العدد 42

العدد 42

رئيس التحرير :

هاشم الميلاني

مدير التحرير :

حسين ابراهيم شمس الدين

 

فهرس المحتويات :

■ نظريات الحرب في الفكر الغربي: أفول القيم المتجدد

حسين إبراهيم شمس الدين

الملف

■ نظرية الحرب الحقوقية والقانونية ومستقبل الحقوق الدولية، هل الحقوق أداة للسلام أو الحرب؟

مصطفى فضائلي ووحيد كوثري

■ دراسة نقدية للرؤية الاخلاقية للنزعة الواقعية في الحرب

أمير غلام علي بور دزفولي وعلي رضا آل بويه

■ حرب إسرائيل العقابية على الفلسطينيين في غزة

كاميلا بويسن

■ نقد لأخلاقيات الحرب في جيش الكيان الاسرائيلي

محمد پاكدامن، أميد شفيعي وروح الله فرهادي

ابحاث بين مناهجية 

■ الاسلام ونظرية الحرب العادلة

الدكتور محمد ليغنهاوزن

ندوة العدد 

■ الإبادة الجماعية : الأمر المشفّر في الحمض النووي لـ «الحضارة» الغربية

كريس هيدجز 

رسوم بيانية

■ أهم نظريات الحرب في الفكر الغربي

مراجعات الكتب 

■ عالم ما بعد أميركا

ترجمة ملخصات المحتوى بالإنكليزية

 

المبتدأ

نظريات الحرب في الفكر الغربي: أفول القيم المتجدد

الحرب في المجتمعات البشرية هي إحدى النتائج المترتبة على التزاحم الناشئ من تضارب الأفكار والمصالح والمنافع وما شاكل، فالحرب هي وجه بارز من أوجه الاختلافات التي تؤدي إلى القتال والتناحر، ولذلك فإن البحث عن مناشئها هو بحث عن الموضع الذي ينشأ منه التفاوت بين الكتل البشرية والمجتمعات والدول والحضارات، فلا معنى للحديث عن فلسفة الحرب قبل البحث عن أسباب الاختلافات التي تتراكم لتصل أعلى حدودها، كما أن الحديث عن مناشئ الحرب هو حديث يلامس غاياتها وأسباب خمودها، لأن كل حركة أيًا كانت لها مبدأ وغاية، عند غايتها تخمد وعند توفر بواعثها تشرع وتبدأ، أما الحديث عن كيفيتها وآلياتها فهو بحث يقع كذلك في إطار مبدأها ومنتهاها، فالغاية والمنشأ هما اللذان يحكمان الآليات، فلا يمكن لشخص يرى في الحرب غاية قيمية مثلًا أن يستخدم آلات للحرب تنقض هذا الغرض، كاستخدام السلاح النووي لمن يرى أن غاية حربه ليست الابادة العرقية على سبيل المثال، بينما من يرى حربه حربًا عرقية فلن يجد أي مشكلة في استخدام ما يسمى جرائم الحرب للتوصل إلى غايات الحرب.

في الفكر الغربي، نجد أن تبدل الصور الحضارية الحاكمة على الفكر كانت الأساس في تغير نظريات الحروب، فالحروب الصليبية على سبيل المثال كانت حروبًا دينية مقدسة، حروبًا تبشيرية عنفية، بشهادة أهل الفكر الغربي، ومع انتقال الفكر إلى محلّ آخر، من العلمنة والليبرالية وغيرها من المفاهيم، انتقل الفكر التنظيري للحروب إلى مبانٍ اخرى تحت مسميات الحرب الديمقراطية – لنشر الديمقراطيات في العالم- والحرب لأجل المنافع الدولية وحرب المصالح المادية والطاقة والبترول وغير ذلك.

ولكن اللافت أن النظريات المتجددة حول الحرب ومشروعيتها كانت مترافقةً أيضًا مع الموقف النظري تجاه القانون الدولي وعلاقته بأصالة القيم والأخلاق، حيث نجد في أبحاث القانون وفلسفته عمومًا بحثًا حيويًا يتعلق بمدى ارتباط مشروعية الحروب بالأصول الأخلاقية، وبمدى كون التقنين مسألة «واقعية» ترتبط بالمصالح الحكومية والدولية أو بمسائل قيمية أخلاقية، وهو سؤال قديم وجديد، فهل آليات التشريع تنظر إلى الأخلاق أو إلى تحقيق المصالح فقط؟

