٍ أيديولوجيٍّ صنعته السلطة ـ القيصر ونفذه العبد ـ العلم.

إنّ القرآن الكريم يقرر في هذه الآية أنّ البعد الإنساني للعلم هو نفسه البعد الإيماني فإذا فقدنا الإيمان بالغيب فقدنا الإنسان، وأصبحنا أسرى الحاجات والأهواء التي تُخضع العلماء لظلم الطغاة. 

5ـ خلاصة:

ـ يبدأ البحث العلمي من الفرضيّة أو الشك ويتقدّم بالشكّ فيما هو قائم، وهكذا يجب أن يبقى وإلا فقد العلم كونه نشاطاً تقدمياً لحلِّ المشكلات، هذا مجاله فليذهب إلى أقصاه من دون عوائق.

ولكن الإيمان يبدأ من اليقين ولا يتركه في الفلسفة الإسلامية إلا ليعود إليه: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (القصص: 85).

منشأ الأزمة في العالم الحديث هو هذا الخلط بين المجالين فمن يطلب من العلم أن يتحوّلَ إلى إيمانٍ يُجمّد العلم ويُزعزع الإيمان، ومن يطلب من الإيمان أن يخضع لسلطة العلم بمعناه التجريبي المعاصر(لا بمعناه القرآني) يُفقد الإيمان أكبر خدمةٍ يقدّمها إلى البشريّة وهي اليقين والإطمئنان، ولذلك يمكن تلخيص أزمة العالم الحديث بأنها أزمةُ يقين. فلا الفلسفة الإيمانية مضت في طريقها كما يجب ولا العلم اكتفى بحدوده العملية بل تسلّحت به السلطة المادية لفرض نفسها على الإيمان.

ـ إنّ أفضل الطرق لتحصين الإيمان هو التعمّق في العلم، وليس الخوف من تقدمه، بل وتحرير العلم من سلطة المؤسسة السياسية التي تمنع أنسنة البحث العلمي لأنه يهدّد أركانها ويفضح تحكمها وسوقها العلم إلى المجالات التي تخدم بسط السيطرة بدل بسط التمكين لكلِّ إنسانٍ والإنسان كله.

ـ إنّ علماء السلاطين لا يمثلون ديناً يبرر ظلم الطغاة بل هم أقلّ من البشر لا إنسانية لهم ولا مشروعية. وآيات الله بريئةٌ منهم انسلخوا عنها فمسخوا دينهم وإنسانيتهم، فهم في صف السلطة وليسوا ممثلا لرسالة الدين عموماً والإسلام خصوصاً. وجهود العلماء الحقيقيين يجب أن تستهدف تحرير الدين والعلم من استخدامات السياسة وهذه الجهود بإمكانها أن تحرّر السياسة نفسها من مفهومها الاستبدادي المعاصر.