العدد 41

العدد 41

رئيس التحرير :

هاشم الميلاني

مدير التحرير :

حسين ابراهيم شمس الدين

 

فهرس المحتويات :

■ علم النفس الضائعة: أزمة المنهجية والماهية

حسين إبراهيم شمس الدين

الملف

■  شبهة الإله بوصفه وهمًا طفوليًّا 

السيد عبد الرؤوف أفضلي، عزّ الدين رضا نجاد

■  أكثر شعوب العالم غرابة؟  

جوزيف هينريك ،  ستيفن ج. هاينه، آرا نورينزايان

■  النَزعة السلوكيّة بين المدرسة النفسيّة والمدرسة الفلسفيّة قراءة نقدية

د. حسن جبريل عبد النعيم

■  أزمة النظرية في علم النفس: كيف نمضي قدمًا

ماركوس إرونن ولورا برينغمان

■  إشكالية الحتمية البيولوجية في تفسير السلوك الإنسانيّ 

د. محمد فاروق حماد جمعه

أبحاث بين مناهجيّة

■  دور الفلسفة الإسلامیة فی نقد علم النفس الحديث وتوجيهه (قراءة منهجيّة مقارنة) 

علي يوسف فقيه

ندوة العدد

■  علم النفس في الفكر الغربي: الجذور والنتائج

ندوة مع  الدكتور محمد ترمس

رسوم بيانية

■  المدارس الرئيسية في علم النفس وأعلامها وأهم أفكارها

مراجعات الكتب

■ كتاب الانفعال: مقدمة قصيرة جدًا

■ كتاب السعادة

ترجمة ملخصات المحتوى بالإنكليزية

 

المبتدأ 

علم النفس الضائعة: أزمة المنهجية والماهية

لا تكاد تنتهي النقاشات المستمرة في أروقة الأكاديميا حول علم النفس حتى تتشعب الإشكالات أكثر فأكثر حول علميّته ومنهجياته وتقنيات البحث فيه، والأسئلة التي تمثل صلب هذه النقاشات اليوم هي أسئلة تمسّ جوهر علم النفس ككيان علمي في أساسه، لا في نظرية هنا أو فكرة هناك، هل النفس بصحتها واعتلالها قابلة للقياس العلمي؟ هل يمكن بناء نظرية حول الأمراض النفسية بمعزل عن معرفتنا المسبقة للصحة النفسية؟ هل تعريف الصحة النفسية أمر يقتضيه البحث النفسي ذاته أم أمر يتم إحالته إلى الفلسفة والانطولوجيا ؟ هل ذاتية الباحث معزولة عن تأويله لنتائج التجارب؟ هل العينات التي يتم قياس التجارب النفسية عليها هي حقًا عيّنات ممثلة للنفس البشرية؟ إلى غير ذلك من الأسئلة.

نجد أنفسنا أمام ضجيج كثرة النظريات من جهة وكثرة الانتقادات والإبطالات التي تتعرض لها نظريات فتيّة من جهة أخرى، كما نجد تصاعد الأصوات المشككة في العينات التي كانت الأساس في ظهور النظريات النفسية، حيث تذكر بعض الدراسات أن أغلب العينات هي من الأشخاص الذين ينتمون لمجتمع له الخصائص التالية:

غربي

صناعي

غني – نوعًا ما-

ديمقراطي

متعلم

وهذا ما يجعل الشك مستحوذًا على مدى مراعاة الباحثين وعلماء النفس شروط تعميم النتائج والنظريات على مجتمعات لا تشتمل على هذه الصفات.

لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يستمر الاضطراب ليشمل تحليل الأبعاد الخفية الفلسفية التي كان يعتقد بها علماء النفس أصحاب النظريات الكبرى ومدى انعكاس هذه الأبعاد في نظرياتهم.

في الفضاء الغربي كتبت العديد من الكتابات التي سلطت الضوء على هذه الأزمة في مجالات متعددة لعلم النفس وفروعه المختلفة، منها كتاب « الأزمة في علم النفس الاجتماعي الحديث» لكاتبه ايان باركر، والذي ذكر فيه أنه في أواخر الستينيات، اندلعت «أزمة» في علم النفس الاجتماعي، حيث انتقد العديد من علماء النفس الاجتماعي بشدة «النموذج القديم»، أي المنهج التجريبي المختبري، ويؤكد أن «الأزمة» لم تنتهِ بعد، مُبينًا كيف فشلت محاولات تطوير علم النفس الاجتماعي.