على سبيل المثال، تطالعنا بعض النظريات التي تطلق على نفسها النظرية الواقعية للحرب، حيث تجد أن الحرب بنفسها هي تحرر من الأخلاق، وبالتالي لا يمكن جعل الاطار القيمي متماشيًا مع الحرب، بل الهدف والغاية من الحرب هو تحصيل المصالح للدولة بآلة لا تكون إلا غير أخلاقية وهي الحرب، ومن هنا رفض بعض أصحاب هذه النزعة النقاش الأخلاقي في الحرب، ويقع على طرف نقيض هؤلاء من يسمون أنفسهم بأنصار السلام حيث يرون أن كل حرب غير مبررة أخلاقيًا، وبين هؤلاء من رأى التفصيل فرأوا أن الحرب لا بد أن تكون عادلة، فبعضها مبرر قانونيًا وأخلاقيًا وبعضها ليس كذلك. ثم جرى النقاش حول منظومة القيم التي تبرر العمل العنفي الحربي، وانتقل النقاش من فلسفة الحرب إلى فلسفة الأخلاق الاجتماعية والسياسية، ولعل الجميع اتفق على أن الحرب لأجل الدفاع عن النفس هو أبرز مثال للحرب العادلة، وما سوى هذا الأمر ظل محل نقاش وبحث، إلى درجة تبنى بعضهم الحرب العقابية كحرب عادلة أخلاقية، كما ينظر بعض فلاسفة الحرب لقتل وإبادة السكان الأصليين للقارة الأميركية بحجة أن وجودهم مهدد للقيم والاخلاق العالمية لأنهم « متوحشون» فلا بد من عقابهم ولو دون ارتكابهم أي ذنب! والأمر نفسه نجده في حروب الكيان الصهيوني الاستعماري في الآونة الأخيرة بل في أصل نشأته ككيان عنصري وعرقي.

في التعريفات الحديثة للحرب، نجد أن الفكر الغربي في شتى العلوم الاجتماعية ركز على الأسباب والمناشئ المتعلقة بالدولة والمصالح مقابل أي شيء آخر، مع تغييب واضح لمناشئ ترتبط بتحقيق الظروف الإنسانية للرقي المعنوي والفطري للإنسان، فقد عبر عنها بعضهم بأنها استمرار للسياسة بوسائل أخرى، وبعبارة أخرى احتل تعريف الحرب بأنها تقع في طريق سيرورة تشكل الدولة وبناء الأمة وفصل الأراضي وتوحيدها إلى إيجاد تضامن قومي في وجه أعداء مشتركين وصولًا إلى أشكال التحديث والابتكار المختلفة التي استندت إلى القوة العسكرية المؤثرة، مكانةً محورية مستبعدة بذلك اي حضور قيمي مباشر لإعطاء المشروعية للحرب سوى ما يرتبط بالأبعاد المادية الصرفة.

في المقابل، نجد أن الفكر الإسلامي الأصيل، يتبنى قاعدة الحرب العادلة، ويختلف مع غيره في التفاصيل وفي تطبيق الإطار القيمي لحدود عدالة الحرب وعدم عدالتها، ويمكننا أن نطرح ذلك ضمن نقاط بشكل إجمالي:

أولًا: الحرب في سبيل الله والقيم

تنقسم الأبواب الفقهية في الشريعة الإسلامية على ما ذكره المحقق الحلي وتبعه عليه كثيرون من الفقهاء بعده، إلى أربعة أبواب: العبادات والعقود والإيقاعات والأحكام، فأما العبادات فهي المسائل التي لا يتأتى امتثالها إلا بقصد القربة إلى الله تعالى، وأما العقود والإيقاعات فهي المعاملات التي لا يشترط فيها قصد القرب إلى الله تعالى وكانت تتوقف على لفظ من طرف – إيقاع- كالطلاق مثلًا، أو طرفين – عقد- كالزواج مثلًا، وأما الأحكام فهي المسائل والأبواب التي لا تتوقف على قصد القربة ولا على اللفظ، كأبواب الأطعمة والأشربة والصيد والذباحة وغيرها.