كما كتب أيضًا دراسات حول « فك الاستعمار عن علم النفس» التي أكدت أنه لا يزال الجزء الأكبر من العمل في علم النفس السائد يعكس ويعزز مصالح أقلية متميزة من الناس في المراكز المزدهرة للنظام العالمي الحديث، وأن هناك عددًا قليلًا من الأصوات النقدية التي تتناول الطابع الاستعماري الأوروبي الأمريكي لعلم النفس، ولا سيما علاقته بعمليات الهيمنة المستمرة التي تُسهّل نمو أقلية متميزة ولكنها تقوّض الاستدامة للأغلبية العالمية.

أمام هذا الواقع، هناك جملة من المبادئ التي تعتبر مؤسسة لأي نظرية تتناول الصحة أو الاعتلال النفسي، وهي مبادئ تشكل الإطار الابستمولوجي والوجودي للبحث:

أولًا: تعريف النفس وبيان قواها

هل يمكن تأسيس علم للنفس يعتني بصحتها ومرضها وأساليب العلاج دون فهم مسبق لطبيعتها وقواها وأبعاد وجودها؟

ذكر المناطقة أن البحث عن احكام أي شيء لا يكون إلا بمعرفة ماهيته وحقيقة ذاته وتمييزها عما يعرض عليها ولا يكون من حقيقتها، وهذا السير الطبيعي لأي بحث علمي ومنطقي، ولذا جعلوا ضمن بحثها أن السؤال عن « هل هو الشيء؟» بعد السؤال بـ«ما هو الشيء؟»، وبغض النظر عن آليات تحديد ماهيتها وقواها، سواء أكان ذلك بسلوك منهج تأملي برهاني أم حضوري وجداني أو من خلال تقنيات التجربة، فإن نفس تعريفها هو المنطلق والمبدأ لتأسيس أي مقاربة في علم النفس، قد يقول قائل بأن وجود النفس بديهي، ولا يحتاج إلى آليات الإثبات، ولكن يبقى أن معرفة الوجود قد لا يستبطن بذاته الكشف عن الماهية، كما أثبت في محله في أمور معلومة الإنية الوجود مجهولة الماهية والذات.

في هذا المجال نجد أن الفكر الإسلامي قدّم تصوره حول النفس- وإن كان لا يخفى وجود آراء واختلافات بينهم في هذا المجال- بحيث بين فيها وجود الأبعاد المتعالية على الوجود المادي، وبالتالي لا بد من إرجاع تحليل سلوكياتها إلى اشتمالها على هذه الجهة، ومراجعة دور الفكر والروح في صحة النفس وسقمها.

ثانيًا: الصحة والمرض

يدور البحث عادة في علم النفس حول صحة النفس واعتلالها، وإن كان في الآونة الأخيرة نشأ تيار يسمى بعلم النفس الإيجابي يوجه سهام نقده إلى المدارس السابقة التي اعتنت بالاعتلال والأمراض مثل الكآبة وغيرها دون وجود إطار محدد للصحة، ولكن هل يمكن تقديم إطار نظري للصحة أو المرض دون وجود رؤية فلسفية سابقة على التجربة تحدد معاييرهما؟ في السابق مثلا كان ينظر إلى مسألة الاضطرابات في الشخصية الجنسية للفرد على أنه نوع من الاعتلال بينما ينظر إليه اليوم من قبل بعض المدارس النفسية على أنه ليس بالضرورة أن يكون كذلك ومن هنا جوزوا أنحاء من الشذوذ والميول الجنسية، وهنا لا نتكلم عن الاختلالات البيولوجية بل عن الميول النفسية دون وجود اضطرابات هرمونية، فما هو معيار الحكم في هذا المجال؟ قد يقال بأن بعضهم جعل الميول بذاتها لها حجية الصحة بمعنى أن الصحة هي ما تميل إليه النفس، وبالتالي إذا كان الميل يحقق الراحة في أمر كالشذوذ فله حجية في تحديد الصحة، ولكن هذا المعيار لا يسلم من النقد فعليًا، لأن الميول خاضعة في الحقيقة لتصور الإنسان حول اللذة والألم، واللذة والألم تابعة لإدراك ومعرفة الملائم والمنافر للشخصية الإنسانية، وكم من لذة متوهمة وكم من ألم متوهم، بمعنى أن الالتذاذ الوهمي ليس له حجية في نفسه على تحقق الصحة الواقعية، إذ قد ترجع إلى نحو من الإضرار بالشخصية الإنسانية في الواقع، كالذي يلتذ بالخمر مثلًا ويكون واقعه الالتذاذ بما يضر قوام وأصل الشخصية الإنسانية.