والجهاد الذي هو أحد الأبواب الفقهية المبحوثة تفصيلا في الشريعة الإسلامية، تدخل ضمن العبادات كما نص عليه الفقهاء، فليس الجهاد والحرب كمثل الأطعمة والأشربة من حيث هي مسألة تنبع من ضروريات الحياة فقط، بل هي من الأمور التي يشترط فيها قصد القربة وأن تقع في سبيل الله تعالى، والمعنى العميق لهذا الأمر هو أن القتال والحرب في الإسلام يقع في عمقها مسألة التوحيد وقصد إعلاء كلمة القيم والإلهية والوقوف في وجه الظلم والظالمين والمستكبرين، فهذا كله من العبادات، بخلاف الطعام والشراب الذي هو أمر مرتبط بحيثية مادية وبدنية في الغالب، بل على العكس من ذلك، ما يوحي إليه كون الحرب من العبادات أنها محكومة لمنظومة قيم التوحيد، القيم التي يقع على رأسها رفض عبودية سوى الله تعالى، من المستكبرين وأهل الهيمنة والظلم، وحرب الأنبياء عليهم السلام مع فراعنة زمانهم خير مثال على هذا الأمر، فالقيام ضد الطغيان وتجاوز الحد واستضعاف البشر هو المبدأ المهيمن على نظرية الحرب في الإسلام.

قال الله تعالى ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، حيث تم تأطير الحرب بإطار سبيل الله وهو سبيل القيم الأعلى في الوجود وإطار عدم الاعتداء.

كما قال تعالى ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾، حيث جعل قصد سبيل المستضعفين في طول سبيل الله تعالى، وكأنه من باب البيان بأن القتال في سبيل المستضعفين لا يتعارض مع سبيل اللّه بل يؤيده ويؤكده.

ثانيًا: القيادة القيمية للحرب

القيادة التي تستلم زمام الأمر في الحرب وفق الرؤية الإسلامية هي قيادة الإنسان الكامل الذي هو تجلي الرحمة والقيم، وهو المعصوم سواء أكان نبيًا أم إمامًا، وكذلك في حال غيبة المعصوم وعدم ظهور قيادته الفعلية، فإن القيادة لا تكون إلا لمن تحقق بالعلم والعدالة على المستوى النفسي والقيمي، وهذا الأمر يكشف عن كون خيارات الحرب والسلم لا بد أن تكون خاضعة لسلطة قيمية مرتبطة بالله تعالى.

ثالثًا: رفع موانع العبادة والالتزام بالنظام القيمي التوحيدي

يعرّف الإسلام في متونه الأصلية كالقرآن الكريم التوحيدَ بما يلزمه من لوازم متعددة على المستوى القيمي والتشريعي على أنه القيمة الأعلى لخيارات الجماعة الموحدة المسلمة، وبالتالي فإن خيارات الحرب والدفاع تقع في هذا الإطار وما يخرج عنه لا يكون مبررًا، وبغض النظر عن النقاش المستمر حول خيار الحرب الابتدائية والدفاعية الذي يعد من النقاش الاجتهادية في المؤسسات العلمية الدينية، فإن الحفاظ على الفضاء الحيوي الذي يسمح للمؤمنين بممارسة عبوديتهم التي يكون لها الدور المحوري في ارتقائهم الأخروي والدنيوي هو أساس في خيارات الحرب، وهذا ما يمكن أن يعبر عنه بأن التنازل والصلح على حساب أصل حياة القيم والتوحيد يعد خروجًا عن التوحيد العملي المعاش بين المسلمين. قال العلامة الطباطبائي في مورد هذه الآية: «كونه [أي القتال] في سبيل الله إنما هو لكون الغرض منه إقامة الدين و إعلاء كلمة التوحيد، فهو عبادة يقصد بها وجه الله تعالى دون الاستيلاء على أموال الناس و أعراضهم فإنما هو في الإسلام دفاع يحفظ به حق الإنسانية المشروعة عند الفطرة السليمة».

وقال في مورد آخر: «قال تعالى في ضمن آيات القتال من سورة الأنفال: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَ يُبْطِلَ الْباطِلَ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ، ثم قال تعالى: بعد عدة آيات: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ‏ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ﴾، فسمى الجهاد و القتال الذي يدعى له المؤمنون محييا لهم، و معناه أن القتال سواء كان بعنوان الدفاع عن المسلمين أو عن بيضة الإسلام أو كان قتالا ابتدائيا كل ذلك بالحقيقة دفاع عن حق الإنسانية في حياتها ففي الشرك بالله سبحانه هلاك الإنسانية و موت الفطرة، و في القتال و هو دفاع عن حقها إعادة لحياتها و إحياؤها بعد الموت.».