ثالثًا: السعادة

من المصطلحات المرتبطة بشكل وثيق بمباحث علم النفس وفلسفة علم النفس مصطلح «السعادة» وغيرها من المعاني التي تحتاج لبيان دقيق وإن لم تبيّن سيبقى البحث النفسي في غموض وتحيّر.

السعادة في بعض المصنفات عرفت بلوازمها ونتائجها مثل ما نجده في كتاب السعادة لمؤلفه تيم لوماس حيث عرفها بأنها «تجربة ذهنية حسنة مستحبة»، ولكن إذا أردنا أن نعتمد طريقة التحليل الفلسفي اللغوي لمسألة السعادة فلا نطلق هكذا تعريف عام وغامض، لأن العناصر المؤسسة لمفهوم السعادة تحتوي على عناصر متعددة:

الشعور بالرضا

إدراك الأمور الحقيقية والخيّرة والجميلة

العمل على طبق هذه الامور المدركة

عدم وجود الموانع التي يمكن ان نسميها المنغصات للسعادة

فهذه العناصر إذا اجتمعت أمكن القول بأن الإنسان سعيد، وبغياب عنصر منها لا تتم السعادة، فالذي يدرك مثلا أن ذهابه إلى الحديقة أمر ملائم لطبعه ونافع له ومن ثم يعمل على مقتضى هذا الأمر ولا يزاحمه موانع معينة تحول دون ذهابه سيشعر بالرضا وعندئذ يكون سعيدًا.

ولكن إذا دققنا أكثر نجد أن هذه الأمور مترتبة أيضًا: يقع على رأسها الإدراك ومن ثم العمل ومن ثم عدم الاصطدام بالموانع وأخيرًا الشعور بالرضا. وإذا حللنا المسألة أكثر نجد أن الشعور بالرضا أمر قهري ليس ضمن الاختيار، بحيث إنه نتيجة طبيعية مترتبة على ما يسبقها من مراتب، وكذلك نجد أن الموانع تنقسم إلى قسمين، قسم منها موانع خارجية مثل وجود زحمة سير – في المثال السابق – تمنع الشخص من الوصول إلى الحديقة، وقد تكون الموانع داخلية، مثل وجود ادراكات متعارضة، أو حصول حالات من قبيل التردد والتحير تجاه ما أدركه، وكذلك الموانع بعضها يمكن ازالته ويقع تحت الاختيار وبعضها لا يمكن ازالته، ونصل أخيرًا إلى الادراك، فهذا على مراتب، لأن المدركات الملائمة والخيرة هي اما مدركات متعلقة بعمق النفس والروح وبعضها متعلق بالجسد مثلًا، وهكذا ينشأ لدينا شبكة من العوامل التي تدخل ضمن مؤثرات السعادة يمكن ملاحظتها بما سبق.

هذه الشبكة تعتمد كثيرا على رؤيتنا لحقيقة ما يلائم النفس والجسد وحقيقة التعامل مع الموانع والمنغصات والتعامل مع الواقع التكويني وغير ذلك.

الفلسفة الإسلامية وعلم الاخلاق قدم رؤيته حول الانسان المتعالي المتأله الذي يبني نفسه وبالتالي سعادته وشعره بالرضا انطلاقا من محورية التوحيد والعبودية، وهذا الأمر يعتبر ناظمًا للنظرية العامة حول السعادة لا يمكن تفصيلها في هذا المقام.